Al-Biqa'iFatir · 35:18–28

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:18–28

35:18Page 436

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

And no bearer of burdens will bear the burden of another. And if a heavily laden soul calls [another] to [carry some of] its load, nothing of it will be carried, even if he should be a close relative. You can only warn those who fear their Lord unseen and have established prayer. And whoever purifies himself only purifies himself for [the benefit of] his soul. And to Allāh is the [final] destination.

ولَمّا أنْهى - سُبْحانَهُ - بَيانَ الحَقِّ؛ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ؛ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ بِالتَّهْدِيدِ بِالأخْذِ؛ وكانَ الأخْذُ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ عِقابًا؛ وكانَ العِقابُ لا يَكُونُ حُكْمُهُ إلّا عِنْدَ الذَّنْبِ؛ قالَ - دالًّا عَلى أنَّهُ لا يَنْفَكُّ أحَدٌ عَمّا يَسْتَحِقُّ بِهِ العِقابَ -: ﴿ولا﴾؛ أيْ: يُذْهِبُكم عُقُوبَةً لَكم بِأوْزارِكُمْ؛ وقُدْرَةً عَلَيْكُمْ؛ والحالُ أنَّهُ لا ﴿تَزِرُ﴾؛ أيْ: تَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ أوْ عِنْدَ الإذْهابِ؛ ولَمّا لَمْ تَكُنْ نَفْسٌ مُتَأهِّلَةٌ لِلْحَمْلِ تَخْلُو مِن وِزْرٍ تَحْمِلُهُ؛ والمَعْصُومُ (p-٣٣)مَن عَصَمَ اللَّهُ؛ قالَ: ﴿وازِرَةٌ﴾؛ دُونَ ”نَفْسٌ“؛ أيْ لا تَحْمِلُ حامِلَةٌ مِن جِهَةِ الإثْمِ؛ ﴿وِزْرَ﴾؛ أيْ: حِمْلَ؛ وثِقْلَ؛ ﴿أُخْرى﴾؛ لِتُعَذَّبَ بِهِ؛ بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم لَهُ مِمّا كَسَبَتْ يَداهُ ما تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الحُجَّةُ في الأخْذِ مُباشَرَةً؛ وتَسَبُّبًا؛ مَعَ تَفاوُتِكم في الوِزْرِ؛ ولا يَحْمِلُ أحَدٌ إلّا ما اقْتَرَفَهُ هُوَ؛ لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ أُخْرى الَّذِي يَخُصُّها؛ كَما تَفْعَلُ جَبابِرَةُ الدُّنْيا.

ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ لا يُؤْخَذُ أحَدٌ إلّا بِوِزْرٍ؛ ونَفى أنْ يَحْمِلَ أحَدٌ وِزْرَ غَيْرِهِ؛ وكانَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِبَعْضِ الأحْوالِ؛ أوِ الأشْخاصِ؛ وكانَ عِظَمُ الوِزْرِ يُوجِبُ عِظَمَ الأخْذِ؛ نَفى ذَلِكَ الإيهامَ؛ ودَلَّ عَلى القُدْرَةِ عَلى المُفاوَتَةِ بَيْنَهم في الأجْرِ؛ وإنْ كانَ أخْذُهم في آنٍ واحِدٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَدْعُ﴾؛ أيْ: نَفْسٌ؛ ﴿مُثْقَلَةٌ﴾؛ أيْ: بِالذُّنُوبِ؛ سَواءٌ كانَتْ كُفْرًا؛ أوْ غَيْرَهُ؛ أحَدًا ﴿إلى حِمْلِها﴾؛ أيْ: الخاصِّ بِها مِنَ الذُّنُوبِ؛ الَّتِي لَيْسَتْ عَلى غَيْرِها بِمُباشَرَةٍ؛ ولا تَسَبُّبٍ؛ لِيُخَفِّفَ عَنْها؛ فَيُخَفَّفَ العَذابُ بِسَبَبِ خِفَّتِهِ؛ ﴿لا يُحْمَلْ﴾؛ أيْ: مِن حامِلٍ ما؛ ﴿مِنهُ شَيْءٌ﴾؛ أيْ: لا طَواعِيَةً؛ ولا كَرْهًا؛ بَلْ لِكُلِّ امْرِئٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أصْلًا وتَسَبُّبًا؛ ﴿ولَوْ كانَ﴾؛ ذَلِكَ الدّاعِي؛ أوِ المَدْعُوُّ لِلْحَمْلِ؛ ﴿ذا قُرْبى﴾؛ لِمَن دَعاهُ؛ وحاصِلُ الأُولى أنَّهُ لا يَهْلِكُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ؛ بَلْ بِذَنْبِ نَفْسِهِ؛ والثّانِيَةِ أنَّهُ لا يُحَطُّ عَنْ أحَدٍ ذَنْبُهُ لِيَسْلَمَ. (p-٣٤)ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا - مَعَ كَوْنِهِ جَلِيًّا - خالِعًا لِلْقُلُوبِ؛ فَكانَ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ تَعَجُّبُ السّامِعِ مِمَّنْ يَسْمَعُهُ ولا يَخْشى؛ فَقالَ - مُزِيلًا لِهَذا العَجَبِ عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ -: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾؛ أيْ: إنْذارًا يُفِيدُ الرُّجُوعَ عَنِ الغَيِّ؛ فَلِاخْتِصاصِهِمْ بِالنَّفْعِ كانُوا كَأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِالإنْذارِ؛ وهو كَما قالَ القُشَيْرِيُّ: الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ؛ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ هَذا الفِعْلَ في الحالِ؛ ويُواظِبُونَ عَلَيْهِ في الِاسْتِقْبالِ؛ ولَمّا كانَ أعْقَلُ النّاسِ مَن خافَ المُحْسِنَ؛ لِأنَّ أقَلَّ عِقابِهِ قَطْعُ إحْسانِهِ؛ قالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾

ولَمّا كانَ أوْفى النّاسِ عَقْلًا؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ وأكْرَمُهم عُنْصُرًا؛ مَن كانَتْ غَيْبَتُهُ مِثْلَ حُضُورِهِ؛ وكانَ لا يَحْتاجُ - مَعَ قَوْلِ الدّاعِي؛ وما يَظْهَرُ لَهُ مِن سَمْتِهِ؛ وحُسْنِ قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ - إلى آيَةٍ يُظْهِرُها؛ ولا خارِقَةٍ يُبْرِزُها؛ وإنَّما إيمانُهُ تَصْدِيقًا لِلدّاعِي في إخْبارِهِ بِالأمْرِ المُغَيَّبِ؛ مِن غَيْرِ كَشْفِ غِطاءٍ؛ قالَ: ﴿بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ غائِبِينَ عَمّا دُعُوا إلَيْهِ؛ وخُوِّفُوا بِهِ؛ أوْ حالَ كَوْنِهِ غائِبًا عَنْهُمْ؛ أوْ غائِبِينَ عَمَّنْ يُمْكِنُ مُراءاتُهُ؛ فَهم مُخْلِصُونَ في خَشْيَتِهِمْ سَواءً؛ بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ إلّا اللَّهُ؛ ولا نَعْلَمُ أحَدًا وازى خَدِيجَةَ؛ والصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتِ (p-٣٥)الصَّلاةُ جامِعَةً لِخُضُوعِ الظّاهِرِ؛ والباطِنِ؛ فَكانَتْ أشْرَفَ العِباداتِ؛ وكانَتْ إقامَتُها بِمَعْنى حِفْظِ جَمِيعِ حُدُودِها في كُلِّ حالٍ أدَلَّ الطّاعاتِ عَلى الإخْلاصِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ لِأنَّ مَواقِيتَ الصَّلاةِ مَضْبُوطَةٌ -: ﴿وأقامُوا﴾؛ أيْ: دَلِيلًا عَلى خَشْيَتِهِمْ؛ ﴿الصَّلاةَ﴾؛ في أوْقاتِها الخَمْسَةِ؛ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن كانَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ تَدَسّى؛ ومَن كانَ عَلى هَذا فَقَدْ تَزَكّى؛ ومَن تَدَسّى فَإنَّما يَتَدَسّى عَلى نَفْسِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُشِيرًا بِأداةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّ النَّفْسَ أمْيَلُ شَيْءٍ إلى الدَّنَسِ؛ فَلا تَنْقادُ إلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ إلّا بِاجْتِهادٍ عَظِيمٍ -: ﴿ومَن تَزَكّى﴾؛ أيْ: تَطَهَّرَ؛ وتَكَثَّرَ بِهَذِهِ المَحاسِنِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِيُفِيدَهُ بِالأسْبابِ القَرِيبَةِ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ أنَّ هَذا نَفْعٌ لَهُ؛ وخاصٌّ بِهِ؛ أكَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾؛ فَإنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها؛ ﴿وإلى اللَّهِ﴾؛ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ جَمِيعِ صِفاتِهِ أتَمَّ كَشْفٍ تَحْتَمِلُهُ العُقُولُ يَوْمَ البَعْثِ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿المَصِيرُ﴾؛ كَما كانَ مِنهُ المَبْدَأُ؛ فَيُجازِي كُلًّا عَلى فِعْلِهِ؛ فَيُنْصِفُ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَن خَشِيَ رَبَّهُ؛ بِإنْذارِكَ ومَن أعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ.

35:19Page 437

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ ١٩

Not equal are the blind and the seeing,

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما يَسْتَوِي في الطَّبْعِ والعَقْلِ المُتَدَسِّي؛ الَّذِي هو أعْمى بِعِصْيانِهِ في الظُّلُماتِ؛ ولا المُتَزَكِّي؛ الَّذِي هو بِطاعاتِهِ بَصِيرٌ في (p-٣٦)النُّورِ؛ وإنِ اسْتَوَيا في الإنْسانِيَّةِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَصْلُحُ أمْثِلَةً لِلْمُتَدَسِّي؛ والمُتَزَكِّي؛ وما يَكُونُ بِهِ التَّدْسِيَةُ؛ والتَّزْكِيَةُ - دَلالَةً عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ؛ الَّذِي السِّياقُ لَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ؛ وتَقْرِيرًا لِأنَّ الخَشْيَةَ والقَسْوَةَ بِيَدِهِ؛ إبْطالًا لِقَوْلِ مَن يُسْنِدُ الأُمُورَ إلى الطَّبائِعِ - قَوْلَهُ: ﴿وما يَسْتَوِي﴾؛ أيْ: في حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِوَعْظِ المُشْرِكِينَ؛ وكانَ المُتَدَسِّي؛ قَبْلَ المُتَزَكِّي؛ عَلى ما قَرَّرَ قَبْلَهُ؛ ناسَبَ أنْ يُنَظِّمَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ قَوْلَهُ - مِثالًا لِلْكافِرِ؛ والمُؤْمِنِ؛ والجاهِلِ؛ والعالِمِ؛ وقَدَّمَ مِثالَ الجاهِلِ لِأنَّ الأصْلَ عَنِ الإرْسالِ الجَهْلُ -: ﴿الأعْمى والبَصِيرُ﴾؛ أيْ: لا الصِّنْفانِ؛ ولا أفْرادُهُما؛ ولا أفْرادُ صِنْفٍ مِنهُما؛ وأغْنى عَنْ إعادَةِ النّافِي ظُهُورُ المُفاوَتَةِ بَيْنَ أفْرادِ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ؛ فالمَعْنى أنَّ النّاسَ غَيْرُ مُسْتَوِينَ في العَمى؛ والبَصَرِ؛ بَلْ بَعْضُهم أعْمى؛ وبَعْضُهم بَصِيرٌ؛ لِأنَّ ”افْتَعَلَ“؛ هُنا؛ لِمَعْنى ”تَفاعَلَ“؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ دَلالَةً عَلى النَّفْيِ؛ ولَوْ وقَعَ اجْتِهادٌ في ألّا يَقَعَ؛ أوْ دَلالَةً عَلى أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو التَّساوِي مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ لا في أصْلِ المَعْنى؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلى الطَّبْعِ؛ لَكانُوا عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ؛ بَلْ وأفْرادُ كُلٍّ مُتَفاوِتُونَ؛ فَتَجِدُ بَعْضَ العُمْيِ يَمْشِي بِلا قائِدٍ في الأزِقَّةِ المُشْكِلَةِ؛ وآخَرَ لا يَقْدِرُ عَلى المَشْيِ في بَيْتِهِ إلّا بِقائِدٍ؛ وآخَرَ يُدْرِكُ مِنَ الكِتابِ إذا جَسَّهُ كَمْ مِسْطَرَتُهُ مِن سَطْرٍ؛ وهَلْ خَطُّهُ حَسَنٌ أوْ لا؛ (p-٣٧)وآخَرَ يُدْرِكُ الدِّرْهَمَ الزَّيْفَ مِن غَيْرِهِ؛ ويُمَيِّزُ ضَرْبَ كُلِّ بَلَدٍ مِن غَيْرِهِ؛ ورُبَّما نازَعَهُ أحَدٌ مُغالَطَةً؛ فَلا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ؛ وآخَرَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ؛ وأمّا البُصَراءُ فالأمْرُ فِيهِمْ واضِحٌ في المُفاوَتَةِ في أبْصارِهِمْ؛ وبَصائِرِهِمْ؛ وكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ الفاعِلَ قادِرٌ؛ مُخْتارٌ؛ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ؛ وإلّا لَتَساوَتِ الأفْرادُ؛ فَكانُوا عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ.

35:20Page 437

وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠

Nor are the darknesses and the light,

ولَمّا كانَ هَذا مِن أغْرَبِ الأُمُورِ؛ وإنْ غُفِلَ عَنْهُ؛ لِكَثْرَةِ إلْفِهِ؛ نَبَّهَ عَلى غَرابَتِهِ؛ ومَزِيدِ ظُهُورِ القُدْرَةِ فِيهِ؛ بِتَكْرِيرِ النّافِي في أشْباهِهِ؛ وعَلى أنَّ البَصَرَ لا يَنْفُذُ إلّا في الظُّلْمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَعاصِيَ تُظْلِمُ قَلْبَ المُؤْمِنِ؛ وإنْ كانَ بَصِيرًا؛ وقَدَّمَ الظُّلْمَةَ لِأنَّها أشَدُّ إظْهارًا لِتَفاوُتِ البَصَرِ؛ مَعَ المُناسَبَةِ لِلسِّياقِ؛ عَلى ما قَرَّرَ؛ فَقالَ - في عَطْفِ الزَّوْجِ عَلى الزَّوْجِ؛ وعَطْفِ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ؛ جامِعًا؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طُرُقَ الضَّلالِ يَتَعَذَّرُ حَصْرُها -: ﴿ولا الظُّلُماتُ﴾؛ الَّتِي هي مِثالٌ لِلْأباطِيلِ؛ وأكَّدَ بِتَكْرِيرِ النّافِي؛ كالَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّ المُفاوَتَةَ بَيْنَ أفْرادِ الظُّلْمَةِ؛ وأفْرادِ النُّورِ خَفِيَّةٌ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا عَلى أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ واحِدَةٌ؛ تَكْذِيبًا لِمَن قالَ مِنَ الزَّنادِقَةِ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ -: ﴿ولا النُّورُ﴾؛ الَّذِي هو مِثالٌ لِلْحَقِّ؛ فَما أبْدَعَهُما - عَلى هَذا التَّضادِّ - إلّا اللَّهُ (تَعالى) الفاعِلُ المُخْتارُ؛ وفاوَتَ بَيْنَ أفْرادِ النُّورِ (p-٣٨)وأفْرادِ الظُّلْمَةِ؛ فَما يُشْبِهُ نُورُ الشَّمْسِ نُورَ القَمَرِ؛ ولا شَيْءٌ مِنهُما نُورَ غَيْرِهِما مِنَ النُّجُومِ؛ ولا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نُورَ السِّراجِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأنْوارِ؛ وإذا اعْتَبَرْتَ أفْرادَ الظُّلُماتِ وجَدْتَها كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الظُّلُماتِ إنَّما هي ظِلالٌ؛ وبَعْضُ الظِّلالِ أكْثَفُ مِن بَعْضٍ.

35:21Page 437

وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ ٢١

Nor are the shade and the heat,1

ولَمّا كانَ الظَّلامُ يَنْشَأُ عَنِ الظِّلالِ؛ وهو نَسْخُ النُّورِ؛ قَدَّمَهُ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا مِثالَ الخَيْرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتِ الغَضَبَ -: ﴿ولا الظِّلُّ﴾؛ أيْ: بِبَرْدِهِ؛ الَّذِي هو مَرْجِعُ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ؛ ﴿ولا الحَرُورُ﴾؛ أيْ: بِوَهَجِها؛ وهي مَرْجِعُ الكافِرِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هي الرِّيحُ الحارَّةُ بِاللَّيْلِ؛ وكَذا قالَ في القامُوسِ؛ وزادَ: وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ؛ وحَرُّ الشَّمْسِ؛ والحَرُّ الدّائِمُ؛ والنّارُ؛ فانْتَفى حُكْمُ الطَّبائِعِ قَطْعًا.

35:22Page 437

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢

And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1

ولَمّا كانَ المُظْهِرُ لِذَلِكَ كُلِّهِ الحَياةُ؛ قَدَّمَها فَقالَ - مِثالًا آخَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ولِذَلِكَ أعادَ الفِعْلَ؛ وهو فَوْقَ التَّمْثِيلِ بِالأعْمى والبَصِيرِ؛ لِأنَّ الأعْمى يُشارِكُ البَصِيرَ في بَعْضِ الإدْراكاتِ؛ وصارَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ مِثالانِ؛ لِيُفِيدَ الأوَّلُ نَفْيَ اسْتِواءِ الجِنْسِ بِالجِنْسِ؛ مَعَ القَبُولِ لِلْحُكْمِ عَلى الأفْرادِ؛ والثّانِي بِالعَكْسِ؛ وهو لِلنَّفْيِ في الأفْرادِ؛ مَعَ القَبُولِ لِلْجِنْسِ -: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ﴾؛ أيْ: لِأنَّ مِنهُمُ النّاطِقَ؛ والأعْجَمَ؛ والذَّكِيَّ؛ والغَبِيَّ؛ والسَّهْلَ؛ والصَّعْبَ؛ (p-٣٩)فَلا يَكادُ يَتَساوى حَيّانِ في جَمِيعِ الخِلالِ؛ ﴿ولا الأمْواتُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم مِثالٌ لِلْكافِرِينَ في صُعُوبَةِ المَوْتِ؛ وسُهُولَتِهِ؛ والبِلى؛ وغَيْرِهِ مِمّا يَخْفى؛ ولا يُقِرُّ بِهِ الكُفّارُ؛ مِنَ الشَّقاوَةِ؛ والسَّعادَةِ.

ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ - مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وعَلى ضَلالِ مَن أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لا يُشابِهُهُ شَيْءٌ - بِمَكانٍ لَيْسَ مَعَهُ خَفاءٌ؛ ومِنَ الإحْكامِ بِحَيْثُ لا يُدانِيهِ كَلامٌ؛ يُعَجِّبُ السّامِعَ مِمَّنْ يَأْباهُ؛ فَقالَ - مُزِيلًا عَجَبَهُ؛ مُقَرِّرًا أنَّ الخَشْيَةَ؛ والقَسْوَةَ؛ إنَّما هُما بِيَدِهِ؛ وأنَّ الإنْذارَ إنَّما هو لِمَن قَضى بِانْتِفاعِهِ؛ مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ؛ مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلى مَن يَرى لِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - فِعْلًا؛ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: القادِرَ عَلى المُفاوَتَةِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ؛ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ وعَبَّرَ بِالفِعْلِ؛ إشارَةً إلى القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ أرادَهُ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: فَيَهْدِيهِ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قابِلِيَّةٌ في العادَةِ؛ كالجَماداتِ؛ ويُصِمُّ مَن يَشاءُ؛ فَيُعْمِيهِ؛ ويُنَكِّسُهُ؛ ويُرْدِيهِ؛ مِن أحْياءِ القُلُوبِ؛ والأرْواحِ؛ وأمْواتِ المَعانِي؛ والأشْباحِ؛ والمَعْنى أنَّ إسْماعَهم لَوْ كانَ مُسْتَنِدًا إلى الطَّبائِعِ لاسْتَوَوْا؛ إمّا بِالإجابَةِ؛ (p-٤٠)أوِ الإعْراضِ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الدَّعْوَةِ وإظْهارَ المُعْجِزَةِ إلَيْهِمْ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فالآيَةُ تَقْرِيرُ آيَةِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨]

ولَمّا كانَ المُعْرِضُ قَدْ ساوى المَيِّتَ في حالِهِ؛ الَّتِي هي عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِما يَرى ويَسْمَعُ مِنَ الخَوارِقِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ مَيِّتٌ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالِاسْمِيَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَدَمِ إثْباتِ ذَلِكَ لَهُ ﷺ: ﴿وما أنْتَ﴾؛ أيْ: بِنَفْسِكَ؛ مِن غَيْرِ إقْدارِ اللَّهِ لَكَ؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ: ﴿بِمُسْمِعٍ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿مَن في القُبُورِ﴾؛ أيْ: الحِسِّيَّةِ؛ والمَعْنَوِيَّةِ؛ إسْماعًا يَنْفَعُهُمْ؛ بَلِ اللَّهُ يُسْمِعُهم إنْ شاءَ؛ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؛ والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى البَعْثِ.

35:23Page 437

إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ٢٣

You, [O Muḥammad], are not but a warner.

ولَمّا كانَ هَذا خاصَّةَ الإلَهِ؛ أشارَ إلى نَفْيِهِ عَنْهُ؛ مُقْتَصِرًا عَلى وصْفِ النِّذارَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ أغْلَبَ الخَلْقِ مَوْتى القُلُوبِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِلرَّدِّ عَلى مَن يَظُنُّ أنَّ النَّذِيرَ يَقْدِرُ عَلى هِدايَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ إلّا بِإقْدارِهِ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾؛ أيْ: تُنَبِّهُ القُلُوبَ المَيِّتَةَ بِقَوارِعِ الإنْذارِ؛ ولَسْتَ بِوَكِيلٍ يَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ.

35:24Page 437

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤

Indeed, We have sent you with the truth as a bringer of good tidings and a warner. And there was no nation but that there had passed within it a warner.

ولَمّا كانَ ﷺ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ؛ وكانَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذا الوَصْفِ رُبَّما أوْهَمَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ - بَيانًا لِعَظَمَتِهِ ﷺ (p-٤١)بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ عَظَمَةَ الرَّسُولِ مِن عَظَمَةِ المُرْسِلِ؛ فَنِذارَتُهُ رَحْمَةٌ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿أرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: إلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ إرْسالًا مَصْحُوبًا؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الكامِلِ في الثَّباتِ؛ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ فَإنَّ مَن نَظَرَ إلى كَثْرَةِ ما أُوتِيَهُ مِنَ الدَّلائِلِ؛ عَلِمَ مُطابَقَةَ الواقِعِ لِما تَأْمُرُ بِهِ؛ والتَّقْدِيرُ بِالمَصْدَرِ يُفْهِمُ أنَّ الرِّسالَةَ حَقٌّ؛ وكُلًّا مِنَ المُرْسِلِ؛ والرَّسُولِ؛ مُحِقٌّ؛ ﴿بَشِيرًا﴾؛ أيْ: لِمَن أطاعَ؛ ﴿ونَذِيرًا﴾؛ أيْ: لِمَن عَصى؛ والعَطْفُ بِالواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى العَراقَةِ في كُلٍّ مِنَ الصِّفَتَيْنِ.

ولَمّا كانَ مِمّا يُسَهِّلُ القِيادَ؛ ويُضْعِفُ الجِماحَ؛ التَّأْسِيَةُ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ دَفْعًا لِاسْتِبْعادِ الإرْسالِ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما؛ ﴿مِن أُمَّةٍ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ؛ ﴿إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾؛ أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ بَشِيرًا؛ ونَذِيرًا؛ إمّا بِنَفْسِهِ؛ وإمّا بِما أبْقى في أعْقابِهِمْ مِن شَرائِعِهِ؛ مِن أقْوالِهِ؛ وأفْعالِهِ؛ ورُسُومِهِ؛ مَعَ ما لَهم مِنَ العُقُولِ الشّاهِدَةِ بِذَلِكَ؛ والنِّذارَةُ دالَّةٌ عَلى البِشارَةِ؛ واقْتَصَرَ عَلَيْها لِأنَّها هي الَّتِي تَقَعُ بِها التَّسْلِيَةُ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ؛ ولِأنَّ مِنَ الأنْبِياءِ الماضِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَن تَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهُ لِلنِّذارَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ أحَدٌ بِبِشارَتِهِ؛ لِعَدَمِ اتِّباعِ أحَدٍ مِنهم لَهُ.

35:25Page 437

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥

And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.

(p-٤٢)ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ الأسَفِ عَلى إبائِهِمْ؛ رَحْمَةً لَهُمْ؛ وخَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَقْصِيرٍ في حالِهِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ يُصَدِّقُوكَ فَهو حَظُّهم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - تَأْسِيَةً لَهُ؛ وتَسْلِيَةً - قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ﴾؛ أيْ: فَتَسَلَّ؛ لِأنَّهُ قَدْ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُكَذِّبُونَ بَعْضَ النّاسِ؛ فَلَزِمَ لِذَلِكَ أنْ يَكُونُوا في بَعْضِ الزَّمانِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: ما أتَتْهم بِهِ رُسُلُهم عَنِ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ قَبُولُ الرُّسُلِ لِما جاءَهم عَنِ اللَّهِ؛ ونَفْيُ التَّقْصِيرِ في الإبْلاغِ عَنْهُمْ؛ دالًّا عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِمْ؛ وسُفُولِ أمْرِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ دالًّا عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ (تَعالى) في المُفاوَتَةِ بَيْنَ الخَلْقِ؛ قالَ - دالًّا عَلى أمْرَيِ العُلُوِّ؛ والسُّفُولِ؛ اسْتِئْنافًا؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ كانَ تَكْذِيبُهم عِنادًا؛ أوْ لِنَقْصٍ في البَيانِ؟" -: ﴿جاءَتْهُمْ﴾؛ أيْ: الأُمَمَ الخالِيَةَ؛ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: الآياتِ الواضِحاتِ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ؛ ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ بِالكِتابِ لازِمًا لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ أمْرُهُ؛ وكانَتْ نِسْبَةُ التَّكْذِيبِ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ أمْرًا مُعَجِّبًا؛ كانَ الأمْرُ حَرِيًّا بِالتَّأْكِيدِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهم ما كَذَّبُوا إلّا لِعَدَمِ الكِتابِ؛ فَأكَّدَ بِإعادَةِ الجارِّ؛ (p-٤٣)فَقالَ: ﴿وبِالزُّبُرِ﴾؛ أيْ: الأُمُورِ المَكْتُوبَةِ؛ مِنَ الصُّحُفِ؛ ونَحْوِها مِنَ السُّنَنِ؛ والأسْرارِ؛ ﴿وبِالكِتابِ﴾؛ أيْ: جِنْسِ الكِتابِ؛ كالتَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ ﴿المُنِيرِ﴾؛ أيْ: الواضِحِ في نَفْسِهِ؛ المُوَضِّحِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ كَما أنَّكَ أتَيْتَ قَوْمَكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ وإنْ كانَ طَرِيقُكَ أوْضَحَ؛ وأظْهَرَ؛ وكِتابُكَ أنْوَرَ؛ وأبْهَرَ؛ وأظْهَرَ؛ وأشْهَرَ.

35:26Page 437

ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦

Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.

ولَمّا سَلّاهُ؛ هَدَّدَ مَن خالَفَهُ وعَصاهُ؛ بِما فَعَلَ في تِلْكَ الأُمَمِ؛ فَقالَ - صارِفًا القَوْلَ إلى الأفْرادِ؛ دَفْعًا لِكُلِّ لَبْسٍ؛ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى أنَّ طُولَ الإمْهالِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْإنابَةِ؛ لا لِلِاغْتِرارِ بِظَنِّ الإهْمالِ -: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ﴾؛ أيْ: بِأنْواعِ الأخْذِ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا تِلْكَ الآياتِ المُنِيرَةِ؛ بَعْدَ طُولِ صَبْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ؛ ودُعائِهِمْ لَهُمْ؛ ولَمّا كانَ أخْذُ مَن قَصَّ أخْبارَهُ مِنهم عِنْدَ العَرَبِ شَهِيرًا؛ وكانَ عَلى وُجُوهٍ مِنَ النَّكالِ مُعَجِّبَةٍ؛ سَبَّبَ عَنْهُ السُّؤالَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾؛ أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ؛ أيْ أنَّهُ إنْكارٌ يَجِبُ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ؛ لِهَوْلِهِ؛ وعِظَمِهِ؛ كَما قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَئِنْ أصَرُّوا عَلى سُنَّتِهِمْ في الغَيِّ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِنا تَبْدِيلًا في الِانْتِقامِ؛ والخِزْيِ.

35:27Page 437

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧

Do you not see that Allāh sends down rain from the sky, and We produce thereby fruits of varying colors? And in the mountains are tracts, white and red of varying shades and [some] extremely black.

ولَمّا كانَ مِن أغْرَبِ الأشْياءِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ واحِدٌ سَبَبًا لِسَعادَةِ قَوْمٍ وهُداهُمْ؛ وشَقاوَةِ قَوْمٍ وضَلالِهِمْ وعَماهُمْ؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا دَقِيقًا؛ وخَطْبًا جَلِيلًا؛ لا يَفْهَمُهُ (p-٤٤)حَقَّ فَهْمِهِ إلّا أعْلى الخَلائِقِ؛ ذَكَّرَ المُخاطَبَ بِهَذا الذِّكْرِ ما يُشاهِدُ مِن آيَتِهِ؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْبارِ؛ لِوُصُولِ المُخاطَبِ إلى رُتْبَةِ أُولِي الفَهْمِ؛ بِما ساقَ مِن ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩] ولَفَتَ القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ دَلالَةً عَلى عَظَمَةِ ما في حَيِّزِهِ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: التِي لا يَصْعَدُ إلَيْها الماءُ؛ ولا يَسْتَمْسِكُ عَنِ الهُبُوطِ مِنها؛ في غَيْرِ أوْقاتِهِ؛ إلّا بِقُدْرَةٍ باهِرَةٍ؛ لا يُعْجِزُها شَيْءٌ؛ ﴿ماءً﴾؛ أيْ: لا شَيْءَ يُشابِهُهُ في مُماثَلَةِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ؛ فَلا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى تَمْيِيزِ شَيْءٍ مِنهُ؛ إلى ما يَصْلُحُ لِشَيْءٍ دُونَ آخَرَ.

ولَمّا كانَ أمْرًا فائِتًا لِقُوى العُقُولِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: الماءِ؛ مِنَ الأرْضِ؛ ﴿ثَمَراتٍ﴾؛ أيْ: مُتَعَدِّدَةَ الأنْواعِ؛ ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾؛ أيْ: ألْوانُ أنْواعِها؛ وأصْنافِها؛ وهَيْئاتِها؛ وطَبائِعِها؛ فالَّذِي قَدَرَ عَلى المُفاوَتَةِ بَيْنَها؛ وهي مِن ماءٍ واحِدٍ؛ لا يُسْتَبْعَدُ عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ الدَّلائِلَ بِالكِتابِ وغَيْرِهِ نُورًا لِشَخْصٍ؛ وعَمًى لِآخَرَ. (p-٤٥)ولَمّا ذَكَرَ تَنَوُّعَ ما عَنِ الماءِ؛ وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّلْوِينِ؛ كَما أنَّهُ الأصْلُ في التَّكْوِينِ؛ أتْبَعَهُ التَّلْوِينَ عَنِ التُّرابِ؛ الَّذِي هو أيْضًا شَيْءٌ واحِدٌ؛ فَقالَ - ذاكِرًا ما هو أصْلَبُ الأرْضِ؛ وأبْعَدُها عَنْ قابِلِيَّةِ التَّأثُّرِ؛ وقَطَعَهُ عَنِ الأوَّلِ لِأنَّ الماءَ لا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ -: ﴿ومِنَ﴾؛ أيْ: ومِمّا خَلَقْنا مِن ﴿الجِبالِ جُدَدٌ﴾؛ أيْ: طَرائِقُ؛ وعَلاماتٌ؛ وخُطُوطٌ مُتَقاطِعَةٌ؛ ﴿بِيضٌ وحُمْرٌ﴾؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ؛ دُونَ ”طُرُقٌ“؛ إشارَةً إلى أنَّ مِن غَرابَتِها أنَّها لا تَخْلَقُ؛ ولا تَضْمَحِلُّ ألْوانُها؛ عَلى طُولِ الأزْمانِ؛ كَما هو العادَةُ في غالِبِ ما يَتَقادَمُ عَهْدُهُ؛ و”الجَدُّ“؛ بِالفَتْحِ؛ و”الجِدَّةُ“؛ بِالكَسْرِ؛ و”الجَدَدُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ: وجْهُ الأرْضِ؛ وجَمْعُهُ ”جِدَدٌ“؛ بِالكَسْرِ؛ و”الجُدَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: الطَّرِيقَةُ؛ والعَلامَةُ؛ والخَطُّ في ظَهْرِ الحِمارِ؛ يُخالِفُ لَوْنَهُ؛ وجَمْعُهُ ”جُدَدٌ“؛ كَـ ”غُدَّةٌ“؛ و”غُدَدٌ“؛ و”عُدَّةٌ“؛ و”عُدَدٌ“؛ و”مُدَّةٌ“؛ و”مُدَدٌ“؛ و”الجَدَدُ“؛ مُحَرَّكَةً: ما أشْرَفَ مِنَ الرَّمْلِ؛ وشِبْهُ السَّلْعَةِ بِعُنُقِ البَعِيرِ؛ والأرْضُ الغَلِيظَةُ المُسْتَوِيَةُ؛ و”الجَدْجَدُ“؛ بِالفَتْحِ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ.

ولَمّا كانَ أبْلَغَ مِن ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الطُّرُقَ في أنْفُسِها غَيْرُ مُتَساوِيَةِ المَواضِعِ في ذَلِكَ اللَّوْنِ الَّذِي تَلَوَّنَتْ بِهِ؛ قالَ (تَعالى) - دالًّا عَلى أنَّ كُلًّا مِن هَذَيْنِ اللَّوْنَيْنِ لَمْ يَبْلُغِ الغايَةَ في الخُلُوصِ -: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾؛ وهي (p-٤٦)مِنَ الأرْضِ؛ وهي واحِدَةٌ؛ ولَمّا قَدَّمَ ما كانَ مُسْتَغْرَبًا في ألْوانِ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ لَوْنِها الأصْلِيِّ؛ أتْبَعَهُ ما هو أقْرَبُ إلى الغَبَرَةِ؛ الَّتِي هي أصْلُ لَوْنِها.

ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”غَرَبَ“؛ تَدُورُ عَلى الخَفاءِ؛ الَّذِي يَلْزَمُهُ الغُمُوضُ؛ أخْذًا مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ ويَلْزَمُ مِنهُ السَّوادُ؛ ولِذَلِكَ يُؤَكَّدُ الأسْوَدُ بِـ ”غِرْبِيبٌ“؛ مُبالَغَةَ الغَرَبِ؛ كَـ ”فَرَحٌ“؛ أيْ: الأسْوَدِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في سَوادِهِ؛ وكانَ المَقْصُودُ الوَصْفَ بِغايَةِ السَّوادِ؛ مُخالَفَةً لِغَيْرِهِ؛ قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ”بِيضٌ“ -: ﴿وغَرابِيبُ﴾؛ أيْ: مِنَ الجُدَدِ أيْضًا؛ ﴿سُودٌ﴾؛ فَقَدَّمَ التَّأْكِيدَ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّ أصْلَ العِبارَةِ ”وسُودٌ غَرابِيبُ سُودٌ“؛ فَأضْمَرَ الأوَّلَ؛ لِيَتَقَدَّمَ عَلى المُؤَكَّدِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِالثّانِي لِيَكُونَ مُبالِغًا في تَأْكِيدِهِ غايَةَ المُبالَغَةِ؛ بِالإظْهارِ بَعْدَ الإضْمارِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”أشَدُّ سَوادٍ الغَرَبِيبُ“؛ رَواهُ عَنْهُ البُخارِيُّ؛ لِأنَّ السَّوادَ الخالِصَ في الأرْضِ؛ مُسْتَغْرَبٌ؛ ومِنهُ ما يُصْبَغُ بِهِ الثِّيابُ؛ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ فَتَصِيرُ في غايَةِ السَّوادِ؛ وذَلِكَ في مَدِينَةِ ”فُوَّةَ“؛ و”مسير“؛ وغَيْرِهِما؛ مِمّا داناهُما مِن بِلادِ مِصْرَ.

35:28Page 437

وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨

And among people and moving creatures and grazing livestock are various colors similarly. Only those fear Allāh, from among His servants, who have knowledge. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Forgiving.

ولَمّا أكَّدَ هَذا بِما دَلَّ عَلى خُلُوصِهِ؛ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاخْتِلافِ عَلَيْهِ؛ (p-٤٧)ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) ما الأغْلَبُ فِيهِ الماءُ؛ مِمّا اسْتَحالَ إلى آخَرَ بَعِيدٍ مِنَ الماءِ؛ وأتْبَعَهُ التُّرابَ الصِّرْفَ؛ خَتَمَ بِما الأغْلَبُ فِيهِ التُّرابُ؛ مِمّا اسْتَحالَ إلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ مِنَ التُّرابِ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: المُتَحَرِّكِينَ؛ بِالفِعْلِ؛ والِاخْتِيارِ؛ ﴿والدَّوابِّ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الدّابَّةُ في الأصْلِ لِما دَبَّ عَلى الأرْضِ؛ ثُمَّ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى ما يُرْكَبُ؛ قالَ: ﴿والأنْعامِ﴾؛ لِيَعُمَّ الكُلَّ صَرِيحًا؛ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾؛ أيْ: ألْوانُ ذَلِكَ البَعْضِ الَّذِي أفْهَمَتْهُ ”مِن“؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ الثِّمارِ؛ والأراضِي؛ فَمِنهُ ما هو ذُو لَوْنٍ واحِدٍ؛ ومِنهُ ما هو ذُو ألْوانٍ؛ مَعَ أنَّ كُلُّ ما ذُكِرَ فَهو مِنَ الأراضِي مُتَجانِسُ الأعْيانِ؛ مُخْتَلِفُ الأوْصافِ؛ ونِسْبَتُهُ إلَيْها وإلى السَّماءِ واحِدَةٌ؛ فَأيْنَ حُكْمُ الطَّبائِعِ؟

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ فَهو يَفْعَلُ فِيما يَشاءُ؛ ومَن يَشاءُ؛ ما يَشاءُ؛ فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ الواحِدَ لِقَوْمٍ نُورًا؛ ولِقَوْمٍ عَمًى؛ وكانَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا في خِدْمَتِهِ؛ مُرَهِّبًا مِن سَطْوَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى؛ وتَقَدَّسَ -؛ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ؛ وكانَ السِّياقُ لِإنْذارِ مَن يَخْشى بِالغَيْبِ؛ فَثَبَتَ أنَّ الإنْذارَ بِهَذا القُرْآنِ يَكُونُ لِقَوْمٍ أرادَ اللَّهُ خَشْيَتَهم خَشْيَةً؛ ولِقَوْمٍ أرادَ اللَّهُ قَسْوَتَهم (p-٤٨)قَسْوَةً؛ التَفَتَتِ النَّفْسُ إلى طَلَبِ قانُونٍ يُعْرَفُ بِهِ مَن يَخْشى؛ ومَن لا يَخْشى؛ فَقالَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْتاجِ مِن ذَلِكَ؛ دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَحْسَبُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ولِيٌّ جاهِلًا -: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ؛ ولا كَمالَ لِغَيْرِهِ؛ إلّا مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ في قَبْضَتِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِبادِهِ﴾؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَحَطَّ الفائِدَةِ؛ وهو مَن يَنْفَعُ إنْذارُهُ؛ فَقالَ: ﴿العُلَماءُ﴾؛ أيْ: لا سِواهُمْ؛ وإنْ كانُوا عُبّادًا؛ وإنْ بَلَغَتْ عِبادَتُهم ما عَسى أنْ تَبْلُغَ؛ لِأنَّهُ لا يَخْشى أحَدٌ أحَدًا إلّا مَعَ مَعْرِفَتِهِ؛ ولا يَعْرِفُهُ جاهِلٌ؛ فَصارَ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّما يَنْفَعُ الإنْذارُ أهْلَ الخَشْيَةِ؛ وإنَّما يَخْشى العُلَماءُ“؛ والعالِمُ هو الفَقِيهُ العامِلُ بِعِلْمِهِ؛ قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ؛ في البابِ الثّالِثِ مِن عَوارِفِهِ: فَيَنْتَفِي العِلْمُ عَمَّنْ لا يَخْشى اللَّهَ؛ كَما إذا قالَ: إنَّما يَدْخُلُ الدّارَ بَغْدادِيٌّ؛ فَيَنْتَفِي دُخُولُ غَيْرِ البَغْدادِيِّ الدّارَ؛ هَذا مَعْنى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.

ولَمّا كانَ سَبَبُ الخَشْيَةِ التَّعْظِيمَ والإجْلالَ؛ وكانَ كُلُّ أحَدٍ لا يُجِلُّ إلّا مَن أجَلَّهُ؛ وكانَ قَدْ ثَبَتَ أنَّ العُلَماءَ يُجِلُّونَ اللَّهَ؛ وكانَ سَبَبُ إجْلالِهِمْ لَهُ إجْلالَهُ لَهُمْ؛ كانَ هَذا مَعْنى القِراءَةِ الأُخْرى؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّما يَنْفَعُ الإنْذارُ مَن يُجِلُّ اللَّهَ؛ فاللَّهُ يُجِلُّهُ لِعِلْمِهِ“؛ وسُئِلَ شَيْخُنا؛ مُحَقِّقُ زَمانِهِ؛ قاضِي الشّافِعِيَّةِ بِمِصْرَ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ القاياتِيُّ عَنْ تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ؛ فَأطْرَقَ يَسِيرًا؛ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ:

؎أهابُكَ إجْلالًا وما بِكَ قُدْرَةٌ ∗∗∗ عَلَيَّ ولَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها

(p-٤٩)ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا السِّياقِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - فاعِلُ هَذِهِ الأشْياءِ المُتَضادَّةِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ لِيُفِيدَ أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُخْشى؛ ولِذَلِكَ أظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أيْ: غالِبٌ عَلى جَمِيعِ أمْرِهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مُرَهِّبًا مِن سَطْوَتِهِ؛ مُوجِبًا لِخَشْيَتِهِ؛ لِإفْهامِهِ أنَّهُ يَمْنَعُ الَّذِينَ لا يَخْشَوْنَ مِن رَحْمَتِهِ؛ رَغَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ﴾؛ في أنَّهُ يَمْحُو ذُنُوبَ مَن يُرِيدُ مِنهُمْ؛ فَيُقْبِلُ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ؛ وهو أيْضًا مِن مَعانِي العِزَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском