Al-Biqa'iAs‑Saffat · 37:126–147

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:126–147

37:126Page 450

ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٢٦

Allāh, your Lord and the Lord of your first forefathers?"

ولَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْلَمُ يَقِينًا أنَّهُ لَمْ يُرَبِّ نَفْسَهُ؛ لا بِالإنْشاءِ مِنَ العَدَمِ؛ ولا بِما بَعْدَهُ؛ وكانَ الإحْسانُ أعْظَمَ عاطِفٍ لِلْإنْسانِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِمَن أرادَ؛ مُذَكِّرًا لَهم بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ وإلى مَن يُحامُونَ عَنْهُمْ؛ ويُوادُّونَ مَن كانَ يُوادُّهم بِالتَّرْبِيَةِ بَعْدَ الإنْشاءِ مِنَ العَدَمِ؛ الَّذِي هو أعْظَمُ تَرْبِيَةٍ؛ مُفَخِّمًا لِلْأمْرِ؛ ومُعَظِّمًا بِالإبْدالِ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالرَّفْعِ -: ﴿اللَّهَ﴾؛ فَذَكَرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوَّلُ المُطْلَقُ؛ الَّذِي لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إلّا بِهِ؛ ﴿رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكم وحْدَهُ؛ ولَمّا كانُوا رُبَّما أسْنَدُوا إيجادَهم إلى مَن قَبْلَهُمْ؛ غَباوَةً مِنهُمْ؛ أوْ عِنادًا؛ قالَ: (p-٢٨٦)﴿ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أوَّلٌ لَكُمْ؛ فَشَمَلَ ذَلِكَ آباءَهُمُ الأقْرَبِينَ؛ ومَن قَبْلَهم إلى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

37:127Page 451

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧

And they denied him, so indeed, they will be brought [for punishment],

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ - كَما مَضى - التَّسْلِيَةَ والتَّرْجِيَةَ؛ سَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ التَّرْجِيَةُ مُسْتَبْعَدَةً؛ سَبَّبَ عَنِ التَّكْذِيبِ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ -: ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: مَقْهُورُونَ عَلى إقْحامِنا إيّاهم فِيما نُرِيدُ مِنَ العَذابِ الأدْنى؛ والأكْبَرِ؛ وذَكَّرَهم بِالسُّوءِ؛ واللَّعْنِ؛ عَلى مَرِّ الآبادِ؛ وإنْ كَرِهُوا؛

37:128Page 451

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٢٨

Except the chosen servants of Allāh.

﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ عَلِمُوا ما لَهم مِن مَجامِعِ العَظَمَةِ؛ فَعَمِلُوا بِما عَلِمُوا؛ فَلَمْ يَدْعُوا غَيْرَهُ؛ فَإنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا؛ ثُمَّ وصَفَهم بِما أشارَ إلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ بِالعُبُودِيَّةِ؛ والإضافَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: لِعِبادَتِهِ؛ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا جَلِيًّا؛ ولا خَفِيًّا؛ فَإنَّهم ناجُونَ مِنَ العَذابِ.

37:129Page 451

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩

And We left for him [favorable mention] among later generations:

ولَمّا جاهَدَ في اللَّهِ (تَعالى)؛ وقامَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حُسْنِ الثَّناءِ؛ جازاهُ - سُبْحانَهُ - فَقالَ - عاطِفًا عَلى ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] -: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الثَّناءِ الجَمِيلِ؛ وجَمِيعِ ما يَسُرُّهُ؛ ﴿فِي الآخِرِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ مَن كانَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ؛ ولَمّا كانَ السَّلامُ اسْمًا جامِعًا لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ إظْهارُ الشَّرَفِ؛ والإقْبالِ عَلى المُسَلَّمِ عَلَيْهِ بِكُلِّ ما يُرِيدُ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ:

37:130Page 451

سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠

"Peace upon Elias."1

﴿سَلامٌ﴾؛ ولَمّا كانَ في اسْمِهِ؛ عَلى حَسَبِ تَخْفِيفِ العَرَبِ لَهُ؛ لُغاتٌ؛ إحْداها تَوافُقُ الفَواصِلِ؛ فَكانَ لا فارِقَ في تَأْدِيَةِ المَعْنى بَيْنَ (p-٢٨٧)الإتْيانِ بِما اتَّفَقَ مِنها؛ وكانَ ما كَثُرَتْ حُرُوفُهُ مِنها أضْخَمَ وأجَلَّ وأفْخَمَ؛ وكانَ السِّياقُ بَعْدَ كَثِيرٍ مِن مَناقِبِهِ لِنِهايَةِ المِدْحَةِ؛ كانَ الأحْسَنُ التَّعْبِيرَ بِما هو أكْثَرُ حُرُوفًا؛ وهو مُوافِقٌ لِلْفَواصِلِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ تَمْكِينَهُ في الفَضائِلِ؛ ولِتَحَقُّقِ أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ لا عَرَبِيٌّ؛ مُشْتَقٌّ مِنَ اليَأْسِ؛ وإنْ أوْهَمَتْ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِوَصْلِ هَمْزَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾؛ ومَن قَرَأ: ”آلِ يـس“؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ في قِراءَتِهِ ما أُرِيدَ مِنَ القِراءَةِ الأُخْرى؛ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: إنَّ الآلَ هو الشَّخْصُ نَفْسُهُ؛ و”يـس“؛ إمّا لُغَةٌ في ”إلْياسَ“؛ أوِ اخْتُصِرَتِ اللُّغَةُ الثّانِيَةُ؛ الَّتِي هي ”إلْياسِينُ“؛ فَحُذِفَ مِنها الهَمْزَةُ المَكْسُورَةَ؛ مَعَ اللّامِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآلِهِ أتْباعَهُ؛ ويَكُونَ ذَلِكَ أضْخَمَ في حَقِّهِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ السِّياقُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقْصَدَ بِهَذِهِ القِراءَةِ جَمِيعُ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ الَّذِينَ هو أحَدُهُمْ؛ أيْ: عَلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَقِبَ سُورَةِ ”يـس“؛ دَلالَةً عَلى ما دَعَتْ إلَيْهِ مَعانِيها مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ والرِّسالَةِ؛ والبَعْثِ؛ وإذْلالِ العاصِي؛ وإعْزازِ الطّائِعِ المُجَرِّدِ لِنَفْسِهِ في حُبِّ مَوْلاهُ عَنْ جَمِيعِ العَوائِقِ؛ القاطِعِ لِلطَّيَرانِ إلَيْهِ أقْوى العَلائِقَ؛ وخَصَّ بِهَذا هَذِهِ القِصَّةَ لِأنَّها خِتامُ القَصَصِ المُسَلَّمِ فِيها عَلى أهْلِها.

37:131Page 451

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١

Indeed, We thus reward the doers of good.

(p-٢٨٨)ولَمّا أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - شَرَفَ إلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هو أحَدُهُمْ؛ عَلَّلَهُ؛ مُؤَكِّدًا لَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إعْلاءِ النَّبِيِّ ﷺ وأتْباعِهِ عَلى كُلِّ مَن يُناوِئُهُمْ؛ وإنْ كَذَّبَتْ بِذَلِكَ قُرَيْشٌ؛ فَقالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هو مِن أعْيانِهِمْ؛

37:132Page 451

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢

Indeed, he was of Our believing servants.

ثُمَّ عَلَّلَ الحُكْمَ بِإحْسانِهِ؛ مُؤَكِّدًا لِما مَضى في مِثْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: الجَدِيرِينَ بِالإضافَةِ إلَيْنا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ ويُسْتَفادُ مِنَ التَّأْكِيدِ أيْضًا التَّنْبِيهُ عَلى رُسُوخِ قَدَمِهِ في الإيمانِ؛ وأنَّهُ بِحَيْثُ تَشْتَدُّ الرَّغْبَةُ؛ ويَقْوى النَّشاطُ في الإخْبارِ بِهِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ.

37:133Page 451

وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣

And indeed, Lot was among the messengers.

ولَمّا أتَمَّ ما أرادَ - سُبْحانَهُ - مِن أُمُورِ المُحْسِنِينَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُرْسَلِينَ إلى ذُرِّيَّتِهِ؛ في التَّسْلِيَةِ؛ والتَّرْجِيَةِ؛ وقَدَّمَهم لِأنَّ المِنَّةَ عَلَيْهِمْ مِنَّةٌ عَلَيْهِ؛ والإنْسانَ بِابْنِهِ أسَرُّ مِنهُ بِقَرِيبِهِ؛ وهُمُ الَّذِينَ أظْهَرَ اللَّهُ بِهِمْ ما تُرِكَ عَلَيْهِ؛ مِن لِسانِ الصِّدْقِ في الآخِرِينَ؛ أتْبَعُهم قِصَّةَ ابْنِ أخِيهِ مَعَ أهْلِ بِلادِ الأُرْدُنِّ؛ مِن غَيْرِ قَوْمِهِمْ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى نَصْرِ المُؤْمِنِينَ؛ وإنْ كانُوا في القِلَّةِ؛ والذِّلَّةِ؛ عَلى حالٍ لا يُظَنُّ انْجِبارُهُ؛ وتَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ المُكَذِّبِينَ بِرِسالَتِهِ؛ أوِ الشّاكِّينَ فِيها -: ﴿وإنَّ لُوطًا﴾؛ أيْ: الَّذِي جَرَّدَ نَفْسَهُ مِن مَأْلُوفِها مِن بِلادِهِ؛ وعَشائِرِهِ؛ بِالهِجْرَةِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ (p-٢٨٩)- عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛

37:134Page 451

إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٣٤

[So mention] when We saved him and his family, all,

ولَمّا كانَ جُلُّ المَقْصُودِ تَبْشِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ وتَحْذِيرَ الكافِرِينَ؛ وكانَ مُخالِفُهُ كَثِيرًا؛ وكانَ هو غَرِيبًا بَيْنَهُمْ؛ قالَ - في مَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿إذْ نَجَّيْناهُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لِمُخالِفِيهِ مِنَ الكَثْرَةِ؛ والقُوَّةِ؛ ولَمْ يَذْكُرْهم لِأنَّهم أكْثَرُ النّاسِ انْغِماسًا في العَلائِقِ البَشَرِيَّةِ؛ والقاذُوراتِ البَهِيمِيَّةِ؛ الَّتِي لا تُناسِبُ مُرادَ هَذِهِ السُّورَةِ؛ المُنْبَنِيَ عَلى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ؛ ﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾؛

37:135Page 451

إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٣٥

Except an old woman [i.e., his wife] among those who remained [with the evildoers].

ولَمّا كانَ الكُفْرُ قاطِعًا لِلسَّبَبِ القَرِيبِ؛ كَما أنَّ الإيمانَ واصِلٌ لِلسَّبَبِ البَعِيدِ؛ قالَ: ﴿إلا عَجُوزًا﴾؛ أيْ: وهي امْرَأتُهُ؛ فَإنَّ كُفْرَها قَطَعَها عَنِ الدُّخُولِ في حُكْمِ أهْلِهِ؛ فَجُرِّدُوا عَنْها؛ كائِنَةً ﴿فِي الغابِرِينَ﴾؛ أيْ: الباقِينَ في غَبَرَةِ العَذابِ؛ ومَساءَةِ الِانْقِلابِ.

37:136Page 451

ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٣٦

Then We destroyed the others.

ولَمّا ذَكَرَ نَجاتَهُ؛ وابْتَدَأ بِها اهْتِمامًا بِالتَّرْجِيَةِ؛ قالَ - مُخَوِّفًا؛ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ؛ إفادَةً مَعَ التَّرْتِيبِ؛ لِعَظِيمِ رُتْبَةِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ -: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا﴾؛ أيْ: أهْلَكْنا؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿الآخَرِينَ﴾؛ أيْ: فَجَرَّدْنا الأرْضَ مِن قاذُوراتِهِمْ؛ ونَزَّهْنا البِلادَ المُقَدَّسَةَ مِنهُمْ؛ ومِن أرْجاسِ فِعْلاتِهِمْ؛ فَلَمْ نُبْقِ مِنهم أحَدًا؛ ولا احْتَجْنا في إهْلاكِهِمْ إلى اسْتِئْذانِ أحَدٍ؛

37:137Page 451

وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ ١٣٧

And indeed, you pass by them in the morning

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن مِثْلِ هَذا تَحْذِيرَ المُخالِفِينَ؛ وكانَ تُجّارُ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ البُقْعَةَ الَّتِي كانَتْ فِيها أماكِنُ قَوْمِ لُوطٍ؛ وهي البُحَيْرَةُ المَعْرُوفَةُ؛ ولا يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ؛ عُدُّوا (p-٢٩٠)مُنْكِرِينَ لِلْمُرُورِ عَلَيْهِمْ؛ فَأبْرَزَ لَهُمُ الكَلامَ في سِياقِ التَّأْكِيدِ؛ فَقِيلَ: ﴿وإنَّكُمْ﴾؛ أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ هَذا؛ والحالُ أنَّكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؛ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: مَواضِعِ دِيارِهِمْ؛ في تِجاراتِكم إلى الشّامِ؛ ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الصَّباحِ؛ الوَقْتِ الَّذِي قَلَبْنا مَدائِنَهم عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ ونَصَّ عَلَيْهِ لِلتَّذْكِيرِ بِحالِهِمْ فِيهِ.

37:138Page 451

وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٣٨

And at night. Then will you not use reason?

ولَمّا كانَ لِلَّيْلِ مَنظَرٌ في الهَوْلِ غَيْرُ مَنظَرِ النَّهارِ؛ قالَ: ﴿وبِاللَّيْلِ﴾؛ ولَمّا كانَ أمْرُهم كافِيًا لِلْعاقِلِ في التَّقْوى؛ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمادِيَهم فِيما كانَ سَبَبَ أخْذِهِمْ؛ مِن تَكْذِيبِ النّاصِحِ؛ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ لَكم عُقُولٌ فَتَعْتَبِرُوا بِحالِهِمْ؛ فَتَخافُوا مِثْلَ مَآلِهِمْ؛ فَتُصَدِّقُوا رَسُولَكُمْ؛ فَإنَّكم أجْدَرُ مِنهم بِالأخْذِ؛ لِأنَّهُ مِنكُمْ؛ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ مِن شَرَفِ أصْلِهِ؛ وكَرِيمِ قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ما لا يَعْرِفُهُ أُولَئِكَ مِن رَسُولِهِمْ.

37:139Page 451

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩

And indeed, Jonah was among the messengers.

ولَمّا أكْمَلَ - سُبْحانَهُ - ما أرادَ مِن أُمُورِ مَن كانَ عَلى أيْدِيهِمْ هَلاكٌ في الدُّنْيا؛ أوْ في الآخِرَةِ؛ خَتَمَ بِمَن آلَ أمْرُ قَوْمِهِ إلى سَلامَةٍ؛ وإيمانٍ؛ ونِعْمَةٍ؛ وإحْسانٍ؛ تَغْلِيبًا لِلتَّرْجِيَةِ عَلى التَّأْسِيَةِ؛ والتَّعْزِيَةِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ ما يَأْتِي مِن ذِكْرِ الإباقِ؛ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في أمْرِهِ -: ﴿وإنَّ يُونُسَ﴾؛ أيْ: أحَدَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهو يُونُسُ بْنُ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَكى البَغَوِيُّ في قِصَّةِ إلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمّا أرْسَلَهُ اللَّهُ (تَعالى) إلى سِبْطِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ الَّذِينَ كانُوا في مَدِينَةِ بَعْلَبَكَّ؛ فَكَذَّبُوهُ؛ وأرادَ مَلِكُهم قَتْلَهُ؛ (p-٢٩١)فاخْتَفى في تِلْكَ الجِبالِ؛ اشْتاقَ إلى النّاسِ؛ فَنَزَلَ؛ فَمَكَثَ عِنْدَ امْرَأةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهي أُمُّ يُونُسَ بْنِ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَ يُونُسُ إذْ ذاكَ رَضِيعًا؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى الجِبالِ؛ فَماتَ يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأتَتْ أُمُّهُ إلى تِلْكَ الجِبالِ؛ فَما زالَتْ تَطُوفُ حَتّى ظَفِرَتْ بِإلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَسَألَتْهُ أنْ يَدْعُوَ لِابْنِها فَيُحْيِيَهُ اللَّهُ؛ فَقالَ لَها: إنِّي لَمْ أُومَرْ بِهَذا؛ وإنَّما أنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ؛ فَجَزِعَتْ؛ فَزادَ جَزَعُها وتَضَرُّعُها إلَيْهِ؛ فَرَقَّ لَها؛ ورَحِمَها؛ وسارَ مَعَها؛ فَوَصَلَ إلى بَيْتِها بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِن حِينِ ماتَ؛ وهو مُسْجًى في ناحِيَةِ البَيْتِ؛ فَدَعا اللَّهَ؛ فَأحْياهُ لَها؛ وعادَ إلْياسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى جَبَلِهِ؛ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾

37:140Page 451

إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠

[Mention] when he ran away to the laden ship.

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ التَّسْلِيَةَ عَلى اسْتِكْبارِهِمْ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ؛ وقَوْلِهِمْ: إنَّهُ شاعِرٌ مَجْنُونٌ؛ ذَكَرَ مِن أمْرِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما يُعْرَفُ مِنهُ صُعُوبَةُ أمْرِ الرِّسالَةِ؛ وشِدَّةُ خَطْبِها؛ وثِقْلُ أمْرِها؛ وشِدَّةُ عِنايَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأنَّهُ ما اخْتارَهم إلّا عَنْ عِلْمٍ؛ فَهو لا يَقُولُهُمْ؛ وإنِ اجْتَهَدُوا في دَفْعِ الرِّسالَةِ؛ لِيَزْدادُوا ثَباتًا لِأعْبائِها؛ وقُوَّةً في القِيامِ بِشَأْنِها؛ فَقالَ: ﴿إذْ أبَقَ﴾؛ أيْ: هَرَبَ؛ حِينَ أُرْسِلَ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي شَرَّفَهُ - اللَّهُ - بِالرِّسالَةِ؛ ضَعْفًا عَنْ حَمْلِها؛ لِأنَّ الإباقَ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ؛ إلى حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ؛ ﴿إلى الفُلْكِ﴾؛ أيْ: البَيْتِ الَّذِي (p-٢٩٢)يُسافَرُ فِيهِ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ.

ولَمّا كانَ فِعْلُهُ عَلى صُورَةِ فِعْلِ المُشاحِنِ؛ وكانَ قَصْدُهُ الإيغالَ في البُعْدِ؛ والإسْراعَ في النَّقْلَةِ؛ قالَ: ﴿المَشْحُونِ﴾؛ أيْ: المُوَقَّرِ مَلْئًا؛ فَلا سَعَةَ فِيهِ لِشَيْءٍ آخَرَ يَكُونُ فِيهِ؛ فَلَيْسَ لِأهْلِهِ حاجَةٌ في الإقامَةِ لَحْظَةً واحِدَةً لِانْتِظارِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ فَحِينَ وضَعَ رِجْلَهُ فِيهِ سارُوا؛ فاضْطَرَبَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ؛ وعَظُمَ الزِّلْزالُ؛ حَتّى أشْرَفَ مَرْكَبُهم عَلى الغَرَقِ؛ عَلى هَيْئَةٍ عَرَفُوا بِها أنَّ ذَلِكَ لِعَبْدٍ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ؛ فَإنَّ عِنْدَ أهْلِ البَحْرِ أنَّ السَّفِينَةَ لا يَسْتَقِيمُ سَيْرُها وفِيها آبِقٌ؛ نَقَلَهُ الكَرْمانِيُّ وغَيْرُهُ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ فَسَبَّبَ لَهم ذَلِكَ المُساهَمَةَ؛ أيْ: المُقارَعَةَ؛ كَما هو رَسْمُهم في مِثْلِ ذَلِكَ الأمْرِ؛ فاسْتَهَمُوا؛

37:141Page 451

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١

And he drew lots1 and was among the losers.

﴿فَساهَمَ﴾؛ أيْ قارَعَ يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهُمْ؛ قالَ البَغَوِيُّ: والمُساهَمَةُ إلْقاءُ السِّهامِ عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ؛ ولَمّا آلَ وُقُوعُ القُرْعَةِ عَلَيْهِ إلى رَمْيِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِن مَحَلِّ عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ؛ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى الزَّلَقِ؛ الَّذِي يَكُونُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنِ المُساهَمَةِ -: ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾؛ أيْ: المُوقَعِينَ في الدَّحْضِ؛ وهو الزَّلَقُ؛ فَنَزَلَ عَنْ مَكانِ الظَّفَرِ بِأنْ وقَعَتِ القُرْعَةُ؛ فَرَمَوْهُ في البَحْرِ؛

37:142Page 451

فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢

Then the fish swallowed him, while he was blameworthy.1

﴿فالتَقَمَهُ﴾؛ أيْ: ابْتَلَعَهُ كَما تُبْتَلَعُ اللُّقْمَةَ؛ ﴿الحُوتُ﴾؛ أيْ: المَعْرُوفُ؛ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا حُوتَ أكْبَرُ مِنهُ؛ فَكَأنَّهُ لا حُوتَ غَيْرُهُ؛ (p-٢٩٣)﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿مُلِيمٌ﴾؛ أيْ: داخِلٌ في المَلامَةِ.

37:143Page 451

فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣

And had he not been of those who exalt Allāh,

ولَمّا وقَعَ ما وقَعَ؛ فَتَجَرَّدَ عَنْ نَفْسِهِ وغَيْرِها؛ تَجَرُّدًا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِثْلُ مَجْمُوعِهِ؛ لا جَرَمَ؛ زادَ في التَّجَرُّدِ بِالفَناءِ في مَقامِ الوَحْدانِيَّةِ؛ فَلازَمَ التَّنْزِيهَ؛ حَتّى أنْجاهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ﴾؛ أيْ: خَلْقًا؛ وخُلُقًا؛ ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا المَقامِ؛ وهو ما يَصِحُّ إطْلاقُ ”التَّسْبِيحُ“؛ في اللُّغَةِ عَلَيْهِ؛ مِنَ التَّنْزِيهِ بِالقَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ والأرْكانِ؛ بِالصَّلاةِ وغَيْرِها؛ لِأنَّ خَلْقَهُ مُطابِقٌ لِما هُيِّئَ لَهُ مِن خُلُقِهِ؛ فَهو لازِمٌ لِذَلِكَ في وقْتِ الرَّخاءِ؛ والدَّعَةِ؛ والخَفْضِ؛ والسَّعَةِ؛ فَكَيْفَ بِهِ في حالِ الشِّدَّةِ؛ وحَمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَلى الصَّلاةِ؛

37:144Page 451

لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤

He would have remained inside its belly until the Day they are resurrected.1

﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ﴾؛ أيْ: حَيًّا؛ أوْ بِأنْ يَكُونَ غِذاءً لَهُ؛ فَتَخْتَلِطَ أجْزاؤُهُ بِأجْزائِهِ؛ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أيْ: هو والحُوتُ؛ وغَيْرُهُما مِنَ الخَلائِقِ؛ وعَبَّرَ بِالجَمْعِ لِإفادَةِ عُمُومِ البَعْثِ؛ ولَوْ أفْرَدَ لَمْ يُفِدْ بَعْثَ الحَيَواناتِ العُجْمِ؛ ولَوْ ثَنّى لَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ لَهُ ولِلْحُوتِ خاصَّةً؛ لِمَعْنًى يَخُصُّهُما؛ فَلا يُفِيدُ بَعْثَ غَيْرِهِما؛ وقِيلَ: لَلَبِثَ حَيًّا في بَطْنِهِ؛ وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى حَدِيثِ: «”تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ؛ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ“؛» وحَثٌّ عَلى الذِّكْرِ؛ (p-٢٩٤)وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ.

37:145Page 451

۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥

But We threw him onto the open shore while he was ill.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَكّارًا لِلَّهِ في حالِ الرَّخاءِ؛ ذَكَرْناهُ في حالِ الشِّدَّةِ؛ فَأنْجَيْناهُ مِن بَطْنِهِ؛ وأخْرَجْناهُ مِنهُ سالِمًا؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ؛ أبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ﴾؛ أيْ: ألْقَيْناهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ؛ إلْقاءً لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرِهِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلَيْنا يَسِيرًا؛ ﴿بِالعَراءِ﴾؛ أيْ: المَكانِ القَفْرِ؛ الواسِعِ؛ الخالِي عَنْ ساتِرٍ مِن نَبْتٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وذَلِكَ بِساحِلِ المَوْصِلِ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: قَذَفَهُ في نَصِيبِينَ؛ مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ؛ ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾؛ أيْ: عَلِيلٌ جِدًّا مِمّا نالَهُ مِن جَوْفِ الحُوتِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ كانَ كالطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ؛ وهو إذْ ذاكَ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ؛ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي تَدارَكَتْهُ؛ فَكانَ مُجْتَبًى؛ ومِنَ الصّالِحِينَ؛

37:146Page 451

وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦

And We caused to grow over him a gourd vine.1

﴿وأنْبَتْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ في ذَلِكَ المَكانِ؛ الَّذِي لا مُقْتَضى لِلنَّباتِ مُطْلَقًا فِيهِ؛ فَضْلًا عَمّا لا يَنْبُتُ إلّا بِالماءِ الكَثِيرِ.

ولَمّا كانَ سُقْمُهُ مُتَناهِيًا؛ بالِغًا إلى حَدٍّ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: ورَفَعْناها حالَ إنْباتِنا إيّاها فَوْقَهُ؛ لِتُظِلَّهُ كَما يُظِلُّ البَيْتُ الإنْسانَ؛ ولَمّا كانَ الدُّبّاءُ مِنَ النَّجْمِ؛ وكانَ قَدْ أعْظَمَها - سُبْحانَهُ - لِأجْلِهِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِما لَهُ ساقٌ؛ فَقالَ: ﴿شَجَرَةً﴾؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُفْهِمَةً لِأنَّها مِمّا لَهُ ساقٌ؛ نَصَّ عَلى خَرْقِ العادَةِ بِقَوْلِهِ: (p-٢٩٥)﴿مِن يَقْطِينٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْجارِ الَّتِي تَلْزَمُ الأرْضَ؛ وتَقْطُنُ فِيها؛ وتَصْلُحُ لِأنْ يَأْوِيَ إلَيْها ويَقْطُنَ عِنْدَها؛ حَتّى يَصْلُحَ حالُهُ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) عَظَّمَها؛ وأخْرَجَها عَنْ عادَةِ أمْثالِها؛ حَتّى صارَتْ عَلَيْهِ كالعَرِيشِ؛ و”اليَقْطِينُ“: كُلُّ ما يَمْتَدُّ ويَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ ولا يَبْقى عَلى الشِّتاءِ؛ ولا يَقُومُ عَلى ساقٍ؛ كالبِطِّيخِ؛ والقِثّاءِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - شَجَرَةُ القَرْعِ؛ لِعِظَمِ ورَقِها؛ وبَرَدِ ظِلِّها؛ ونُعُومَةِ مَلْمَسِها؛ وأنَّ الذُّبابَ لا يَقْرَبُها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لا يَقْرَبُهُ ذُبابٌ أصْلًا؛ وقالَ غَيْرُهُ: فِيهِ مُلاءَمَةٌ لِجَسَدِ الإنْسانِ؛ حَتّى لَوْ ذَهَبَتْ عَظْمَةٌ مِن رَأسِهِ فَوُضِعَ مَكانَها قِطْعَةٌ مِن جِلْدِ القَرْعِ؛ نَبَتَ عَلَيْها اللَّحْمُ وسَدَّ مَسَدَّهُ؛ وهو مِن ”قَطَنَ بِالمَكانِ“؛ إذا أقامَ بِهِ إقامَةَ زائِلٍ؛ لا ثابِتٍ.

37:147Page 451

وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧

And We sent him1 to [his people of] a hundred thousand or more.

ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى التَّرْجِيَةِ أعْظَمَ؛ خَتَمَ بِها؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُمِيتُهُ ﷺ حَتّى يُقِرَّ عَيْنَهُ بِأُمَّتِهِ كَثْرَةً؛ طَواعِيَةً ونِعْمَةً؛ فَقالَ: ﴿وأرْسَلْناهُ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ الَّتِي لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ؛ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ (p-٢٩٦)بِتَعْيِينِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ وهَلْ هُمُ الَّذِينَ أبَقَ عَنْهم أوْ لا؛ قالَ: ﴿إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوَّلًا؛ قالَهُ أبُو حَيّانَ؛ ولَمّا كانَ العَدَدُ الكَثِيرُ لا يُمْكِنُ ناظِرَهُ الوُقُوعُ فِيهِ عَلى حَقِيقَةِ عَدَدِهِ؛ بَلْ يَصِيرُ - وإنْ كانَ أثْبَتَ النّاسِ نَظَرًا - يَقُولُ: هم كَذا؛ يَزِيدُونَ قَلِيلًا؛ أوْ يَنْقُصُونَهُ؛ وتارَةً يَجْزِمُ بِأنَّهم لا يَنْقُصُونَ عَنْ كَذا؛ وأمّا الزِّيادَةُ فَمُمْكِنَةٌ؛ وتارَةً يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ الزِّيادَةُ؛ وهو المُرادُ هُنا؛ قالَ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾؛ لِأنَّ التَّرْجِيَةَ في كَثْرَةِ الأتْباعِ أقَرُّ لِلْعَيْنِ؛ وأسَرُّ لِلْقَلْبِ؛ وإفْهامًا لِأنَّ الزِّيادَةَ واقِعَةٌ؛ وهَؤُلاءِ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ هم أهْلُ نِينَوى؛ وهم مِن غَيْرِ قَوْمِهِ؛ فَإنَّ حُدُودَ أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ الفُراتُ؛ ونِينَوى مِن شَرْقِيِّ الفُراتِ؛ بَعِيدَةٌ عَنْهُ جِدًّا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском