Al-Biqa'iYa-Sin · 36:55–68

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:55–68

36:55Page 444

إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥

Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -

ولَمّا قَرَّرَ أنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ شَرَعَ في تَفْصِيلِهِ؛ وبَدَأ بِأشْرَفِ الحِزْبَيْنِ؛ في جَوابِ مَن سَألَ عَنْ هَذا الجَزاءِ؛ فَقالَ - مُؤَسِّفًا لِأهْلِ الشَّقاءِ بِالتَّذْكِيرِ؛ بِالتَّأْكِيدِ بِما كانَ لَهم مِنَ الإنْكارِ في الدُّنْيا؛ وإظْهارًا لِلرَّغْبَةِ في هَذا القَوْلِ؛ والتَّبَجُّحِ بِهِ؛ لِما لَهُ مِن عَظِيمِ الثَّمَرَةِ -: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا حَظَّ لِلنّارِ فِيهِمْ؛ وكَرَّرَ التَّعْبِيرَ بِـ ”اليَوْمَ“؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ؛ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ؛ عَلى إثْرِ نَفْخَتَيْهِ؛ المُمِيتَةِ؛ والمُقِيمَةِ؛ بِذِكْرِ بَعْضِ ثَمَراتِهِ؛ وجُمَلٍ مِن عَظائِمِ تَأْثِيراتِهِ؛ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: يَوْمَ البَعْثِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُعَجِّلُ دُخُولَهُمْ؛ أوْ دُخُولَ بَعْضِهِمْ إلَيْها؛ ووُقُوفَ الباقِينَ لِلشَّفاعَةِ؛ ونَحْوِها مِنَ الكَراماتِ؛ عَنْ دُخُولِ أهْلِ النّارِ النّارَ؛ وعَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم (p-١٤٦)بِكُلِّيّاتِهِمْ مُقْبِلُونَ عَلَيْهِ؛ ومَظْرُوفُونَ لَهُ؛ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ جِدًّا؛ لا تَبْلُغُ وصْفَهُ العُقُولُ؛ كَما كانُوا في الدُّنْيا في أشْغَلِ الشُّغُلِ؛ بِالمُجاهَداتِ في الطّاعاتِ؛ ولَمّا تاقَتِ النُّفُوسُ إلى تَفْسِيرِ هَذا الشُّغُلِ؛ قالَ: ﴿فاكِهُونَ﴾؛ أيْ: لَهم عَيْشُ المُتَفَكِّهِ؛ وهو الأمْنُ؛ والنِّعْمَةُ؛ والبَسْطُ؛ واللَّذَّةُ؛ وتَمامُ الرّاحَةِ؛ كَما كانُوا يُرْضُونَنا بِإجْهادِ أنْفُسِهِمْ؛ وإتْعابِها؛ وإشْقائِها؛ وإرْهابِها؛ وقِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ؛ بِحَذْفِ الألِفِ؛ أبْلَغُ؛ لِأنَّها تَدُورُ عَلى دَوامِ ذَلِكَ لَهُمْ؛ وعَلى أنَّهم في أنْفُسِهِمْ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن خِفَّةِ الرُّوحِ؛ وحُسْنِ الحَدِيثِ.

36:56Page 444

هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦

They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.

ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ لا يَتِمُّ سُرُورُها إلّا بِالقَرِينِ المُلائِمِ؛ قالَ: ﴿هُمْ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِهِمْ؛ وبَواطِنِهِمْ؛ ﴿وأزْواجُهُمْ﴾؛ أيْ: أشْكالِهِمُ الَّذِينَ هم في غايَةِ المُلاءَمَةِ؛ كَما كانُوا يَتْرُكُونَهم في المَضاجِعِ عَلى ألَذِّ ما يَكُونُ؛ ويَصُفُّونَ أقْدامَهم في خِدْمَتِنا وهم يَبْكُونَ؛ ﴿فِي ظِلالٍ﴾؛ أيْ: يَجِدُونَ فِيها بَرَدَ الأكْبادِ؛ وغايَةَ المُرادِ؛ كَما كانُوا يَشْوُونَ أكْبادَهم في دارِ العَمَلِ بِحَرِّ الصِّيامِ؛ وتَجَرُّعِ مَراراتِ الأُوامِ؛ والصَّبْرِ في مَرْضاتِنا عَلى الآلامِ؛ ويُقِرُّونَ أيْدِيَهم وقُلُوبَهم عَنِ الأمْوالِ؛ بِبَذْلِ الصَّدَقاتِ في سُبُلِنا عَلى مَرِّ الأيّامِ؛ وكَرِّ اللِّيالِي؛ وقِراءَةُ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ بِضَمِّ الظّاءِ؛ وحَذْفِ (p-١٤٧)الألِفِ؛ عَلى أنَّهُ أشَدُّ امْتِدادًا؛ ويَدُلُّ اتِّفاقُهُما في الجَمْعِ عَلى أنَّ الظِّلَّ فِيها مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ.

ولَمّا كانَ التَّمَتُّعُ لا يَكْمُلُ إلّا مَعَ العُلُوِّ المُمَكِّنِ مِن زِيادَةِ العِلْمِ؛ المُوجِبِ لِارْتِياحِ النَّفْسِ؛ وبَهْجَةِ العَيْنِ؛ بِانْفِساحِ البَصَرِ عِنْدَ مَدِّ النَّظَرِ؛ قالَ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾؛ أيْ: السُّرُرِ المُزَيَّنَةِ؛ العالِيَةِ؛ الَّتِي هي داخِلَ الحِجالِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ثَعْلَبٌ: لا يَكُونُ أرِيكَةٌ حَتّى يَكُونَ عَلَيْها حَجَلَةٌ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ”الأرائِكُ“: الحِجالُ؛ فِيها السُّرُرُ؛ ورَوى أبُو عُبَيْدٍ؛ في كِتابِ الفَضائِلِ؛ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرائِكُ؛ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ؛ فَأخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهُمُ الحَجَلَةُ فِيها السَّرِيرُ؛ وهَذا جَزاءٌ لِما كانُوا يَلْزَمُونَ المَساجِدَ؛ ويَغُضُّونَ الأبْصارَ؛ ويَضَعُونَ نُفُوسَهم لِأجْلِنا؛ ﴿مُتَّكِئُونَ﴾؛ كَما كانُوا يَدْأبُونَ في الأعْمالِ قائِمِينَ بَيْنَ أيْدِينا في أغْلَبِ الأحْوالِ؛ و”الِاتِّكاءُ“: المَيْلُ عَلى شِقٍّ؛ مَعَ الِاعْتِمادِ عَلى ما يُرِيحُ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ؛ أوِ الجُلُوسُ مَعَ التَكَمُّنِ عَلى هَيْئَةِ المُتَرَبِّعِ؛ وقِراءَتُهُ بِضَمِّ (p-١٤٨)الكافِ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ أدَلُّ عَلى التَّرَبُّعِ؛ وما قارَبَهُ؛ وقِراءَةُ كَسْرِ الكافِ؛ وضَمِّ الهَمْزَةِ أدَلُّ عَلى القُرْبِ مِنَ التَّمَدُّدِ؛ لِما فِيها مِنَ الكَسْرَةِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ - كَما نَقَلَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ -: ”أتْكَأْتُ الرَّجُلَ اتِّكاءً“؛ إذا وسَّدْتَهُ؛ أيْ جَعَلْتَ لَهُ وِسادَةً؛ أيْ: مَخَدَّةٌ يَسْتَرِيحُ عَلَيْها.

36:57Page 444

لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧

For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]

ولَمّا قَدَّمَ المَعانِيَ الَّتِي تُوجِبُ أكْلَ الفاكِهَةِ؛ أتى بِها؛ فَقالَ: ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً بِهِمْ؛ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾؛ أيْ: لا تَنْقَطِعُ أبَدًا؛ فَلا مانِعَ لَهم مِن تَناوُلِها؛ ولا يُوقَفُ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ الإرادَةِ؛ ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما يُلَذِّذُ؛ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالعَطْفِ؛ لِتَكُونَ الفاكِهَةُ مَذْكُورَةً مَرَّتَيْنِ؛ خُصُوصًا؛ وعُمُومًا -: ﴿ولَهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِأصْحابِ الجَنَّةِ؛ الَّذِينَ تُفْهِمُ الصَّيْحَةُ أنَّهم فِيها دائِمًا؛ وإنْ كانُوا في الدُّنْيا؛ أعْرى الكَلامَ مِنَ الظَّرْفِ؛ لِيُفْهِمَ إجابَةَ دُعائِهِمْ في الدُّنْيا؛ وإنالَتَهم جَمِيعَ مُرادِهِمْ في الدّارَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿ما يَدَّعُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَطْلُبُونَ؛ طَلَبًا صادِقًا؛ إمّا إخْراجًا لِما قَدْ يَهْجِسُ في النَّفْسِ؛ مِن غَيْرِ عَزْمٍ عَلَيْهِ؛ إنْ كانَ المُرادُ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ كَلامِ اللَّهِ؛ كالمَآكِلِ؛ والمَشارِبِ؛ ونَحْوِها؛ وإمّا إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ؛ إنْ كانَ المُرادُ أنَّهُ كَلامُهُ - سُبْحانَهُ -؛ وذَلِكَ (p-١٤٩)لِأجْلِ ما كانُوا في الدُّنْيا يَفْطِمُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ؛ عُزُوفًا عَمّا يَفْنى؛ وطُمُوحًا إلى ما عِنْدَنا مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ؛

36:58Page 444

سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨

[And] "Peace," a word from a Merciful Lord.

ثُمَّ فَسَّرَ الَّذِي يَدَّعُونَهُ - أيْ يَطْلُبُونَهُ - بِغايَةِ الِاشْتِياقِ إلَيْهِ؛ أوِ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا؛ لا يُكْتَنَهُ وصْفُهُ؛ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ؛ كائِنٌ هُوَ؛ أوْ مَقُولٌ هُوَ؛ والسَّلامُ يَجْمَعُ جَمِيعَ النِّعَمِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ هَذا السَّلامِ؛ بِما أظْهَرَ مِن عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلا مِن رَبٍّ﴾؛ أيْ: دائِمِ الإحْسانِ؛ ﴿رَحِيمٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمِ الإكْرامِ؛ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ؛ كَما كانُوا في الدُّنْيا يَفْعَلُونَ كُلَّ ما فِيهِ الرِّضا؛ فَيَرْحَمُهم في حالِ السَّلامِ؛ وسَماعِ الكَلامِ بِلَذَّةِ الرُّؤْيَةِ؛ مَعَ التَّقْوِيَةِ عَنِ الدَّهَشِ؛ والصَّعْقِ لِعَظِيمِ الأمْرِ؛ وبِالتَّأْهِيلِ لِهَذا المَقامِ الأكْرَمِ؛ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْهُ؛ وقَدْ أوْضَحَ هَذا السِّياقُ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) بِلا واسِطَةٍ؛ فَإنَّهُ أكَّدَهُ بِالقَوْلِ؛ وحَرْفِ الِابْتِداءِ؛ وذِكْرِ صِفاتِ الإحْسانِ؛ كَما قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: ولا ارْتِيابَ في أنَّهُ لا شَيْءَ يَعْدِلُ هَذا في النَّعِيمِ؛ وقُرَّةِ العَيْنِ؛ والشَّرَفِ؛ وعُلُوِّ القَدْرِ؛ ولا شَكَّ أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ بِالحَقِيقَةِ؛ فَهو قَلْبُ النَّعِيمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي هو قَلْبُ الوُجُودِ حَقًّا؛ خَفاءً؛ وصَلاحًا؛ وفَسادًا؛ فَصَحَّ أنَّ هَذِهِ (p-١٥٠)الآيَةَ قَلْبُ هَذِهِ السُّورَةِ؛ كَما كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَلْبَ القُرْآنِ؛ وقَدْ ورَدَ حَدِيثٌ في تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ؛ وكِتابِ المِائَتَيْنِ؛ لِلْأُسْتاذِ أبِي عُثْمانَ الصّابُونِيِّ؛ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ بِلا واسِطَةٍ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ؛ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ؛ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ؛ فَإذا الرَّبُّ (تَعالى) قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ؛ فَقالَ: (السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ)؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾؛ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ؛ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ؛ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ؛ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ؛ ويَبْقى نُورُهُ؛ وبَرَكَتُهُ في دِيارِهِمْ“».

قالَ الأُسْتاذُ أبُو عُثْمانَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبُ الإسْنادِ؛ والمَتْنِ؛ لا أعْلَمُ أنِّي كَتَبْتُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.

36:59Page 444

وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩

[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فانْظُرُوا؛ وازْدادُوا حَسْرَةً أيُّها المُجْرِمُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وامْتازُوا﴾؛ أيْ: انْفَرِدُوا انْفِرادًا هو بِغايَةِ القَصْدِ؛ وجَرى عَلى النَّمَطِ الماضِي مِن زِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِذَلِكَ المَوْقِفِ؛ بِإعادَةِ قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: عَنْ عِبادِي الصّالِحِينَ؛ أوْ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم مَعَكم في المَوْقِفِ؛ لِيَظْهَرُوا مِن أوْضارِهِمْ؛ ويُشْفُوا مِن مَضارِّهِمْ؛ لِأنَّ غَيْبَةَ الرَّقِيبِ أتَمُّ النَّعِيمِ؛ وإبْعادَ العَدُوِّ أعْلى السُّرُورِ؛ وحَذَفَ أداةَ النِّداءِ؛ لا لِقُرْبِ الكَرامَةِ؛ بَلْ لِلدَّلالَةِ (p-١٥١)عَلى أنَّهم في القَبْضَةِ؛ لا مانِعَ مِن غايَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ لِكُلِّ ما يُرادُ؛ لِأنَّهُ لا حائِلَ دُونَهُمْ؛ ﴿أيُّها المُجْرِمُونَ﴾؛ أيْ: العَرِيقُونَ في الإجْرامِ؛ فَلا يَقَعْ في أوْهامِكم أنَّكم تُخالِطُونَهُمُ اليَوْمَ أصْلًا؛ وهَذا كَما كُنْتُمْ تَمْتازُونَ عَنْهم في الدُّنْيا؛ وتُقاطِعُونَهم تَرَفُّعًا؛ واسْتِكْبارًا؛ فَهَذا قَوْلُهُ لِلْمُجْرِمِينَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَصَحَّ أنَّهُ قَلْبٌ؛ لِأنَّهُ بِهِ صَلاحُ بَعْضِ المُكَلَّفِينَ؛ وفَسادُ الآخَرِينَ؛ الَّذِي هو تَمامُ صَلاحِ الأوَّلِينَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ ”الرُّومِ“؛ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.

36:60Page 444

۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠

Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -

ولَمّا أمَرَهم بِالِامْتِيازِ أمْرًا إرادِيًّا حُكْمِيًّا؛ فامْتازُوا في الحالِ؛ وأسَرُّوا النَّدامَةَ؛ وسُقِطَ في أيْدِيهِمْ؛ فَعَضُّوا الأنامِلَ؛ وصَرُّوا بِالأسْنانِ؛ وشَخَصَتْ مِنهُمُ الأبْصارُ؛ وكَلَحَتِ الوُجُوهُ؛ وتَقَلَّصَتِ الشِّفاهُ؛ ونُكِّسَتِ الرُّؤُوسُ؛ وشَحَبَتِ الألْوانُ؛ وسُحِبُوا عَلى الوُجُوهِ؛ وكانَ مِن فُنُونِ المَساءَةِ وشُؤُونِ الحَسْرَةِ ما تَعْجِزُ عَنْهُ العُقُولُ؛ وتَذُوبُ مِن ذِكْرِهِ النُّفُوسُ؛ وتَنْخَلِعُ القُلُوبُ؛ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم في تِلْكَ الحالِ؛ بِهَذا المَقالِ؛ مُعَلِّلًا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ بِأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهم هَمَلًا؛ بَلْ رَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ؛ ونَصَبَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ عَلى كَمالِهِ ما هو كافٍ لَهم في النَّجاةِ؛ ثُمَّ ما وكَلَهم (p-١٥٢)إلى ذَلِكَ؛ بَلْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا؛ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبًا -: ﴿ألَمْ أعْهَدْ﴾؛ أيْ: أُوصِكم إيصاءً عَظِيمًا؛ بِما نَصَبْتُ مِنَ الأدِلَّةِ؛ ومَنَحْتُ مِنَ العُقُولِ؛ وبَعَثْتُ مِنَ الرُّسُلِ؛ وأنْزَلْتُ مِنَ الكُتُبِ؛ في بَيانِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى النَّجاةِ؛ لافِتًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ الإحْسانِ؛ إلى ما هو أوْلى بِهِ مِن مَظْهَرِ التَّكَلُّمِ بِالوَحْدَةِ؛ دَفْعًا لِلَّبْسِ؛ ثُمَّ أشارَ إلى عُلُوِّهِ؛ وجَلالِهِ؛ وعِظَمِهِ؛ وسُمُوِّ كَمالِهِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْكُمْ﴾

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِهَذا الخِطابِ تَقْرِيعَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ وتَبْكِيتَهُمْ؛ وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ القَلْبَ؛ وكانَ القَلْبُ أشْرَفَ الأعْضاءِ؛ وكانَ الإنْسانُ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ؛ خَصَّهُ بِالخِطابِ؛ لِأنَّ خِطابَهُ خِطابٌ لِلْجِنِّ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا ما أفْهَمَهُ حَرْفُ الغايَةِ مِن عُلُوِّ رُتْبَتِهِ؛ وعَظِيمِ مَنزِلَتِهِ؛ بِما أشارَتْ إلَيْهِ أداةُ البُعْدِ -: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾؛ أيْ: فَلَمْ أخُصَّكم بِذَلِكَ عَنْ أبْناءِ غَيْرِ نَوْعِكُمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ حامِلًا لَكم عَلى العِصْيانِ؛ بَلْ لِيَكُونَ مُوجِبًا لِلطّاعاتِ؛ والعِرْفانِ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾؛ أيْ: البَعِيدَ؛ المُحْتَرِقَ بِطاعَتِكم لَهُ؛ فِيما يُوَسْوِسُ لَكم بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ عِبادَتِهِ بِما يَقْتَضِي (p-١٥٣)شِدَّةَ النَّفْرَةِ مِنهُ؛ بَعْدَ أنَّ لَوَّحَ إلى ذَلِكَ بِوَصْفِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَكُمْ﴾؛ والتَّأْكِيدِ لِأنَّ أفْعالَهم أفْعالُ مَن يَعْتَقِدُ صَداقَتَهُ؛ ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ جِدًّا؛ مِن جِهَةِ عَداوَتِهِ لِأبِيكُمُ؛ العَداوَةَ الَّتِي أخْرَجَتْكم مِنَ الجَنَّةِ؛ الَّتِي لا مُنْزَلَ أشْرَفُ مِنها؛ ومِن جِهَةِ أمْرِهِ لَكم بِما يُبَغِّضُ الدُّنْيا؛ مِنَ التَّخالُفِ؛ والتَّخاصُمِ؛ ومِن جِهَةِ تَزْيِينِهِ لِلْفانِي؛ الَّذِي لا يَرْغَبُ فِيهِ عاقِلٌ؛ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَيْبٌ غَيْرُ فَنائِهِ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ أكْثَرُهُ أكْدارًا؛ وأدْناسًا؛ وأوْضارًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ شاغِلًا عَنِ الباقِي؟! فَكَيْفَ إذا كانَ عائِقًا عَنِ المَوْلى؟! فَكَيْفَ إذا كانَ مُغْضِبًا لَهُ؛ حاجِبًا عَنْهُ؟!

36:61Page 444

وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And that you worship [only] Me? This is a straight path.

ولَمّا بَكَّتَهم بِالتَّذْكِيرِ بِما ارْتَكَبُوا؛ مَعَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العَدُوِّ؛ تَقْدِيمًا لِدَرْءِ المَفاسِدِ؛ وبَّخَهم بِالتَّذْكِيرِ بِما ضَيَّعُوا؛ مَعَ أخْذِ العُهُودِ؛ مِن واجِبِ الأمْرِ بِعِبادَةِ الوَلِيِّ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”ألّا“ -: ﴿وأنِ اعْبُدُونِي﴾؛ ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - بِالأمْرِ بِعِبادَتِهِ؛ عَرَّفَ بِحُسْنِها؛ حَثًّا عَلى لُزُومِها قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ قائِلًا: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الأمْرُ بِعِبادَتِي؛ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ القَوْمِ؛ وعِبادَةُ الشَّيْطانِ صِراطٌ ضَيِّقٌ؛ مُعْوَجٌّ؛ غايَةَ الضِّيقِ والعِوَجِ.

36:62Page 444

وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢

And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فاتَّبَعْتُمُوهُ؛ وسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُ؛ مَعَ اعْوِجاجِهِ؛ وتَرَكْتُمْ سَبِيلِي؛ مَعَ ظُهُورِ اسْتِقامَتِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ؛ السَّوِيِّ؛ بِما سَلَّطْتُهُ بِهِ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ وأكَّدَهُ (p-١٥٤)إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ أنْ يُصَدَّقَ بِهِ؛ لِما يَبْعُدُ ارْتِكابُهُ في العادَةِ؛ مِنَ اتِّضاحِ أمْرِهِ؛ وظُهُورِ فَسادِهِ؛ وضُرِّهِ؛ ولَمّا كانَ الآدَمِيُّ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ؛ عالِيَ الهِمَّةِ؛ إذا أرادَ؛ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جِبِلا﴾؛ أيْ: أُمَمًا كِبارًا؛ عِظامًا؛ كانُوا كالجِبالِ في قُوَّةِ العَزائِمِ؛ وصُعُوبَةِ الِانْقِيادِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَكانَ يَتَلَعَّبُ بِهِمْ تَلَعُّبًا؛ فَسُبْحانَ مَن أقْدَرَهُ عَلى ذَلِكَ؛ وإلّا فَهو أضْعَفُ كَيْدًا؛ وأحْقَرُ أمْرًا؛ قالَ في القامُوسِ: ”الجُبْلُ“؛ بِالضَّمِّ: الشَّجَرُ اليابِسُ؛ والجَماعَةُ مِنّا؛ كَـ ”الجُبُلُ“، كَـ ”عُنُقٌ“ و”عِدْلٌ“؛ و”عُتُلٌّ“ و”طِمِرٌّ“؛ و”طِمِرَّةٌ“؛ وأمِيرٌ”؛ ثُمَّ قالَ: وبِالكَسْرِ؛ وبِالضَّمِّ؛ وكَـ“طِمِرَّةٌ”: الأُمَّةُ؛ والجَماعَةُ؛ ثُمَّ قالَ: و“الجُبْلَةُ”؛ مُثَلَّثَةً؛ ومُحَرَّكَةً؛ وكَـ“طِمِرَّةٌ": الخِلْقَةُ؛ والطَّبِيعَةُ؛ ودَلَّتْ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو؛ وابْنِ عامِرٍ؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وإسْكانِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ عَلى الَّذِينَ هم في أوَّلِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ والقُوَّةِ؛ وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ ورُوَيْسٍ؛ عَنْ يَعْقُوبَ؛ بِضَمَّتَيْنِ؛ وتَخْفِيفٍ؛ عَلى ما فَوْقَ ذَلِكَ؛ مِمّا يُقَرِّبُ مِنَ الوَسَطِ؛ مَعَ الظُّهُورِ؛ والعُلُوِّ؛ لِلضَّمِّ؛ مِنَ القُوَّةِ؛ وقِراءَةُ رَوْحٍ كَذَلِكَ؛ مَعَ (p-١٥٥)تَشْدِيدٍ؛ عَلى ما فَوْقَ الوَسَطِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ الحَرَكاتُ؛ والتَّشْدِيدُ؛ ولَكِنَّهُ مَعَ خَفاءٍ؛ وكَأنَّهُ بِالمَكْرِ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ كَوْنُ الحَرَكَتَيْنِ بِالكَسْرِ؛ وعَظَّمَ - سُبْحانَهُ - الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا﴾؛ ثُمَّ زادَ في التَّوْبِيخِ؛ والإنْكارِ؛ بِما أنْتَجَهُ المَقامُ؛ وسَبَّبَهُ إضْلالُهُ لَهُمْ؛ مَعَ ما أُوتُوا مِنَ العُقُولِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ﴾؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ آتاهم عُقُولًا؛ وأيَّ عُقُولٍ! عَبَّرَ بِالكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: لِتَدُلَّكم عَلى ما فِيهِ النَّجاةُ عُقُولُكُمْ؛ بِما نَصَبْتُ مِنَ الأدِلَّةِ؛ ومَعَ ما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ؛ وحَذَّرَتْ مِنهُ مِن إهْلاكِ الماضِينَ؛ بِسَبَبِ اتِّباعِ الشَّياطِينِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ أمْرٍ واضِحٍ مُبِينٍ.

36:63Page 444

هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣

This is the Hellfire which you were promised.

ولَمّا أنْكَرُ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْعَلُوا فِعْلَ مَن لا عَقْلَ لَهُ؛ قالَ - مُتَمِّمًا لِلْخِزْيِ -: ﴿هَذِهِ﴾؛ إشارَةً لِحاضِرِ إمّا حالِ الوُقُوفِ عَلى شَفِيرِها؛ أوِ الدَّعِّ فِيها؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَسْتَقْبِلُكم بِالعَبُوسَةِ؛ والتَّجَهُّمِ؛ كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ بِعِبادِي الصّالِحِينَ؛ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا هَيَّأْتُكم بِهِ لِقَبُولِ ما يُمْكِنُ كَوْنُهُ؛ بِما غَرَزْتُهُ فِيكم مِنَ العُقُولِ؛ ولَمّا كانَ المَحْذُورُ الإيعادَ بِها؛ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ قالَ - بانِيًا لِلْمَفْعُولِ -: ﴿تُوعَدُونَ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَرْجِعُوا عَنْ غَيِّكُمْ؛

36:64Page 444

ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤

[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1

﴿اصْلَوْها﴾؛ أيْ: قاسُوا حَرَّها؛ وتَوَقُّدَها؛ واضْطِرامَها؛ (p-١٥٦)وهَوْلَ أمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ بِإعادَةِ ذِكْرِهِ؛ عَلى حَدِّ ما مَضى؛ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ﴾؛ لِتَكُونُوا في شُغُلٍ شاغِلٍ؛ كَما كانَ أصْحابُ الجَنَّةِ؛ وشَتّانَ ما بَيْنَ الشُّغُلَيْنِ؛ ﴿بِما﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما.

ولَمّا كانُوا قَدْ تَجَلَّدُوا عَلى الطُّغْيانِ؛ تَجَلُّدَ مَن هو مَجْبُولٌ عَلَيْهِ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تَسْتُرُونَ ما هو ظاهِرٌ جِدًّا بِعُقُولِكم مِن آياتِي؛ مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ.

36:65Page 444

ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥

That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ؛ أوْ يُجْرِي الأمْرَ عَلى قاعِدَةِ الدُّنْيا في العَمَلِ بِالبَيِّنَةِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ عَلى أظْهَرَ مِن قَواعِدِ الدُّنْيا؛ فَقالَ - مُهَوِّلًا لِلْيَوْمِ؛ عَلى النَّسَقِ الماضِي في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالتَّهْوِيلِ -: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ؛ المُتَشَعِّبَةِ مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى الغَيْبَةِ؛ إيذانًا بِالإعْراضِ؛ لِتَناهِي الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى أفْواهِهِمْ﴾؛ أيْ: لِاجْتِرائِهِمْ عَلى الكَذِبِ في الأُخْرى؛ كَما كانَ دَيْدَنُهم في الدُّنْيا؛ وكانَ الرَّوَغانُ والكَذِبُ والفَسادُ إنَّما يَكُونُ بِاللِّسانِ؛ المُعْرِبِ عَنِ القَلْبِ؛ وأمّا بَقِيَّةُ الجَوارِحِ؛ فَمَهْما خَرَقَ العادَةَ بِإقْدارِها عَلى الكَلامِ؛ لَمْ تَنْطِقْ إلّا بِالحَقِّ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا؛ إقْرارًا هو أعْظَمُ شَهادَةً؛ ﴿وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ (p-١٥٧)أيْ: عَلَيْهِمْ؛ بِكَلامٍ بَيِّنٍ؛ هو مَعَ كَوْنِهِ شَهادَةَ إقْرارٍ؛ ﴿بِما كانُوا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَكْسِبُونَ﴾؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الكَلامَ لِلْأيْدِي أوَّلًا؛ لِأنَّها كانَتْ مُباشِرَةً؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ مِن حَيِّزِ الأرْجُلِ ثانِيًا؛ وأثْبَتَ الشَّهادَةَ لِلْأرْجُلِ ثانِيًا؛ لِأنَّها كانَتْ حاضِرَةً؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِها مِن حَيِّزِ الأيْدِي أوَّلًا؛ وبِقَرِينَةِ أنَّ قَوْلَ المُباشِرِ إقْرارٌ؛ وقَوْلَ الحاضِرِ شَهادَةٌ؛ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”يَقُولُ العَبْدُ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: فَيَقُولُ: (بَلى)؛ فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلى نَفْسِي إلّا شاهِدًا مِنِّي؛ فَيَقُولُ: (كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا؛ وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا)؛ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ؛ ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي؛ فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ؛ ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ؛ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ؛ وسُحْقًا؛ فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ“؛ والظّاهِرُ أنَّ السِّرَّ في الخَتْمِ عَلى فِيهِ مَنعُهُ مِن أنْ يَلْغَطَ حالَ شَهادَتِها عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يُسْمَعَ قَوْلُها؛ كَما هو دَأْبُ أهْلِ العِنادِ عِنْدَ الخِصامِ.

36:66Page 444

وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦

And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1

ولَمّا أتَمَّ بِضَرْبِ المَثَلِ؛ وما بَعْدَهُ؛ الدَّلالَةَ عَلى مَضْمُونِ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] وما عَلَّلَتْ بِهِ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما تَرَكَهُ كالشَّمْسِ؛ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ؛ وزادَ مِن بُحُورِ الفَوائِدِ؛ وجَمِيلِ العَوائِدِ؛ ما مَلَأ الأكْوانَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ؛ وذَكَرَ ما في فَرِيقَيِ (p-١٥٨)المُتَّبِعِينَ؛ والمُمْتَنِعِينَ؛ يَوْمَ البَعْثِ؛ وخَتَمَ بِالحَتْمِ عَلى الأفْواهِ بَعْدَ البَعْثِ؛ أتْبَعَهُ آيَةَ الخَتْمِ بِالطَّمْسِ؛ والمَسْخِ؛ قَبْلَ المَوْتِ؛ تَهْدِيدًا؛ عَطْفًا عَلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المَعْنى؛ مِمّا قِيلَ أوَّلَ ذَلِكَ الخِطابِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾ [يس: ٨] الآيَةَ؛ دَفْعًا لِما رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أحَدٍ أنَّ القُدْرَةَ لا تَتَوَجَّهُ إلى غَيْرِ الطَّمْسِ في المَعانِي؛ بِضَرْبِ السَّدِّ؛ وما في مَعْناهُ؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ كَما أعْمى البَصائِرَ؛ قادِرٌ عَلى إذْهابِ الأبْصارِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ؛ أوِ الأفْعالِ الَّتِي هي فِعْلُ المُنْكِرِ -: ﴿ولَوْ﴾؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿نَشاءُ﴾؛ لِيُتَوَقَّعَ في كُلِّ حِينٍ؛ فَيَكُونَ أبْلَغَ في التَّهْدِيدِ؛ ﴿لَطَمَسْنا﴾؛ وقَصَرَ الفِعْلَ؛ إشارَةً إلى أنَّ المَعْنى: لَوْ نُرِيدُ لَأوْقَعْنا الطَّمْسَ الَّذِي جَعَلْناهُ عَلى بَصائِرِهِمْ؛ ﴿عَلى أعْيُنِهِمْ﴾؛ فَأذْهَبْنا عَيْنَها وأثَرَها؛ وجَعَلْناها مُساوِيَةً لِلْوَجْهِ؛ بِحَيْثُ تَصِيرُ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ أصْلًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في ”النِّساءِ“؛ نَقْلُ مَعْنى هَذا عَنِ ابْنِ هِشامٍ.

ولَمّا كانَ الجالِسُ مَعَ شَخْصٍ في مَجْلِسِ التَّنازُعِ؛ وهو يُهَدِّدُهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ غَيِّهِ؛ بِقارِعَةٍ يُصِيبُهُ بِها؛ يُبادِرُ الهَرَبَ إذا فاجَأتْهُ مِنهُ مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ؛ خَوْفًا مِن غَيْرِها؛ جَرْيًا مَعَ الطَّبْعِ؛ لِما نالَهُ مِنَ الدَّهَشِ؛ ومَسَّهُ مِن (p-١٥٩)عَظِيمِ الِانْزِعاجِ؛ والوَجَلِ؛ كَما اتَّفَقَ لِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا مَسَحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعْيُنَهُمْ؛ فَأغْشاها؛ حِينَ بادَرُوا البابَ هَرَبًا؛ يَقُولُونَ: عِنْدَ لُوطٍ أسْحَرُ النّاسِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَبَقُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذَلِكَ؛ وأوْجَدُوهُ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بَيانَ إسْراعِهِمْ في الهَرَبِ؛ عَدّى الفِعْلَ؛ مُضَمِّنًا لَهُ مَعْنى ”ابْتَدَرُوا“؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] فَقالَ: ﴿الصِّراطَ﴾؛ أيْ: الطَّرِيقَ الواضِحَ؛ الَّذِي ألِفُوهُ؛ واعْتادُوهُ؛ ولَهم بِهِ غايَةُ المَعْرِفَةِ؛ ولَمّا كانَ الأعْمى لا يُمْكِنُهُ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ المَشْيُ بِلا قائِدٍ؛ فَضْلًا عَنِ المُسابَقَةِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ - مُنْكِرًا -: ﴿فَأنّى﴾؛ أيْ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ ﴿يُبْصِرُونَ﴾ ؟ أيْ: فَلَمْ يَهْتَدُوا لِلصِّراطِ؛ لِعَدَمِ إبْصارِهِمْ؛ بَلْ تَصادَمُوا؛ فَتَساقَطُوا في المَهالِكِ؛ وتَهافَتُوا.

36:67Page 444

وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧

And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الحَرَكَةِ؛ قالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾؛ أيْ: أنْ نَمْسَخَهُمْ؛ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾؛ أيْ: حَوَّلْناهم إلى الجَمادِيَّةِ؛ فَأبْطَلْنا مِنهُمُ الحَرَكَةَ الإرادِيَّةَ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ المُفاجَأةَ بِهَذِهِ المَصائِبِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ قالَ: ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾؛ أيْ: المَكانِ الَّذِي كانَ قَبْلَ المَسْخِ؛ كُلَّ شَخْصٍ مِنهُ؛ شاغِلًا لَهُ بِجُلُوسٍ؛ أوْ قِيامٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ في ذَلِكَ المَوْضِعِ خاصَّةً؛ قَبْلَ أنْ يَتَحَرَّكَ مِنهُ؛ وهو مَعْنى قِراءَةِ شُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَكاناتِهِمْ“؛ ودَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ التَّحْوِيلُ إلى أحْوالِ الجَمادِيَّةِ؛ بِما سُبِّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾؛ أيْ: بِأنْفُسِهِمْ؛ (p-١٦٠)بِنَوْعِ مُعالَجَةٍ؛ ﴿مُضِيًّا﴾؛ أيْ: حَرَكَةً؛ إلى جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَرْجِعُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ رُجُوعٌ إلى حالَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ المَسْخِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ حَقٌّ؛ لا كَما يَقُولُونَ مِن أنَّها خَيالٌ؛ وسِحْرٌ؛ بَلْ ثَباتُها لا يُمْكِنُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ رَفْعُهُ؛ ولا تَغْيِيرُهُ بِنَوْعِ تَغْيِيرِ هَذا المُرادِ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ ولَوْ قِيلَ: ”ولا رُجُوعًا“ - كَما قالَ بَعْضُهم إنَّهُ المُرادُ -؛ لَمْ يُفِدْ هَذا المَعْنى النَّفِيسَ.

36:68Page 444

وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨

And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ أُمُورًا فَرْضِيَّةً؛ يَتَأتّى لِبَعْضِ المُعانِدِينَ اللُّدِّ الطَّعْنُ فِيها مُكابَرَةً؛ وكانَ كَوْنُهُ ﷺ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ؛ مانِعًا مِنَ المُفاجَأةِ بِالتَّعْذِيبِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِها؛ دَلَّ عَلَيْها بِما يُشاهِدُونَهُ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ؛ وغَرِيبِ حِكْمَتِهِ في صَنْعَتِهِ؛ فَقالَ - دالًّا بِالعاطِفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ؛ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَقَدْ خَلَقْناهم نُطَفًا؛ ثُمَّ عَلَقًا؛ ثُمَّ مُضَغًا؛ ثُمَّ أوْلَدْناهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا؛ ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ؛ ثُمَّ دَرَّجْناهم في أطْوارِ الأسْنانِ؛ مُعْلِينَ لَهم في مَعارِجِ القُوى الظّاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إلى أنْ صارُوا إلى حَدِّ الأشَدِّ - وهو اسْتِكْمالُ القُوى البَشَرِيَّةِ -؛ فَأوْقَفْنا قُواهُمُ الظّاهِرَةَ؛ والباطِنَةَ؛ فَلَمْ نُجْرِ العادَةَ بِأنْ نُحْدِثَ فِيهِمْ إذْ ذاكَ قُوَّةً لَمْ تَكُنْ أيّامَ (p-١٦١)الشَّبابِ“ -: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾؛ أيْ: نُطِلْ عُمُرَهُ؛ إطالَةً كَبِيرَةً مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ؛ ﴿نُنَكِّسْهُ﴾؛ وقِراءَةُ عاصِمٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِضَمِّ أوَّلِهِ؛ وفَتْحِ ثانِيهِ؛ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةً؛ دالَّةٌ عَلى تَفاوُتِ النّاسِ في النَّكْسِ؛ ولَمْ يَقُلْ ”فِي خَلْقِهِ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المُرادَ أنَّ المُعَمَّرَ لَهُ خَلْقٌ أنْشَأهُ وأبْدَعَهُ؛ ﴿فِي الخَلْقِ﴾؛ أيْ: فِيما أبْدَعْناهُ مِن تَقْدِيرِ بَدَنِهِ؛ ورُوحِهِ؛ أيْ نَرُدَّهُ عَلى عَقِبِهِ؛ نازِلًا في المَدارِجِ الَّتِي أصْعَدْناهُ فِيها؛ إلى أنْ تَضْمَحِلَّ قُواهُ الحِسِّيَّةُ؛ فَيَكُونَ كالطِّفْلِ؛ فَلا يَقْدِرَ عَلى شَيْءٍ؛ والمَعْنَوِيَّةُ؛ فَلا يَعْلَمَ شَيْئًا؛ ومَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذا التَّحْوِيلِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى لَمْ تَكُنْ؛ طَرْدًا وعَكْسًا؛ قَدَرَ عَلى مِثْلِ ما مَضى مِنَ التَّحْوِيلِ؛ بِلا فارِقٍ؛ غَيْرَ أنَّهم لِكَثْرَةِ إلْفِهِمْ لِذَلِكَ صَيَّرَهُ عِنْدَهم هَيِّنًا؛ ولِقِلَّةِ وُجُودِ الأوَّلِ صَيَّرَهُ عِنْدَهم بَعِيدًا؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنِ الكَلامِ قَوْلَهُ - عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ ولَفْتًا إلى الخِطابِ عِنْدَ المَدَنِيِّينَ؛ ويَعْقُوبَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الِاسْتِعْطافِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ الوَعْظَ عامٌّ لِكُلِّ صالِحٍ لِلْخِطابِ -: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾؛ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: قَيَّدَ بِالخَلْقِ احْتِرازًا عَنِ الأمْرِ؛ فَإنَّ المُؤْتَمِرَ كُلَّما زادَ سِنًّا ازْدادَ لِرَبِّهِ طاعَةً؛ وبِهِ عِلْمًا؛ يَعْنِي أنَّ النَّكْسَ في البَدَنِ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ؛ وأمّا في المَعارِفِ فَتارَةً؛ وتارَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском