Al-Biqa'iAs‑Saffat · 37:15–27

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:15–27

37:15Page 446

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥

And say, "This is not but obvious magic.

ولَمّا كانَ إنْكارُهم لِلْبَعْثِ؛ ولَوْ صَدَرَ مَرَّةً واحِدَةً؛ في الشَّناعَةِ؛ والعِظَمِ؛ والقَباحَةِ؛ مِثْلَ تَجْدِيدِهِمْ لِلسُّخْرِيَةِ كُلَّما سَمِعُوا آيَةً؛ والمُبالَغَةِ فِيها؛ (p-٢٠٤)لِأنَّ دَلائِلَهُ مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ بِمَكانٍ هو في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الشُّكُوكِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: ما هو غايَةٌ في العَجَبِ؛ ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي أتانا بِهِ مِن أمْرِ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا شاهَدْناهُ؛ أوْ أخْبَرَنا بِهِ؛ ﴿إلا سِحْرٌ﴾؛ أيْ: خَيالٌ؛ وأُمُورٌ مُمَوِّهَةٌ؛ لا حَقائِقَ لَها؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: ظاهِرٌ في نَفْسِهِ؛ ومُظْهِرٌ لِسُخْرِيَتِهِ؛

37:16Page 446

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦

When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

ثُمَّ خَصُّوا البَعْثَ بِالإنْكارِ؛ ﴿أإذا مِتْنا﴾؛ وعَطَفُوا عَلَيْهِ ما هو مُوجِبٌ عِنْدَهم لِشِدَّةِ الإنْكارِ؛ فَقالُوا: ﴿وكُنّا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ التَّمَكُّنِ؛ ﴿تُرابًا﴾؛ قَدَّمُوهُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى مُرادِهِمْ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحَياةِ؛ ﴿وعِظامًا﴾؛ كَأنَّهم جَعَلُوا كُلَّ واحِدٍ - مِنَ المَوْتِ؛ والكَوْنِ -؛ إلى التُّرابِيَّةِ المَحْضَةِ؛ والعِظامِيَّةِ المَحْضَةِ؛ أوِ المُخْتَلَطَةِ مِنهُما؛ مانِعًا مِنَ البَعْثِ؛ وهَذا بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ أنَّ ابْتِداءَ خَلْقِهِمْ كانَ مِنَ التُّرابِ؛ مَعَ أنَّ هَذا ظاهِرٌ جِدًّا؛ ”ولَكِنْ عُقُولٌ أضَلَّها بارِيها“؛ ثُمَّ كَرَّرُوا الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ؛ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِهِ؛ زِيادَةً في الإنْكارِ؛ فَقالُوا: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾

37:17Page 446

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ١٧

And our forefathers [as well]?"

ولَمّا كانَ المَعْنى: أيَثْبُتُ بَعْثُنا؟ عَطَفُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم - مُكَرِّرِينَ لِلِاسْتِفْهامِ (p-٢٠٥)الإنْكارِيِّ؛ تَأْكِيدًا لِزِيادَةِ اسْتِبْعادِهِمْ؛ حَتّى إنَّهم قاطِعُونَ بِأنَّهُ مُحالٌ؛ فَقالُوا قَوْلًا واهِيًا -: ﴿أوَآباؤُنا﴾؛ أيْ: يَثْبُتُ بَعْثُنا؛ وكَذا آباؤُنا؟ وزادُوا في الِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿الأوَّلُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ طالَ مُكْثُهم في الأرْضِ تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى؛ وانْمَحَقَتْ أجَزاؤُهُمْ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم أثَرٌ ما؛ ومَرَّتِ الدُّهُورُ؛ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم يَوْمًا مِنَ الأيّامِ؛ يَدُلُّنا بَعْثُهُ عَلى ما يُدَّعى مِن ذَلِكَ.

37:18Page 446

قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨

Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."

ولَمّا بالَغُوا هَذِهِ المُبالَغاتِ في إنْكارِهِ؛ بَعْدَ قِيامِ البَراهِينِ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ عَلى جَوازِهِ؛ بَلْ وُجُوبِهِ عادَةً؛ أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يُقابِلُ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قُلْ نَعَمْ﴾؛ أيْ: تُبْعَثُونَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ قَدَّرْتُمُوهُ؛ وذَكَرَ حالَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾؛ أيْ: مُكْرَهُونَ عَلَيْهِ؛ صاغِرُونَ؛ ذَلِيلُونَ؛ حَقِيرُونَ؛

37:19Page 446

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩

It will be only one shout, and at once they will be observing.

ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الوَعْدِ بِتَحَتُّمِ كَوْنِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غايَةٌ في الهَوانِ فَقالَ: ﴿فَإنَّما﴾؛ أيْ: يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّكم تُزْجَرُونَ؛ فَتَقُومُونَ؛ والزَّجْرَةُ الَّتِي يَقُومُونَ بِها إنَّما ﴿هِيَ زَجْرَةٌ﴾؛ أيْ: صَيْحَةٌ؛ وأكَّدَ ما يُفْهِمُهُ مِنَ الوَحْدَةِ؛ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ؛ تَصْرِيحًا بِذَلِكَ؛ وتَحْقِيرًا لِأمْرِ البَعْثِ في جَنْبِ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقالَ: ﴿واحِدَةٌ﴾؛ وهي الثّانِيَةُ؛ الَّتِي كانَتِ الإماتَةُ لِجَمِيعِ الأحْياءِ في (p-٢٠٦)آنٍ واحِدٍ بِمِثْلِها؛ وأصْلُ الزَّجْرِ الِانْتِهارُ؛ ويَكُونُ لِحَثٍّ؛ أوْ مَنعٍ؛ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمَقْدُورِ عَلَيْهِ الَّذِي فَعَلَ ما يُغْضِبُ الزّاجِرَ؛ فَلِذَلِكَ سَمّى الصَّيْحَةَ زَجْرَةً.

ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ مُؤْذِنًا بِالغَضَبِ؛ حَقَّقَهُ بِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ خِطابِهِمْ؛ جَعْلًا لَهم بِمَحَلِّ البُعْدِ؛ وتَعْمِيمًا لِغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالفاءِ المُسَبِّبَةِ المُعَقِّبَةِ؛ وأداةِ المُفاجَأةِ -: ﴿فَإذا هُمْ﴾؛ أيْ: جَمِيعُ الأمْواتِ؛ بِضَمائِرِهِمْ؛ وظَواهِرِهِمُ؛ القَدِيمُ مِنهُمْ؛ والحَدِيثُ؛ أحْياءٌ؛ ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: في الحالِ؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أصْلًا؛ ولا فارِقَ بَيْنَ مَن صارَ كُلُّهُ تُرابًا؛ ومَن لَمْ يَتَغَيَّرْ أصْلًا؛ ومَن هو بَيْنَ ذَلِكَ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ النَّظَرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ كَمالِ الحَياةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: «”إذا قُبِضَ الرُّوحُ تَبِعَهُ البَصَرُ“؛» وأمّا السَّمْعُ فَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ الحَيِّ؛ لِأنَّهُ ﷺ قالَ في الكُفّارِ مِن قَتْلى بَدْرٍ: «”ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ“؛» وشاهَدْتُ أنا في بِلادِ العُرْقُوبِ؛ المُجاوِرَةِ لِبانْياسَ؛ مِن بِلادِ الشّامِ؛ شَجَرَةَ شَوْكٍ؛ يُقالُ لَها: ”الغُبَيْراءُ“؛ مَتى قِيلَ عِنْدَها: ”هاتِ لِيَ المِنجَلَ لِأقْطَعَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ“؛ أخَذَ ورَقُها في الحالِ في الذُّبُولِ؛ فاللَّهُ أعْلَمُ ما سَبَبُ ذَلِكَ.

37:20Page 446

وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠

They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."

ولَمّا حَصَلَ الغَرَضُ مِن تَصْوِيرِ حالِهِمْ بِهَذا الفِعْلِ المُضارِعِ؛ عَطَفَ (p-٢٠٧)عَلَيْهِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ؛ الَّتِي مَعْناها الِاسْتِقْبالُ؛ إعْلامًا بِتَحَقُّقِ الأمْرِ تَحَقُّقَ ما مَضى وكانَ؛ وتَحَقُّقَهُ مَعَ القِيامِ سَواءً؛ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ؛ ولا تَخَلُّلِ زَمانٍ أصْلًا؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: كُلُّ مَن جَمَعَهُ البَعْثُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ مُعْلِمِينَ بِما انْكَشَفَ لَهُمْ؛ مِن أنَّهُ لا مُلازِمَ لَهم غَيْرُ الوَيْلِ؛ ﴿يا ويْلَنا﴾؛ أيْ: يا مَن لَيْسَ لَنا نَدِيمٌ غَيْرُهُ؛ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ أيْ: الجَزاءِ؛ لِكُلِّ عامِلٍ.

37:21Page 446

هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١

[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا إنَّما هو لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما فاتَهم مِنَ التَّصْدِيقِ النّافِعِ بِهِ؛ زادُوا في ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ - يُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا؛ بَدَلًا؛ أوْ وصْفًا بَعْدَ وصْفِ؛ دالِّينَ بِإعادَةِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى ما داخَلَهم مِنَ الهَوْلِ -: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخُصُومِ؛ ثُمَّ زادُوا تَأسُّفًا؛ وتَغَمُّمًا؛ وتَلَهُّفًا؛ بِقَوْلِهِمْ - لافِتِينَ القَوْلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى ذَمِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ وأبْعَدُ عَنِ الإنْصافِ بِالِاعْتِرافِ -: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: يا دُعاةَ الوَيْلِ جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾؛ وقَدَّمُوا الجارَّ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ؛ فَبَيْنَما هم في هَذا التَّأسُّفِ؛ إذْ بَرَزَ النِّداءُ بِما يُهَدِّئُ قُواهُمْ؛ ويُقِرُّ قُلُوبَهُمْ؛ وكُلاهُمْ؛ لِمَن لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ؛ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ؛ مِنَ المَلائِكَةِ الشِّدادِ الغِلاظِ؛ بِإذْلالِهِمْ؛ وإصْغارِهِمْ؛ ولِبَيانِ السُّرْعَةِ لِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ أسْقَطَ ما يَدُلُّ عَلى النِّداءِ؛ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: (p-٢٠٨)”فَقِيلَ لِلْمَلائِكَةِ“؛ أوْ ”فَقُلْنا“؛ أوْ ”فَبَرَزَ النِّداءُ مِن جانِبِ سُلْطانِنا“؛ ونَحْوِ هَذا؛

37:22Page 446

۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢

[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship

﴿احْشُرُوا﴾؛ أيْ: اجْمَعُوا بِكُرْهٍ؛ وصَغارٍ؛ وذُلٍّ؛ أيُّها المُوَكَّلُونَ بِالعِبادِ مِنَ الأجْنادِ؛ وأظْهَرَ تَعْرِيفًا بِوَصْفِهِمُ المُوجِبِ لِحَتْفِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: بِما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا؛ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَحالِّها؛ مِنَ الخَبْطِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ إلّا مَن هو في أشَدِّ الظَّلامِ؛ ﴿وأزْواجَهُمْ﴾؛ أيْ: أتْباعَهُمُ الَّذِينَ اسْتَنُّوا بِهِمْ في ذَلِكَ الضَّرْبِ مِنَ الظُّلْمِ؛ وأشْباهَهم فِيهِ مِنَ الجِنِّ وغَيْرِهِمْ؛ ومَن أعانَهم ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ؛ أوْ رَضِيَ فِعْلَهُمْ؛ لِتَصِيرَ كُلُّ طائِفَةٍ عَلى حِدَةٍ؛ فَيَصِيرَ بَعْضُهم يُبَكِّتُ بَعْضًا؛ وبَعْضُهم يَشْتُمُ بَعْضًا؛ ﴿وما كانُوا﴾؛ أيْ: بِما دَعَتْهم إلَيْهِ طِباعاتُهُمُ المُعْوَجَّةُ؛ ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ أيْ: مُواظِبِينَ عَلى عِبادَتِهِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ؛ تَحْقِيقًا لِخَسارَتِهِمْ بِتَحَقُّقِ اعْتِمادِهِمْ عَلى غَيْرِ مُعْتَمَدٍ؛ وهو يَعُمُّ المَعْبُودَ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا بِالتَّزْيِينِ؛ ”ومَن سَبَقَتْ لَهُ الحُسْنى“؛ مُسْتَثْنًى بِآيَةِ ”الأنْبِياءِ“؛

37:23Page 446

مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣

Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire

وأشارَ إلى سُفُولِ رُتْبَةِ مَعْبُوداتِهِمْ؛ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ بِانْتِحالِ الأذى؛ بِقَوْلِهِ - صارِفًا الأُسْلُوبَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ ولَوْ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى أعْظَمَ مِنهُ -: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَفَرَّدَ بِنُعُوتِ العَظَمَةِ؛ وصِفاتِ الكَمالِ؛ والمُرادُ الَّذِينَ رَضُوا بِعِبادَتِهِمْ لَهُمْ؛ ولَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ ويَأْمُرُوهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ. (p-٢٠٩)ولَمّا كانُوا قَدْ سَلَكُوا في الدُّنْيا طَرِيقَ الشَّقاءِ المَعْنَوِيَّةِ اسْتَحَقُّوا أنْ يَلْزَمُوا في القِيامَةِ سُلُوكَ طَرِيقِهِ الحِسِّيَّةِ؛ فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنِ الأمْرِ بِحَشْرِهِمْ قَوْلَهُ - تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ وتَحْسِيرًا لَهم -: ﴿فاهْدُوهُمْ﴾؛ أيْ: دُلُّوهم دَلالَةً لا يَرْتابُونَ مَعَها؛ لِيَعْرِفُوا - مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الإكْراهِ عَلى سُلُوكِها - مَآلَهُمْ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ أعْظَمَ في نَكَدِهِمْ؛ قالَ الرّازِيُّ: وأصْلُ الهِدايَةِ التَّقَدُّمُ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي السّابِقَ ”هادِيًا“؛ يُقالُ: ”أقْبَلَتْ هَوادِي الخَيْلِ“؛ أيْ: أعْناقُها؛ و”الهادِيَةُ“: العَصا؛ لِأنَّها تَتَقَدَّمُ مُمْسِكَها؛ و”نَظَرَ فُلانٌ هَدْيَ أمْرِهِ“؛ أيْ: جِهَتَهُ.

ثُمَّ أشارَ إلى طُولِ وُقُوفِهِمْ؛ وسُوءِ مُقامِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - بِأداةِ الِانْتِهاءِ -: ﴿إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ النّارِ الشَّدِيدَةِ التَّوَقُّدِ الواضِحِ؛ الَّذِي لا لَبْسَ عِنْدَهم بِأنَّهُ يَشْتَرِطُهم فَيُؤَدِّيهِمْ إلَيْها؛ وخَصَّ هَذا الِاسْمَ إعْلامًا بِشَدِيدِ تَوَقُّدِها؛ وعَظِيمِ تَأجُّجِها؛ وبُعْدِ قَعْرِها؛ وضَخامَةِ غَمْرَتِها - بِتَراكُمِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ -؛ وقُوَّةِ اضْطِرامِها؛ وعُلُوِّ شَأْنِها؛ واصْطِلامِها؛ وصَلابَةِ اضْطِرابِها؛ وتَحَرُّقِها؛ واشْتِمالِها عَلى داخِلِيها؛ وتَضايُقِها؛ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ في كَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ التَّناصُرِ؛ والتَّعاضُدِ.

37:24Page 446

وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤

And stop them; indeed, they are to be questioned."

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن تَعْرِيفِهِمْ طَرِيقَ النّارِ أوَّلًا ازْدِيادَ الحَسْرَةِ؛ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ حَرْفُ الغايَةِ مِن طُولِ الحَبْسِ؛ فَقالَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾؛ أيْ: احْبِسُوهم واقِفِينَ؛ بَعْدَ تَرْوِيعِهِمْ بِتِلْكَ الهِدايَةِ الَّتِي سَبَّبَها الضَّلالُ؛ فَكانَتْ (p-٢١٠)ثَمَرَتُها الشَّقاوَةَ؛ وإيقافُهم يَكُونُ عِنْدَ الصِّراطِ؛ نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ: لِأنَّ السُّؤالَ عِنْدَ الصِّراطِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾؛ وجَمَعَ عَلَيْهِمُ الهُمُومَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِتَذْهَبَ أوْهامُهم كُلَّ مَذْهَبٍ؛ فَلا تَبْقى حَسْرَةٌ إلّا حَضَرَتْهُمْ؛ ولا مُصِيبَةٌ إلّا عَلَتْ قُلُوبَهم فَقَهَرَتْهُمْ؛ فَإنَّ المُكَلَّفَ كُلَّهُ ضَعْفٌ وعَوْرَةٌ؛ فَمَوْقِفُ السُّؤالِ عَلَيْهِ أعْظَمُ حَسْرَةٍ.

37:25Page 447

مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥

[They will be asked], "What is [wrong] with you? Why do you not help each other?"

ولَمّا أُوقِفُوا هَذا المَوْقِفَ الذَّلِيلَ؛ قَدْ شَغَلَهم ما دَهَمَهم مِنَ الأسَفِ عَنِ الـ ”قالَ“؛ والـ ”قِيلَ“؛ نُودُوا مِن مَقامِ السَّطْوَةِ؛ وحِجابِ الجَبَرُوتِ والعِزَّةِ - زِيادَةً في تَأْسِيفِهِمْ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وتَعْنِيفِهِمْ؛ لَفْتًا عَنْ سِياقِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ دَلالَةً عَلى أعْظَمِ خَيْبَةٍ -: ﴿ما لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم فَشَغَلَكُمْ؛ وألْهاكُمْ؛ حال كَوْنِكم ﴿لا تَناصَرُونَ﴾؛ أيْ: يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ ويَتَسابَقُونَ في ذَلِكَ تَسابُقَ المُتَناظِرِينَ فِيهِ؛ أُولِي الجَدِّ؛ والشَّكِيمَةِ؛ والنَّخْوَةِ؛ والحَمِيَّةِ؛ ولَوْ بِأدْنى التَّناصُرِ - بِما يُفْهِمُهُ إسْقاطُ التّاءِ -؛ أوْ بَعْدَ تَمَكُّثٍ وإعْمالِ حِيلَةٍ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ بِالمَدِّ؛ والإدْغامِ؛ أيْنَ قَوْلُكم في ”بَدْرٍ“: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ"؟ مُعَبِّرِينَ بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ المُناصَرَةِ.

37:26Page 447

بَلۡ هُمُ ٱلۡيَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ ٢٦

But they, that Day, are in surrender.

ولَمّا كانَ قَدْ دَهَمَهم مِنَ الأمْرِ ما أوْجَبَ إبْلاسَهُمْ؛ وأحَدَّ (p-٢١١)إدْراكَهم وإحْساسَهُمْ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِإحْلالِهِمْ في مَحَلِّ الغَيْبَةِ المُؤْذِنَةِ بِالإبْعادِ؛ بِأنْ قالَ - مُضْرِبًا عَمّا تَقْدِيرُهُ: ”إنَّهم لا يَتَناصَرُونَ“ -: ﴿بَلْ هُمُ﴾؛ وزادَ في تَعْظِيمِ ذَلِكَ الوَقْتِ والتَّذْكِيرِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَهُمُ اسْتِسْلامُهُمْ؛ ثَباتًا لا زَوالَ لَهُ؛ قَدْ خَذَلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ مُوجِدِينَ الإسْلامَ؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ إيجادَ مَن كَأنَّهُ يَطْلُبُهُ؛ ويُعَظِّمُ فِيهِ رَغْبَتَهُ؛ رَجاءَ أنْ يُخَفَّفَ ذَلِكَ عَنْهم.

37:27Page 447

وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧

And they will approach one another asking [i.e., blaming] each other.

ولَمّا أخْبَرَ بِأنَّهم سُئِلُوا؛ فَلَمْ يُجِيبُوا؛ كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهم أُخْرِسُوا؛ فَنَبَّهَ عَلى أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِما يَزِيدُ نَكَدَهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] إشارَةً إلى إقْبالِهِمْ عَلى الخِصامِ؛ حِينَ تَمامِ القِيامِ؛ والأخْذِ في تَحْرِيكِ الأقْدامِ بِالسَّيْرِ عَلى هَيْئَةِ الِاجْتِماعِ والِازْدِحامِ؛ إلى مَواطِنِ النَّكَدِ والِاغْتِمامِ؛ ولَمْ يَعْطِفْهُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُسَبَّبًا عَنِ القِيامِ؛ ولا عَنِ الإيقافِ لِلسُّؤالِ؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ -: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إيقافِهِمْ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وعَبَّرَ عَنْ خِصامِهِمْ تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾؛ أيْ: سُؤالَ خُصُومَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском