Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
يس
Ya-Sin
Ya Sin · Meccan · 83 ayahs
(p-٨١)سُورَةُ ”يـس“
وتُسَمّى ”القَلْبُ“؛ و”الدّافِعَةُ“؛ و”القاضِيَةُ“؛ و”المُعِمَّةُ“
مَقْصُودُها إثْباتُ الرِّسالَةِ الَّتِي هي رُوحُ الوُجُودِ؛ وقَلْبُ جَمِيعِ الحَقائِقِ؛ وبِها قِوامُهُ؛ وصَلاحُها لِلْمُرْسَلِ بِها؛ الَّذِي هو خالِصَةُ المُرْسَلِينَ؛ الَّذِينَ هم قَلْبُ المَوْجُوداتِ كُلِّها؛ ذَواتٍ ومَعانِيَ؛ إلى أهْلِ مَكَّةَ؛ أُمِّ القُرى؛ وقَلْبِ الأرْضِ؛ وهم قُرَيْشٌ؛ قَلْبُ العَرَبِ؛ الَّذِينَ هم قَلْبُ النّاسِ؛ بِصَلاحِهِمْ صَلاحُهم كُلِّهِمْ؛ وبِفَسادِهِمْ فَسادُهُمْ؛ فَلِذَلِكَ كانَ مِن حَوْلِهِمْ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ؛ وجُلُّ فائِدَةِ الرِّسالَةِ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ؛ الَّتِي هي قَلْبُ الِاعْتِقادِ؛ وخالِصُهُ؛ وعَمُودُهُ؛ لِلْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ وإنْذارُ يَوْمِ الجَمْعِ؛ الَّذِي بِهِ - مَعَ سَتْرِهِ عَنِ العِيانِ؛ الَّذِي هو مِن خَواصِّ القَلْبِ - صَلاحُ الخَلْقِ؛ فَهو قَلْبُ الأكْوانِ؛ وبِهِ الصَّلاحُ؛ أوِ الفَسادُ لِلْإنْسانِ؛ وعَلى ذَلِكَ تَنْطَبِقُ مَعانِي أسْمائِها: ”يـس“؛ و”القَلْبُ“؛ و”الدّافِعَةُ“؛ و”القاضِيَةُ“؛ (p-٨٢)و”المُعِمَّةُ“؛ وأمّا ”يـس“؛ فَسَيَأْتِي بَيانُهُ؛ مِن جِهَةِ إشارَتِهِ إلى سِرِّ كَوْنِها قَلْبًا؛ المُشِيرُ إلى البَعْثِ؛ الَّذِي هو مِن أجَلِّ مَقاصِدِها؛ الَّذِي بِهِ يَكُونُ صَلاحُ القَلْبِ؛ الَّذِي بِهِ يَكُونُ قَبُولُ ما ذُكِرَ؛ وأمّا الباقِي فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الرِّسالَةَ كَفَتْهُ؛ ودَفَعَتْ عَنْهُ جَمِيعَ مُهِمِّهِ؛ وقَضَتْ لَهُ بِكُلِّ خَيْرٍ؛ وأعْطَتْهُ كُلَّ مُرادٍ؛ وكُلٌّ مِنها لَهُ أتَمُّ نَظَرٍ إلى القَلْبِ؛ كَما لا يَخْفى؛ و”المُعِمَّةُ“: الشّامِلَةُ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ؛ قالَ في القامُوسِ: يُقالُ: ”عَمَّهم بِالعَطِيَّةِ“؛ و”هُوَ مُعِمُّ خَيْرٍ يَعُمُّ خَيْرُهُ“؛ فَقَدْ لاحَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الشَّرِيفَةَ؛ لَمّا كانَتْ قَلْبًا؛ كانَ كُلَّ شَيْءٍ فِيها لَهُ نَظَرٌ عَمِيقٌ إلى القَلْبِيَّةِ؛ ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الَّذِي جَلَّ مُلْكُهُ عَنْ أنْ يُحاطَ بِمِقْدارِهِ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي جَعَلَ الإنْذارَ بِيَوْمِ الجَمْعِ رَحْمَةً عامَّةً ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي أنارَ قُلُوبَ أوْلِيائِهِ بِالِاجْتِهادِ لِيَوْمِ لِقائِهِ.
لَمّا كانَ قَلْبُ كُلِّ شَيْءٍ أبْطَنَ ما فِيهِ؛ وأنْفَسَ؛ وكانَ قَلْبُ الإنْسانِ غائِبًا عَنِ الإحْساسِ؛ وكانَ مُودَعًا مِنَ المَعانِي الجَلِيلَةِ والإدْراكاتِ الخَفِيَّةِ؛ والجَلِيَّةِ؛ ما يَكُونُ لِلْبَدَنِ سَبَبًا في إصْلاحِهِ؛ أوْ إفْسادِهِ؛ مِن إشْقائِهِ أوْ إبْقائِهِ؛ وكانَتِ السّاعَةُ مِن عالَمِ الغَيْبِ؛ وفِيها يَكُونُ انْكِشافُ الأُمُورِ؛ والوُقُوفُ عَلى حَقائِقِ المَقْدُورِ؛ وبِمُلاحَظَتِها (p-٨٣)فِي إصْلاحِ أسْبابِها تَكُونُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ؛ وبِالإعْراضِ عَنْها وإفْسادِ أسْبابِها تَكُونُ الشَّقاوَةُ السَّرْمَدِيَّةُ؛ وكانَتْ قَدْ بُيِّنَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانًا لَمْ يَكُنْ في غَيْرِها؛ بِما وقَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ في قَلْبِها؛ الَّذِي هو وسَطُها؛ بِنَفْخَتِها المُمِيتَةِ لِكُلِّ مَن عَلى الأرْضِ؛ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] الباعِثَةِ ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] والتَّصْرِيحِ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ؛ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ؛ الَّذِي نُقِلَ أنَّ أبا نَصْرٍ الفارابِيَّ - الَّذِي وُسِمَ بِأنَّهُ المُعَلِّمُ الثّانِي - كانَ يَقُولُ: ودِدْتُ أنَّ هَذا العالِمَ الرَّبّانِيَّ - يُشِيرُ إلى المُعَلِّمِ الأوَّلِ ”أرِسْطُو“؛ وقَفَ عَلى هَذا القِياسِ؛ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أنْشَأ العِظامَ وأحْياها أوَّلَ مَرَّةٍ؛ وكُلُّ مَن أنْشَأ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ وكُلُّ مَن أنْشَأ شَيْئًا وأحْياهُ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ فَهو قادِرٌ عَلى إنْشائِهِ وإحْيائِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ؛ يُنْتِجُ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْشاءِ العِظامِ؛ وإحْيائِها؛ بَعْدَ فَنائِها؛ فاخْتَصَّتْ بِذَلِكَ عَنْ باقِي القُرْآنِ؛ كانَتْ قَلْبًا لَهُ؛ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ؛ وقَلْبُ (p-٨٤)القُرْآنِ يـس“؛ ورَواهُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ - وهَذا لَفْظُهُ - والإمامُ أحْمَدُ؛ في مُسْنَدَيْهِما؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”يـس قَلْبُ القُرْآنِ؛ لا يَقْرَؤُها رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ والدّارَ الآخِرَةَ إلّا غُفِرَ لَهُ؛ اقْرَؤُوها عَلى مَوْتاكُمْ“؛» قالَ شَيْخُنا الحافِظُ شِهابُ الدِّينِ البُوصَيْرِيُّ: ولَهُ شاهِدٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ رَواهُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ؛ هَذا ما هَدانِي اللَّهُ إلَيْهِ؛ ولَهُ الحَمْدُ مِن بَيانِ السِّرِّ في كَوْنِها قَلْبًا؛ ثُمَّ رَأيْتُ البُرْهانَ النَّسَفِيَّ قالَ في تَفْسِيرِهِ؛ الَّذِي هو مُخْتَصَرُ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ لِلْإمامِ الرّازِيِّ؛ في آخِرِ السُّورَةِ؛ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الحَدِيثَ: قالَ الغَزالِيُّ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ - أيْ: كَوْنَها قَلْبًا - لِأنَّ الإيمانَ صِحَّتُهُ بِالِاعْتِرافِ بِالحَشْرِ؛ والحَشْرُ مُقَرَّرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأبْلَغِ وجْهٍ؛ فَجُعِلَتْ قَلْبَ القُرْآنِ لِذَلِكَ؛ واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ المُدَقِّقُ المُحَقِّقُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ؛ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَيْسَ فِيها إلّا تَقْرِيرُ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ؛ الوَحْدانِيَّةِ؛ والرِّسالَةِ؛ والحَشْرِ؛ بِأقْوى البَراهِينِ؛ فابْتَدَأها بِبَيانِ الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ودَلِيلُهُ ما قَدَّمَهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] وما أخْبَرَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦] وأنْهاها بِبَيانِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والحَشْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] إشارَةً إلى التَّوْحِيدِ؛ وقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] إشارَةً إلى الحَشْرِ؛ (p-٨٥)ولَيْسَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلّا هَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ؛ ودَلائِلُها؛ ومَن حَصَّلَ مِنَ القُرْآنِ هَذا القَدْرَ فَقَدْ حَصَّلَ نَصِيبَ قَلْبِهِ؛ وهو التَّصْدِيقُ؛ الَّذِي بِالجَنانِ؛ وأمّا الَّذِي بِاللِّسانِ؛ والَّذِي بِالأرْكانِ؛ فَفي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ فَلَمّا كانَ فِيها أعْمالُ القَلْبِ لا غَيْرُ؛ سَمّاها ”قَلْبًا“ ولِهَذا ورَدَ عَنْهُ ﷺ قِراءَتُها عِنْدَ رَأْسِ مَن دَنا مِنهُ المَوْتُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ اللِّسانُ ضَعِيفَ القُوَّةِ؛ والأعْضاءُ الظّاهِرَةُ ساقِطَةَ المِنَّةِ؛ لَكِنَّ القَلْبَ يَكُونُ قَدْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ؛ ورَجَعَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَيُقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ ما يَزْدادُ بِهِ قُوَّةً في قَلْبِهِ؛ ويَشْتَدُّ تَصْدِيقُهُ بِالأُصُولِ الثَّلاثَةِ؛ انْتَهى؛ وفِيهِ بَعْضُ تَصَرُّفٍ؛ وقَوْلُهُ: ”إنَّ وظِيفَةَ اللِّسانِ والأرْكانِ لَيْسَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنها شَيْءٌ“؛ رُبَّما يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] والحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَواهُ أحْمَدُ؛ وأبُو داوُدَ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ وابْنُ حِبّانَ؛ والحاكِمُ؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَفَعَهُ: «”اقْرَؤُوا يـس عَلى مَوْتاكُمْ“؛» وأعَلَّهُ ابْنُ القَطّانِ؛ وضَعَّفَهُ الدّارَقُطْنِيُّ؛ وأسْنَدَ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ؛ وأبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُقْرَأُ عِنْدَهُ يـس إلّا هَوَّنَ اللَّهُ (p-٨٦)عَلَيْهِ“؛» ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ؛ ابْنُ حِبّانَ؛ في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ وحْدَهُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ والإمامُ أحْمَدُ؛ في مُسْنَدِهِ؛ عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَمْرٍو قالَ: كانَتِ المَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إذا قُرِئَتْ ”يـس“ عِنْدَ المَيِّتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِها؛ قالَ ابْنُ حِبّانَ: المُرادُ المُحْتَضَرُ؛ واسْتُمِدَّ مِن هَذا التَّصْرِيحِ بِالحَشْرِ كُلُّ ما انْبَثَّ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ؛ الَّذِي بِمُراعاتِهِ وإتْقانِهِ يَكُونُ صَلاحُ جَمِيعِ الأحْوالِ في الدّارَيْنِ؛ وبِإهْمالِهِ ونِسْيانِهِ يَكُونُ فَسادُها فِيهِما - هَذا مَعَ ما شارَكَتْ بِهِ غَيْرَها مِمّا جَمَعَتْهُ مِن جَمِيعِ مَعانِيهِ المَجْمُوعَةِ في ”الفاتِحَةِ“؛ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ ”اللَّهُ“؛ و”الرَّبُّ“؛ و”الرَّحْمَنُ“؛ و”الرَّحِيمُ“؛ و”مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ“؛ ”الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ“؛ والأمْرِ بِالعِبادَةِ بِسُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ وتَفْصِيلِ أهْلِ النَّعِيمِ؛ وأهْلِ الجَحِيمِ؛ وإثْباتِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ؛ الَّتِي يَصِيرُ بِها المُكَلَّفُ مُؤْمِنًا؛ الوَحْدانِيَّةِ؛ والحَشْرِ؛ والرِّسالَةِ؛ الَّتِي هي قَلْبُ الوُجُودِ؛ وبِها صَلاحُهُ؛ وهي مُمِدَّةٌ لِكُلِّ رُوحٍ يَكُونُ بِهِ حَياةٌ هَنِيئَةٌ؛ وهي مَبْدَأُ الصَّلاحِ كَما أنَّ البَعْثَ غايَتُهُ؛ وأنَّ الخاتَمَ لَها إنْسانُ عَيْنِ المَوْجُوداتِ وقَلَبُها؛ فَأثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ عَلى أصْرَحِ وجْهٍ وآكَدِهِ؛ (p-٨٧)ومَعَ جَمْعِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المَنثُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ عِمادًا لِلْقُرْآنِ؛ وشَحْذًا لِلْأذْهانِ؛ لِصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ ووَصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ.
ولَمّا كانَ القَلْبُ مِنَ الإنْسانِ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِنَ الأكْوانِ؛ في نَحْوِ ثُلُثِ بَدَنِهِ مِن جِهَةِ رَأْسِهِ؛ وكانَتِ الياءُ في نَحْوِ ذَلِكَ مِن حُرُوفِ ”أبـجـد“؛ فَإنَّها العاشِرَةُ مِنها؛ والسِّينُ بِذَلِكَ المَحَلِّ مِن حُرُوفِ ”أ ب ت ث“؛ فَإنَّها الثّانِيَةَ عَشَرَةَ مِنها؛ وعَلا هَذانِ الحَرْفانِ - بِما فِيهِما مِنَ الجَهْرِ - عَنْ غايَةِ الضَّعْفِ؛ ونَزَلا بِما لَهُما مِنَ الهَمْسِ عَنْ نِهايَةِ الشِّدَّةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ القَلْبَ الصَّحِيحَ هو الزُّجاجِيُّ الشَّفّافُ؛ الجامِعُ بَيْنَ الصَّلابَةِ؛ والرِّقَّةِ؛ الَّذِي عَلا بِصَلابَتِهِ عَنْ رِقَّةِ الماءِ الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ صُورَةٌ؛ ونَزَلَ بِلَطافَتِهِ عَنْ قَساوَةِ الحَجَرِ؛ الَّذِي لا يَكادُ يَنْطَبِعُ فِيهِ شَيْءٌ إلّا بِغايَةِ الجُهْدِ؛ فَكانَ جامِعًا بَيْنَ الصَّلابَةِ والرِّقَّةِ؛ مُتَهَيِّئًا لِأنْ تَنْطَبِعُ فِيهِ الصُّوَرُ؛ وتَثْبُتُ؛ لِيَكُونَ قابِلًا مُفِيدًا؛ فَيَكُونَ مُتَخَلِّفًا مِن صِفاتٍ مُوجَدَةٍ بِالقُدْرَةِ؛ والِاخْتِيارِ؛ اللَّذَيْنِ دَلَّتْ عَلَيْهِما سُورَةُ ”المَلائِكَةِ“؛ وبِمَعْرِفَةِ الخَيْرِ فَيَجْتَلِبَهُ؛ والشَّرِّ فَيَجْتَنِبَهُ؛ فَيَكُونَ فِيهِ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ عَلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ في صانِعِهِ؛ وكانَتِ المَجْهُورَةُ (p-٨٨)أقْوى؛ فَقُدِّمَتِ الياءُ لِجَهْرِها؛ وكانَتا - بَعْدَ اخْتِلافٍ بِالجَهْرِ؛ والهَمْسِ - قَدِ اتَّفَقَتا في الِانْفِتاحِ؛ والرَّخاوَةِ؛ والِاسْتِفالِ؛ إشارَةً إلى أنَّ القَلْبَ لا يَصْلُحُ - كَما تَقَدَّمَ - مَعَ الصَّلابَةِ؛ الَّتِي هي في مَعْنى الجَهْرِ؛ إلّا بِالإخْباتِ؛ الَّذِي هو في مَعْنى الهَمْسِ؛ وبِالنُّزُولِ عَنْ غايَةِ الصَّلابَةِ إلى حَدِّ الرَّخاوَةِ؛ لِئَلّا يَكُونَ حَجَرِيًّا قاسِيًا؛ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ انْفِتاحٌ؛ لِيَكُونَ مُفِيدًا؛ وقابِلًا؛ ويَكُونَ مُسْتَفِلًا؛ لِيَكُونَ إلى رَبِّهِ بِتَواضُعِهِ واصِلًا؛ وزادَتِ السِّينُ بِالصَّفِيرِ؛ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ؛ وانْتِشارٌ؛ وقُوَّةٌ؛ لِضَعْفِها عَنِ الياءِ بِالهَمْسِ؛ فَتَعادَلَتا؛ ودَلَّ صَفِيرُها عَلى النَّفْخِ في الصُّورِ؛ الَّذِي صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ؛ ودَلَّ جَهْرُ الياءِ عَلى قُوَّتِهِ؛ ودَلَّ كَوْنُها مِن حُرُوفِ النِّداءِ عَلى خُرُوجِهِ عَنِ الحَدِّ في الشَّدِّهِ؛ حَتّى تَبْدُوَ عَنْهُ تِلْكَ الآثارُ المُخْلِيَةُ لِلدِّيارِ؛ المُنْفِيَةُ لِلصِّغارِ؛ والكِبارِ؛ ثُمَّ الباغِتَةُ لَهم مِن جَمِيعِ الأقْطارِ؛ امْتِثالًا لِأمْرِ الواحِدِ القَهّارِ؛ وكانَ مَخْرَجُهُما مِنَ اللِّسانِ؛ الَّذِي هو قَلْبُ المَخارِجِ الثَّلاثَةِ؛ لِتَوَسُّطِهِ؛ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ في ذَلِكَ؛ وكانَتِ الياءُ مِن وسَطِهِ؛ والسِّينُ مِن طَرْفِهِ؛ وكانَ هَذانِ المَخْرَجانِ؛ مَعَ كَوْنِهِما وسَطًا؛ مَدارًا لِأكْثَرِ الحُرُوفِ؛ هَذا مَعَ ما لَهُما مِنَ الأسْرارِ الَّتِي تَدِقُّ عَنْ تَصَوُّرِ الأفْكارِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿يس﴾؛ وإنْ كانَ المَعْنى: يا إنْسانُ؛ فَهو قَلْبُ المَوْجُوداتِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها؛ (p-٨٩)وخالِصُها؛ وسِرُّها؛ ولُبابُها؛ وإنْ أُرِيدَ: يا سَيِّدُ؛ فَهو خُلاصَةُ مَن سادَهُمْ؛ وإنْ أُرِيدَ: يا رَجُلُ؛ فَهو خُلاصَةُ البَشَرِ؛ وإنْ أُرِيدَ: يا مُحَمَّدُ؛ فَهو خالِصَةُ الرِّجالِ؛ الَّذِينَ هم لُبابُ البَشَرِ؛ الَّذِينَ هم سِرُّ الأحْياءِ الَّذِينَ هم عَيْنُ المَوْجُوداتِ فَهو خُلاصَةُ الخُلاصَةِ؛ وخِيارُ وعَيْنُ القَلْبِ؛ وكَأنَّ مَن قالَ: مَعْناهُ: مُحَمَّدٌ؛ نَظَرَ إلى الِاتِّحادِ في عَدَدِ اسْمِهِ ﷺ بِالجُمَلِ؛ بِالنَّظَرِ إلى اليَمِينِ في المُشَدَّدَةِ؛ وعَدَدِ ”قَلْبٌ“؛ وعَدَدِ اسْمَيِ الحَرْفَيْنِ؛ ولا يَخْفى أنَّ الهَمْزَةَ في اسْمِ الياءِ ألِفٌ ثانِيَةٌ؛ فَمَبْلَغُ عَدَدِهِ اثْنا عَشَرَ.
ولَمّا تَقَدَّمَ في ”المَلائِكَةِ“ إثْباتُ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وتَهْدِيدُ قَوْمِهِ عَلى النَّفْرَةِ عَنْهُ؛ وأنَّ مُرْسِلَهُ (تَعالى) بَصِيرٌ بِعِبادِهِ؛ عالِمٌ بِما يُصْلِحُهُمْ؛ ومَن يَصْلُحُ مِنهم لِلرِّسالَةِ؛ وغَيْرِها؛ وكانَ مَدارُ مادَّةِ ”قَرَأ“ - كَما مَضى في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ - الجَمْعَ؛ مَعَ الفَرْقِ؛ وكانَ ذَلِكَ أعْلى مَقاماتِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ؛ وهو وظِيفَةُ القَلْبِ؛ عَبَّرَ في القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ﴾؛ ووَصَفَهُ بِصِفَةِ القَلْبِ العارِفِ؛ فَقالَ: ﴿الحَكِيمِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى العِلْمِ؛ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ؛ والإرْشادِ إلى العَمَلِ؛ المُحْكَمِ بِالعِلْمِ.
ولَمّا كانَ قَدْ ثَبَتَ في سُورَةِ ”المَلائِكَةِ“؛ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - المَلِكُ الأعْلى؛ لِما ثَبَتَ لَهُ مِن تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ وكانَ مِن أجَلِّ ثَمَراتِ (p-٩٠)المُلْكِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلى الرَّعايا؛ بِأوامِرِ المَلِكِ؛ ورَدُّهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا دَعَتْهم إلَيْهِ النُّفُوسَ؛ وقادَتْهم إلَيْهِ الشَّهَواتُ؛ والحُظُوظُ؛ إلى ما يَفْتَحُهُ لَهم مِنَ الكَرَمِ؛ ويُبَصِّرُهم بِهِ مِنَ الحِكَمِ؛ وكانَتِ الرِّسالَةُ أحَدَ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي تَنْقُلُ الإنْسانَ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ؛ وكانَتْ هي المَنظُورَ إلَيْها أوَّلًا؛ لِأنَّها السَّبَبُ في الأصْلَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ وكانُوا قَدْ رَدُّوا رِسالَتَهُ نُفُورًا واسْتِكْبارًا؛ قالَ - مُقَدِّمًا لَها تَقْدِيمَ السَّبَبِ عَلى مُسَبَّبِهِ؛ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ البَلِيغِ؛ مَعَ ضَمِيرِ الخِطابِ؛ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ لَبْسًا -: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ حَكَمَتْ عُقُولُهم عَلى دَواعِي نُفُوسِهِمْ؛ فَصارُوا - بِما وهَبَهُمُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ النُّورانِيَّةِ - كالمَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ قَدَّمَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ أنَّهم رُسُلُهُ؛ وفي عِدادِهِمْ؛ بِما تَخَلَّقُوا بِهِ مِن أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ وجَمِيعِ ما يَرْتَضِيهِ.
ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِن نُورِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أوَّلُهم خَلْقًا؛ وآخِرُهم بَعْثًا؛ فَكانُوا في الحَقِيقَةِ إنَّما هم مُمَهِّدُونَ لِشَرْعِهِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أرْسَلَهُ لِيُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ؛ وكانَ قَدْ جَعَلَ - سُبْحانَهُ - مِنَ المَكارِمِ ألّا يُكَلِّمَ النّاسَ إلّا بِما تَسَعُ عُقُولُهُمْ؛ وكانَتْ عِدَّةُ المُرْسَلِينَ؛ كَما في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عِنْدَ أحْمَدَ؛ في المُسْنَدِ؛ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ؛ وفِيهِ أنَّ الأنْبِياءَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا؛ وهو في الطَّبَرانِيِّ الكَبِيرِ؛ عَنْ أبِي أُمامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٩١)أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ عَدَدَ الرُّسُلِ فَقَطْ؛ وكانَتْ عُقُولُ العَرَبِ لا تَسَعُ بِوَجْهٍ؛ قَبْلَ الإيمانِ؛ أنَّهم مِنهُ؛ أقْسَمَ - سُبْحانَهُ - ظاهِرًا أنَّهُ مِنهُمْ؛ ورَمْزًا لِلْأصْفِياءِ باطِنًا إلى أنَّهم مِنهُ؛ بِجَعْلِهِمْ عَدَدَ أسْماءِ حُرُوفِ اسْمِهِ ”مُحَمَّدٌ“ ﷺ الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ بِالحَرْفَيْنِ أوَّلَ السُّورَةِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: ”إنَّكَ يا ياسِينُ؛ الَّذِي تَأْوِيلُهُ (مُحَمَّدٌ)؛ الَّذِي عَدَدُ أسْماءِ حُرُوفِهِ بِعَدَدِهِمْ؛ لِأصْلِهِمْ“؛ فَصارَ رَمْزًا في رَمْزٍ؛ وكَنْزًا نَفِيسًا داخِلَ كَنْزٍ؛ وسِرًّا مِن سِرٍّ؛ وبَرًّا إلى بَرٍّ؛ وهو أحْلى في مُنادَمَةِ الأحْبابِ مِن صَرِيحِ الخِطابِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ بِاسْمِ المَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿عَلى صِراطٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ؛ واضِحٍ؛ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أيْ: أنْتَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ ثَبَتَ لَهم أنَّهم عَلَيْهِ؛ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الأكْمَلُ؛ المُتَقَدِّمُ في ”الفاتِحَةِ“؛ لِأنَّهُ لِخَواصِّ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ؛ ولِقَوْلِهِ (تَعالى) - في حَقِّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨]؛ فَيَكُونُ تَنْوِينُهُ - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ القَسَمُ والتَّأْكِيدُ - لِلتَّعْظِيمِ؛ والمَعْنى أنَّهم قَدْ ثَبَتَ لَهم هَذا الوَصْفُ العَظِيمُ؛ وأنْتَ مِنهُمْ؛ بِما شارَكْتَهم فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخُصَّكَ مِن بَيْنِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أوْضَحَتْ سُورَةُ ”سَبَإٍ“؛ وسُورَةُ (p-٩٢)”فاطِرٍ“؛ مِن عَظِيمِ مُلْكِهِ (تَعالى)؛ وتَوَحُّدِهِ بِذَلِكَ؛ وانْفِرادِهِ بِذَلِكَ بِالمُلْكِ؛ والخَلْقِ؛ والِاخْتِراعِ؛ ما تَنْقَطِعُ العُقُولُ دُونَ تَصَوُّرِ أدْناهُ؛ ولا تُحِيطُ مِن ذَلِكَ إلّا بِما شاءَ؛ وأشارَتْ مِنَ البَراهِينِ والآياتِ إلى ما يَرْفَعُ الشُّكُوكَ؛ ويُوَضِّحُ السُّلُوكَ؛ مِمّا كانَتِ الأفْكارُ قَدْ خَمَدَتْ عَنْ إدْراكِها؛ واسْتَوْلَتْ عَلَيْها الغَفْلَةُ؛ فَكَأنْ قَدْ جَمُدَتْ عَنْ مَعْهُودِ حِراكِها؛ ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - بِنِعْمَةِ التَّحْرِيكِ؛ إلى اعْتِبارِها بِثَنائِهِ عَلى مَنِ اخْتارَهُ لِبَيانِ تِلْكَ الآياتِ؛ واصْطَفاهُ لِإيضاحِ تِلْكَ البَيِّناتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ ثُمَّ قالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ [يس: ٦]؛ فَأشارَ - سُبْحانَهُ - إلى ما تُثْمِرُ نِعْمَةُ الإنْذارِ؛ ويَبْعَثُهُ التَّيَقُّظُ بِالتَّذْكارِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ مَن عَمِيَ بَعْدَ تَحْرِيكِهِ؛ وإنْ كانَ مُسَبَّبًا عَنِ الطَّبْعِ؛ وشَرِّ السّابِقَةِ؛ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧]؛ الآياتِ؛ ثُمَّ أشارَ بَعْدُ إلى أنَّ بَعْضَ مَن عَمِيَ عَنْ عَظِيمِ تِلْكَ البَراهِينِ لِأوَّلِ وهْلَةٍ؛ قَدْ يَهْتَزُّ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ لِسابِقِ سَعادَتِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): (p-٩٣)﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ [يس: ١٢]؛ فَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ إذا شِئْنا هِدايَتَهُمْ؛ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ ثُمَّ ذَكَرَ دَأْبَ المُعانِدِينَ؛ وسَبِيلَ المُكَذِّبِينَ؛ مَعَ بَيانِ الأمْرِ؛ فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]؛ الآياتِ؛ وأتْبَعَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - بِما أوْدَعَ في الوُجُودِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ؛ والبَراهِينِ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١]؛ الآيَةَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥]؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى حِينٍ﴾ [يس: ٤٤]؛ ثُمَّ ذَكَرَ إعْراضَهم مَعَ عَظِيمِ هَذِهِ البَراهِينِ؛ وتَكْذِيبَهُمْ؛ وسُوءَ حالِهِمْ عِنْدَ بَعْثَتِهِمْ؛ ونَدَمَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ وشَهادَةَ أعْضائِهِمْ بِأعْمالِهِمْ؛ ثُمَّ تَناسَجَتِ الآيُ جارِيَةً عَلى ما يُلائِمُ ما تَقَدَّمَ إلى آخِرِ السُّورَةِ؛ انْتَهى.
36:5Page 440
تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥
[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ؟ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ - جَوابًا لِمَن سَألَ: هو القُرْآنُ؛ الَّذِي وقَعَ الإقْسامُ بِهِ؛ وهو ﴿تَنْـزِيلَ﴾؛ أوْ حالَ كَوْنِهِ تَنْزِيلَ ﴿العَزِيزِ﴾؛ أيْ: المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لِلْقَهْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ صِفَةَ كَمالٍ؛ إلّا بِالرَّحْمَةِ؛ قالَ: ﴿الرَّحِيمِ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِجَمِيعِ صِفاتِ الإكْرامِ؛ الَّذِي يُنْعِمُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بَعْدَ الإنْعامِ بِإيجادِهِمْ؛ بِما يُقِيمُهم عَلى (p-٩٤)المِنهاجِ الَّذِي يَرْضاهُ لَهُمْ؛ فَهو الواحِدُ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ أصْلًا؛ لِما قَهَرَ بِهِ مِن عِزَّتِهِ؛ وجَبَرَ بِهِ مِن رَحْمَتِهِ.
نَزَّلَهُ إلَيْكَ وهو في جَلالَةِ النَّظْمِ؛ وجَزالَةِ القَوْلِ؛ وحَلاوَةِ السَّبْكِ؛ وقُوَّةِ التَّرْكِيبِ؛ ورَصانَةِ الوَضْعِ؛ وحَكِيمِ المَعانِي وإحْكامِ المَبانِي في أعْلى ذُرى الإعْجازِ؛ وجَعَلَ إنْزالَهُ تَدْرِيجًا بِحَسَبِ المَصالِحِ؛ مُطابِقًا مُطابَقَةً أعْجَزَتِ الخَلائِقَ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِها؛ ثُمَّ نَظَّمَهُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبِ النُّزُولِ نَظْمًا أعْجَزَ الخَلْقِ عَنْ أنْ يُدْرِكُوا جَمِيعَ المُرادِ مِن بُحُورِ مَعانِيهِ؛ وحَكِيمِ مَبانِيهِ؛ فَكُلُّهُ إعْجازٌ عَلى ما لَهُ مِن إطْنابٍ وإيجازٍ.
36:6Page 440
لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦
That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.
ولَمّا ذَكَرَ المُرْسَلَ؛ والمُرْسَلَ بِهِ؛ والمُرْسِلَ؛ ذَكَرَ المُرْسَلَ لَهُ؛ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾؛ أيْ: ذَوِي بَأْسٍ؛ وقُوَّةٍ؛ وذَكاءٍ؛ وفِطْنَةٍ؛ ﴿ما أُنْذِرَ﴾؛ أيْ: لَمْ يُنْذَرْ أصْلًا؛ ﴿آباؤُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ غَيَّرُوا دِينَ أعْظَمِ آبائِهِمْ؛ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ومَن أتى بَعْدَهم عِنْدَ فَتْرَةِ الرُّسُلِ؛ ولَمّا كانَ عَدَمُ الإنْذارِ مُوجِبًا لِاسْتِيلاءِ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ عَلى العَقْلِ؛ فَيَحْصُلُ عَنْ ذَلِكَ الغَفْلَةُ عَنْ طَرِيقِ النَّجاةِ؛ قالَ: ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ زَمانِ الفَتْرَةِ؛ ﴿غافِلُونَ﴾؛ أوِ المَعْنى عَلى أنَّ ”ما“؛ مَفْعُولٌ ثانٍ: ”لِتُنْذِرَ“: أيْ لِتُنْذِرَهُمُ الَّذِي أُنْذِرَهُ آباؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ التَّغْيِيرِ؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ لِطُولِ الزَّمانِ؛ وحُدُوثِ النِّسْيانِ.
36:7Page 440
لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧
Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.
(p-٩٥)ولَمّا كانَ تَطاوُلُ الإقامَةِ عَلى شَيْءٍ مُوجِبًا لِلْإلْفِ لَهُ؛ والإلْفُ قَتّالٌ لِما يُوجِبُ مِنَ الإصْرارِ عَلى المَأْلُوفِ؛ لِمَحَبَّتِهِ: «”حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ“؛» قالَ - جَوابًا لِمَن يَتَوَقَّعُ الجَوابَ عَمّا أثْمَرَتْهُ حالُهم -: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في بابِهِ؛ وهو إيجابُ العَذابِ؛ بِمُلازَمَةِ الغَفْلَةِ؛ ﴿عَلى أكْثَرِهِمْ فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: بِما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الإنْذارِ؛ بَلْ يَزِيدُهم عَمًى واسْتِكْبارًا في الأرْضِ؛ ومَكْرَ السَّيِّئِ.
36:8Page 440
إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨
Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ بَعْدَ البَيانِ الواضِحِ؛ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا عَجَبًا؛ عَلَّلَهُ بِما يُوجِبُهُ مِن تَمْثِيلِ حالِهِمْ؛ تَصْوِيرًا لِعِزَّتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وباهِرِ عَظَمَتِهِ؛ الَّذِي لَفَتَ الكَلامَ إلَيْهِ لِإفْهامِهِ - وهَذا الَّذِي ذُكِرَ هو اليَوْمَ مَعْنًى؛ ومِثالٌ؛ وفي الآخِرَةِ ذاتٌ ظاهِرٌ - وأنَّهُ ما انْفَكَّ عَنْهم أصْلًا؛ وما زالَ؛ فَقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ وأكَّدَهُ لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ؛ ﴿فِي أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾؛ أيْ: مِن ظُلُماتِ الضَّلالاتِ؛ كُلُّ عُنُقٍ غُلَّ؛ وأشارَ بِالظَّرْفِ إلى أنَّها مِن ضِيقِها لَزَّتِ اللَّحْمَ حَتّى تَثَنّى عَلى الحَدِيدِ؛ فَكادَ يُغَطِّيهِ؛ فَصارَ - والعُنُقُ فِيهِ - كَأنَّهُ فِيها؛ وهي مُحِيطَةٌ بِهِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحَدِيدَ إذا وُضِعَ في العُنُقِ أنْزَلَهُ ثِقْلُهُ (p-٩٦)إلى المَنكِبِ؛ لَمْ يَذْكُرْ جِهَةَ السُّفْلِ؛ وذَكَرَ جِهَةَ العُلُوِّ؛ فَقالَ: ﴿فَهِيَ﴾؛ أيْ: الأغْلالُ؛ بِعَرْضِها؛ واصِلَةٌ بِسَبَبِ هَذا الجَعْلِ ﴿إلى الأذْقانِ﴾؛ جَمْعُ ”ذَقَنٌ“؛ وهو مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ؛ فَهي لِذَلِكَ مانِعَةٌ مِن مُطاْطَأةِ الرَّأْسِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مِن رَفْعِ الرَّأْسِ؛ فِعْلِ المُتَكَبِّرِ؛ وكانَ تَكَبُّرُهم في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهم مُلْجَؤُونَ إلَيْهِ؛ فَهو ذُلٌّ في الباطِنِ؛ وإنْ كانَ كِبْرًا في الظّاهِرِ؛ فَقالَ: ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الوُصُولِ؛ ﴿مُقْمَحُونَ﴾؛ مِن ”أُقْمِحَ الرَّجُلُ“؛ إذا أقْمَحَهُ غَيْرُهُ؛ أيْ جَعَلَهُ قامِحًا؛ أيْ: رافِعًا رَأْسَهُ؛ غاضًّا بَصَرَهُ؛ لا يَنْظُرُ إلّا بِبَعْضِ بَصَرِهِ؛ هَيْئَةَ المُتَكَبِّرِ؛ وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ”قَمَحَ البَعِيرُ“؛ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ عِنْدَ الشُّرْبِ؛ ولَمْ يَشْرَبِ الماءَ؛ قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ؛ يَصِفُ سَفِينَةَ - قالَ أبُو حَيّانَ: مَيْتَةَ - أحَدِهِمْ لِيَدْفِنَها:
؎ونَحْنُ عَلى جَوانِبِها قُعُودٌ ∗∗∗ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبِلِ القِماحِ
وقالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: و”المُقْمَحُ“: الَّذِي يُضْرَبُ رَأْسُهُ إلى ظَهْرِهِ؛ هَيْئَةَ البَعِيرِ؛ وقالَ القَزّازُ: و”المُقْمَحُ“: الشّاخِصُ بِعَيْنَيْهِ؛ الرّافِعُ رَأْسَهُ؛ أبُو عَمْرٍو: و”القامِحُ“؛ مِنَ الإبِلِ؛ هو الَّذِي لا يَشْرَبُ وهو عَطْشانُ (p-٩٧)عَطَشًا شَدِيدًا؛ ولا تَقْبَلُ نَفْسُهُ الماءَ؛ والقَمْحُ مَصْدَرُ ”قَمَحْتُ الشَّيْءَ“؛ و”الِاقْتِماحُ“: أخْذُكَ الشَّيْءَ في راحَتِكَ؛ ثُمَّ تَقْمَحُهُ في فِيكَ؛ أيْ تَبْتَلِعُهُ؛ والِاسْمُ ”القُمْحَةُ“؛ كَـ ”اللُّقْمَةُ“؛ و”الأكْلَةُ“؛ انْتَهى؛ وكَأنَّ المُقْمَحَ مِن هَذا؛ لِأنَّ هَيْئَتَهُ عِنْدَ هَذا الِابْتِلاعِ رَفْعُ الرَّأْسِ؛ وغَضُّ الطَّرْفِ؛ أوْ شُخُوصُهُ إذا عَسُرَ عَلَيْهِ الِابْتِلاعُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ فَهَذا تَمْثِيلٌ لِرَفْعِهِمْ رُؤُوسَهم عَنِ النَّظَرِ إلى الدّاعِي؛ تَكَبُّرًا؛ وشَماخَةً؛ بِحَيْثُ لَوْ أمْكَنَهم أنْ يَسْكُنُوا الجَوَّ لَمْ يَتَأخَّرُوا؛ صَلافَةً وتِيهًا؛ أوْ لِأنَّهم يَتْرُكُونَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ؛ الحَسَنَ؛ الجَدِيرَ بِأنْ يُقْبَلَ عَلَيْهِ؛ ويُتَرَوّى مِنهُ؛ وهم في غايَةِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ فَهم في ذَلِكَ كالبَعِيرِ القامِحِ؛ إنَّما مَنَعَهُ مِنَ الماءِ؛ مَعَ شِدَّةِ عَطَشِهِ؛ مانِعٌ عَظِيمٌ أقْمَحَهُ؛ ولَكِنَّهُ خَفِيَ أمْرُهُ؛ فَلَمْ يَعْلَمْ ما هُوَ؛ ولِذَلِكَ بَنى الِاسْمَ لِلْمَفْعُولِ؛ إشارَةً إلى أنَّهم مَقْهُورُونَ عَلى تَفْوِيتِ حَظِّهِمْ مِن هَذا الأمْرِ الجَلِيلِ.
36:9Page 440
وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩
And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.
ولَمّا كانَ الرّافِعُ رَأْسَهُ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنَ النَّظَرِ أمامَهُ؛ قالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ حَجْبَهم عَنْ خَيْرٍ مَخْصُوصٍ؛ وهو المُؤَدِّي إلى السَّعادَةِ الكامِلَةِ؛ لا عَنْ كُلِّ ما يَنْفَعُهُمْ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: الوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُهم عِلْمُهُ؛ ﴿سَدًّا﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا انْسَدَّتْ عَلَيْهِ جِهَةُ مالَ إلى أُخْرى؛ قالَ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ (p-٩٨)أيْ: الوَجْهِ الَّذِي هو خَفِيٌّ عَنْهُمْ؛ وأعادَ السَّدَّ تَأْكِيدًا لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ؛ وتَحْقِيقًا لِجَعْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿سَدًّا﴾؛ أيْ: فَصارَتْ كُلُّ جِهَةٍ يَلْتَفِتُ إلَيْها مُنْسَدَّةً؛ فَصارُوا لِذَلِكَ لا يُمْكِنُهُمُ النَّظَرُ إلى الحَقِّ؛ ولا الخُلُوصُ إلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَأغْشَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلْنا عَلى أبْصارِهِمْ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ غِشاوَةً ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم هَذا الوَصْفُ مِن إبْصارِ الحَقِّ؛ وما يَنْفَعُهم بِبَصَرٍ ظاهِرٍ؛ وبَصِيرَةٍ باطِنَةٍ أصْلًا؛
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences