Al-Biqa'iYa-Sin · 36:26–37

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:26–37

36:26Page 441

قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦

It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن صَلابَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ؛ وتَهْدِيدِهِمْ؛ مَعَ ما لَهم مِنَ الآياتِ؛ أنَّهم لا يُبْقُونَ هَذا الَّذِي هو مِن مَدِينَتِهِمْ؛ وقَدْ صارَحَهم بِما إنْ أغَضُّوا عَنْهُ فِيهِ انْتَقَضَ عَلَيْهِمْ أكْثَرُ أمْرِهِمْ؛ لَمْ يَذْكُرْهُ (تَعالى)؛ عَدًّا لَهُ عِدادَ ما لا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ؛ وقالَ (p-١١٤)- جَوابًا لِمَن تَشَوَّفَ إلى عِلْمِ حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ - إيجازًا في البَيانِ؛ تَرْغِيبًا لِأهْلِ الإيمانِ -: ﴿قِيلَ﴾؛ أيْ: لَهُ؛ بَعْدَ قَتْلِهِمْ إيّاهُ؛ فَبَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ وحَذَفَهُ لِأنَّ المَقْصُودَ القَوْلُ؛ لا قائِلُهُ؛ والمَقُولُ لَهُ مَعْلُومٌ؛ ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾؛ لِأنَّهُ شَهِيدٌ؛ والشُّهَداءُ يَسْرَحُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاؤُوا؛ مِن حِينِ المَوْتِ.

ولَمّا كانَ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ داعِيًا إلى مَحَبَّةِ الِانْتِقامِ مِمَّنْ وقَعَ مِنهُ الأذى؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الأصْفِياءَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الحالِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي﴾؛ أيْ: الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ؛ لِما يُرادُ مِنهُمْ؛ فَلَوْ كانَتْ قُوَّتُهم عَلى الكُفّارِ لَكانَتْ حَسَنَةً؛ ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛

36:27Page 441

بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧

Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."

ولَمّا أُرِيدُ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ الإحْسانِ إلَيْهِ؛ حَلَّ المَصْدَرَ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما غَفَرَ لِي﴾؛ أيْ: أوْقَعَ السَّتْرَ لِما كُنْتُ مُرْتَكِبًا لَهُ طُولَ عُمْرِي مِنَ الكُفْرِ بِهِ؛ بِإيمانٍ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ؛ ﴿رَبِّي﴾؛ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ في الأُخْرى؛ بَعْدَ إحْسانِهِ في الدُّنْيا؛ ﴿وجَعَلَنِي﴾؛ ولَمّا كانَ الأُنْسُ أعْظَمَ فَوْزٍ؛ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ ”مُكْرَمًا“؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُكْرَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أعْطاهُمُ الدَّرَجاتِ العُلا؛ بِقَطْعِهِمْ جَمِيعَ أعْمارِهِمْ في العِبادَةِ؛ فَنَصَحَ لِقَوْمِهِ حَيًّا ومَيِّتًا؛ يَتَمَنّى عِلْمَهم بِإكْرامِهِ (تَعالى) لَهُ؛ لِيَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِهِ؛ فَيَنالُوا ما نالَهُ؛ وفي قِصَّتِهِ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى مُفارَقَةِ الأشْرارِ؛ واتِّباعِ الأخْيارِ؛ والحِلْمِ عَنْ أهْلِ الجَهْلِ؛ وكَظْمِ الغَيْظِ؛ والتَّلَطُّفِ في خَلاصِ الظّالِمِ مِن ظُلْمِهِ؛ وأنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١١٥)أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ مُحْسِنًا؛ وهَذا كَما وقَعَ لِلْأنْصارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ؛ مَعَ بُعْدِ الدّارِ؛ والنَّسَبِ؛ وفي قَوْلِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنهم في ”بِئْرِ مَعُونَةَ“ - كَما رَواهُ البُخارِيُّ في المَغازِي؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”بَلِّغُوا قَوْمَنا أنّا لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا؛ وأرْضانا“؛ وفي غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ كَما في السِّيرَةِ؛ وغَيْرِها؛ لَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ؛ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ: ”يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ بِنا؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ؛ ولا يَنْكِلُوا عَنِ الحَرْبِ“؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى -: (فَأنا أُبْلِغُهم عَنْكُمْ)؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ الآياتِ؛ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ وفي التَّمْثِيلِ بِهَذِهِ القِصَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ في قُرَيْشٍ مَن خُتِمَ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ؛ ولَمْ يَنْقُصْ ما ضُرِبَ لَهُ مِنَ الأجَلِ؛ فَهو - سُبْحانَهُ - يُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِغَيْرِهِمْ؛ لِتَظْهَرَ قُدْرَتُهُ؛ ولِيَسْتَوْفِيَ الآجالَ أُولَئِكَ؛ ثُمَّ يُقْبِلُ بِقُلُوبِ غَيْرِهِمْ؛ فَتَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ حِكْمَتُهُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن يَنابِيعِ المَعانِي؛ وثابِتِ المَبانِي.

36:28Page 442

۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨

And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَعَلَ أكْثَرَ جُنْدِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ فَأيَّدَهُ بِهِمْ في حالَتَيِ المُسالَمَةِ؛ والمُصادَمَةِ؛ وحَرَسَهُ مِمَّنْ أرادَهُ في مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ وبُعْدِها بِهِمْ؛ ذَكَّرَهُ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما (p-١١٦)تَقْدِيرُهُ: ”وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ قَبْلَ قَتْلِهِمْ لَهُ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ؛ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ؛ كَما فَعَلْنا بِكَ؛ إذْ أرادَ أبُو جَهْلٍ قَتْلَكَ بِالصَّخْرَةِ؛ وأنْتَ ساجِدٌ عِنْدَ البَيْتِ؛ وغَيْرُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا هو مُفَصَّلٌ في السِّيَرِ؛ وأمّا بَعْدَ الهِجْرَةِ فَفي غَزْوَةِ“الأحْزابِ”؛ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا؛ وجُنُودًا رَدَّتْهم خائِبِينَ؛ وفي غَزْوَةِ“أُحُدٍ”؛ و“بَدْرٍ”؛ و“حُنَيْنٍ”؛ وغَيْرِ ذَلِكَ -: ﴿وما أنْـزَلْنا﴾؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾؛ أيْ: صاحِبِ“يـس"؛ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: بَعْدَ قَتْلِهِ؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن جُنْدٍ﴾؛ وحَقَّقَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: لِإهْلاكِهِمْ؛ وحَقَّقَ أنَّ إرْسالَ الجُنُودِ السَّماوِيَّةِ أمْرٌ خُصَّ بِهِ ﷺ لِأنَّهُ لِحِكَمٍ تَرْجِعُ إلى النُّصْرَةِ بِغَيْرِ الِاسْتِئْصالِ؛ فَإنَّهم يَتَبَدَّوْنَ في صُوَرِ الآدَمِيِّينَ؛ ويَفْعَلُونَ أفْعالَهُمْ؛ وأمّا عَذابُ الِاسْتِئْصالِ فَإنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ جَرَتْ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الِاقْتِدارِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وما كُنّا مُنْـزِلِينَ﴾؛ أيْ: ما كانَ ذَلِكَ مِن سُنَّتِنا؛ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ يَكُونَ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ بِجُنْدٍ كَثِيرٍ؛

36:29Page 442

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩

It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.

﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿كانَتْ﴾؛ أيْ: الواقِعَةُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها؛ ﴿إلا صَيْحَةً﴾؛ صاحَها بِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ؛ وأكَّدَ أمْرَها؛ وحَقَّقَ وحْدَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةً﴾؛ أيْ: لِحَقارَةِ أمْرِهِمْ عِنْدَنا؛ ثُمَّ زادَ في تَحْقِيرِهِمْ بِبَيانِ الإسْراعِ في الإهْلاكِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَهُمُ الخُمُودُ؛ ما كَأنَّهم كانَتْ لَهم (p-١١٧)حَرَكَةٌ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ؛ ومِنَ المُسْتَجادِ في هَذا قَوْلُ أبِي العَلاءِ أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمانَ المَعَرِّيُّ:

؎وكالنّارِ الحَياةُ فَمِن رَمادٍ ∗∗∗ أواخِرُها وأوَّلُها دُخانُ

36:30Page 442

يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم - سُبْحانَهُ - بِما هو الحَقُّ مِن أمْرِهِمْ؛ ورَغَّبَهم بِما ضَرَبَ لَهم مِنَ المَثَلِ؛ ورَهَّبَهُمْ؛ ولَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ؛ أنْتَجَ التَّأْسِيفَ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ ومَن شابَهَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا حَسْرَةً﴾؛ أيْ: هَذا الحالُ مُسْتَحِقٌّ لِمُلازَمَةِ حَسْرَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ﴿عَلى العِبادِ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَها: تَعالَيْ؛ فَهَذا مِن أحْوالِكِ الَّتِي حَقُّكِ أنْ تَحْضُرِي فِيها؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ أحِقّاءُ بِأنْ يُتَحَسَّرَ عَلَيْهِمْ؛ والحَسْرَةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ عَلى ما فاتَ؛ فَأحْرَقَ فَقْدُهُ؛ وأعْيا أمْرُهُ؛ فَلا حِيلَةَ في رَدِّهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ العِبادَ - لِكَثْرَةِ ما يَعْكِسُونَ مِن أعْمالِهِمْ - لا تُفارِقُهم أسْبابُ الحَسْرَةِ؛ ولا حاضِرَ مَعَهم غَيْرُها؛ فَلا نَدِيمَ لَهم إلّا هِيَ؛ ولا مُسْتَعْلِيَ عَلَيْهِمْ؛ وغالِبَ لَهم سِواها.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ حالٍ؟ قالَ - مُبَيِّنًا لَهُ؛ ومُعَلِّلًا لِلتَّحَسُّرِ؛ بِذِكْرِ سَبَبِهِ -: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ والتَّعْمِيمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾؛ أيِّ رَسُولٍ كانَ؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ ﴿إلا كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الرَّسُولِ؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ الهَزْءَ؛ والرُّسُلُ أبْعَدُ الخَلْقِ مِنَ الهَزْءِ حالًا؛ ومَقالًا؛ وفِعالًا؛ ومِنَ الواضِحِ أنَّ المُسْتَهْزِئَ بِمَن هَذا حالُهُ هالِكٌ؛ (p-١١٨)فَهُوَ جَدِيرٌ بِمُلازَمَةِ الحَسْرَةِ؛ وأنْ يُتَحَسَّرَ عَلَيْهِ.

36:31Page 442

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - الخَبَرَ عَنْ أوَّلِ أمْرِ المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ وأوَّلِ أمْرِ المُؤْمِنِ بِهِمْ؛ وآخِرِهِ؛ وأذِنَ هَذا التَّحَسُّرُ بِأنَّ هَلاكَ المُكَذِّبِينَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ؛ دَلَّ عَلَيْهِ مُعَجِّبًا مِن عَدَمِ نَظَرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ؛ ومُهَدِّدًا لِلسّامِعِينَ مِنهُمْ؛ ومُحَذِّرًا مِن آخِرِ أمْرِ المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ انْدَرَجَ فِيهِ جَمِيعُ الأُمَمِ الماضِيَةِ؛ والطَّوائِفِ الخالِيَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾؛ أيْ: يَعْلَمْ؛ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَدْعُوهُمْ؛ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ؛ بِما صَحَّ عِنْدَهم مِنَ الأخْبارِ؛ وما شاهَدُوهُ مِنَ الآثارِ؛ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ - بِكَوْنِهِ ظَرْفًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الجارَّ - عَلى أنَّ المُرادَ جَمِيعُ الزَّمانِ الَّذِي تَقَدَّمَهُمْ؛ مِن آدَمَ إلى زَمانِهِمْ؛ وإدْخالُ الجارِّ عَلى المُهْلَكِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بَعْضُهُمْ؛ فَرَجَعَ حاصِلُ ذَلِكَ إلى أنَّ المُرادَ: انْظُرُوا جَمِيعَ ما مَضى مِنَ الزَّمانِ؛ هَلْ عُذِّبَ فِيهِ قَوْمٌ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا بِسَبَبِ عِصْيانِ الرُّسُلِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ القُرُونِ﴾؛ أيْ: الكَثِيرَةِ؛ الشَّدِيدَةِ؛ الضَّخْمَةِ؛ و”القَرْنُ“؛ قالَ البَغَوِيُّ: أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ في الوُجُودِ؛ ﴿أنَّهُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ القُرُونَ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ مِن ”رَسُولٍ“؛ لَيْسَ واحِدًا بِعَيْنِهِ؛ وكانَتْ صِيغَةُ (p-١١٩)”فَعَوْلٌ“؛ كَـ ”فَعِيلٌ“؛ يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ والواحِدُ؛ والجَمْعُ؛ أعادَ الضَّمِيرَ لِلْجَمِيعِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: إلى الرُّسُلِ خاصَّةً؛ مِن حَيْثُ كَوْنُهم رُسُلًا؛ ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ مَذاهِبِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ ويَخُصُّونَ الرُّسُلَ بِالِاتِّباعِ؛ فَلا يَتَّبِعُونَ غَيْرَهم أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الدِّينِيَّةِ؛ أوِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فاطَّرَدَتْ سُنَّتُنا؛ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِنا تَبْدِيلًا؛ في أنَّهُ كُلَّما كَذَّبَ قَوْمٌ رَسُولَهم أهْلَكْناهُمْ؛ ونَجَّيْنا رَسُولَهُمْ؛ ومَن تَبِعَهُ؛ أفَلا يَخافُ هَؤُلاءِ أنْ نُجْرِيَهم عَلى تِلْكَ السُّنَّةِ القَدِيمَةِ القَوِيمَةِ؛ فَـ ”أنَّ“؛ تَعْلِيلِيَّةٌ؛ عَلى إرادَةِ حَذْفِ لامِ العِلَّةِ؛ كَما هو مَعْرُوفٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وضَمِيرُ ”أنَّهُمْ“؛ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ وضَمِيرُ ”إلَيْهِمْ“؛ لِلرُّسُلِ؛ لا يَشُكُّ في هَذا مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ؛ وطَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ؛ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى إمْهالِهِمْ؛ والتَّأنِّي بِهِمْ؛ والحِلْمِ عَنْهُمْ؛ مَعَ تَمادِيهِمْ في العِنادِ بِتَجْدِيدِ عَدَمِ الرُّجُوعِ؛ و”يَرْجِعُونَ“؛ هُنا نَحْوُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]؛ أيْ: عَنْ طُرُقِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وهَذا مَعْنى الآيَةِ بِغَيْرِ شَكٍّ؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ قَوْلُ مَن قالَ: المَعْنى أنَّ المُهْلَكِينَ لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا؛ لِيُفِيدَ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لَيْسَتْ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ؛ ولَوْ سَلِمَ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّ السِّياقَ لَيْسَ لَهُ؛ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَنْهم غَيْرُ الِاسْتِهْزاءِ؛ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمُ اسْتِهْزاءَهُمْ؛ (p-١٢٠)مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أجْرى سُنَّتَهُ أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالرُّسُلِ؛ وخالَفَ قَوْلَهُمْ؛ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ؛ أهْلَكَهُ؛ اطَّرَدَ ذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ؛ ولَمْ يَتَخَلَّفْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ؛ كَما وقَعَ لِقَوْمِ نُوحٍ؛ وهُودٍ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ لَمْ يَتَخَلَّفْ في واحِدَةٍ مِنهُمْ؛ وكُلُّهم تَعْرِفُ العَرَبُ أخْبارَهُمْ؛ ويَنْظُرُونَ آثارَهُمْ؛ وكَذا يَعْرِفُونَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ؛ فالسِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ؛ فَصارَ المَعْنى: ألَمْ يَرَ هَؤُلاءِ كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ؛ لِمُخالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ؟ أفَلا يَخْشَوْنَ مِثْلَ ذَلِكَ في مُخالَفَتِهِمْ لِرَسُولِهِمْ؟ وذَلِكَ مُوافِقٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ؛ الَّتِي نَقَلَها البُرْهانُ السَّفاقُسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وغَيْرِهِ؛ عَنِ الحَسَنِ؛ وقالُوا: إنَّها اسْتِئْنافِيَّةٌ؛ فَهي عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: لِمَ أهْلَكَهُمْ؟ وهَذا كَما إذا شاعَ أنَّ الوادِيَ الفُلانِيَّ ما سَلَكَهُ أحَدٌ إلّا أُصِيبَ؛ يَكُونُ ذَلِكَ مانِعًا عَنْ سُلُوكِهِ؛ وإنْ أرادَ ذَلِكَ أحَدٌ صَحَّ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ تَرَ أنَّهُ ما سَلَكَهُ أحَدٌ إلّا هَلَكَ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لَهُ؛ ورادًّا عَنِ التَّمادِي فِيهِ؛ لِكَوْنِ العِلَّةِ في الهَلاكِ سُلُوكُهُ فَقَطْ؛ وذَلِكَ أكَفُّ لَهُ مِن أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ تَرَ أنَّ النّاسَ يَمُوتُونَ؛ وكَثْرَةَ مَن ماتَ مِنهُمْ؛ ولَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهُمْ؟ غَيْرَ مُعَلِّلٍ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِن سُلُوكِ الوادِي؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَإنَّ هَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ لَهُ؛ غَيْرُ مُجَدِّدٍ فائِدَةً؛ وزِيادَةُ عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لا دَخْلَ لَها في العِلِّيَّةِ أيْضًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ؛ بَلْ (p-١٢١)هم قائِلُونَ بِأعْظَمَ مِنهُ؛ مِن أنَّهُ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ؛ لا إلى الدُّنْيا؛ ولا إلى غَيْرِها؛ وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَرُبَّما كانَ ذِكْرُ الرُّجُوعِ لِلْأمْواتِ أوْلى بِأنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا؛ فَإنَّ كُلَّ إنْسانٍ مِنهم يَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلى ما في يَدِ غَيْرِهِ؛ مِمّا كانَ ماتَ عَلَيْهِ؛ ويَصِيرُ المَتْبُوعُ بِذَلِكَ تابِعًا؛ أوْ يَقَعُ الحَرْبُ؛ وتَحْصُلُ الفِتَنُ؛ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ التَّهْدِيدُ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

36:32Page 442

وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢

And indeed, all of them will yet be brought present before Us.

ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الجَهْلِ؛ وذَوِي الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ؛ لا يُبالُونَ بِالهَلاكِ في مُتابَعَةِ الهَوى؛ اعْتِمادًا عَلى أنَّ مَوْتَةً واحِدَةً في لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ أهْوَنُ مِن حَمْلِ النَّفْسِ عَلى ما لا تُرِيدُ؛ فَيَكُونُ لَهم في كُلِّ حِينٍ مَوْتاتٌ؛ أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مُنْقَضٍ بِالهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ؛ بَلْ هُناكَ مِنَ الخِزْيِ والذُّلِّ والهَوانِ والعُقُوبَةِ والإيلامِ ما لا يَنْقَضِي أبَدًا؛ فَقالَ: ﴿وإنْ كُلٌّ﴾؛ أيْ: وإنَّهم كُلَّهُمْ؛ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ؛ وزادَ في التَّأْكِيدِ لِمَزِيدِ تَكْذِيبِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا﴾؛ ومَن شَدَّدَ ”لَمّا“؛ فالمَعْنى عِنْدَهُ: ”وما كُلٌّ مِنهم إلّا“؛ وأشارَ إلى أنَّهم يَأْتُونَ صاغِرِينَ راغِمِينَ في حالَةِ اجْتِماعِهِمْ كُلِّهِمْ في المَوْقِفِ؛ لا تَناصُرَ عِنْدَهُمْ؛ ولا تَمانُعَ؛ ولَيْسَ أحَدٌ مِنهم غائِبًا بِحالِ التَّخَلُّفِ عَنْ (p-١٢٢)الِانْتِصارِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿جَمِيعٌ﴾؛ وأشارَ إلى غَرابَةِ الهَيْئَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿لَدَيْنا﴾؛ وزادَ في العَظَمَةِ بِإبْرازِهِ في مَظْهَرِها؛ وعَبَّرَ باسِمِ الفاعِلِ المَأْخُوذِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ جامِعًا؛ نَظَرًا إلى مَعْنى ”كُلٌّ“؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الجَمْعِ في آنٍ واحِدٍ؛ وهو أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ؛ بَعْدَ بَعْثِهِمْ بِأعْيانِهِمْ؛ كَما كانُوا في الدُّنْيا سَواءً؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الجَمْعَ عَلى كَراهَةٍ مِنهُمْ؛ وإلى أنَّهُ أمْرٌ ثابِتٌ لازِمٌ دائِمٌ؛ كَأنَّهُ لِعَظِيمِ ثَباتِهِ لَمْ يَزَلْ؛ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ؛ ولا حِيلَةَ في التَّفَصِّي عَنْهُ؛ وأنَّهُ يَسِيرٌ لا تَوَقُّفَ لَهُ غَيْرُ الإذْنِ؛ فَإذا أذِنَ فَعَلَهُ كُلُّ مَن يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الجُنُودِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ وما أحْسَنَ ما قالَ القائِلُ:

؎ولَوْ أنّا إذا مِتْنا تُرِكْنا ∗∗∗ لَكانَ المَوْتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ

؎ولَكِنّا إذا مِتْنا بُعِثْنا ∗∗∗ ∗∗∗ ونُسْألُ بَعْدَها عَنْ كُلِّ شَيِّ

36:33Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣

And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.

ولَمّا أتَمَّ ضَرْبَ المَثَلِ المُفِيدِ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلى الأفْعالِ الهائِلَةِ؛ بِبِشارَةٍ؛ ونِذارَةٍ؛ حَتّى إنَّ مَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَهو لا يُؤْمِنُ؛ وإنْ كانَ قَرِيبًا في النَّسَبِ؛ والدّارِ؛ ومَن أسْكَنَ قَلْبَهُ الخَشْيَةَ يُؤْمِنُ؛ وإنْ شَطَّ بِهِ النَّسَبُ والمَزارُ؛ فَتَمَّ التَّعْرِيفُ بِالقِسْمِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ؛ وهو مَن يَتَّبِعُ الذِّكْرَ؛ (p-١٢٣)وخَتَمَ بِالبَعْثِ؛ وكانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ؛ وكانَ قَدْ جَعَلَهُ في صَدْرِ الكَلامِ؛ مِن تَمامِ بِشارَةِ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُبْتَدِئًا بِنَكِرَةٍ؛ تَنْوِينُها دالٌّ عَلى تَعْظِيمِها -: ﴿وآيَةٌ﴾؛ أيْ: عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ؛ ﴿لَهُمُ﴾؛ عَلى قُدْرَتِنا عَلى البَعْثِ؛ وإيجادِنا لَهُ؛ ﴿الأرْضُ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسُ الَّذِي هم مِنهُ؛ ثُمَّ وصَفَها بِما حَقَّقَ وجْهَ الشَّبَهِ؛ فَقالَ: ﴿المَيْتَةُ﴾؛ الَّتِي لا رُوحَ لَها؛ لِأنَّهُ لا نَباتَ بِها؛ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِها نَباتٌ؛ وفَنِيَ؛ فَتَفَتَّتَ؛ وصارَ تُرابًا؛ أوْ لَمْ يَكُنْ بِها شَيْءٌ أصْلًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ كَوْنِها آيَةً؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْيَيْناها﴾؛ أيْ: بِاخْتِراعِ النَّباتِ فِيها؛ أوْ بِإعادَتِهِ؛ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ كَما كانَ بَعْدَ اضْمِحْلالِهِ.

ولَمّا كانَ إخْراجُ الأقْواتِ نِعْمَةً أُخْرى؛ قالَ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾؛ ونَبَّهَ (تَعالى) عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ فِيها؛ وعَلى عُمُومِ نَفْعِها؛ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ وزادَ في التَّنْبِيهِ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُقِيمُ الحَيَوانَ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا لِلْجارِ؛ إشارَةً إلى عَدِّ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَدَمًا؛ لِعَظِيمِ وقْعِهِ؛ وعُمُومِ نَفْعِهِ؛ (p-١٢٤)بِدَلِيلِ أنَّهُ مَتى قَلَّ جاءَ القَحْطُ؛ ووَقَعَ الضَّرَرُ -: ﴿فَمِنهُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الإخْراجِ؛ ﴿يَأْكُلُونَ﴾؛ أيْ: فَهو حَبٌّ حَقِيقَةً؛ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عِلْمَ اليَقِينِ؛ وعَيْنَ اليَقِينِ؛ وحَقَّ اليَقِينِ؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَدَّعُوا أنَّ ذَلِكَ خَيالٌ سِحْرِيٌّ بِوَجْهٍ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى تَدَبُّرِ القُرْآنِ؛ واسْتِخْراجِ ما فِيهِ مِنَ المَعانِي الدّالَّةِ عَلى جَلالِ اللَّهِ؛ وكَمالِهِ؛ وقَدْ أنْشَدَ هُنا الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ في تَفْسِيرِهِ؛ في عَيْبِ مَن أهْمَلَ ذَلِكَ؛ فَقالَ:

؎يا مَن تَصَدَّرَ في دَسْتِ الإمامَةِ في ∗∗∗ مَسائِلِ الفِقْهِ إمْلاءً وتَدْرِيسا

؎غَفَلْتَ عَنْ حُجَجِ التَّوْحِيدِ تَحْكُمُها ∗∗∗ ∗∗∗ شَيَّدْتَ فَرْعًا وما مَهَّدْتَ تَأْسِيسا

36:34Page 442

وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤

And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما في الزُّرُوعِ؛ وما لا ساقَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ؛ والقُدْرَةِ؛ ودَلَّ السِّياقُ فِيهِ عَلى الحَصْرِ؛ أتْبَعَهُ ما بَيَّنَ أنَّ المُرادَ التَّعْظِيمُ؛ لا الحَصْرُ الحَقِيقِيُّ؛ بِإظْهارِ المِنَّةِ في غَيْرِهِ؛ مِنَ الأشْجارِ الكِبارِ؛ والصِّغارِ؛ ذاتِ الأقْواتِ والفَواكِهِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى عِظَمِهِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿وجَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ ﴿جَنّاتٍ﴾؛ أيْ: بَساتِينَ؛ تَسْتُرُ داخِلَها بِما فِيها مِنَ الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ؛ ولَمّا كانَ النَّخْلُ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ - زِينَةً دائِمًا؛ بِكَوْنِهِ لا يَسْقُطُ ورَقُهُ؛ قَدَّمَهُ؛ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ؛ فَقالَ: (p-١٢٥)﴿مِن نَخِيلٍ﴾؛ وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ نَفْعٌ كُلُّهُ؛ خَشَبُهُ؛ ولِيفُهُ؛ وشُعَبُهُ؛ وخُوصُهُ؛ وعَراجِينُهُ؛ وثَمَرُهُ؛ طَلْعًا وجُمّارًا؛ وبُسْرًا؛ ورُطَبًا؛ وتَمْرًا؛ ولِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أتى فِيهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ الكَثْرَةِ؛ كَـ ”العُيُونُ“؛ ولَمّا كانَ الكَرْمُ لا تَكُونُ لَهُ زِينَةٌ بِأوْراقٍ تَجِنُّ؛ إلّا ما كانَ العِنَبُ قائِمًا؛ قالَ: ﴿وأعْنابٍ﴾؛ ودَلَّ بِالجَمْعِ فِيهِما؛ دُونَ الحَبِّ؛ عَلى كَثْرَةِ اخْتِلافِ الأصْنافِ في النَّوْعِ الواحِدِ؛ المُوجِبِ لِلتَّفاوُتِ الظّاهِرِ في القَدْرِ؛ والطَّعْمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتِ الجَنّاتُ لا تَصْلُحُ إلّا بِالماءِ؛ وكانَ مِن طَبْعِ الماءِ الغَوْرُ في التُّرابِ؛ والرُّسُوبُ بِشِدَّةِ السَّرَيانِ إلى أسْفَلَ؛ فَكانَ فَوَرانُهُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ؛ لا يَكُونُ إلّا بِقَسْرِ قاسِرٍ؛ حَكِيمٍ؛ قالَ: ﴿وفَجَّرْنا﴾؛ أيْ: فَتَّحْنا تَفْتِيحًا عَظِيمًا؛ ﴿فِيها﴾؛ ودَلَّ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ؛ وتَعالِيها عَنْ أنْ يُحاطَ بِشَيْءٍ مِنها؛ بِالتَّبْعِيضِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العُيُونِ﴾؛ والتَّعْرِيفُ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ مُرَكَّبَةٌ عَلى الماءِ؛ فَكُلُّ مَوْضِعٍ مِنها صالِحٌ لِأنْ يَنْفَجِرَ مِنهُ الماءُ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يَمْنَعُهُ عَنْ بَعْضِ المَواضِعِ؛ بِخِلافِ الأشْجارِ؛ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ غالِبًا عَلى الأرْضِ؛ فَفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ في حَبْسِ الماءِ عَنْ بَعْضِ الأرْضِ؛ لِتَكُونَ مَوْضِعًا لِلسَّكَنِ؛ ولَوْ شاءَ لَفَجَّرَ الأرْضَ عُيُونًا؛ كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأغْرَقَ الأرْضَ كُلَّها.

36:35Page 442

لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?

(p-١٢٦)ولَمّا كانَتْ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ إنَّما هي بِالماءِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن﴾؛ وأشارَتْ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ؛ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ مَعَ إفْرادِ الضَّمِيرِ؛ إلى أنَّ الشَّجَرَةَ الواحِدَةَ تَجْمَعُ بِالتَّطْعِيمِ أصْنافًا مِنَ الثَّمَرِ؛ ﴿ثَمَرِهِ﴾؛ أيْ: مِن ثَمَرِ ما تَقَدَّمَ؛ ولَوْلا الماءُ لَما طَلَعَ؛ ولَوْلا أنَّهُ بِكَثْرَةٍ لَما أثْمَرَ بَعْدَ الطُّلُوعِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَتَسَبَّبُ في تَرْبِيَةِ بَعْضِ الأشْياءِ؛ أبْطَلَ - سُبْحانَهُ - الأسْبابَ فِيما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ فِيهِ تَسَبُّبًا؛ ونَبَّهَ عَلى أنَّ الكُلَّ بِخَلْقِهِ؛ فَقالَ: ﴿وما عَمِلَتْهُ﴾؛ أيْ: ولَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ ﴿أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: عَمَلًا ضَعِيفًا - بِما أشارَ إلَيْهِ تَأْنِيثُ الفِعْلِ؛ فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ؟! وإنْ تَضافَرُوا عَلى ذَلِكَ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ جَمْعُ ”اليَدِ“؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ ظاهِرًا في هَذا؛ جاءَتْ قِراءَةُ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ؛ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ؛ غَيْرَ مَنوِيٍّ قَصْرًا لِلْفِعْلِ؛ تَعْمِيمًا لِلْمَفْعُولِ؛ رَدًّا لِجَمِيعِ الأُمُورِ إلى بارِئِها؛ سَواءٌ كانَتْ بِسَبَبٍ؛ أوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ؛ أيْ ولَمْ يَكُنْ لِأيْدِيهِمْ عَمَلٌ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لا لِهَذا؛ ولا لِغَيْرِهِ مِمّا لَهُ مُدْخَلٌ في عَيْشِهِمْ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ حَسُنَ كُلُّ الحُسْنِ إنْكارُهُ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الشُّكْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: يَدْأبُونَ دائِمًا في إيقاعِ الشُّكْرِ؛ والدَّوامِ عَلى تَجْدِيدِهِ في كُلِّ حِينٍ؛ بِسَبَبِ هَذِهِ النِّعَمِ الكِبارِ.

36:36Page 442

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.

(p-١٢٧)ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ لا اسْتِحْقاقَ لَهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ؛ ولا نَفْعَ بِيَدِهِ؛ ولا ضُرَّ؛ وأنْتَجَ هَذا السِّياقُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن تَفَرُّدِهِ بِكُلِّ كَمالٍ؛ وأنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ - تَنَزُّهَهُ عَمّا ادَّعَوْهُ مِنَ الشِّرْكِ؛ غايَةَ التَّنَزُّهِ؛ قالَ - لافِتًا لِلْكَلامِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ إثْباتَها بِالرَّحْمَةِ الدّالِّ عَلَيْها أدْخَلُ في التَّعْظِيمِ -: ﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾؛ ووَصَفَهُ بِما أكَّدَ ما مَضى؛ مِن إسْنادِ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ؛ ونَفْيِ كُلِّ شَيْءٍ مِنها عَمَّنْ سِواهُ؛ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الأزْواجَ﴾؛ أيْ: الأنْواعَ المُتَشاكِلَةَ المُتَبايِنَةَ في الأوْصافِ؛ وفي الطَّعُومِ؛ والأرايِيحِ؛ والأشْكالِ؛ والهَيْئاتِ؛ والطَّبائِعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ؛ تَدُلُّ أعْظَمَ دَلالَةٍ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ؛ وعَظِيمِ الحِكْمَةِ؛ والِاخْتِيارِ في الإرادَةِ؛ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّها﴾؛ لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ؛ ثُمَّ زادَ الأمْرَ تَصْرِيحًا بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾؛ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ نَجْمٍ؛ وشَجَرٍ؛ ومَعْدِنٍ؛ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما يَتَوَلَّدُ مِنها؛ وأشارَ - لِكَوْنِهِ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ - إلى تَأْدِيبِهِمْ؛ بِتَحْقِيرِهِمْ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ والتَّعْبِيرِ بِالنَّفْسِ؛ الَّتِي تُطْلَقُ في الغالِبِ عَلى ما يُذَمُّ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّ وراءَ ذَلِكَ أُمُورًا لا يَعْلَمُها إلّا هو - سُبْحانَهُ -؛ فَقالَ: ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ومِمّا لا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ (p-١٢٨)فِي دِينِهِمْ؛ ولا دُنْياهُمْ؛ ولا تَوَقُّفَ لِشَيْءٍ مِن إصْلاحِ المَعاشِ؛ والمَعادِ عَلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَأعْلَمَ بِهِ؛ كَما أعْلَمَ بِأحْوالِ الآخِرَةِ؛ وغَيْرِها مِمّا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُهُ.

36:37Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧

And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.

ولَمّا دَرَّبَهم عَلى النَّظَرِ بِآياتِ الأعْيانِ الحِسِّيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ؛ لا سِيَّما عَلى البَعْثِ؛ رَقّاهم إلى المَعانِي عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ؛ فَإنَّ إيجادَ كُلٍّ مِنَ المَلَوَيْنِ؛ بَعْدَ إعْدامِهِ؛ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ؛ فَقالَ - ناقِلًا لَهم مِنَ المَكانِ الكُلِّيِّ إلى الزَّمانِ الكُلِّيِّ؛ الجامِعَيْنِ لِلْجَواهِرِ؛ والأعْراضِ -: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾؛ أيْ: عَلى إعادَةِ الشَّيْءِ بَعْدَ إفْنائِهِ؛ ﴿اللَّيْلُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُشاهِدُونَهُ؛ لا شَكَّ عِنْدَهم فِيهِ؛ ولا حِيلَةَ بِوَجْهٍ في رَفْعِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿نَسْلَخُ﴾؛ عائِدًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ دَلالَةً عَلى جَلالَةِ هَذا الفِعْلِ بِخُصُوصِهِ.

ولَمّا كانَ الأصْلُ في هَذا الوُجُودِ الظَّلامَ؛ والضِّياءُ حادِثٌ؛ وكانَ ضِياؤُهُ لَيْسَ خالِصًا؛ عَبَّرَ بِـ ”مِن“؛ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْمُلابَسَةِ؛ مَعَ التَّخَلُّلِ في الأجْزاءِ؛ فَقالَ: ﴿مِنهُ النَّهارَ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ مُخْتَلِطًا بِهِ؛ بِإزالَةِ الضَّوْءِ؛ وكَشْفِهِ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّيْلِ؛ ﴿فَإذا هُمْ﴾؛ بَعْدَ إزالَتِنا لِلنَّهارِ الَّذِي سَلَخْناهُ مِنَ اللَّيْلِ؛ ﴿مُظْلِمُونَ﴾؛ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ؛ بِظُهُورِ اللَّيْلِ؛ الَّذِي كانَ الضِّياءُ ساتِرًا لَهُ؛ كَما يَسْتُرُ الجِلْدُ الشّاةَ؛ قالَ الماوَرْدِيُّ: وذَلِكَ أنَّ ضَوْءَ (p-١٢٩)النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ؛ فَيُضِيءُ؛ فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ؛ نَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْهُ؛ وقَدْ أرْشَدَ السِّياقُ حَتْمًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”والنَّهارُ نَسْلَخُ مِنهُ اللَّيْلَ الَّذِي كانَ ساتِرَهُ؛ وغالِبًا عَلَيْهِ؛ فَإذا هم مُبْصِرُونَ“.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском