Al-Biqa'iFatir · 35:9–17

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:9–17

35:9Page 435

وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩

And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.

(p-١٦)ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ لا بُدَّ مِن إيجادِ ما وعَدَ بِهِ؛ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ؛ وحَذَّرَ كُلَّ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ بِأمْرِهِ؛ وأنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُصَدِّقِ بِهِ؛ والمُكَذِّبِ؛ وكانَ السَّبَبُ في الضَّلالِ المُمِيتِ لِلْقُلُوبِ الهَوى؛ الَّذِي يَغْشى سَماءَ العَقْلِ؛ ويَعْلُوهُ بِسَحابِهِ المُظْلِمِ؛ فَيَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النُّفُوذِ؛ وكانَ السَّبَبُ في السَّحابِ المُغَطِّي لِسَماءِ الأرْضِ؛ المُحْيِي لِمَيِّتِ الحُبُوبِ الهَوى؛ وكانَ الإتْيانُ بِهِ في وقْتٍ دُونَ آخَرَ دالًّا عَلى القُدْرَةِ بِالِاخْتِيارِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى جُمْلَةِ ”إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ“؛ المَبْنِيَّ عَلى النَّظَرِ؛ وهو الإخْراجُ مِنَ العَدَمِ؛ مُبَيِّنًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ما وعَدَ بِهِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ لا شَيْءَ غَيْرُهُ؛ مِن طَبِيعَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ ﴿الَّذِي﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الإيجادَ مِنَ العَدَمِ؛ عَبَّرَ بِالماضِي؛ مُسْنِدًا إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ؛ فَقالَ: ﴿أرْسَلَ الرِّياحَ﴾؛ أيْ: أوْجَدَها مِنَ العَدَمِ مُضْطَرِبَةً؛ فِيها أهْلِيَّةُ الِاضْطِرابِ والسَّيْرِ؛ لِيُصَرِّفَها كَيْفَ شاءَ؛ لا ثابِتَةً كالأرْضِ؛ وأسْكَنَها ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ؛ لِصَلاحِ مَكانِ الأرْضِ.

ولَمّا كانَتْ إثارَتُها تَتَجَدَّدُ كُلَّما أرادَ أنْ يَسْقِيَ أرْضًا؛ قالَ - مُسْنِدًا إلى الرِّياحِ؛ لِأنَّها السَّبَبُ؛ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ؛ حِكايَةً لِلْحالِ؛ لِتُسْتَحْضَرَ تِلْكَ الصُّورَةُ البَدِيعَةُ؛ الدّالَّةُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وهَكَذا تَفْعَلُ العَرَبُ فِيما فِيهِ (p-١٧)غَرابَةٌ؛ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِ عَلى ذَلِكَ؛ وحَثًّا لَهُ عَلى تَدَبُّرِهِ؛ وتَصَوُّرِهِ -: ﴿فَتُثِيرُ﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيكِهِ لَها؛ إذا أرادَ؛ ﴿سَحابًا﴾؛ أيْ: إنَّهُ أجْرى - سُبْحانَهُ - سُنَّتَهُ أنْ تَظْهَرَ حِكْمَتُهُ بِالتَّدْرِيجِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ الِاسْتِدْلالُ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ وكانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ يَرُدُّ التَّعَنُّتُ؛ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ؛ ولَمّا كانَ سَوْقُ السَّحابِ إلى بَلَدٍ دُونَ آخَرَ؛ وسَقْيُهُ لِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ؛ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ؛ التَفَتَ عَنِ الغَيْبَةِ؛ وجَعَلَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَسُقْناهُ﴾؛ أيْ: السَّحابَ؛ مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ سَوْقٍ كانَ بَعْدَ إثارَتِها - في الماضِي؛ والمُسْتَقْبَلِ - مِنهُ وحْدَهُ؛ أوْ بِواسِطَةِ مَن أقامَهُ لِذَلِكَ مِن جُنْدِهِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ لا مِن غَيْرِهِ؛ ودَلَّ عَلى أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ البُعْدِ؛ والقُرْبِ؛ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾

ولَمّا كانَ السَّبَبُ في الحَياةِ هو السَّحابَ؛ بِما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الماءِ؛ قالَ: ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ إرْشادَهم إلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ الَّذِي هم بِهِ مُكَذِّبُونَ؛ قالَ - رافِعًا لِلْمَجازِ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ؛ ومُوَضِّحًا كُلَّ الإيضاحِ لِلتَّصْوِيرِ -: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ ولَمّا أوْصَلَ الأمْرَ إلى غايَتِهِ؛ زادَ في التَّنْبِيهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ الثّانِي؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ الإحْياءِ لِمَيِّتِ النَّباتِ؛ ﴿النُّشُورُ﴾؛ حِسًّا لِلْأمْواتِ؛ ومَعْنًى لِلْقُلُوبِ؛ والنَّباتِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: (p-١٨)إذا أرادَ إحْياءَ قَلْبٍ؛ يُرْسِلُ أوَّلًا رِياحَ الرَّجاءِ؛ ويُزْعِجُ بِها كَوامِنَ الإرادَةِ؛ ثُمَّ يُنْشِئُ فِيهِ سَحابَ الِاهْتِياجِ؛ ولَوْعَةَ الِانْزِعاجِ؛ ثُمَّ يَأْتِي مَطَرُ الحَقِّ؛ فَيُنْبِتُ في القَلْبِ أزْهارَ البَسْطِ؛ وأنْوارَ الرُّوحِ؛ ويَطِيبُ لِصاحِبِهِ العَيْشُ؛ إلى أنْ تَتِمَّ لِطائِفُ الأُنْسِ.

35:10Page 435

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠

Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.

ولَمّا قَرَّرَ بِهَذا كُلِّهِ ما أثْبَتَهُ سابِقًا؛ مِن عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى النُّشُورِ؛ فَثَبَتَ أنَّ لَهُ العِزَّةَ في الآخِرَةِ؛ كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ وكانَتْ مُنافَسَةُ النّاسِ - لا سِيَّما الكَفَرَةُ - في العِزَّةِ؛ فَوْقَ مُنافَسَتِهِمْ في الحِكْمَةِ؛ ومَن نافَسَ في الحِكْمَةِ فَإنَّما يُنافِسُ فِيها لِاكْتِسابِ العِزَّةِ؛ وكانَ الكَفَرَةُ إنَّما عَبَدُوا الأوْثانَ لِيَعْتَزُّوا بِها؛ كَما قالَ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]؛ قالَ - مُسْتَنْتِجًا مِن ذَلِكَ -: ﴿مَن كانَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿يُرِيدُ العِزَّةَ﴾؛ أيْ: أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلَيْهِ غَيْرُهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ؛ غالِبًا؛ غَيْرَ مَغْلُوبٍ؛ ﴿فَلِلَّهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿العِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ أيْ: فَلْيَطْلُبْها مِنهُ؛ ولا يَطْلُبْها مِن غَيْرِهِ؛ فَإنَّهُ لا شَيْءَ لِغَيْرِهِ فِيها؛ ومَن طَلَبَ الشَّيْءَ مِن غَيْرِ صاحِبِهِ خابَ؛ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ رَبَّكم يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ: (أنا العَزِيزُ؛ فَمَن أرادَ عِزَّةَ الدّارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ)“». (p-١٩)ولَمّا رَغَّبَ في اقْتِناصِ العِزَّةِ؛ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ لا شَيْءَ فِيها لِغَيْرِهِ؛ دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِها؛ بِشُمُولِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّها إنَّما تُنالُ بِالحِكْمَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾؛ أيْ: الجارِي عَلى قَوانِينِ الشَّرْعِ؛ عَنْ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ؛ وعَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ؛ سَواءٌ كانَ سِرًّا أوْ عَلَنًا؛ لِأنَّهُ عَيْنُ الحِكْمَةِ؛ فَيُعِزُّ صاحِبَهُ؛ ويُثِيبُهُ.

ولَمّا أعْلى رُتْبَةَ القَوْلِ الحَكِيمِ؛ بَيَّنَ أنَّ الفِعْلَ أعْلى مِنهُ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ والقَوْلُ وسِيلَةٌ إلَيْهِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى عُلُوِّهِ بِتَغْيِيرِ السِّياقِ -: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ هو - سُبْحانَهُ - يَتَوَلّى رَفْعَهُ؛ ولِصاحِبِهِ عِنْدَهُ عِزٌّ مَنِيعٌ؛ ونَعِيمٌ مُقِيمٌ؛ وعَمَلُهُ يَفُوزُ؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: العِلْمُ إنَّما يَتِمُّ بِالعَمَلِ؛ كَما قِيلَ: ”العِلْمُ يَهْتِفُ بِالعَمَلِ؛ فَإنْ أجابَ؛ وإلّا ارْتَحَلَ“؛ انْتَهى؛ وقَدْ قِيلَ:

؎لا تَرْضَ مِن رَجُلٍ حَلاوَةَ قَوْلِهِ ∗∗∗ حَتّى يُصَدِّقَ ما يَقُولُ فِعالُ

؎فَإذا وزَنْتَ مَقالَهُ بِفِعالِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ فَتَوازَنا فَإخاءُ ذاكَ جَمالُ

ولَمّا بَيَّنَ ما يُحَصِّلُ العِزَّةَ مِنَ الحِكْمَةِ؛ بَيَّنَ ما يُكْسِبُ الذِّلَّةَ؛ ويُوجِبُ النِّقْمَةَ؛ مِن رَدِيءِ الهِمَّةِ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾؛ أيْ: يَعْمَلُونَ عَلى وجْهِ (p-٢٠)السَّتْرِ المَكْراتِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾؛ أيْ: يَسْتُرُونَ قُصُودَهم بِها؛ لِيُوقِعُوها بَغْتَةً؛ ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾؛ كَما أرادُوا بِغَيْرِهِمْ ذَلِكَ؛ ولا يَصْعَدُ مَكْرُهم إلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ ولا يَرْفَعُهُ هُوَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أهْلِيَّةُ ذَلِكَ؛ لِمُنافاتِهِ الحِكْمَةَ؛ ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِن مَكْرِهِمْ مُوجِبًا لِتَعَرُّفِ حالِهِ؛ هَلْ أفادَهم شَيْئًا؟ أخْبَرَ أنَّهُ أهْلَكَهُ بِعِزَّتِهِ؛ ودَمَّرَهُ بِحِكْمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءِ مِنَ الفَلاحِ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ دُونَ مَكْرِ مَن يُرِيدُ بِمَكْرِهِ الخَيْرَ؛ فَإنَّ اللَّهَ يُنْفِذُهُ ويُعْلِي أمْرَهُ؛ ويَجْعَلُ لَهُ العاقِبَةَ؛ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]؛ كَما أخْرَجَكم أيُّها الأوْلِياءُ مِن بُيُوتِكُمْ؛ لِأجْلِ العِيرِ؛ فَأخْرَجَ الأعْداءَ مِن بُيُوتِهِمْ؛ فَوَضَعَهم في قَلِيبِ ”بَدْرٍ“؛ ﴿يَبُورُ﴾؛ أيْ: يَكْسُدُ؛ ويَفْسَدُ؛ ويَهْلِكُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى شُمُولِ عِلْمِهِ لِلْخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ مِنَ القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ الخَفِيِّ؛ والجَلِيِّ؛ وتَمامِ قُدْرَتِهِ؛ وذَلِكَ مَعْنى ”العِزَّةُ“؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ ما لِصاحِبِ العَمَلِ الصّالِحِ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ ما لِعامِلِ السَّيِّئِ؛ وحَذَفَ وضْعَهُ المَكْرَ السَّيِّئَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِرَفْعِهِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.

35:11Page 435

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١

And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما صَيَّرَهم إلَيْهِ مِنَ المُفاوَتَةِ في الأخْلاقِ؛ أتْبَعَهُ (p-٢١)ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَحْدَةِ في جِنْسِ الأصْلِ؛ وأصْلُهُ التُّرابُ المَسْلُولُ مِنهُ الماءُ؛ بَعْدَ تَخْمِيرِهِ فِيهِ؛ وإنِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُهُ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِبَعْضِ آياتِ الأنْفُسِ؛ عاطِفًا عَلى ما عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩] الَّذِي هو مِن آياتِ الآفاقِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى التَّمْيِيزِ بَعْدَ شَدِيدِ المَزْجِ؛ وأنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ؛ مِنَ الأرْزاقِ؛ والآجالِ؛ والمَصائِبِ؛ والأفْراحِ؛ فَلا ثَمَرَةَ لِلْمَكْرِ إلّا ما يَلْحَقُ الماكِرَ مِنَ الحَرَجِ؛ والعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ؛ والضَّرَرِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا لَمْ يَدَعْ حاجَةً إلى الحَصْرِ؛ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾؛ أيْ: مِثْلِيٍّ؛ وإنِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُهُ؛ بِتَكْوِينِ أبِيكم مِنهُ؛ فَمَزَجَهُ مَزْجًا لا يُمْكِنُ لِغَيْرِهِ تَمْيِيزُهُ؛ ثُمَّ أحالَهُ عَنْ ذَلِكَ الجَوْهَرِ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمانِ؛ والرُّتْبَةِ؛ خَلَقَكم ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾؛ أيْ: جَعَلَها أصْلًا ثانِيًا مِثْلِيًّا مِن ذَلِكَ الأصْلِ التُّرابِيِّ؛ أشَدَّ امْتِزاجًا مِنهُ؛ ثُمَّ بَعْدَ إنْهاءِ التَّدْبِيرِ زَمانًا؛ ورُتْبَةً؛ إلى النُّطْفَةِ؛ الَّتِي لا مُناسَبَةَ بَيْنَها وبَيْنَ التُّرابِ؛ دَلالَةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾؛ بَيْنَ ذُكُورٍ؛ وإناثٍ؛ دَلالَةً هي أظْهَرُ مِمّا قَبْلَها عَلى الِاخْتِيارِ؛ وكَذِبِ أهْلِ (p-٢٢)الطَّبائِعِ؛ وعَلى البَعْثِ؛ بِتَمْيِيزِ ما يَصْلُحُ مِنَ التُّرابِ لِلذُّكُورَةِ؛ والأُنُوثَةِ.

ولَمّا كانَ الحَمْلُ أيْضًا مُكَذِّبًا لِأهْلِ الطَّبائِعِ؛ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن كُلِّ جِماعٍ؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلَيْهِمْ؛ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِقُدْرَتِهِ -: ﴿وما تَحْمِلُ﴾؛ أيْ: في البَطْنِ؛ بِالحَبَلِ؛ ﴿مِن أُنْثى﴾؛ دالًّا بِالجارِّ عَلى كَمالِ الِاسْتِغْراقِ؛ ولَمّا كانَ الوَضْعُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ كُلَّما حُمِلَ بِهِ؛ قالَ: ﴿ولا تَضَعُ﴾؛ أيْ: حَمْلًا؛ ﴿إلا﴾؛ مَصْحُوبًا؛ ﴿بِعِلْمِهِ﴾؛ في وقْتِهِ؛ ونَوْعِهِ؛ وشَكْلِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ؛ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ حَتّى عَنْ أُمِّهِ الَّتِي هي أقْرَبُ إلَيْهِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا بِقُدْرَتِهِ؛ فَما شاءَ أتَمَّهُ؛ وما شاءَ أخْرَجَهُ.

ولَمّا كانَ ما بَعْدَ الوِلادَةِ أيْضًا دالًّا عَلى الِاخْتِيارِ؛ لِتَفاضُلِهِمْ في الأعْمارِ؛ مَعَ تَماثُلِهِمْ في الحَقِيقَةِ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - دالًّا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى سُهُولَةِ الأمْرِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ وأنَّ التَّعْمِيرَ والنَّقْصَ هو المَقْصُودُ بِالإسْنادِ -: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾؛ أيْ: يُزادُ في عُمْرِ مَن طالَ عُمُرُهُ؛ أيْ صارَ إلى طُولِ العُمُرِ بِالفِعْلِ حِسًّا؛ قالَ قَتادَةُ: ”سِتِّينَ“؛ أوْ مَعْنًى؛ بِزِيادَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ؛ زِيادَةً لَوْلاها لَكانَ عُمُرُهُ أقْصَرَ مِمّا وصَلَ إلَيْهِ؛ ﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾؛ أيْ: المُعَمَّرِ؛ بِالقُوَّةِ؛ وهو الَّذِي كانَ قابِلًا في العادَةِ لِطُولِ العُمُرِ؛ فَلَمْ يُعَمَّرْ بِنَقْصِ الفاعِلِ المُخْتارِ؛ نَقْصًا لَوْلاهُ لَطالَ عُمُرُهُ؛ فالمُعَمَّرُ المَذْكُورُ؛ المُرادُ بِهِ الفِعْلُ؛ (p-٢٣)والَّذِي عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ؛ المُعَمَّرُ بِالقُوَّةِ؛ فَهو مِن بَدِيعِ الِاسْتِخْدامِ؛ ولَوْ كانَ التَّعْبِيرُ بِـ ”أحَدٍ“؛ لَما صَحَّ هَذا المَعْنى؛ وقِراءَةُ يَعْقُوبَ - بِخِلافٍ - عَنْ رُوَيْسٍ؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ القافِ؛ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ تُشِيرُ إلى أنَّ قِصَرَ العُمُرِ أكْثَرُ.

ولَمّا كانَ في سِياقِ العِلْمِ؛ وكانَ أضْبَطُهُ في مَجارِي عاداتِنا ما كُتِبَ؛ قالَ: ﴿إلا في كِتابٍ﴾؛ مَكْتُوبٍ فِيهِ: ”عُمُرُ فُلانٍ كَذا؛ وعُمُرُ فُلانٍ كَذا؛ وكَذا عُمُرُ فُلانٍ كَذا إنْ عَمِلَ كَذا؛ وعُمُرُهُ كَذا - أزْيَدُ أوْ أنْقَصُ - إنْ لَمْ يَعْمَلْهُ“ .

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا لا يُحِيطُ بِهِ العَدُّ؛ ولا يَحْصُرُهُ الحَدُّ؛ فَكانَ في عِدادِ ما يُنْكِرُهُ الجَهَلَةُ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِسُهُولَتِهِ -: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ؛ مِن كَتْبِ الآجالِ كُلِّها؛ وتَقْدِيرِها؛ والإحاطَةِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزَّةِ؛ فَهو يَغْلِبُ كُلُّ ما يُرِيدُهُ؛ خاصَّةً؛ ﴿يَسِيرٌ﴾

35:12Page 436

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢

And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحَدَ أُصْلَيْهِمُ؛ التُّرابَ المُخْتَلِفَ الأصْنافِ؛ ذَكَرَ الأصْلَ الآخَرَ؛ الماءَ الَّذِي هو أشَدُّ امْتِزاجًا مِنَ التُّرابِ؛ ذاكِرًا اخْتِلافَ صِنْفَيْهِ اللَّذَيْنِ يَتَفَرَّعانِ إلى أصْنافٍ كَثِيرَةٍ؛ مُنَبِّهًا عَلى فِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ ومُنْكِرًا عَلى مَن سَوّى بَيْنَهُ - سُبْحانَهُ - وبَيْنَ شَيْءٍ؛ حَتّى أشْرَكَهُ بِهِ؛ مَعَ المُباعَدَةِ؛ الَّتِي (p-٢٤)لا شَيْءَ بَعْدَها؛ والحالُ أنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ لِمُباعَدَةٍ ما؛ فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى الحُلْوِ -: ﴿هَذا عَذْبٌ﴾؛ أيْ: طَيِّبٌ؛ حُلْوٌ؛ لَذِيذٌ؛ مُلائِمٌ لِلطَّبْعِ؛ ﴿فُراتٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العُذُوبَةِ؛ ﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾؛ أيْ: هَنِيءٌ؛ مَرِيءٌ؛ بِحَيْثُ إذا شُرِبَ جازَ في الحَلْقِ؛ ولَمْ يَتَوَقَّفْ؛ بَلْ يَسْهُلُ إدْخالُهُ فِيهِ؛ وابْتِلاعُهُ؛ لِما لَهُ مِنَ اللَّذَّةِ والمُلاءَمَةِ لِلطَّبْعِ؛ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾؛ أيْ: جَمَعَ إلى المُلُوحَةِ المَرارَةَ؛ فَلا يَسُوغُ شَرابُهُ؛ بَلْ لَوْ شُرِبَ لَآلَمَ الحَلْقَ؛ وأجَّجَ في البَطْنِ ما هو كالنّارِ؛ والمُرادُ أنَّهُ مَيَّزَهُما - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَمْعِهِما في ظاهِرِ الأرْضِ وباطِنِها؛ ولَمْ يَدَعْ أحَدَهُما يَبْغِي عَلى الآخَرِ؛ بَلْ إذا حُفِرَ عَلى جانِبِ البَحْرِ المِلْحِ ظَهَرَ الماءُ عَذْبًا فُراتًا؛ عَلى مِقْدارِ صَلاحِ الأرْضِ؛ وفَسادِها.

ولَمّا كانَ المِلْحُ مُتَعَذِّرًا عَلى الآدَمِيِّ شُرْبُهُ؛ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ فِيهِ ما حَياتُهُ بِهِ؛ مُساوِيًا في ذَلِكَ لِلْعَذْبِ؛ فَقالَ: ﴿ومِن كُلٍّ﴾؛ أيْ: مِنَ المِلْحِ؛ والعَذْبِ؛ ﴿تَأْكُلُونَ﴾؛ مِنَ السَّمَكِ المُنَوَّعِ إلى أنْواعٍ تَفُوتُ الحَصْرَ؛ وغَيْرِ السَّمَكِ؛ ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾؛ أيْ: شَهِيَّ المَطْعَمِ؛ ولَمْ يَضُرَّ ما بِالمِلْحِ ما تَعْرِفُونَ مِن أصْلِهِ؛ ولا زادَ في لَذَّةِ ما بِالحُلْوِ مُلاءَمَتُهُ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ (p-٢٥)مِن مَتاعِهِ ما هو غايَةٌ في اللِّينِ؛ أتْبَعَهُ مِن ذَلِكَ ما هو غايَةٌ في الصَّلابَةِ؛ فَقالَ: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ﴾؛ أيْ: تَطْلُبُونَ أنْ تُخْرِجُوا مِنَ المِلْحِ؛ دُونَ العَذْبِ؛ وتُوجِدُونَ ذَلِكَ لِلْإخْراجِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وقِيلَ: نُسِبَ اللُّؤْلُؤُ إلَيْهِما لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في البَحْرِ المِلْحِ عُيُونٌ عَذْبَةٌ تَمْتَزِجُ بِهِ؛ فَيَكُونُ اللُّؤْلُؤُ مِن ذَلِكَ؛ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾؛ أيْ: نِساؤُكُمْ؛ مِنَ الجَواهِرِ؛ الدُّرِّ؛ والمَرْجانِ؛ وغَيْرِهِما؛ فَما قَضى بِرَخاوَةِ ذَلِكَ؛ وصَلابَةِ هَذا؛ مَعَ تَوَلُّدِهِما مِنهُ؛ إلّا الفاعِلُ المُخْتارُ.

ولَمّا كانَ الأكْلُ والِاسْتِخْراجُ مِنَ المَنافِعِ العامَّةِ؛ عَمَّ بِالخِطابِ؛ ولَمّا كانَ اسْتِقْرارُ شَيْءٍ في البَحْرِ دُونَ غَرَقٍ أمْرًا غَرِيبًا؛ لَكِنَّهُ صارَ لِشِدَّةِ إلْفِهِ لا يَقُومُ بِإدْراكِ أنَّهُ مِن أكْبَرِ الآياتِ دَلالَةً عَلى القادِرِ المُخْتارِ إلّا أهْلُ البَصائِرِ؛ خَصَّ بِالخِطابِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرى الفُلْكَ﴾؛ أيْ: السُّفُنَ؛ تُسَمّى ”فُلْكًا“؛ لِدَوَرانِهِ؛ و”سَفِينَةً“ لِقَشْرِهِ الماءَ؛ وقَدَّمَ الظَّرْفَ لِأنَّهُ أشَدُّ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: كُلٍّ مِنهُما؛ غاطِسَةً إلّا قَلِيلًا مِنها؛ ولَمّا تَمَّ الكَلامُ؛ ذَكَرَ حالَها المُعَلَّلَ بِالِابْتِغاءِ؛ فَقالَ: ﴿مَواخِرَ﴾ (p-٢٦)أيْ: جَوارِيَ؛ مُسْتَدْبِرَةً الرِّيحَ؛ شاقَّةً لِلْماءِ؛ خارِقَةً لِلْهَواءِ بِصَدْرِها؛ هَذِهِ مُقْبِلَةٌ؛ وهَذِهِ مُدْبِرَةٌ؛ وجْهُها إلى ظَهْرِ هَذِهِ؛ بِرِيحٍ واحِدَةٍ؛ قالَ البُخارِيُّ؛ في بابِ التِّجارَةِ في البَحْرِ: وقالَ مُجاهِدٌ: تَمْخُرُ السُّفُنُ الرِّيحَ؛ ولا تَمْخُرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إلّا الفُلْكُ العِظامُ؛ وقالَ صاحِبُ القامُوسِ: ”مَخَرَتِ السَّفِينَةُ - كَـ مَنَعَ“ - مَخْرًا ومُخُورًا”: جَرَتْ؛ أوِ اسْتَقْبَلَتِ الرِّيحَ في جَرْيَتِها؛ و“الفُلْكُ المَواخِرُ”؛ الَّتِي يُسْمَعُ صَوْتُ جَرْيِها؛ أوْ تَشُقُّ الماءَ بِجَآجِئِها؛ أوِ المُقْبِلَةُ والمُدْبِرَةُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ؛ وفي الحَدِيثِ: «“إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرِ الرِّيحَ”؛» وفي لَفْظٍ:“اسْتَمْخِرُوا الرِّيحَ”؛ أيْ: اجْعَلُوا ظُهُورَكم إلى الرِّيحِ؛ فَإنَّهُ إذا ولّاها شَقَّها بِظَهْرِهِ؛ فَأخَذَتْ عَنْ يَمِينِهِ ويَسارِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ اسْتِقْبالُها تَمَخُّرًا؛ غَيْرَ أنَّهُ في الحَدِيثِ اسْتِدْبارٌ؛ انْتَهى كَلامُ القامُوسِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ بِالمَخْرِ - مُعَلِّلًا - قَوْلَهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا طَلَبًا شَدِيدًا؛ ولَمّا تَقَدَّمَ الِاسْمُ الأعْظَمُ في الآيَةِ قَبْلَها؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ؛ لِيُعْلَمَ شِدَّةُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها؛ فَقالَ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: اللَّهِ؛ بِالتَّوَصُّلِ بِذَلِكَ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ؛ لِلْمَتاجِرِ؛ وغَيْرِها؛ ولَوْ جَعَلَها ساكِنَةً لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْها ذَلِكَ؛ وفي سُورَةِ“الجاثِيَةِ"؛ ما يَنْفَعُ هُنا؛ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: ولِتَكُونَ حالُكم بِهَذِهِ (p-٢٧)النِّعَمِ - الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ؛ ولُطْفِهِ - حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهُ.

35:13Page 436

يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣

He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اخْتِلافَ الذَّواتِ؛ الدّالَّ عَلى بَدِيعِ صُنْعِهِ؛ أتْبَعَهُ تَغْيِيرَهُ المَعانِي؛ آيَةً عَلى بَلِيغِ قُدْرَتِهِ؛ فَقالَ - في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ”خَلَقَكُمْ“؛ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) صَوَّرَ آدَمَ حِينَ خَلَقَ الأرْضَ؛ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَيْلٌ؛ أوْ نَهارٌ؛ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ آخِرَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ بَعْدَ أنْ خَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ فَلَمْ يَأْتِ عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ - وهو مِقْدارُ حَرَكَةِ الفَلَكِ - إلّا وهو شَيْءٌ مَذْكُورٌ -: ﴿يُولِجُ﴾؛ أيْ: يُدْخِلُ؛ عَلى سَبِيلِ الجَوَلانِ؛ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾؛ فَيَصِيرُ الظَّلامُ ضِياءً.

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ في غايَةِ الإعْجابِ؛ وكانَ لِكَثْرَةِ تَكْرارِهِ قَدْ صارَ مَأْلُوفًا؛ فَغُفِلَ عَمّا فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِإعادَةِ الفِعْلِ؛ فَقالَ: ﴿ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾؛ فَيَصِيرُ ما كانَ ضِياءً ظَلامًا؛ وتارَةً يَكُونُ التَّوالُجُ بِقِصَرِ هَذا؛ وطُولِ هَذا؛ فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ (تَعالى) فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ.

ولَمّا ذَكَرَ المَلَوَيْنِ؛ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُما؛ فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿يَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ تَمامَ القُدْرَةِ؛ والسِّياقُ هُنا لِقَسْرِ المُتَنافِراتِ عَلى ما يَزِيدُ؛ (p-٢٨)ولِذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِالمُلْكِ؛ النّاظِرِ إلى القَسْرِ؛ والقَهْرِ؛ لَمْ يَصْلُحْ لِهَذا المَوْضِعِ حَرْفُ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿لأجَلٍ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ أجَلٍ؛ ﴿مُسَمًّى﴾؛ مَضْرُوبٍ لَهُ؛ لا يَقْدِرُ أنْ يَتَعَدّاهُ؛ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ غَرَبَ؛ هَكَذا كُلُّ يَوْمٍ؛ إلى أنْ يَأْتِيَ الأجَلُ الأعْظَمُ؛ فَيَخْتَلُّ جَمِيعُ هَذا النِّظامِ؛ بِأمْرِ المَلِكِ العَلّامِ؛ ويُقِيمُ النّاسَ لِيَوْمِ الزِّحامِ؛ وتَكُونُ الأُمُورُ العِظامُ.

ولَمّا دَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى أنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ؛ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ؛ بِما يُشاهِدُهُ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ وخَتَمَ بِما تَتَكَرَّرُ مُشاهَدَتُهُ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا قَوْلَهُ - مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ؛ ومِيمِ الجَمْعِ -: ﴿ذَلِكُمُ﴾؛ أيْ: العالِي المِقْدارِ؛ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ؛ ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى أنَّهُ لا مُدَبِّرَ لَهم سِواهُ؛ بِخَبَرٍ آخَرَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُوجِدُ لَكم مِنَ العَدَمِ؛ المُرَبِّي بِجَمِيعِ النِّعَمِ؛ لا رَبَّ لَكم سِواهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿المُلْكُ﴾؛ أيْ: كُلُّهُ؛ وهو مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ وكُلِّ شَيْءٍ؛ فَهو دُونَهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿ما يَمْلِكُونَ﴾؛ أيْ: في هَذا الحالِ الَّذِي تَدْعُونَهم فِيهِ؛ وكُلِّ حالٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ لَكم هَذا الكَلامُ؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ: ﴿مِن قِطْمِيرٍ﴾؛ وهُوَ؛ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ (p-٢٩)لِفافَةُ النَّواةِ؛ وهي القِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ؛ المُلْتَفَّةُ عَلَيْها؛ كِنايَةً عَنْ أدْنى الأشْياءِ؛ فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ؛ ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ المُلْكِ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ المُلْكَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا؛ وعَدَمَ المُلْكِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا؛

35:14Page 436

إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤

If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].

ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أيْ: المَعْبُوداتِ مِن دُونِهِ؛ دُعاءَ عِبادَةٍ؛ أوِ اسْتِغاثَةٍ؛ ﴿لا يَسْمَعُوا﴾؛ أيْ: بِحِسِّ السَّمْعِ؛ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿دُعاءَكُمْ﴾؛ لِأنَّهم جَمادٌ؛ ﴿ولَوْ سَمِعُوا﴾؛ في المُسْتَقْبَلِ؛ ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾؛ لِأنَّهم إذْ ذاكَ يَعْلَمُونَ أنَّ إجابَتَكم لا تُرْضِي اللَّهَ؛ وهم مِمّا أبى أنْ يَحْمِلَ الأمانَةَ؛ ويَخُونَ فِيها؛ بِالعَمَلِ بِغَيْرِ ما يُرْضِي اللَّهَ - سُبْحانَهُ -؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ يُوجَدُ لَهم سَمْعٌ؛ أوْ: ولَوْ كانُوا سامِعِينَ - لِيَدْخُلَ فِيهِ مَن عُبِدَ مِنَ الأحْياءِ - ما لَزِمَ مِنَ السَّماعِ إجابَةٌ؛ لِأنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ السَّمْعِ؛ والنُّطْقِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ما يُرادُ مِنَ السّامِعِ؛ فَإنَّ البَهائِمَ تَسْمَعُ؛ وتُجِيبُ؛ والمُجِيبُونَ غَيْرُهُ يُجِيبُونَ ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى أكْثَرِ ما يُطْلَبُ مِنهم.

ولَمّا ذَكَرَ ما هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ؛ ذَكَرَ ما يَصِيرُ إلَيْهِ بَيْنَهم وبَيْنَهُمُ الأمْرُ؛ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: حِينِ يُنْطِقُهُمُ اللَّهُ (p-٣٠)﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾؛ أيْ: يُنْكِرُونَهُ؛ ويَتَبَرَّؤُونَ مِنهُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: قَدْ أنْبَأكم بِذَلِكَ الخَبِيرُ؛ وكانُوا لا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ؛ ولا يَفْهَمُونَهُ حَقَّ فَهْمِهِ؛ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ؛ صَرَفَ الخِطابَ عَنْهم إلى مَن لَهُ الفَهْمُ التّامُّ؛ والطّاعَةُ الكامِلَةُ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى هَذا الَّذِي هَدى إلى تَقْدِيرِهِ السِّياقُ -: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ﴾؛ أيْ: إنْباءً بَلِيغًا عَظِيمًا؛ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾؛ أيْ: بالِغِ الخَبْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ الطَّعْنُ في شَيْءٍ مِمّا أخْبَرَ بِهِ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَلا يُخْبِرُ خَبَرًا إلّا يُوَجَّهُ إلَيْهِ نَقْصٌ.

35:15Page 436

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥

O mankind, you are those in need of Allāh, while Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

ولَمّا اخْتَصَّ - سُبْحانَهُ - بِالمُلْكِ؛ ونَفى عَنْ شُرَكائِهِمُ النَّفْعَ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿أنْتُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الفُقَراءُ﴾؛ أيْ: لِأنَّكم لِاتِّساعِ مَعارِفِكُمْ؛ وسَرَيانِ أفْكارِكُمْ؛ وانْتِشارِ عُقُولِكُمْ؛ تَكْثُرُ نَوازِعُكُمْ؛ وتَتَفَرَّقُ دَواعِيكُمْ؛ فَيَعْظُمُ احْتِياجُكُمْ؛ لِشِدَّةِ ضَعْفِكُمْ؛ وعَجْزِكُمْ؛ عِظَمًا يُعَدُّ مَعَهُ احْتِياجُ غَيْرِكم عَدَمًا؛ ولَوْ نُكِّرَ الخَبَرُ لَمْ يُفِدْ هَذا المَعْنى؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: والفَقْرُ عَلى ضَرْبَيْنِ: فَقْرُ خِلْقَةٍ؛ وفَقْرُ صِفَةٍ؛ فالأوَّلُ عامٌّ؛ فَكُلُّ حادِثٍ مُفْتَقِرٌ إلى خالِقِهِ في أوَّلِ حالِ وُجُودِهِ؛ لِيُبْدِيَهُ؛ ويُنْشِيَهُ؛ وفي ثانِيهِ؛ لِيُدِيمَهُ؛ ويُبْقِيَهُ؛ وأمّا فَقْرُ الصِّفَةِ فَهو التَّجَرُّدُ؛ فَفَقْرُ العَوامِّ التَّجَرُّدُ مِنَ المالِ؛ وفَقْرُ الخَواصِّ التَّجَرُّدُ مِنَ (p-٣١)الإعْلالِ؛ فَحَقِيقَةُ الفَقْرِ المَحْمُودِ تَجَرُّدُ السِّرِّ عَنِ المَعْلُولاتِ.

ولَمّا ذَكَّرَ العَبْدَ بِوَصْفِهِ الحَقِيقِيِّ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرَ الخالِقِ؛ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ؛ عَلى قُرْبِ العَهْدِ بِذِكْرِ الإشارَةِ إلى الجِهَةِ الَّتِي بِها وُصِفَ بِما يُذْكَرُ؛ وهي الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الغَنِيُّ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَحْتاجَ؛ لا إلَيْكُمْ؛ ولا إلى عِبادَتِكُمْ؛ ولا إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ الغَنِيُّ مِنَ الخَلْقِ لا يَسَعُ غِناهُ مَن يَقْصِدُهُ؛ وإنْ وسِعَهم لَمْ يَسَعْهم عَطاؤُهُ؛ لِخَوْفِ الفَقْرِ؛ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَوارِضِ؛ ولا يُمَكِّنُهُ عُمُومُ النِّعْمَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ فَلا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ ذَمٍّ؛ وكانَ الحَمْدُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ؛ في شَرْحِ الأسْماءِ: حُسْنُ الكُلِّيَّةِ بِانْتِهاءِ كُلِّ أمْرٍ؛ وجُزْءٍ؛ وبَعْضٌ مِنها إلى غايَةِ تَمامِهِ؛ فَمَتى نَقَصَ جُزْءٌ مِن كُلٍّ عَنْ غايَةِ تَمامِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الكُلُّ مَحْمُودًا؛ ولَمْ يَكُنْ قائِمُهُ حَمِيدًا؛ وكانَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَما يَنْبَغِي؛ لَمْ يُعَجِّلْ شَيْئًا عَنْ إناهُ وقَدْرِهِ؛ وكانَ الذَّمُّ اسْتِنْقاضًا يَلْحَقُ بَعْضَ الأجْزاءِ عِنْدَ مَن لَمْ يَرَها في كُلِّها؛ ولا رَأى كُلَّها؛ فَكانَ الذَّمُّ لِذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا مُتَقَيَّدًا؛ مَتّى أُخِذَ مُقْتَطَعًا مِن كُلٍّ؛ والحَمْدُ لا يَقَعُ إلّا في كُلٍّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ شَيْءٌ؛ فَلا حَمْدَ في بَعْضٍ؛ ولا ذَمَّ في كُلٍّ؛ ولا حَمْدَ إلّا في كُلٍّ؛ ولِذَلِكَ قالَ الغَزالِيُّ: الحَمِيدُ مِنَ العِبادِ مَن حُمِدَتْ عَوائِدُهُ وأخْلاقُهُ وأعْمالُهُ كُلُّها؛ مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ.

وكانَ - سُبْحانَهُ - (p-٣٢)قَدْ أفاضَ نِعَمَهُ عَلى خَلْقِهِ؛ وأسْبَغَها ظاهِرَةً؛ وباطِنَةً؛ وجَعَلَ لَهم قُدْرَةً عَلى تَناوُلِها؛ لا يَعُوقُ عَنْهُ إلّا قُدْرَتُهُ: ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]؛ وكانَ لا يَنْقُصُ ما عِنْدَهُ؛ كانَ إعْطاؤُهُ حَمْدًا؛ ومَنعُهُ حَمْدًا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مانِعًا لِغَرَضٍ؛ بَلْ لِحِكْمَةٍ تَدِقُّ عَنِ الأفْكارِ؛ فَقالَ: ﴿الحَمِيدُ﴾؛ أيْ: كُلُّ شَيْءٍ بِنِعْمَتِهِ عِنْدَهُ؛ والمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا تَهْدِيدًا لِمَن عَصاهُ؛ وتَحْذِيرًا شَدِيدًا:

35:16Page 436

إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦

If He wills, He can do away with you and bring forth a new creation.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أيْ: جَمِيعًا؛ ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أيْ: غَيْرِكُمْ؛ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛

35:17Page 436

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ١٧

And that is for Allāh not difficult.

﴿وما ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ؛ مِنَ الإذْهابِ؛ والإتْيانِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ خاصَّةً؛ ﴿بِعَزِيزٍ﴾؛ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ؛ ولا شاقٍّ؛ وهو مَحْمُودٌ عِنْدَ الإعْدامِ؛ كَما هو مَحْمُودٌ عِنْدَ الإيجادِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском