Al-Biqa'iFatir · 35:29–38

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:29–38

35:29Page 437

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ ٢٩

Indeed, those who recite the Book of Allāh and establish prayer and spend [in His cause] out of what We have provided them, secretly and publicly, [can] expect a transaction [i.e., profit] that will never perish -

ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ العُلَماءِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُحافِظُونَ عَلى كِتابِ اللَّهِ؛ عِلْمًا؛ وعَمَلًا؛ فَقِيلَ: فَما لَهُمْ؟ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِمَن يَظُنُّ مِنَ الكُفّارِ؛ وغَيْرِهِمْ مِنَ العُصاةِ أنَّهم مِنَ الخاسِرِينَ بِما ضَيَّعُوا مِن عاجِلِ دُنْياهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ التِّلاوَةَ كُلَّ وقْتٍ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ؛ مُحافِظِينَ عَلَيْهِ؛ كُلَّما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؛ وبَعْدَ كَمالِ نُزُولِهِ؛ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَيْدَنَهُمْ؛ وشَأْنَهُمْ؛ بِفَهْمٍ؛ وبِغَيْرِ فَهْمٍ؛ ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُقْبِلَ عَلى غَيْرِهِ؛ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَمالِ؛ والجَلالِ؛ ولَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي لا سَبَبَ يُعادِلُهُ؛ (p-٥٠)ذَكَرَ أحْسَنَ ما يُرْبَطُ بِهِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى المُداوَمَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالإقامَةِ؛ وعَلى تَحْقِيقِ الفِعْلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي -: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: وهي النّاهِيَةُ عَنِ الفَحْشاءِ؛ والمُنْكَرِ؛ فَناجَوُا اللَّهَ فِيها بِكَلامِهِ؛ ولَمّا ذَكَرَ الوَصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الخالِقِ؛ ذَكَرَ إحْسانَهم إلى الخَلائِقِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى إيقاعِ الفِعْلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ وعَلى الدَّوامِ بِالسِّرِّ؛ والعَلَنِ؛ لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرِّزْقَ مِنهُ وحْدَهُ؛ لا بِحَوْلِ أحَدٍ غَيْرِهِ؛ ولا غَيْرُهُ -: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِحَوْلِنا؛ وقُوَّتِنا؛ لا بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ في جَمِيعِ ما يُرْضِينا؛ ودَلَّ عَلى مُواظَبَتِهِمْ عَلى الإنْفاقِ؛ وإنْ أدّى إلى نَفادِ المالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾؛ وعَبَّرَ في الأوَّلِ بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّ إنْزالَها كانَ قَبْلَ التَّمامِ؛ وتَصْرِيحًا بِتَكْرارِ التِّلاوَةِ تَعَبُّدًا؛ ودِراسَةً؛ لِأنَّ القُرْآنَ - كَما قالَ النَّبِيَّ ﷺ: «”...أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها“؛» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وفي الثّانِي؛ والثّالِثِ؛ بِالماضِي؛ حَثًّا عَلى المُبادَرَةِ إلى الفِعْلِ؛ وقَدْ تَحَصَّلَ مِن هَذا أنَّهُ جَعَلَ لِفِعْلِ القَلْبِ - الَّذِي هو الخَشْيَةُ - دَلِيلًا بِاللِّسانِ؛ وآخَرَ بِالأرْكانِ؛ وثالِثًا بِالأمْوالِ.

ولَمّا أحَلَّهم بِالمَحَلِّ الأعْلى؛ مُعَرِّفًا أنَّهم أهْلُ العِلْمِ؛ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ؛ وكانَ العَبْدُ لا يَجِبُ لَهُ عَلى سَيِّدِهِ شَيْءٌ؛ قالَ - مُنَبِّهًا عَلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ الثّانِي؛ الَّتِي هي أُمُّ النِّعَمِ؛ والنَّتِيجَةُ العُظْمى المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ -: ﴿يَرْجُونَ﴾؛ أيْ (p-٥١)فِي الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿تِجارَةً﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا؛ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾؛ أيْ: تَكْسُدَ؛ وتَهْلِكَ؛ بَلْ هي باقِيَةٌ؛ لِأنَّها دُفِعَتْ إلى مَن لا تَضِيعُ لَدَيْهِ الوَدائِعُ؛ وهي رائِجَةٌ رابِحَةٌ؛ لِكَوْنِهِ تامَّ القُدْرَةِ؛ شامِلَ العِلْمِ؛ لَهُ الغِنى المُطْلَقُ.

35:30Page 437

لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ ٣٠

That He may give them in full their rewards and increase for them of His bounty. Indeed, He is Forgiving and Appreciative.1

ولَمّا كانَ المُرادُ بِعَدَمِ هَلاكِها حِفْظَها؛ وبَقاءَها إلى يَوْمِ لِقائِهِ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ - مُقْتَصِرًا عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ولِذا لَفَتَهُ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِالغَيْبِ -: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾: أيْ لِنَفاقِها عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ -؛ في الدُّنْيا؛ إنْ أرادَ؛ أوْ في الآخِرَةِ؛ أوْ فِيهِما؛ ﴿أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: عَلى تِلْكَ الأعْمالِ؛ ﴿ويَزِيدَهُمْ﴾؛ أيْ: عَلى ما جَعَلَهُ بِمَنِّهِ وبِيُمْنِهِ حَقًّا لَهم عَلَيْهِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: زِيادَةً لَيْسَ لَهم فِيها تَسَبُّبٌ أصْلًا؛ بَلْ هي بَعْدَما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما قابَلَ أعْمالَهم بِهِ؛ مِمّا يَعْرِفُونَ أنَّهُ جَزاؤُها؛ مُضاعَفًا لِلْواحِدِ عَشَرَةً؛ إلى ما فَوْقَ؛ ولَمّا كانَتْ أعْمالُهم لا تَنْفَكُّ عَنْ شائِبَةٍ ما؛ وإنْ خَلَصَتْ؛ فَلَمْ يَكُنْ ثَوابُها لِأنَّها مِن مَنِّهِ - سُبْحانَهُ - مُسْتَحَقًّا؛ عَلَّلَ تَوْفِيَتَهم لَها بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَسَعُ النّاسَ إلّا عَفْوُهُ؛ لِأنَّهُ لَنْ يَقْدُرَ اللَّهَ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ؛ وإنِ اجْتَهَدَ؛ ولَوْ واخَذَ أعْبَدَ العِبادِ بِما يَقَعُ مِن تَقْصِيرِهِ؛ أهْلَكَهُ -: ﴿إنَّهُ غَفُورٌ﴾؛ أيْ: بِمَحْوِ النَّقْصِ عَنِ العَمَلِ؛ ﴿شَكُورٌ﴾؛ أيْ: (p-٥٢)يَقْبَلُهُ؛ ويَزِيدُ عَلَيْهِ.

35:31Page 438

وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٣١

And that which We have revealed to you, [O Muḥammad], of the Book is the truth, confirming what was before it. Indeed Allāh, of His servants, is Aware and Seeing.

ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ الآيَةِ أنَّ العُلَماءَ هم حَمَلَةُ الكِتابِ؛ وبَدَأ - سُبْحانَهُ - بِأدْنى دَرَجاتِهِمْ؛ وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ في الكِتابِ؛ أتْبَعَهُ تَرْغِيبًا هو أعْلى مِنهُ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ - في تَقْرِيرِ الأصْلِ الثّانِي؛ الَّذِي هو الرِّسالَةُ -: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ [فاطر: ٢٤] وأكَّدَهُ دَفْعًا لِتَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِهِ -: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ وبَيَّنَ قَدْرَهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ وقالَ - مُبَيِّنًا لِلْوَحْيِ -: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ ولَمّا كانَ الكِتابُ لا يَطْرُقُهُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّغَيُّرِ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَن لا يَتَغَيَّرُ؛ قالَ: ﴿هُوَ الحَقُّ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في الثَّباتِ؛ ومُطابَقَةِ الواقِعِ لَهُ؛ لا غَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ؛ وأكَّدَ حَقِّيَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الكُتُبِ الماضِيَةِ الآتِي لَها الرُّسُلُ الدّاعُونَ إلى اللَّهِ؛ المُؤَيَّدُونَ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ والأدِلَّةِ القاطِعَةِ.

ولَمّا دَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى أنَّ العِلْمَ هو الحَقِيقَةُ الثّابِتَةُ؛ وما عَداهُ فَهو مَحْوٌ؛ وباطِلٌ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ التّالِينَ لِكِتابِهِ؛ الَّذِي هو العِلْمُ؛ هُمُ العُلَماءُ؛ وغَيْرَهُمْ؛ وإنْ كانُوا مَوْجُودِينَ؛ فَهم بِالمَعْدُومِينَ أشْبَهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ الكُتُبَ الماضِيَةَ؛ وإنْ كانَتْ حَقًّا؛ لَكِنَّها لَيْسَتْ في كَمالِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ الأمْرَ (p-٥٣)ما دامَ لَمْ يُخْتَمْ؛ فالزِّيادَةُ مُتَوَقَّعَةٌ فِيهِ؛ بِخِلافِ ما إذا وقَعَ الخَتْمُ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ بَعْدَهُ زِيادَةٌ تُرْتَقَبُ؛ وكانَ رُبَّما تَراءى لِأحَدٍ في بَعْضِ المُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - إعْلامًا بِأنَّ العِبْرَةَ بِما عِنْدَهُ؛ لا بِما يَظْهَرُ لِلْعِبادِ؛ وأكَّدَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا المَعْنى مِمّا تُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَناصِرُ؛ وإنْ تَراءى لِأكْثَرِ النّاسِ خِلافُهُ؛ أظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ لِحاجَةِ المُخْبَرِينَ هُنا إلَيْهِ؛ لِأنَّهُمُ البَرُّ؛ والفاجِرُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ أعْلَمَ بِمَن يُرَبِّيهِ؛ ولا سِيَّما إنْ كانَ مالِكًا لَهُ؛ قالَ: ﴿بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ﴾؛ أيْ: عالِمٌ أدَقَّ العِلْمِ؛ وأتْقَنَهُ؛ بِبَواطِنِ أحْوالِهِمْ؛ ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِ أُمُورِهِمْ؛ وبَواطِنِها؛ أيْ فَهو يُسْكِنُ الخَشْيَةَ والعِلْمَ القُلُوبَ؛ عَلى ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ؛ في عِلْمِهِ؛ وتِلاوَتِهِ؛ وإنْ تَراءى لَهم خِلافُ ذَلِكَ؛ فَأنْتَ أحَقُّهم بِالكَمالِ؛ لِأنَّكَ أخْشاهُمْ؛ وأتْقاهُمْ؛ فَلِذَلِكَ آتَيْناكَ هَذا الكِتابَ؛ فَأخْشاهم بَعْدَكَ أحَقُّهم بِعِلْمِهِ.

35:32Page 438

ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢

Then We caused to inherit the Book those We have chosen of Our servants;1 and among them is he who wrongs himself [i.e., sins], and among them is he who is moderate, and among them is he who is foremost in good deeds by permission of Allāh. That [inheritance] is what is the great bounty.

ولَمّا كانَ مَعْنى الوَصْفَيْنِ: فَنَحْنُ نُيَسِّرُ لِتِلاوَةِ كِتابِنا مَن يَكُونُ قابِلًا لِلْعِلْمِ؛ الَّذِي هو عَمُودُ الخَشْيَةِ؛ بِما تَعَلَّمَهُ مِنهُ بِخَبْرِنا؛ وبَصَرِنا؛ وكانَ الَّذِي ضَمَّ إلى التِّلاوَةِ الفَهْمَ في الذِّرْوَةِ العُلْيا مِنَ العِلْمِ؛ قالَ - عَطْفًا عَلى هَذا الَّذِي (p-٥٤)أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ؛ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ أهْلِ هَذا القِسْمِ؛ وهم هَذِهِ الأُمَّةُ الأُمِّيَّةُ؛ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ إرْثِهِمْ؛ مَعَ تَراخِي إرْثِهِمْ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ؛ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَها؛ في نَزْعِ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ؛ وإثْباتِهِ لِآخَرِينَ -: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا﴾؛ أيْ: مَلَّكْنا بِعَظَمَتِنا مِلْكًا تامًّا؛ وأعْطَيْنا عَطاءً لا رُجُوعَ فِيهِ؛ وعَبَّرَ في غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]؛ فانْظُرْ فارِقَ ما بَيْنَ العِبارَتَيْنِ؛ تَعْرِفِ الفارِقَ بَيْنَ المَقامَيْنِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”بَعْدَما أوْحَيْنا إلَيْكَ؛ وأوْرَثْناكَهُ؛ ثُمَّ أوْرَثْناهُ“؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ دَلالَةً عَلى الوَصْفِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَناهِي جَمْعِهِ لِلْكُتُبِ الماضِيَةِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ ”مِن“؛ في ”أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ“؛ لِلْبَيانِ؛ فَقالَ: ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: القُرْآنَ - بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ؛ قالَهُ الأصْفَهانِيُّ -؛ الجامِعَ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلْنا؛ فَهو أُمٌّ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ كَما نَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّ اللَّهَ أوْرَثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ كُلَّ كِتابٍ أنْزَلَهُ؛ ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾؛ أيْ: فَعَلْنا في اخْتِيارِهِمْ فِعْلَ مَن يَجْتَهِدُ في ذَلِكَ؛ ﴿مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: أخْلَصْناهم لَنا؛ وهم بَنُو إسْماعِيلَ؛ ومَن تَبِعَهُمْ؛ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: ”الإرْثُ“: انْتِقالُ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ؛ فَـ ”ثُمَّ“؛ هُنا؛ لِلتَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ إيتاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ مُتَراخٍ عَنْ إيتاءِ (p-٥٥)الأُمَمِ؛ ونَقْلُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ إبْطالِ تِلْكَ الأدْيانِ؛ ونَسْخِ تِلْكَ الكُتُبِ؛ إلّا ما وافَقَ القُرْآنَ؛ فَمَعْنى الإيراثِ أنَّهُ نَزَعَ تِلْكَ الكُتُبَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ؛ وأعْطاها لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ عَلى الوَجْهِ الَّذِي رَضِيَهُ لَها؛ وهَذا الإيراثُ لِلْمَجْمُوعِ؛ لا يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِمَن يَحْفَظُ جَمِيعَ القُرْآنِ؛ بَلْ يَشْمَلُ مَن يَحْفَظُ مِنهُ جُزْءًا؛ ولَوْ أنَّهُ الفاتِحَةُ فَقَطْ؛ فَإنَّ الصَّحابَةَ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَحْفَظُ جَمِيعَ القُرْآنِ؛ ونَحْنُ عَلى القَطْعِ بِأنَّهم مُصْطَفَوْنَ.

ولَمّا كانَ أكْثُرُ النّاسِ لا يَنْفَكُّ عَنْ تَقْصِيرٍ كَثِيرٍ؛ لِما جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ؛ فَكانَ مَن فِيهِ ذَلِكَ يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِن هَذا القِسْمِ؛ قالَ - مُعَرِّفًا لَهُ بِمِقْدارِهِ؛ مُؤْنِسًا لَهُ بِما فَتَحَ لَهُ مِن أنْوارِهِ؛ مُسْتَجْلِبًا لَهُ إلى حَضْرَةِ قُدْسِهِ؛ ومَعْدِنِ أسْرارِهِ؛ مُقَسِّمًا أهْلَ هَذا القِسْمِ؛ وهم أهْلُ الفَهْمِ؛ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ مُقَدِّمًا الأدْنى؛ لِأنَّهُمُ الأكْثَرُ؛ ولِئَلّا يَحْصُلَ اليَأْسُ؛ ويَصْدَعَ القُلُوبَ خَوْفُ البَأْسِ -: ﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إيراثِنا لَهم أنْ كانَ مِنهُمْ؛ كَما هو مُشاهَدٌ؛ ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾؛ أيْ: بِالتَّفْرِيطِ؛ والتَّهاوُنِ في تَوْفِيَةِ الحَقِّ؛ لِما يَقْتَضِيهِ حالُهُ مِنَ العَمَلِ؛ غَيْرُ مُتَوَقٍّ لِلْكَبائِرِ؛ وهَذا القِسْمُ هم أكْثَرُ الوارِثِ؛ وهُمُ المُرْجَؤُونَ لِأمْرِ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ تَرْكُ الإنْسانِ لِلظُّلْمِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ فَقالَ: ﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾؛ أيْ: مُتَوَسِّطٌ في العَمَلِ؛ غَيْرُ باذِلٍ (p-٥٦)لِجَمِيعِ الجُهْدِ؛ إلّا أنَّهُ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبائِرِ؛ فَهو مُكَفَّرٌ عَنْهُ الصَّغائِرُ؛ وهُمُ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا؛ ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾؛ أيْ: العِباداتِ؛ وجَمِيعِ أنْواعِ القُرُباتِ؛ مُوَفٍّ لِلْمَقامِ الَّذِي أُقِيمُ بِهِ حَقَّهُ؛ كُلَّما ازْدادَ قُرْبًا ازْدادَ عَمَلًا؛ لا يَكُونُ سابِقًا إلّا وهو هَكَذا؛ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ؛ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ الحَسَنِ: السّابِقُ مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ؛ والمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ؛ وسَيِّئاتُهُ؛ والظّالِمُ مَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ؛ وخَتَمَ بِالسّابِقِينَ لِأنَّهُمُ الخُلاصَةُ؛ ولِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الجَنّاتِ؛ كَما قَدَّمَ الصَّوامِعَ في سُورَةِ ”الحَجِّ“؛ لِتَكُونَ أقْرَبَ إلى الهَدْمِ؛ وأخَّرَ المَساجِدَ لِتَقارُبِ الذِّكْرِ؛ وقَدَّمَ في ”التَّوْبَةِ“؛ السّابِقِينَ عُقَيْبَ أهْلِ القُرُباتِ مِنَ الأعْرابِ؛ وأخَّرَ المُرْجَئِينَ؛ وعَقَّبَهم بِأهْلِ مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وقَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في ”الأحْزابِ“؛ المُسْلِمِينَ؛ ورَقّى الخِطابَ دَرَجَةً دَرَجَةً؛ إلى الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا؛ فَهو - سُبْحانَهُ - تارَةً يَبْدَأُ بِالأدْنى؛ وتارَةً بِالأعْلى؛ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ؛ كَما هو مَذْكُورٌ في هَذا الكِتابِ؛ في مَحالِّهِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ”مِنهُمْ“؛ عَلى ”الَّذِينَ“؛ لا عَلى العِبادِ؛ وهو - مَعَ تَأيُّدِهِ بِالمُشاهَدَةِ؛ وأنَّ السِّياقَ لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ (p-٥٧)هُمُ التّالُّونَ لِكِتابِ اللَّهِ - مُؤَيَّدٌ بِأحادِيثَ لا تَقْصُرُ؛ وإنْ كانَتْ ضَعِيفَةً؛ عَنِ الصَّلاحِيَةِ لِتَقْوِيَةِ ذَلِكَ؛ فَمِنها ما رَواهُ البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ؛ «عَنِ ابْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”سابِقُنا سابِقٌ؛ ومُقْتَصِدُنا ناجٍ؛ وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ“؛» وبِسَنَدِهِ؛ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ؛ وقالَ: ”أمّا السّابِقُ بِالخَيْراتِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ وأمّا المُقْتَصِدُ فَيُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا؛ وأمّا الظّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ في المَقامِ حَتّى يَدْخُلَهُ الهَمُّ؛ ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ“؛ ثُمَّ قَرَأ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]»؛ ورُوِيَ بِغَيْرِ إسْنادٍ؛ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”كُلُّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ“؛» وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ - بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِغَيْرِ سَنَدٍ: ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ”كُلُّهم في الجَنَّةِ“».

ورَوى حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ؛ في الكُنى؛ مِن تَأْرِيخِ دِمَشْقَ؛ في تَرْجَمَةِ أخِي زِيادٍ؛ أوْ أبِي زِيادٍ.

وأمّا عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى العِبادِ (p-٥٨)فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”السّابِقُ المُؤْمِنُ المُخْلِصُ؛ والمُقْتَصِدُ المُرائِي؛ والظّالِمُ الكافِرُ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ غَيْرُ الجاحِدِ لَها“؛ وقالَ قَتادَةُ: ”الظّالِمُ أصْحابُ المَشْأمَةِ؛ والمُقْتَصِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ؛ والسّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ“.

ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ في قُوَّةِ العَبْدِ؛ في مَجارِي العاداتِ؛ ولا يُؤْخَذُ بِالكَسْبِ والِاجْتِهاداتِ؛ أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِتَمْكِينِ مَن لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ؛ والعَظَمَةُ العامَّةُ؛ والفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ؛ وجَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ وتَسْهِيلِهِ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ لِئَلّا يَأْمَنَ أحَدٌ مَكْرَهُ (تَعالى)؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: ثُمَّ مِنَ السّابِقِينَ مَن يَبْلُغُ مَحَلَّ القُرْبَةِ؛ فَيَسْتَغْرِقُ في وحْدانِيَّتِهِ؛ وهو الفَرْدُ الَّذِي اهْتَزَّ في ذِكْرِهِ؛ انْتَهى؛ ثُمَّ زادَ عَظَمَةَ هَذا الأمْرِ بَيانًا؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِظُنُونِ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّ السّابِقَ كُلَّما عَلا مَقامُهُ في السَّبْقِ قَلَّ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا؛ فَرَأى الجاهِلُونَ أنَّهُ مُضَيِّعٌ لِنَفْسِهِ -: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: السَّبْقُ؛ أوْ إيراثُ الكِتابِ؛ ﴿هُوَ﴾؛ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ؛ مُخَصِّصًا بِضَمِيرِ الفَصْلِ؛ ﴿الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾

35:33Page 438

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٣٣

[For them are] gardens of perpetual residence which they will enter. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearls, and their garments therein will be silk.

ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) أحْوالَهُمْ؛ بَيَّنَ جَزاءَهُمْ؛ ومَآلَهُمْ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ ذَلِكَ -: ﴿جَنّاتُ﴾؛ أيْ: هي مُسَبَّبَةٌ عَنْ سَبَبِ السَّبْقِ؛ الَّذِي هو الفَضْلُ؛ ويَصِحُّ كَوْنُها بَدَلًا مِنَ ”الفَضْلُ“؛ لِأنَّهُ سَبَبُها؛ (p-٥٩)فَكانَ كَأنَّهُ هو الثَّوابُ؛ ﴿عَدْنٍ﴾؛ أيْ: إقامَةٍ بِلا رَحِيلٍ؛ لِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلرَّحِيلِ عَنْها؛ ﴿يَدْخُلُونَها﴾؛ أيْ: الثَّلاثَةُ أصْنافٍ؛ ومَن دَخَلَها لَمْ يَخْرُجْ مِنها؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يُخْرِجُهُ؛ ولا هو يُرِيدُ الخُرُوجَ؛ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ ”الَّذِينَ“؛ ومَن قالَ لِـ ”عِبادِنا“؛ خَصَّ الدُّخُولَ بِالمُقْتَصِدِ؛ والسّابِقِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الخاءِ؛ وعَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ يَكُونُ الضَّمِيرُ لِلسّابِقِ فَقَطْ؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ في وقْتِ الحِسابِ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ؛ ومَنابِرِ النُّورِ؛ فَيَسْتَطِيبُونَ مَكانَهُمْ؛ فَإذا دُعُوا إلى الجَنَّةِ أبْطَؤُوا؛ فَيُساقُونَ إلَيْها؛ كَما في آخِرِ ”الزُّمَرِ“.

ولَمّا كانَ الدّاخِلُ إلى مَكانٍ أوَّلُ ما يَنْظُرُ إلى ما فِيهِ مِنَ النَّفائِسِ؛ قالَ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾؛ أيْ: يَلْبَسُونَ؛ عَلى سَبِيلِ التَّزَيُّنِ؛ والتَّحَلِّي؛ ﴿مِن أساوِرَ﴾؛ ولَمّا كانَ لِلْإبْهامِ؛ ثُمَّ البَيانِ مَزِيدُ رَوْعَةٍ لِلنَّفْسِ؛ وكانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ إثْباتَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ؛ لِإثْباتِ أتَمِّ الإبْقاءَيْنِ؛ شَوَّقَ إلى الطّاعَةِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ بِأفْضَلِ ما نَعْرِفُ مِنَ الحِلْيَةِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الأساوِرِ -: ﴿مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾؛ ولَمّا كانَتْ لا تَلِيقُ إلّا عَلى اللِّباسِ الفاخِرِ؛ قالَ - مُعَرِّفًا أنَّهم حِينَ الدُّخُولِ يَكُونُونَ لابِسِينَ -: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾

35:34Page 438

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ ٣٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has removed from us [all] sorrow. Indeed, our Lord is Forgiving and Appreciative -

ولَمّا كانَ المُقْتَصِدُ؛ والسّابِقُ يَحْزَنُونَ لِكَمالِهِمْ؛ وشِدَّةِ شَفَقَتِهِمْ عَلى الظّالِمِ إذا قُوصِصَ؛ جَمَعَ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَحْقِيقًا لَهُ -: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: (p-٦٠)عِنْدَ دُخُولِهِمْ: ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ تَمامُ القُدْرَةِ؛ ﴿الَّذِي أذْهَبَ﴾؛ أيْ: بِدُخُولِنا هَذا؛ ﴿عَنّا الحَزَنَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ؛ بِكَمالِهِ؛ فَلا نَحْزَنُ عَلى شَيْءٍ كانَ فاتَنا؛ ولا يَكُونُ لَنا حَزَنٌ أبَدًا؛ لِأنّا صِرْنا في دارٍ لا يَفُوتُ فِيها شَيْءٌ أصْلًا ولا يَفْنى.

ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الزَّلّاتِ؛ أوِ الهَفَواتِ؛ أوِ الغَفْلاتِ؛ الَّتِي لَوْلا الكَرَمُ لَأدَّتْهم إلى النّارِ؛ عَلَّلُوا ما صارُوا إلَيْهِ مَعَها بِقَوْلِهِمْ - مُؤَكِّدِينَ؛ إعْلامًا بِما عِنْدَهم مِنَ السُّرُورِ بِالعَفْوِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ وأنَّ ما أكَّدُوهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَغالى في تَأْكِيدِهِ لِما رَأوْا مِن صِحَّتِهِ؛ وجَنَوْا مِن حُلْوِ ثَمَرَتِهِ -: ﴿إنَّ رَبَّنا﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْنا مَعَ إساءَتِنا؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ لِلصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ ﴿شَكُورٌ﴾؛ أيْ: عَلى ما وهَبَهُ لِلْعَبْدِ مِن حُسْنِ طاعَتِهِ؛ ووَفَّقَهُ لَهُ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ؛ فَجَعَلَهُ بِهِ سابِقًا؛

35:35Page 438

ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ ٣٥

He who has settled us in the home of duration [i.e., Paradise] out of His bounty. There touches us not in it any fatigue, and there touches us not in it weariness [of mind]."

ثُمَّ وصَفُوهُ بِما هو شُكْرٌ لَهُ؛ فَقالُوا: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾؛ أيْ: الإقامَةِ؛ ومَكانَها وزَمانَها؛ الَّتِي لا يُرِيدُ النّازِلُ بِها - عَلى كَثْرَةِ النّازِلِينَ بِها - ارْتِحالًا مِنها؛ ولا يُرادُ بِهِ ذَلِكَ؛ ولا شَيْءَ فِيها يَزُولُ فَيُؤْسَفَ عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ المالِكُ المُطْلَقُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا اسْتِحْقاقَ لِمَمْلُوكِهِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ؛ قالَ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: بِلا عَمَلٍ مِنّا؛ فَإنَّ حَسَناتِنا إنَّما كانَتْ مَنًّا مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لَوْ لَمْ يَبْعَثْنا عَلَيْها؛ ويُيَسِّرْها لَنا؛ لَما كانَتْ. (p-٦١)ولَمّا تَذَكَّرُوا ما شاهَدُوهُ في عَرَصاتِ القِيامَةِ مِن تِلْكَ الكُرُوبِ؛ والأهْوالِ؛ والأنْكادِ؛ والأثْقالِ؛ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها﴾ [فاطر: ١٨]؛ الآيَةَ؛ اسْتَأْنَفُوا قَوْلَهم في وصْفِ دارِ القَرارِ: ﴿لا يَمَسُّنا﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿فِيها نَصَبٌ﴾؛ أيْ: نَصَبُ بَدَنٍ؛ ولا وجَعٌ؛ ولا شَيْءٌ؛ ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾؛ أيْ: كَلالٌ؛ وتَعَبٌ؛ وإعْياءٌ؛ وفُتُورُ نَفْسٍ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: ”وهُوَ لازِمٌ عَنْ تَعَبِ البَدَنِ“؛ فَهي الجَدِيرَةُ لَعَمْرِي بِأنْ يُقالَ فِيها:

؎صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها ∗∗∗ لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ

35:36Page 438

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ ٣٦

And for those who disbelieve will be the fire of Hell. [Death] is not decreed for them1 so they may die, nor will its torment be lightened for them. Thus do We recompense every ungrateful one.

ولَمّا بَيَّنَ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ؛ بَيَّنَ ما لِأعْدائِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ؛ زِيادَةً في سُرُورِهِمْ بِما قاسَوْهُ في الدُّنْيا؛ مِن تَكَبُّرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وفُجُورِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن شُمُوسِ الآياتِ؛ وأنْوارِ الدَّلالاتِ؛ ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: بِما تَجَهَّمُوا أوْلِياءَ اللَّهِ؛ الدُّعاةَ إلَيْهِمْ؛ ولَمّا كانَتْ عادَةُ النّارِ إهْلاكَ مَن دَخَلَها بِسُرْعَةٍ؛ بَيَّنَ أنَّ حالَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ زِيادَةً في نَكالِهِمْ؛ وسُوءِ مَآلِهِمْ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿لا يُقْضى﴾؛ أيْ: لا يُحْكَمُ؛ ويُنَفَّذُ؛ ويَثْبُتُ مِن حاكِمٍ ما ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: بِمَوْتٍ؛ ﴿فَيَمُوتُوا﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنِ القَضاءِ مَوْتُهُمْ؛ وإذا راجَعْتَ ما مَضى في سُورَةِ ”سُبْحانَ“؛ مِن (p-٦٢)قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٦]؛ وما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) في ”المُرْسَلاتِ“؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]؛ عَلِمْتَ سِرَّ وُجُوبِ النَّصْبِ هُنا؛ لِأنَّهُ لَوْ رَفَعَ لَكانَ المَعْنى أنَّ مَوْتَهم يَنْبَغِي إنْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ؛ أوْ لَمْ يُقْضَ؛ وذَلِكَ مُحالٌ.

ولَمّا كانَتِ الشَّدائِدُ في الدُّنْيا تَنْفَرِجُ؛ وإنْ طالَ أمَدُها؛ قالَ: ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِها﴾؛ أيْ: جَهَنَّمَ؛ ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذا العَذابَ خاصٌّ بِالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ؛ قالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿نَجْزِي﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالنُّونِ؛ ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾؛ أيْ: بِهِ ﷺ؛ أوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإنْ لَمْ يَرَهُ؛ لِأنَّ ثُبُوتَ المُعْجِزَةِ يَسْتَوِي فِيها السَّمْعُ والبَصَرُ؛ وبَنى أبُو عَمْرٍو الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ؛ إشارَةً إلى سُهُولَتِهِ؛ وتَيَسُّرِهِ؛ ورَفَعَ ”كُلَّ“.

35:37Page 438

وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧

And they will cry out therein, "Our Lord, remove us;1 we will do righteousness - other than what we were doing!" But did We not grant you life enough for whoever would remember therein to remember, and the warner had come to you? So taste [the punishment], for there is not for the wrongdoers any helper.

ولَمّا بَيَّنَ عَذابَهُمْ؛ بَيَّنَ اكْتِئابَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ والحالُ أنَّهم ﴿يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ الصُّراخَ فِيها بِغايَةِ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجُهْدِ في الصِّياحِ؛ بِالبُكاءِ والنُّواحِ؛ ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ قَوْلَهم في اصْطِراخِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: يَقُولُونَ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿أخْرِجْنا﴾؛ أيْ: مِنَ النّارِ؛ ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾؛ ثُمَّ أكَّدُوهُ؛ وفَسَّرُوهُ؛ (p-٦٣)وبَيَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ - عَلى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ؛ والِاعْتِرافِ بِالخَطَإ؛ أوْ لِأنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عَمَلَهم صالِحًا -: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا﴾؛ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِنا؛ ﴿نَعْمَلْ﴾؛ فَتَرَكُوا التَّرَقُّقَ والعَمَلَ عَلى حَسَبِهِ في وقْتِ نَفْعِهِ؛ واسْتَعْمَلُوهُ عِنْدَ فَواتِهِ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ؛ بَلْ قِيلَ - في جَوابِهِمْ؛ تَقْرِيرًا لَهُمْ؛ وتَوْبِيخًا؛ وتَقْرِيعًا -: ﴿أوَلَمْ﴾؛ أيْ: ألَمْ تَكُونُوا في دارِ العَمَلِ مُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ بِالعُقُولِ والقُوى؟ أوَلَمْ ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾؛ أيْ: نُطِلْ أعْمارَكُمْ؛ مَعَ إعْطائِنا لَكُمُ العُقُولَ؛ ولَمْ نُعاجِلْكم بِالأخْذِ؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: زَمانًا؛ ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾؛ وما يَشْمَلُ كُلَّ عُمُرٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ المُكَلَّفُ مِن إصْلاحِ شَأْنِهِ؛ غَيْرَ أنَّ التَّوْبِيخَ في الطَّوِيلِ أعْظَمُ؛ وأشارَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أنَّهُ لا مَطْمَعَ بِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - في مَدِّ العُمُرِ.

ولَمّا كانَ التَّفَكُّرُ بَعْدَ البَعْثِ غَيْرَ نافِعٍ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ؛ عَبَّرَ بِالماضِي؛ فَقالَ: ﴿مَن تَذَكَّرَ﴾؛ إعْلامًا بِأنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلى دِيوانِ المُتَذَكِّرِينَ؛ فَلا يُزادُ فِيهِمْ أحَدٌ؛ والزَّمانُ المُشارُ إلَيْهِ قِيلَ: إنَّهُ سِتُّونَ سَنَةً؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وبَوَّبَ لَهُ البُخارِيُّ في أوائِلِ الرُّقاقِ؛ مِن غَيْرِ عَزْوٍ إلى أحَدٍ؛ ورَوى أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”مَن عَمَّرَهُ اللَّهُ (p-٦٤)سِتِّينَ سَنَةً؛ فَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ في العُمُرِ“؛» ورَوى التِّرْمِذِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ وأبُو يَعْلى؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أعْمارُ أُمَّتِي ما بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ؛ وأقَلُّهم مَن يَجُوزُ ذَلِكَ“».

ولَمّا أشارَ إلى دَلِيلِ العَقْلِ ابْتِداءً ودَوامًا؛ أشارَ إلى أدِلَّةِ النَّقْلِ المُنَبِّهِ عَلى ما قَصُرَ عَنْهُ العَقْلُ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ؛ عَطْفًا عَلى مَعْنى: ”أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ“؛ الَّذِي هو ”قَدْ عَمَّرْناكُمْ“ -: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾؛ أيْ: عَنِّي؛ مِنَ الرُّسُلِ؛ والكُتُبِ؛ تَأْيِيدًا لِلْعُقُولِ بِالدَّلِيلِ المَعْقُولِ.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ عَذابَهم لا يَنْفَكُّ؛ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾؛ أيْ: ما أعْدَدْناهُ لَكم مِنَ العَذابِ دائِمًا أبَدًا؛ ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن أيِسَ مِن خَصْمِهِ فَزِعَ إلى الِاسْتِغاثَةِ عَلَيْهِ؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَما﴾؛ وكانَ الأصْلُ: ”لَكُمْ“؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ لِلتَّعْمِيمِ؛ فَقالَ: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الواضِعِينَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ ﴿مِن نَصِيرٍ﴾؛ أيْ: يُعِينُهُمْ؛ ويُقَوِّي أيْدِيَهُمْ؛ فَلا بَراحَ لَكم عَنْ هَذا الذَّواقِ؛ وهَذا عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ؛ فَإنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ نُصِرَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ظُلْمَهُ في كُلِّ يَوْمٍ يَضْعُفُ؛ ويَهِنُّ؛ والحَقُّ في كُلِّ حِينٍ يَقْوى ويَضْخُمُ.

35:38Page 438

إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيۡبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨

Indeed, Allāh is Knower of the unseen [aspects] of the heavens and earth. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

(p-٦٥)ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِما نَفى؛ وما أثْبَتَ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ مُقَرِّرًا سَبَبَ دَوامِ عَذابِهِمْ؛ وأنَّهُ بِقَدْرِ كُفْرانِهِمْ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] -؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَجِبُ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلَيْهِ؛ لِما لَهُ مِنَ الصُّعُوبَةِ؛ لِوُقُوفِ النَّفْسِ مَعَ المَحْسُوساتِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ ﴿عالِمُ غَيْبِ﴾؛ ولَمّا كانَتْ جِهَةُ العُلُوِّ أعْرَقَ في الغَيْبِ؛ قالَ: ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا؛ لِأنَّهُ مِن أعْجَبِ الغَيْبِ؛ لِأنَّهُ كَثِيرًا ما يَخْفى عَلى الإنْسانِ ما في نَفْسِهِ؛ واللَّهُ (تَعالى) عالِمٌ بِهِ؛ أوْ هو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: قَبْلَ أنْ يَعْلَمَها أرْبابُها؛ حِينَ تَكُونُ غَيْبًا مَحْضًا؛ فَهو يَعْلَمُ أنَّكم لَوْ مُدَّتْ أعْمارُكم لَمْ تَرْجِعُوا عَنِ الكُفْرِ أبَدًا؛ ولَوْ رُدِدْتُمْ لَعُدْتُمْ لِما نُهِيتُمْ عَنْهُ؛ وأنَّهُ لا مَطْمَعَ في صَلاحِكُمْ؛ ولِذَلِكَ يَأْمُرُ المَلَكَ أنْ يَكْتُبَ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ في الوَلَدِ أنَّهُ إمّا شَقِيٌّ؛ أوْ سَعِيدٌ؛ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهُ خاطِرٌ أصْلًا؛ ورُبَّما كانَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الإقْبالِ عَلى الخَيْرِ فِعْلًا ونِيَّةً؛ ثُمَّ يَخْتِمُ لَهُ بِشَرٍّ؛ ورُبَّما كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في غايَةِ الفَسادِ؛ لا يَدَعُ شِرْكًا ولا غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي حَتّى يَرْتَكِبَها؛ وهو عِنْدَ اللَّهِ سَعِيدٌ؛ لِما يَعْلَمُ مِن نِيَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ حِينَ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ؛ فَيَخْتِمُ لَهُ بِخَيْرٍ؛ (p-٦٦)فَيَكُونُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ وأمّا الخَواطِرُ بَعْدَ وُجُودِها في القُلُوبِ؛ فَقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها المَلَكُ؛ والشَّيْطانُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском