Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:79–83
36:79Page 445
قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩
Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."
ولَمّا كانَ مَوْطِنًا يَتَشَوَّفُ فِيهِ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ إلى جَوابِهِ؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - مُخاطِبًا مَن لا يَفْهَمُ هَذِهِ المُجادَلَةَ حَقَّ فَهْمِها غَيْرُهُ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِهَذا الَّذِي ضَرَبَ هَذا المَثَلَ جَهْلًا مِنهُ في قِياسِهِ مَن يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ عَلى مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ وأعادَ فِعْلَ الإحْياءِ نَصًّا عَلى المُرادِ؛ دَفْعًا لِلتَّعَنُّتِ؛ ودَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ؛ فَقالَ: ﴿يُحْيِيها﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ أنْ بَلِيَتْ ثانِيَ مَرَّةٍ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى وصْفٍ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي أنْشَأها﴾؛ أيْ: مِنَ العَدَمِ؛ ثُمَّ أحْياها؛ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (p-١٨٠)أيْ: فَإنَّ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ شَيْءٍ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ؛ وهي شاهِدَةٌ بِأنَّ الحَياةَ تَحِلُّ العَظْمَ؛ فَيَتَنَجَّسُ بِالمَوْتِ؛ مِمّا يُحْكَمُ بِنَجاسَةِ مَيْتَتِهِ؛ ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ﴾؛ أيْ: صُنْعٍ؛ وتَقْدِيرٍ؛ مُمْكِنٌ أنْ يَخْلُقَ مِن ذَلِكَ ومِن غَيْرِهِ ابْتِداءً؛ وإعادَةً؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أجْزاءُ مَيِّتٍ أصْلًا؛ وإنْ تَفَرَّقَتْ في البَرِّ والبَحْرِ؛ ولا شَيْءَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فالآيَةُ مِن بَدِيعِ الِاحْتِباكِ: الإحْياءُ أوَّلًا دالٌّ عَلى مِثْلِهِ ثانِيًا؛ والإنْشاءُ ثانِيًا دالٌّ عَلى مِثْلِهِ أوَّلًا؛ و”أوَّلَ مَرَّةٍ“؛ في الثّانِي دالٌّ عَلى ثانِي مَرَّةٍ في الأوَّلِ؛ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”طـه“؛ فَهو يُوجِدُ المُقْتَضَياتِ لِكُلِّ مُمْكِنٍ يُرِيدُهُ؛ ويَرْفَعُ المَوانِعَ؛ فَيُوجَدُ في الحالِ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ أصْلًا؛ فَقَدْ بَلَغَ هَذا البَيانُ في الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ الجُسْمانِيِّ؛ والرُّوحانِيِّ مَعًا؛ النِّهايَةَ الَّتِي لَيْسَ وراءَها بَيانٌ؛ بَعْدَ أنْ وطَّأ لَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِها بِما لا يَحْتَمِلُ طَعْنًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ (p-١٨١)عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]
36:80Page 445
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠
[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.
ولَمّا كانَ مَآلُ هَذا المَثَلِ الَّذِي عُلِّقَ الإنْكارُ فِيهِ بِالرَّمِيمِ؛ اسْتِبْعادَ تَمْيِيزِ الشَّيْءِ إذا صارَ تُرابًا؛ واخْتَلَطَ بِالتُّرابِ؛ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ التُّرابِ؛ وصَفَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ بِإخْراجِ الشَّيْءِ الَّذِي هو أخْفى ما يَكُونُ مِن ضِدِّهِ؛ وذَلِكَ بِتَمْيِيزِ النّارِ مِنَ الخَشَبِ الَّذِي فِيهِ الماءُ ظاهِرٌ؛ بِأيْدِي العَجَزَةِ مِن خَلْقِهِ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلْمَوْصُولِ؛ تَنْبِيهًا عَلى التَّذْكِيرِ بِالمَوْصُوفِ؛ لِيَسْتَحْضِرَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَيُبادِرَ إلى الخُضُوعِ لَهُ مَن كانَ حَيًّا -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَتاعًا؛ واسْتِبْصارًا؛ ﴿مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ﴾؛ الَّذِي تُشاهِدُونَ فِيهِ الماءَ؛ ﴿نارًا﴾؛ بِأنْ يَأْخُذَ أحَدُكم غُصْنَيْنِ؛ كالسِّواكَيْنِ؛ وهُما أخْضَرانِ؛ يَقْطُرُ مِنهُما الماءُ؛ فَيَسْحَقَ المَرْخَ - وهو ذَكَرٌ - عَلى العِفارِ - وهو أُنْثى - فَتَخْرُجَ النّارُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”لَيْسَ شَجَرٌ إلّا وفِيهِ نارٌ؛ إلّا العُنّابُ“؛ انْتَهى.
ولِذَلِكَ قالُوا في المَثَلِ المَشْهُورِ: ”فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ“؛ ﴿فَإذا أنْتُمْ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مُفاجَأتُكُمْ؛ لِأنَّكم ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: الشَّجَرِ المَوْصُوفِ بِالخُضْرَةِ (p-١٨٢)بِعَيْنِهِ؛ ﴿تُوقِدُونَ﴾؛ أيْ: تُوجِدُونَ الإيقادَ؛ ويَتَجَدَّدُ لَكم ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ ما هو بِخَيالٍ؛ ولا سِحْرٍ؛ بَلْ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وكَأنَّهُ قَدَّمَ الجارَّ لِكَثْرَةِ إيقادِهِمْ مِنهُ؛ فَعَدَّ إيقادَهم مِن غَيْرِهِ لِذَلِكَ؛ ولِعَظَمَتِهِ؛ عَدَمًا.
36:81Page 445
أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١
Is not He who created the heavens and the earth Able to create the likes of them? Yes, [it is so]; and He is the Knowing Creator.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ عَلَيْهِمْ؛ قَدَّمَ الجارَّ تَخْصِيصًا لَهُ؛ وعَدًّا لِغَيْرِهِ كالمَعْدُومِ؛ فالَّذِي قَدَرَ عَلى تَمْيِيزِ النّارِ مِنَ الماءِ؛ والخَشَبِ؛ وخَبَّأ النّارَ فِيهِما - لا النّارُ تَعْدُو عَلى الخَشَبِ فَتَحْرِقَهُ؛ ولا الماءُ يَعْدُو عَلى النّارِ فَيُطْفِئَها - قادِرٌ عَلى تَمْيِيزِ تُرابِ العِظامِ مِن تُرابِ غَيْرِها؛ ونَفْخِ الرُّوحِ؛ كَما نَفَخَ رُوحَ النّارِ في الحَطَبِ المُضادِّ لَهُ بِالمائِيَّةِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ألَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلى ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى ما يُرِيدُ مِن إحْياءِ العِظامِ؛ وغَيْرِها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعْظَمُ شَأْنًا مِنهُ؛ تَقْدِيرًا عَلى الأدْنى بِالأعْلى؛ فَقالَ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ﴾؛ أيْ: أوْجَدَ مِنَ العَدَمِ وقَدَّرَ؛ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ أيْ: عَلى كِبَرِهِما؛ وعَظَمَتِهِما؛ وعَظِيمِ ما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ؛ والمَصانِعِ؛ والعَجائِبِ؛ والبَدائِعِ؛ وأثْبَتَ الجارَّ؛ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ؛ وتَأْكِيدًا لِلتَّقْرِيرِ؛ فَقالَ: ﴿بِقادِرٍ﴾؛ أيْ: بِثابِتٍ لَهُ قُدْرَةٌ لا يُساوِيها قُدْرَةٌ؛ ومَعْنى قِراءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ؛ بِتَحْتانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ؛ (p-١٨٣)وإسْكانِ القافِ؛ مِن غَيْرِ ألِفٍ؛ ورَفْعِ الرّاءِ؛ أنَّهُ يُجَدِّدُ تَعْلِيقَ القُدْرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿عَلى أنْ يَخْلُقَ﴾؛ ولَفَتَ الكَلامَ إلى الغَيْبَةِ؛ إيذانًا بِأنَّهم صارُوا بِهَذا الجَدَلِ أهْلًا لِغايَةِ الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿مِثْلَهُمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَؤُلاءِ الأناسِيِّ؛ أيْ يُعِيدَهم بِأعْيانِهِمْ؛ كَما تَقُولُ: ”مِثْلُكَ كَذا“؛ أيْ: أنْتَ؛ وعَبَّرَ بِهِ إفْهامًا لِتَحْقِيرِهِمْ؛ وأنَّ إحْياءَ العِظامِ المَيْتَةِ أكْثَرُ ما يَكُونُ خَلْقًا جَدِيدًا؛ بَلْ يَنْقُصُ عَنْ الِاخْتِراعِ بِأنَّ لَهُ مادَّةً مَوْجُودَةً؛ وعَبَّرَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ؛ قالَ الرّازِيُّ: والقُدْرَةُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْنى الَّذِي بِهِ يُوجَدُ الشَّيْءُ مُقَدَّرًا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ؛ والعِلْمِ؛ واقِعًا عَلى وفْقِهِما؛ وإنْ كانَتْ صِفاتُ اللَّهِ (تَعالى) أعْلى مِن أنْ يَطْمَحَها نَظَرُ عَقْلٍ؛ وتَلْحَقَها العِباراتُ اللُّغَوِيَّةُ؛ ولَكِنَّ غايَةَ القُدْرَةِ البَشَرِيَّةِ؛ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ هَذا.
ولَمّا كانَ الجَوابُ بَعْدَ ما مَضى مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ؛ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ الِاعْتِرافَ؛ قالَ - سُبْحانَهُ - مُقَرِّرًا لِما بَعْدَ النَّفْيِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ تَجِبُ المُبادَرَةُ إلَيْهِ؛ ولا يَجُوزُ التَّوَقُّفُ فِيهِ؛ ومَن تَوَقَّفَ فَهو مُعانِدٌ -: ﴿بَلى﴾؛ أيْ: هو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ مَعَ ذَلِكَ - أيْ: كَوْنِهِ عالِمًا بِالخَلْقِ -؛ ﴿الخَلاقُ﴾؛ البالِغُ في هَذِهِ الصِّفَةِ مُطْلَقًا؛ في تَكْثِيرِ الخَلْقِ؛ وتَكْرِيرِهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ (p-١٨٤)شَيْءٍ؛ ما لا تُحِيطُ بِهِ الأوْهامُ؛ ولا تُدْرِكُهُ العُقُولُ والأفْهامُ؛ ولَمْ يُنازِعْ أحَدٌ في العِلْمِ بِالجُزْئِيّاتِ بَعْدَ كَوْنِها؛ كَما نازَعُوا في القُدْرَةِ عَلى إيجادِ بَعْضِ الجُزْئِيّاتِ؛ فاكْتَفى فِيهِ بِصِيغَةِ ”فَعِيلٌ“؛ فَقِيلَ: ﴿العَلِيمُ﴾؛ أيْ: البالِغُ في العِلْمِ؛ الَّذِي هو مَنشَأُ القُدْرَةِ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ كُلِّيٌّ ولا جُزْئِيٌّ - في ماضٍ؛ ولا حالٍ؛ ولا مُسْتَقْبَلٍ -؛ شاهِدٌ؛ أوْ غائِبٌ.
36:82Page 445
إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢
His command is only when He intends a thing that He says to it, "Be," and it is.
ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ أنْتَجَ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمُ القُدْرَةَ عَلى البَعْثِ -: ﴿إنَّما أمْرُهُ﴾؛ أيْ: شَأْنُهُ؛ ووَصْفُهُ؛ ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: إيجادَ شَيْءٍ مِن جَوْهَرٍ؛ أوْ عَرَضٍ؛ أيَّ شَيْءٍ كانَ؛ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾؛ أيْ: أنْ يُرِيدَهُ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ؛ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ؛ والكِسائِيِّ؛ بِالنَّصْبِ؛ واسْتَأْنَفَ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ بِالرَّفْعِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أصْلًا؛ عَلى وفْقِ ما أرادَ.
36:83Page 445
فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣
So exalted is He in whose hand is the realm of all things, and to Him you will be returned.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ المُبادَرَةُ إلى تَنْزِيهِهِ (تَعالى) عَمّا ضَرَبُوهُ لَهُ مِنَ الأمْثالِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَسُبْحانَ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ تَنَزُّهًا لا تَبْلُغُ أفْهامُكم كُنْهَهُ؛ وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى وصْفٍ يَدُلُّ عَلى غايَةِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾؛ أيْ: بِقُدْرَتِهِ؛ وتَصَرُّفِهِ خاصَّةً؛ لا بِيَدِ غَيْرِهِ؛ ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مُلْكُهُ التّامُّ؛ ومِلْكُهُ؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا. (p-١٨٥)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمِنهُ تُبْدَؤُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ؛ مِنَ التُّرابِ أوْ غَيْرِهِ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى خِطابِهِمُ اسْتِصْغارًا لَهُمْ؛ واحْتِقارًا؛ فَقالَ: ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أيْ: مَعْنًى؛ في جَمِيعِ أُمُورِكُمْ؛ وحِسًّا؛ بِالبَعْثِ؛ لِيَنْصِفَ بَيْنَكُمْ؛ فَيُدْخِلَ بَعْضًا النّارَ؛ وبَعْضًا الجَنَّةَ؛ ونَبَّهَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى غايَةِ صَغارِهِمْ؛ بِكَوْنِ الرُّجُوعِ قَهْرًا؛ وبِأسْهَلِ أمْرٍ؛ وزادَتْ قِراءَةُ يَعْقُوبَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ بِأنَّ انْقِيادَهم في الرُّجُوعِ؛ مِن شِدَّةِ سُهُولَتِهِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمُ اخْتِيارًا مِنهُمْ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّهُ حَكِيمٌ؛ فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ؛ وأنَّ كَلامَهُ حَكِيمٌ؛ وثَبَتَ بِتَمامِ قُدْرَتِهِ أنَّهُ حَلِيمٌ؛ لا يُعَجِّلُ عَلى أحَدٍ بِالعِقابِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ لِلْبِشارَةِ بِثَوابِهِ؛ والنِّذارَةِ مِن عِقابِهِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ أرْسَلَ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ؛ لِما أيَّدَهُ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ وأظْهَرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ الأدِلَّةِ الباهِراتِ؛ فَرَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ بِكُلٍّ مِنَ الرِّسالَةِ؛ وإحْياءِ المَوْتى؛ إلى أوَّلِها؛ واتَّصَلَ في كِلا الأمْرَيْنِ مَفْصِلُها بِمَوْصِلِها؛ واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences