Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:148–164
37:148Page 451
فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨
And they believed, so We gave them enjoyment [of life] for a time.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ إتْيانِهِ إلَيْهِمُ انْشِراحُ صَدْرِهِ؛ بَعْدَما كانَ حَصَلَ لَهُ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ ما تَقَدَّمَ؛ قالَ: ﴿فَآمَنُوا﴾؛ أيْ: تَجْرِيدًا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ؛ ولُحُوقًا بِالصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ؛ ولَمّا كانَ إيمانُهم سَبَبَ رَفْعِ العَذابِ؛ الَّذِي كانَ أوْجَبَهُ لَهم كُفْرُهُمْ؛ قالَ: ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾؛ أيْ: ونَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ؛ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِن عَظَمَتِنا شَيْئًا؛ ولا زادَ فِيها؛ ﴿إلى حِينٍ﴾؛ أيْ: إلى انْقِضاءِ آجالِهِمُ الَّتِي ضَرَبْناها لَهم في الأزَلِ. (p-٢٩٧)ذِكْرُ قِصَّةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سِفْرِ الأنْبِياءِ؛ قالَ مُتَرْجِمُهُ: نَبْدَأُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ بِكَتْبِ نُبُوَّةِ يُونانَ بْنِ مَتّى؛ النَّبِيِّ: كانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَلى يُونانَ بْنِ مَتّى؛ يَقُولُ لَهُ: قُمْ فانْطَلِقْ إلى نِينَوى؛ المَدِينَةِ العَظِيمَةِ؛ ونادِ فِيها بِأنَّ شَرارَتَكم قَدْ صَعِدَتْ قُدّامِي؛ وقامَ يُونانُ لِيَفِرَّ إلى تَرْسِيسَ مِن قُدّامِ الرَّبِّ؛ وهَبَطَ إلى يافا؛ ووَجَدَ سَفِينَةً تُرِيدُ تَدْخُلُ إلى تَرْسِيسَ؛ فَأعْطى المَلّاحَ أُجْرَةً؛ ونَزَلَها لِيَدْخُلَ مَعَهم إلى تَرْسِيسَ هارِبًا مِن قُدّامِ الرَّبِّ؛ والرَّبُّ طَرَحَ رِيحًا عَظِيمَةً في البَحْرِ؛ فَكانَ في البَحْرِ مَوْجٌ عَظِيمٌ؛ والسَّفِينَةُ كانَتْ تَتَمايَلُ لِتَنْكَسِرَ؛ وفَرَقَ المَلّاحُونَ؛ وجَأرَ كُلُّ إنْسانٍ إلى إلَهِهِ؛ وطَرَحُوا مَتاعَ السَّفِينَةِ في البَحْرِ؛ لِيُخَفِّفُوا عَنْهُمْ؛ بِحَقٍّ هَبَطَ يُونانُ إلى أسْفَلِ السَّفِينَةِ؛ ونامَ؛ فَدَنا مِنهُ سَيِّدُ المَلّاحِينَ؛ وقالَ لَهُ: لِماذا أنْتَ نائِمٌ؟ قُمْ فادْعُ إلَهَكَ لَعَلَّ اللَّهَ يُخَلِّصُنا؛ ولا نَهْلِكُ؛ وقالَ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: تَعالَوْا نَقْتَرِعْ؛ ونَعْلَمْ: هَذا الشَّرُّ مِن قِبَلِ مَن جاءَ عَلَيْنا؟ فاقْتَرَعُوا فَجاءَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونانَ؛ فَقالُوا لَهُ: أخْبِرْنا؛ ما هَذا الشَّرُّ؟ وماذا هو عَمَلُكَ؟ ومِن أيْنَ أنْتَ؟ ومِن (p-٢٩٨)أيِّ شَعْبٍ أنْتَ؟ وأيَّتُها أرْضُكَ؟ فَقالَ لَهم يُونانُ: أنا عِبْرانِيٌّ؛ ولَلَّهَ رَبَّ السَّماءِ أخْشى؛ الَّذِي خَلَقَ البَرَّ والبَحْرَ؛ فَفَرَقَ أُولَئِكَ القَوْمُ فَرَقًا شَدِيدًا؛ فَقالُوا لَهُ: ماذا صَنَعْتَ؟ لِأنَّ أُولَئِكَ النّاسَ عَلِمُوا أنَّهُ مِن قُدّامِ إلَهِهِ هَرَبَ؛ فَلَمّا أخْبَرَهم قالُوا: ما نَصْنَعُ بِكَ حَتّى يَسْكُنَ عَنّا البَحْرُ؛ لِأنَّ البَحْرَ هو ذا مُنْطَلِقٌ يَزْخَرُ عَلَيْنا؟ قالَ لَهم يُونانُ: خُذُونِي فاطْرَحُونِي في البَحْرِ؛ فَيَسْكُنْ عَنْكُمُ البَحْرُ؛ لِأنِّي أعْلَمُ أنَّ هَذا المَوْجَ العَظِيمَ مِن أجْلِي هاجَ عَلَيْكُمْ؛ فَجَهِدَ أُولَئِكَ النّاسُ أنْ يَرْجِعُوا إلى السّاحِلِ؛ فَلَمْ يَجِدُوا إلى ذَلِكَ سَبِيلًا؛ لِأنَّ البَحْرَ كانَ ذاهِبًا يَزْخَرُ عَلَيْهِمْ؛ ودَعَوْا إلى الرَّبِّ؛ وقالُوا: أيُّها الرَّبُّ؛ لا يُحْسَبْ عَلَيْنا دَمٌ زَكِيٌّ؛ ولا نَهْلِكْ بِنَفْسِ هَذا الرَّجُلِ؛ مِن أجْلِ أنَّكَ أنْتَ الرَّبُّ؛ وكُلَّ ما شِئْتَ تَصْنَعُ؛ فَأخَذُوا يُونانَ وطَرَحُوهُ في البَحْرِ؛ فاسْتَقَرَّ البَحْرُ مِن أمْواجِهِ؛ وفَرَقَ أُولَئِكَ النّاسُ مِن قُدّامِ الرَّبِّ فَرَقًا شَدِيدًا؛ وذَبَحُوا ذَبائِحَ لِلرَّبِّ؛ ونَذَرُوا لَهُ النُّذُورَ؛ وهَيَّأ الرَّبُّ سَمَكَةً عَظِيمَةً فابْتَلَعَتْ يُونانَ؛ وكانَ يُونانُ في أمْعاءِ السَّمَكَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ وثَلاثَ لَيالٍ؛ وقالَ: دَعَوْتُ الرَّبَّ في حُزْنِي فَأجابَنِي؛ ومِن بَطْنِ الجَحِيمِ تَضَرَّعْتُ إلَيْهِ؛ وسَمِعَ صَوْتِي؛ وطَرَحَنِي في الغَوْطِ؛ في قَلْبِ البَحْرِ؛ والأنْهارُ أحاطَتْ بِي؛ وكُلُّ أمْواجِكَ وأهْياجِكَ عَلَيَّ جازَتْ؛ (p-٢٩٩)أنا بِحَقٍّ قُلْتُ: إنِّي قَدْ تَباعَدْتُ مِن قُدّامِ عَيْنَيْكَ؛ مِنَ الآنَ أتُرى أعُودُ فَأنْظُرُ إلى هَيْكَلِكَ المُقَدَّسِ؛ وقَدْ أحاطَتْ بِيَ المِياهُ حَتّى نَفْسِي؛ والأهْوالُ أحاطَتْ بِي؛ وفي أسْفَلِ البَحْرِ احْتَبَسَ رَأْسِي؛ وإلى أسْفَلِ الجِبالِ هَبَطْتُ؛ والأرْضُ أطْبَقَتْ أغْلاقَها في وجْهِي إلى الدَّهْرِ؛ إذا اغْتَمَّتْ نَفْسِي لِلرَّبِّ ذَكَرْتُ؛ ودَخَلْتُ صَلاتِي قُدّامَكَ؛ إلى هَيْكَلِكَ المُقَدَّسِ؛ فَكُلُّ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الأنْساكَ البَطّالَةَ رَحِمْتَهم فَتُرِكُوا؛ أنا بِحَقٍّ بِصَوْتِ الشُّكْرِ أُقَرِّبُ لَكَ؛ وأذْبَحُ؛ والَّذِي نَذَرْتُهُ أُوَفِّيهِ لِلرَّبِّ؛ فَأمَرَ الرَّبُّ السَّمَكَةَ؛ فَقَذَفَتْ يُونانَ في اليُبْسِ؛ وأتى كَلامُ الرَّبِّ إلَيْهِ المَرَّةَ الثّانِيَةَ؛ وقالَ لَهُ: قُمْ يا يُونانُ؛ فانْطَلِقْ إلى نِينَوى؛ المَدِينَةِ العَظِيمَةِ؛ ونادِ فِيها بِالنِّداءِ الَّذِي أقُولُهُ لَكَ؛ فَقامَ يُونانُ وانْطَلَقَ إلى نِينَوى؛ مِثْلَ كَلِمَةِ الرَّبِّ؛ ونِينَوى كانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً لِلرَّبِّ؛ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ؛ وتَبَدَّأ يُونانُ أنْ يَدْخُلَ إلى نِينَوى مَسِيرَةَ يَوْمٍ واحِدٍ؛ ونادى وقالَ: مِنَ الآنَ؛ وإلى أرْبَعِينَ يَوْمًا نِينَوى تَنْقَلِبُ؛ فَآمَنَ أهْلُ نِينَوى لِلَّهِ؛ وفَرَضُوا الصَّوْمَ؛ ولَبِسُوا المُسُوحَ؛ مِن عُظَمائِهِمْ حَتّى صَغائِرِهِمْ؛ وانْتَهَتِ الكَلِمَةُ إلى مَلِكِ نِينَوى؛ فَقامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ؛ (p-٣٠٠)ونَزَعَ تاجَهُ؛ واكْتَسى مَسْحَ شَعْرٍ؛ وجَلَسَ عَلى الرَّمادِ؛ ونادى في نِينَوى؛ وقالَ المَلِكُ وأشْرافُهُ: وكُلُّ النّاسِ؛ والغَدائِرِ؛ والثِّيرانِ؛ والغَنَمِ؛ فَلا يَذُوقُونَ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ؛ ولا يَرْعَوْنَ؛ وماءً فَلا يَشْرَبُونَ؛ ولَكِنْ فَلْيَلْبَسِ النّاسُ؛ والغَدائِرُ؛ ويَدْعُوا اللَّهَ بِالتَّضَرُّعِ؛ ويَرْجِعْ كُلُّ إنْسانٍ عَنْ طَرِيقَةِ السُّوءِ؛ وعَنْ الِاخْتِطافِ الَّذِي في يَدِهِ؛ وقالُوا: مَن ذا الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ مِنّا؛ ويَتَرَحَّمُ عَلَيْنا؛ ويَرُدُّ عَنّا غَضَبَهُ ورِجْزَهُ؛ لِكَيْلا نَهْلِكَ؛ ونَظَرَ اللَّهُ إلى أعْمالِهِمْ أنَّهم قَدْ تابُوا عَنْ طُرُقِهِمُ السُّوءِ؛ فَرَدَّ عَنْهم غَضَبَ رِجْزِهِ؛ ولَمْ يُبِدْهُمْ؛ وحَزِنَ يُونانُ حُزْنًا شَدِيدًا؛ وتَكَرَّهَ مِن ذَلِكَ جِدًّا؛ وصَلّى قُدّامَ الرَّبِّ؛ وقالَ: أيُّها الرَّبُّ؛ ألَمْ تَكُنْ هَذِهِ كَلِمَتِي؛ وأنا بَعْدُ في بِلادِي؛ ولِذَلِكَ سَبَقْتُ وفَرَرْتُ إلى تَرْسِيسَ؛ قَدْ عَرَفْتُ بِحَقٍّ أنَّكَ الرَّحْمَنُ الإلَهُ الرَّؤُوفُ؛ طَوِيلٌ صَبْرُكَ؛ وكَثِيرَةٌ نِعْمَتُكَ؛ وتَرُدُّ السُّوءَ الآنَ يا رَبُّ؛ انْزِعْ نَفْسِي مِنِّي؛ لِأنَّ المَوْتَ أنْفَعُ لِي مِنَ الحَياةِ؛ فَقالَ لَهُ: جِدًّا حَزِنْتَ يا يُونانُ؛ وخَرَجَ يُونانُ مِنَ المَدِينَةِ؛ واتَّخَذَ لَهُ ثَمَّةَ مِظَلَّةً؛ وجَلَسَ تَحْتَها في الظِّلِّ؛ لِيَنْظُرَ ما الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمَدِينَةِ؛ وأمَرَ اللَّهُ الرَّبَّ أصْلَ القَرْعِ؛ ونَبَتَ وارْتَفَعَ عَلى رَأْسِ يُونانَ؛ فَكانَ ظِلٌّ عَلى رَأْسِهِ؛ فَتَفَرَّجَ مِن شِدَّتِهِ؛ وفَرِحَ فَرَحًا كَثِيرًا يُونانُ بِأصْلِ القَرْعِ. (p-٣٠١)وفِي اليَوْمِ الآخَرِ أمَرَ اللَّهُ الرَّبُّ دُودَةً في مَطْلَعِ الصُّبْحِ؛ فَضَرَبَتْ أصْلَ القَرْعِ؛ وقَرَضَتْهُ؛ فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أمَرَ اللَّهُ رِيحَ السَّمُومِ فَيَبَّسَتْ أصْلَ القَرْعِ؛ وحَمِيَتِ الشَّمْسُ في رَأْسِ يُونانَ؛ واغْتَمَّ؛ وسَألَ المَوْتَ لِنَفْسِهِ؛ وقالَ: إنَّكَ يا رَبُّ تَقْدِرُ تَنْزِعُ نَفْسِي مِنِّي؛ لِأنِّي لَمْ أكُنْ أخْبَرَ مِن إيّايَ؛ وقالَ الرَّبُّ لِيُونانَ: جِدًّا حَزِنْتَ عَلى أصْلِ القَرْعِ؟ فَقالَ يُونانُ: جِدًّا أحْزَنُ حَتّى المَوْتِ؛ قالَ لَهُ الرَّبُّ: أنْتَ أشْفَقْتَ عَلى أصْلِ القَرْعِ الَّذِي لَمْ تُعْنَ بِهِ؛ ولَمْ تُرَبِّهِ؛ الَّذِي في لَيْلَةٍ نَبَتَ؛ وفي لَيْلَةٍ يَبِسَ؛ فَكَيْفَ لا أُشْفِقُ أنا عَلى نِينَوى المَدِينَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي فِيها أكْثَرُ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَبْوَةً مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لا يَدْرُونَ ما بَيْنَ يَمِينِهِمْ مِن شِمالِهِمْ؛ وكَثْرَةٌ مِنَ الغَدائِرِ؛ انْتَهى.
ولَعَلَّ أصْلَ القَرْعِ المَذْكُورَ هُنا كانَ نَبَتَ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ مِن بَطْنِ الحُوتِ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ لَهُ ما ذُكِرَ هُنا رَجَعَ إلَيْهِ؛ وقَدْ زادَ عِظَمُهُ فَبَنى تَحْتَهُ عَرِيشًا؛ وجَلَسَ تَحْتَهُ؛ فَكانَ مِنهُ ما كانَ؛ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ ما هُنا مُخالِفًا لِما ذَكَرَ أهْلُ الأخْبارِ في هَذِهِ القِصَّةِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
37:149Page 451
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩
So inquire of them, [O Muḥammad], "Does your Lord have daughters while they have sons?1
ولَمّا كانَ الَّذِي سَبَقَ ادِّعاؤُهُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ هَؤُلاءِ المُنْذَرِينَ (p-٣٠٢)يُسارِعُونَ في اقْتِفاءِ آثارِ آبائِهِمْ في الضَّلالِ؛ والثّانِي أنَّ أكْثَرَ الأوَّلِينَ ضَلُّوا؛ وسِيقَتْ دَلِيلًا شُهُودِيًّا عَلى الثّانِي هَذِهِ القِصَصُ السِّتُّ؛ الَّتِي ما اهْتَدى مِن أهْلِها أُمَّةٌ بِكَمالِها إلّا قَوْمَ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ضَلالِ هَؤُلاءِ؛ تَبَعًا لِآبائِهِمْ؛ بِأمْرٍ لَيْسَ في بَيانِ الضَّلالِ أوْضَحُ مِنهُ؛ فَقالَ - مُتَهَكِّمًا بِهِمْ؛ مُخَصِّصًا الأمْرَ بِهِ ﷺ إشارَةً إلى عِظَمِ هَذِهِ النَّتِيجَةِ؛ وأنَّهُ لا يَفْهَمُها حَقَّ فَهْمِها سِواهُ ﷺ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أيْ: فاطْلُبْ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ دَعْوَتِكَ إلى أباطِيلِهِمْ؛ أنْ يُجِيبُوكَ؛ فُتُوَّةً مِنهُمْ؛ وكَرَمًا: بِأيِّ دَلِيلٍ؛ وبِأيِّ حُجَّةٍ حَكَمُوا بِما يَقُولُونَهُ تَبَعًا لِآبائِهِمْ؛ في المَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ في ”فاطِرٍ“؛ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ؛ وفي ”يـس“؛ أنَّهم في غايَةِ الشِّدَّةِ؛ بِحَيْثُ إنَّ عَذابَ الأُمَّةِ الكَثِيرَةِ يَكْفِي فِيهِ واحِدٌ مِنهُمْ؛ وبِحَيْثُ إنَّ صَيْحَةً واحِدَةً مِن أحَدِهِمْ تُمِيتُ الأحْياءَ كُلَّهُمْ؛ وصَيْحَةً أُخْرى تُحْيِي الأمْواتَ كُلَّهُمْ؟ هَذا إلى ما أفادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ لَهم مِنَ الصَّفِّ؛ والزَّجْرِ؛ والتِّلاوَةِ؛ حِينَ ابْتَدَأتْ بِالإقْسامِ بِهِمْ؛ لِأنَّ لِمَقْصُودِها نَظَرًا عَظِيمًا إلى أحْوالِهِمْ في تَجَرُّدِهِمْ؛ وتَقْدِيسِهِمْ؛ ويَلْزَمُ مِن هَذا الِاسْتِفْتاءِ تَنْزِيهُهُمْ؛ وتَنْزِيهُ الَّذِي خَلَقَهُمْ؛ وذَلِكَ (p-٣٠٣)مَقْصُودُ السُّورَةِ؛ ولَفَتَ الكَلامَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى ما هو دَلِيلٌ عَلَيْها؛ فَإنَّ الرَّسُولَ دالٌّ عَلى قَدْرِ مَن أرْسَلَهُ؛ فَقالَ: ﴿ألِرَبِّكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ وهو المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي رَبّاكَ؛ وأحْسَنَ إلَيْكَ بِهِدايَتِكَ؛ والهِدايَةِ بِكَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِكَ؛ حَتّى كُنْتَ أكْمَلَ الخَلْقِ؛ وأعْلاهم في كُلِّ أمْرٍ يَكُونُ بِهِ الكَمالُ؛ والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ؛ فاصْطَفاكَ لِرِسالَتِهِ؛ فَفي إفْرادِ الضَّمِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَخْتارُ إلّا الأكْمَلَ الأشْرَفَ الأفْضَلَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ تَبْكِيتَهُمْ؛ بِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا الأخَسَّ لِلَّهِ؛ وكانَتِ الإناثُ أضْعَفَ مِنَ الذُّكُورِ؛ ولَكِنَّها قَدْ تُطْلَقُ الأُنُوثَةُ عَلى غَيْرِ الحَيَوانِ؛ وكانَتِ الإناثُ في بَعْضِ الأجْناسِ - كالأسْحارِ - أشْرَفَ؛ عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالإناثِ؛ وعَبَّرَ بِما يَنُصُّ عَلى المُرادِ؛ فَقالَ: ﴿البَناتُ﴾؛ أيْ: دُونَ البَنِينَ؛ وهم - مَعَ أنَّهم مَرْبُوبُونَ مَقْهُورُونَ - يَأْنَفُونَ مِنهم غايَةَ الأنَفَةِ؛ ﴿ولَهُمُ﴾؛ أيْ: دُونَهُ؛ ﴿البَنُونَ﴾؛ مَعَ أنَّ الرَّبَّ؛ الَّذِي خَصُّوهُ بِأدْنى القَبِيلَيْنِ؛ تارَةً يَخْلُقُ الذَّكَرَ مِن تُرابٍ؛ ويُرَبِّيهِ أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ؛ وأُخْرى مِن غَيْرِهِ؛ أوْ يُخْرِجُهُ مِن بَطْنِ حُوتٍ؛ أوْ غَمَراتِ نارٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَبِأيِّ وسِيلَةٍ ادَّعَوْا لَهُ ولَدًا؛ والوَلَدُ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّدْرِيجِ في أطْوارِ الخَلْقِ؛ مِنَ النُّطْفَةِ إلى ما فَوْقَها؛ ولا يَرْضى بِذَلِكَ إلّا عاجِزٌ؟ فَكَيْفَ بِادِّعاءِ أدْنى الصِّنْفَيْنِ مِنَ الوَلَدِ؛ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ.
37:150Page 451
أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠
Or did We create the angels as females while they were witnesses?"
ولَمّا كانَ دَعْواهم لِأُنُوثَةِ المَلائِكَةِ مُتَضَمِّنَةً لِادِّعاءِ العِلْمِ بِاخْتِصاصِهِ عِنْدَ دَعْوى الوَلَدِيَّةِ بِأدْنى القَبِيلَيْنِ؛ أوِ ادِّعاءِ العِلْمِ بِأنَّهُ خَلَقَهم إناثًا بِمُشاهَدَةٍ (p-٣٠٤)مِنهُمْ؛ أوْ كِتابٍ مِنهُ إلَيْهِمْ؛ وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ لا مُدْخَلَ لَهُ في ذَلِكَ؛ قالَ - مُعْلِمًا بِأنَّهم أهْلٌ لِأنْ يُبَكَّتُوا؛ ويُسْتَهْزَأ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدَهم بِإحْدى الطَّرِيقَيْنِ؛ ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَدَّعُوا ذَلِكَ؛ لِئَلّا يُفْتَضَحُوا فَضِيحَةً لا تَنْجَبِرُ أصْلًا؛ عائِدًا إلى التَّصْرِيحِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مِن شَأْنِها كَثافَةَ الحِجابِ -: ﴿أمْ خَلَقْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي إنْ لَمْ يَقْتَضِ اخْتِيارَ الأكْمَلِ؛ لَمْ يَقْتَضِ الِاخْتِصاصَ بِالأدْوَنِ؛ لِأنَّها مُنافِيَةٌ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لِلدَّناءَةِ؛ ﴿المَلائِكَةَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِالأُنُوثَةِ؛ وهم مِن أعْظَمِ رُسُلِنا؛ وأجَلِّ خَواصِّنا؛ ولَمْ يَرَوْا مِنهم أحَدًا؛ ولا سَبِيلَ لَهم إلى العِلْمِ بِأحْوالِهِمْ؛ بِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ؛ ولَمّا تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالأُنُوثَةِ الخَساسَةُ؛ وكانَ في بَعْضِ الإناثِ قُوَّةُ الذُّكُورِ؛ عَبَّرَ بِالأُنُوثَةِ؛ إلْزامًا لَهم في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ بِخُساسَتَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿إناثًا وهُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ؛ ﴿شاهِدُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَهم شُهُودُ ذَلِكَ؛ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ؛ فَإنّا كُلَّ يَوْمٍ نُجَدِّدُ مِنهم مَن شِئْنا؛ قالَ الرّازِيُّ: وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ نَوْعٌ بِرَأْسِهِ؛ أمّا الآدَمِيُّونَ فَكُلُّهم نَوْعٌ واحِدٌ؛ وهو ناقِصٌ في ابْتِداءِ الفِطْرَةِ؛ مُسْتَكْمَلٌ؛ ولَهُ دَرَجاتٌ في التَّرَقِّي؛ إلى أنْ يَبْلُغَ مَقامَ المُشاهَدَةِ؛ وهو أنْ تَتَجَلّى لَهُ حِلْيَةُ الحَقِّ الأوَّلِ مِن ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ وتَرْتِيبِ أفْعالِهِ؛ عِلْمًا لا يَنْفَصِلُ عَنْهُ؛ ولا يَغِيبُ فَيَتَرَقّى في إدْراكِهِ عَنِ المَحْسُوساتِ؛ والخَيالاتِ؛ ويَتَرَقّى فِعْلُهُ عَنْ أنْ (p-٣٠٥)يَكُونَ لِمُقْتَضى الغَضَبِ أوِ الشَّهْوَةِ؛ وبِهَذا يَقْرُبُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ انْتَهى.
37:151Page 451
أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١
Unquestionably, it is out of their [invented] falsehood that they say,
ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى أنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمُ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ هَذا الِاسْتِفْتاءُ؛ أعْلَمَ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ؛ في قَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ قَوْلٌ لا يَكادُ ألّا يُقِرَّ أحَدٌ أنَّهُ قالَهُ؛ مُعَجِّبًا مِنهم فِيهِ؛ مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِما أبانَ مِن فَضِيحَتِهِمْ بِما قَدَّمَ مِنَ اسْتِفْتائِهِمْ -: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ أنَّ صَرَفَهُمُ الأُمُورَ عَنْ وُجُوهِها عادَتُهُمْ؛ ﴿لَيَقُولُونَ﴾؛ أيْ: قَوْلًا هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ؛ وإنْ كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى إبْرازِهِ في مَقامِ المُناظَرَةِ؛ وعَدَلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ عَلى الذّاتِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ؛ ونَعْتٍ مِن نُعُوتِهِ يَأْبى الوَلَدِيَّةَ؛ فَقالَ:
37:152Page 451
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢
"Allāh has begotten," and indeed, they are liars.
﴿ولَدَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وُجِدَ لَهُ - وهو المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ - ولَدٌ؛ وهم عَلى صِفَةِ الأُنُوثَةِ؛ أيْ أتى بِالوَلَدِ؛ فَـ ”ولَدَ“؛ فِعْلٌ ماضٍ؛ والجَلالَةُ فاعِلٌ؛ وقُرِئَ شاذًّا بِرَفْعِ ”ولَدَ“؛ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ وجَرِّ الجَلالَةِ بِالإضافَةِ؛ والوَلَدُ ”فَعَلٌ“؛ بِمَعْنى ”مَفْعُولٌ“؛ كَـ ”القَبَضُ“؛ فَلِذَلِكَ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ المُفْرَدِ وغَيْرِهِ؛ والمُؤَنَّثِ وغَيْرِهِ.
ولَمّا أتى - سُبْحانَهُ - بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ تَعالِيهِ عَنْ ذَلِكَ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ - دالًّا عَلى الثُّبُوتِ؛ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ دَعْواهم أنَّهم صادِقُونَ -: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾؛
ودَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ أيْضًا بِإنْكارِهِ؛ مُوَبِّخًا لَهم في أُسْلُوبِ الخِطابِ؛ زِيادَةً في الإغْضابِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿أصْطَفى﴾؛ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ (p-٣٠٦)الإنْكارِيِّ؛ ومَن أسْقَطَها فَهي عِنْدَهُ مُقَدَّرَةٌ؛ مُرادَةٌ؛ أيْ: أخْبِرُونِي: هَلِ اخْتارَ هَذا السَّيِّدُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِتَمامِ عِلْمِهِ؛ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ؛ وعُلُوِّ سُؤْدُدِهِ؛ ما تَسْتَرْذِلُونَهُ.
ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِالبِنْتِ أكْرَهَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالأُنْثى؛ والتَّعْبِيرُ بِالِابْنِ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالذُّكُورِ؛ وأنَصَّ عَلى المُرادِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ؛ قالَ: ﴿البَناتِ﴾؛ اللّاتِي تَسْتَنْكِفُونَ أنْتُمْ مِن لُحُوقِهِنَّ بِكُمْ؛ وتَسْتَحْيُونَ مِن نِسْبَتِهِنَّ إلَيْكُمْ؛ حَتّى إنَّ بَعْضَكم لِيَصِلُ في إبْعادِهِنَّ إلى الوَأْدِ؛ ﴿عَلى البَنِينَ﴾؛ فَكانَ حِينَئِذٍ نَظَرُهُ لِنَفْسِهِ دُونَ نَظَرِ أقَلِّكُمْ؛ فَضْلًا عَنْ أجَلِّكُمْ؛ ولِذَلِكَ عَظُمَ حُسْنًا؛ وتَناهى بَلاغَةً قَوْلُهُ:
﴿ما﴾؛ أيْ: يا مَعاشِرَ العَرَبِ المُدَّعِينَ لِصِحَّةِ العُقُولِ؛ وسَدادِ الأنْظارِ والفُهُومِ؛ أيُّ شَيْءٍ ﴿لَكُمْ﴾؛ مِنَ الخَيْرِ في هَذا المَقالِ؟ ثُمَّ زادَ في التَّقْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُعَجِّبًا مِنهم -: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما سَألْناكم عَنْهُ؛ بِمِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي لا تَصْدُرُ عَمَّنْ لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ مِن عَقْلِهِ؛ وعَبَّرَ بِالحُكْمِ لِاشْتِهارِهِ فِيما يُبَتُّ؛ فَيَأْبى النَّقْصَ؛ فَكانَ التَّعْبِيرُ بِهِ أعْظَمَ في تَقْرِيعِهِمْ؛ حَيْثُ أطْلَقُوهُ عَلى ما لا أوْهى مِنهُ.
ولَمّا كانَ هَذا شَدِيدَ المُنافاةِ لِلْعُقُولِ؛ عَظِيمَ البُعْدِ عَنِ الطِّباعِ؛ حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ - أيْضًا مُبَكِّتًا -: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: أدْنى تَذَكُّرٍ؛ بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ مَن خَفَّفَ؛ بِما جَمَعَتْ مِنَ التَّخْفِيفِ والحَذْفِ؛ فَإنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ (p-٣٠٧)لِما في عُقُولِكُمْ؛ وطِباعِكُمْ؛ مِن أنَّكم لا تَرْضَوْنَ لِأنْفُسِكم أخَسَّ المَنازِلِ؛ فَكَيْفَ يَخْتارُهُ لِنَفْسِهِ رَبُّكُمُ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ؟ وإنَّهُ لا يَكُونُ الوَلَدُ مُطْلَقًا إلّا مِمَّنْ لَهُ جِنْسٌ؛ فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلى جِنْسِهِ؛ والمُحْتاجُ لا يَكُونُ إلَهًا بِوَجْهٍ؛ وأشارَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالتَّشْدِيدِ والإدْغامِ؛ إلى أنَّ الأمْرَ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ تَذَكُّرٍ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّشْدِيدُ؛ مَعَ دِقَّةٍ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ لِأجْلِ حَلِّ شُبْهَةِ مَن يَرى أفْعالَ مَن يُحْيِي المَوْؤُودَةَ فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ رَغْبَةٌ مِنهم في الإناثِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا رَغْبَةً في دَفْعِ فَسادِ القَتْلِ؛ ورَحْمَةً لِلضَّعِيفِ؛ ولَمْ يُقْرَأْ بِالفَكِّ؛ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ غَنِيٌّ عَنِ الدَّرَجَةِ العُلْيا في التَّأمُّلِ.
ولَمّا قَرَّرَهم عَلى شُهُودِ ذَلِكَ؛ بِما تَضَمَّنَ إبْطالَهُ عَقْلًا؛ فَلَمْ يَبْقَ مِن طُرُقِ الأدِلَّةِ إلّا السَّمْعُ؛ عادَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ لَكُمْ﴾؛ أيْ: عَلى ادِّعاءِ ذَلِكَ؛ ﴿سُلْطانٌ﴾؛ أيْ: دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ؛ بِخَبَرٍ سَماوِيٍّ قاهِرٍ؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لا يُتَكَلَّمُ في أحْوالِ المُلُوكِ إلّا بِأمْرٍ واضِحٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبِينٌ﴾
37:157Page 452
فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٥٧
Then produce your scripture, if you should be truthful.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِهَذا - ولا بُدَّ - البُرْهانَ السَّمْعِيَّ؛ بَيَّنَهُ بِما سَبَّبَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي أتاكم بِذَلِكَ السُّلْطانِ مِنَ المَلِكِ؛ في أنَّهُ اخْتارَ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ؛ ودَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ تَلْوِيحًا؛ بَعْدَ أنْ أتى بِهِ تَصْرِيحًا؛ وهو أنَكى ما يَكُونُ بِالإتْيانِ بِأداةِ الشَّكِّ في قَوْلِهِ: (p-٣٠٨)﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ صادِرَةٌ عَنْ سُخْطٍ عَظِيمٍ؛ وإنْكارٍ فَظِيعٍ؛ والأسالِيبُ الَّتِي ورَدَتْ عَلَيْها ناطِقَةٌ بِتَسْفِيهِ أحْلامِ المُدَّعِي لِذَلِكَ؛ وبِجَهْلِ نُفُوسِهِمْ؛ واسْتِرْكاكِ عُقُولِهِمْ؛ مَعَ اسْتِهْزاءٍ؛ وتَهَكُّمٍ؛ وتَعْجِيبٍ مِن أنْ يَخْطُرَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى بالٍ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مُعْتَقَدًا؛ ويُتَظاهَرَ بِهِ مَذْهَبًا.
37:158Page 452
وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٥٨
And they have made [i.e., claimed] between Him and the jinn a lineage, but the jinn have already known that they [who made such claims] will be brought [to punishment].
ولَمّا تَمَّ إظْهارُ ضَلالِهِمْ؛ بَكَّتَهم في أُسْلُوبٍ آخَرَ؛ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ؛ تَخْوِيفًا مِن إحْلالِ عَذابِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا﴾؛ أيْ: بَعْضُ العَرَبِ؛ مُنابِذِينَ لِما مَضى بَيانُهُ مِنَ الأدِلَّةِ؛ ﴿بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ﴾؛ أيْ: الجِنِّ؛ الَّذِينَ هم شَرُّ الطَّوائِفِ؛ وأنَّثَهُمْ؛ إشارَةً إلى تَحْقِيرِهِمْ عَنْ هَذا الأمْرِ الَّذِي أهَّلُوهم لَهُ؛ ﴿نَسَبًا﴾؛ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ - جَلَّتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ؛ وعُظِّمَ؛ تَعالى جَدُّهُ - تَزَوَّجَ بَناتِ سَرَواتِ الجِنِّ؛ فَأوْلَدَ مِنهُنَّ المَلائِكَةَ؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ أحَدًا لا يَتَزَوَّجُ إلّا مَن يُجانِسُهُ؛ فَأبْعَدُوا غايَةَ البُعْدِ؛ لِأنَّهُ لا مُجانِسَ لَهُ؛ ولَمّا كانَ النَّسِيبُ يُكْرَمُ؛ ولا يُهانُ؛ قالَ - مُؤَنِّثًا لِضَمِيرِهِمْ؛ زِيادَةً في تَحْقِيرِهِمْ -: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا؛ السَّرَواتُ مِنهُمْ؛ والأسافِلُ؛ ﴿إنَّهُمْ﴾؛ أيْ: الجِنَّ كُلَّهُمْ؛ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: إلَيْهِ؛ بِالبَعْثِ؛ كَرْهًا؛ لِيُعامَلُوا بِالعَدْلِ؛ مَعَ بَقِيَّةِ الخَلائِقِ؛ يَوْمَ فَصْلِ القَضاءِ؛ والتَّجَلِّي في مَظاهِرِ العِزِّ والعَظَمَةِ؛ والكِبْرِياءِ؛ فَهم أقَلُّ مِن أنْ يُدَّعى لَهم ذَلِكَ.
(p-٣٠٩)ولَمّا ذَكَرَ اليَوْمَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ لِكُلِّ أحَدٍ مَعاقِدُ الصِّفاتِ؛ وتَتَلاشى عِنْدَ تِلْكَ المَظاهِرِ أعْيانُ الكائِناتِ؛ وتَنْمَحِي لَدى تِلْكَ النُّعُوتِ آثارُ الفانِياتِ؛ وكانَ ذِكْرُهُ عَلى وجْهٍ مُبِينٍ بُعْدَ الجِنِّ عَنِ المُناسَبَةِ؛ كانَ مَجْزَأً لِلتَّنْزِيهِ؛ ومَوْضِعًا بَعْدَ تِلْكَ الضَّلالاتِ لِلتَّقْدِيسِ؛ نَتِيجَةً لِذَلِكَ؛ فَقالَ - مُصَرِّحًا بِاسْمِ التَّسْبِيحِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ أنْواعِهِ؛ والجَلالَةِ؛ إشارَةً إلى عِظَمِ المَقامِ -: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ تَنَزُّهًا يَفُوتُ الحَصْرَ؛ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾؛ أيْ: عَمّا يَصِفُهُ بِهِ جَمِيعُ الخَلائِقِ؛ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمُ الإحْضارُ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ أوِ الكُفّارُ الَّذِينَ ادَّعَوْا لَهُ الوَلَدَ؛ وجَعَلُوا المَلائِكَةَ مِنَ الوَلَدِ؛
37:160Page 452
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٠
Except the chosen servants of Allāh [who do not share in that sin].
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِلْإضافَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ مِن حَيْثُ إطْلاقِهِ عَلى الذّاتِ الأعْظَمِ؛ ولِذَلِكَ أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عَيْنِ الماضِي؛ فَرُبَّما أوْهَمَ تَقْيِيدُهُ بِما ذُكِرَ في الأوَّلِ؛ فَيُفْهَمُ تَقْيِيدُ تَشْرِيفِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ؛ ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ أوْ مِنَ العَرَبِ؛ وهم مَن أسْلَمَ مِنهم بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ فَإنَّهم لا يَصِفُونَهُ إلّا بِما أُذِنَ لَهم فِيهِ؛ ولِأجْلِ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةُ المُتَجَرِّدِينَ عَنْ عَلائِقِ العَوائِقِ عَنِ السَّيْرِ إلَيْهِ؛ كَرَّرَ وصْفَ الإخْلاصِ فِيها كَثِيرًا.
37:161Page 452
فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١
So indeed, you [disbelievers] and whatever you worship,
ولَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهم (p-٣١٠)وجَمِيعَ ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُقَدِّرْهُ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنِ التَّنْزِيهِ؛ مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِمَن يَظُنُّ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَمْلِكُ شَيْئًا؛ مُواجِهًا لَهم بِالخِطابِ؛ لِأنَّهُ أنَكى؛ وأجْدَرُ بِالإغْضابِ -: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها؛ مِن كُلِّ مَن زَعَمْتُمُوهُ إلَهًا؛ وابْتَدَأ الخَبَرَ عَنْ ”إنَّ“؛ فَصَدَّرَهُ بِالنّافِي؛ فَقالَ:
﴿ما﴾؛ وغَلَّبَ المُخاطَبِينَ المُعَبَّرَ عَنْهم بِكافِ الخِطابِ عَلى مَن عَطَفَ عَلَيْهِمْ؛ وهم مَعْبُوداتُهُمْ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم عَدَمٌ؛ كَما حَقَّرَهم بِالتَّعْبِيرِ عَنْهم بِما دُونَ ”مَن“؛ فَقالَ - مُخاطِبًا -: ﴿أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى اللَّهِ خاصَّةً؛ ﴿بِفاتِنِينَ﴾؛ أيْ: بِمُغَيِّرِينَ أحَدًا مِنَ النّاسِ بِالإضْلالِ؛
37:163Page 452
إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣
Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.1
﴿إلا مَن هُوَ﴾؛ أيْ: في حُكْمِهِ؛ وتَقْدِيرِهِ؛ ﴿صالِ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: مُعَذَّبٌ بِعَذابِهِ؛ لِحُكْمِهِ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ؛ فَعُلِمَ أنَّكم لا تَقْدِرُونَ أنْ تُغَيِّرُوا عَلَيْهِ إلّا مَن غَيَّرَهُ هُوَ؛ فَبِحُكْمِهِ ضَلَّ؛ لا بِكم - نَعُوذُ بِكَ مِنكَ؛ لا مَهْرَبَ مِنكَ إلّا إلَيْكَ -؛ والمُرادُ بِتَقْدِيمِ الجارِّ أنَّ غَيْرَهُ قَدْ يُقْدَرُ عَلى أنْ يُفْسَدَ عَلَيْهِ مَن لا يُرِيدُ فَسادَهُ؛ ويَعْجِزُ عَنْ رَدِّ المُفْسِدِ؛ فالتَّعْبِيرُ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ في أيْدِيكم مِنَ الإضْلالِ إلّا هَذا الَّذِي جَعَلَهُ لَكم مِنَ التَّسَبُّبِ؛ فَإنْ كانَ عِنْدَكم غَلَبَةٌ فَسَمُّوهُ بِها؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ عَلى لَفْظِ ”مَن“؛ في المَوْضِعَيْنِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَيِّتَ عَلى الشِّرْكِ؛ بَعْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ العَرَبِ قَلِيلٌ؛ وقُرِئَ شاذًّا ”صالُو“؛ دَفْعًا لِظَنِّ أنَّهُ واحِدٌ.
37:164Page 452
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤
[The angels say],1 "There is not among us any except that he has a known position.2
(p-٣١١)ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا الِاسْتِفْتاءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وقَعَ امْتِثالًا لِلْأمْرِ المُصَدَّرِ بِهِ؛ وبَطَلَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ قُدْرَتُهُمْ؛ وقُدْرَةُ مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي يَدَّعُونَ لَها بَعْضَ القُدْرَةِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ؛ ومُبْطِلًا لِقُدْرَةِ المُخْلَصِينَ أيْضًا؛ عَطْفًا عَلى ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] -: ﴿وما مِنّا﴾؛ أيْ: نَحْنُ؛ وأنْتُمْ؛ ومَعْبُوداتِكُمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ أحَدٍ؛ ﴿إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ (تَعالى) في الأزَلِ؛ ثُمَّ أعْلَمَ المَلائِكَةَ بِما أرادَ مِنهُ؛ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى أنْ يَتَجاوَزَ ما أقامَهُ فِيهِ - سُبْحانَهُ - نَوْعَ مُجاوَزَةٍ؛ فَلِكُلٍّ مِنَ المَلائِكَةِ مَقامٌ مَعْرُوفٌ لا يَتَعَدّاهُ؛ والأوْلِياءُ لَهم مَقامٌ مَسْتُورٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ؛ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ؛ والأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهم مَقامٌ مَشْهُورٌ؛ مُؤَيَّدٌ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّهم لِلْخَلْقِ قُدْوَةٌ؛ فَأمْرُهم عَلى (p-٣١٢)الشُّهْرَةِ؛ وأمْرُ الأوْلِياءِ عَلى السُّتْرَةِ؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ؛ وغَيْرُ المَذْكُورِينَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ؛ لَهم مَقامٌ في الشَّقاوَةِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعِنْدَ مَن أطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِن عِبادِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences