Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:39–69
37:39Page 447
وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩
And you will not be recompensed except for what you used to do -
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - الحَكَمَ العَدْلَ؛ فَلا يَظْلِمُ أحَدًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ؛ فَلا يَزِيدُ في جَزائِهِ شَيْئًا عَلى ما يَسْتَحِقُّ؛ مَعَ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ ولا يَكُونَ فِعْلُهُ - كَيْفَما كانَ - إلّا عَدْلًا؛ قالَ: ﴿وما﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّكم ما؛ ﴿تُجْزَوْنَ﴾؛ أيْ: جُزْءًا مِنَ الجَزاءِ؛ ﴿إلا ما﴾؛ أيْ: مِثْلَ ما؛ ولَمّا كانُوا مَطْبُوعِينَ عَلى تِلْكَ الخِلالِ السَّيِّئَةِ؛ بَيَّنَ أنَّها كانَتْ خُلُقًا لَهُمْ؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْها بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ نَفْيًا لِوَهْمِ مَن قَدْ يَظُنُّ أنَّهم فَعَلُوا شَيْئًا بِغَيْرِ تَقْدِيرِهِ - سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ في المُخاطَبِينَ بِهَذا مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ؛ واسْتَثْنى مِن واوِ ”ذائِقُو“؛ قَوْلَهُ - مُرَغِّبًا لَهم في الإيمانِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهم لا يَحْمِلُهم عَلى الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ إلّا غِشُّ الضَّمائِرِ بِالرِّياءِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ الدَّقِيقِ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ فَرَغَّبَهم بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ؛ الَّذِي لا أعَزَّ مِنهُ؛ وأضافَهم - زِيادَةً في الِاسْتِعْطافِ - إلى الِاسْمِ (p-٢٢٩)الأعْظَمِ؛ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ وزادَ رَغَبًا بِالوَصْفِ الَّذِي لا وصْفَ أجَلُّ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿المُخْلَصِينَ﴾
ولَمّا خَلَّصَهم مِنهُمْ؛ ذَكَرَ ما لَهُمْ؛ فَقالَ - مُعَظِّمًا لَهم بِأداةِ البُعْدِ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو القَدْرِ بِما صَفَّوْا أنْفُسَهم عَنْ أكْدارِ الأهْوِيَةِ؛ ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أيْ: يَعْلَمُونَ غائِبَهُ؛ وكائِنَهُ؛ وآتِيَهُ؛ وطَعْمَهُ؛ ونَفْعَهُ؛ وقَدْرَهُ؛ وغَبَّهُ؛ وجَمِيعَ ما يُمْكِنُ عِلْمُهُ مِن أُمُورِهِ؛ ولَيْسُوا مِثْلَ ما هم عَلَيْهِ في هَذِهِ الدّارِ مِن كَدَرِ الأخْطارِ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]؛ لِأنَّ النَّفْسَ إلى المَعْلُومِ أسْكَنُ؛ وبِالأُنْسِ إلَيْهِ أمْكَنُ.
ولَمّا كانَ أهْلُ الجَنَّةِ لا يَأْكُلُونَ تَقَوُّتًا واحْتِياجًا؛ بَلْ تَنَعُّمًا والتِذاذًا وابْتِهاجًا؛ لِأنَّ أجْسامَهم مُحْكَمَةٌ؛ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ؛ فَهي غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى حِفْظِ الصِّحَّةِ؛ قالَ: ﴿فَواكِهُ﴾؛ أيْ: يَتَنَعَّمُونَ بِها؛ بِما كَدَّرُوا مِن عَيْشِهِمْ في الدُّنْيا؛ ولَمّا كانَ الَّذِي هو نَعِيمُ الجِسْمِ لا يُحْمَدُ غايَةَ الحَمْدِ إلّا مَعَ العِزِّ؛ الَّذِي هو غِذاءُ الرُّوحِ؛ قالَ: ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾؛ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ وُجُودَ إكْرامِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أمْرٌ حَتْمٌ؛ لا يَكُونُ غَيْرُهُ أصْلًا.
ولَمّا كانَ الإكْرامُ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ طِيبِ المُقامِ؛ قالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا يُتَصَوَّرُ فِيها غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَ التَّلَذُّذُ لا يَكْمُلُ إلّا مَعَ الأحْبابِ؛ وكانَتْ عادَةُ المُلُوكِ الِاخْتِصاصَ بِالمَحَلِّ الأعْلى؛ بَيَّنَ أنَّهم كُلَّهم مُلُوكٌ؛ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ وجْهُهُ إلى غَيْرِ وجْهِ (p-٢٣٠)الآخَرِ؛ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ؛
37:45Page 447
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ إلّا بِالشَّرابِ؛ وكانَ المَقْصُودُ الطَّوافَ فِيهِ؛ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ قالَ: ﴿يُطافُ﴾؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وكَأنَّها تُدَلّى إلَيْهِمْ مِن جِهَةِ العُلُوِّ؛ لِيَكُونَ أشْرَفَ لَها؛ وأصْوَنَ؛ فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: وهم فَوْقَ أسِرَّتِهِمْ كالمُلُوكِ؛ ﴿بِكَأْسٍ﴾؛ أيْ: إناءٍ فِيهِ خَمْرٌ؛ قالُوا: وإنْ لَمْ يَكُنْ في الزُّجاجَةِ خَمْرٌ فَهي قَدَحٌ؛ ولا تُسَمّى كَأْسًا إلّا والخَمْرُ فِيها؛ ﴿مِن مَعِينٍ﴾؛ أيْ: مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ في أنْهارِها؛ ظاهِرَةٍ لِلْعُيُونِ؛ تَنْبُعُ كَما يَنْبُعُ الماءُ؛ لا يُعالِجُونَها بِعَصِيرٍ؛ ولا يَحْمِلُهم عَلى الرِّفْقِ بِها؛ والتَّقْصِيرِ فِيها؛ نَوْعُ تَقْصِيرٍ؛ قالَ الرّازِيُّ: إنَّما سُمِّيَتْ بِهِ إمّا مِن ظُهُورِها لِلْعَيْنِ؛ أوْ لِشِدَّةِ جَرْيِها؛ مِنَ الإمْعانِ في السَّيْرِ؛ أوْ لِكَثْرَتِها؛ مِن ”المَعْنُ“؛ وهو الكَثِيرُ؛ وسُمِّيَ الماعُونُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ ويُقالُ: مَشْرَبٌ مَمْعُونٌ: لا يَكادُ يَنْقَطِعُ.
ولَمّا كانَ أوَّلُ ما يُخْتارُ في الشَّرابِ لَوْنَهُ؛ ثُمَّ طَعْمَهُ؛ قالَ - واصِفًا ما في الكَأْسِ مِنَ الخَمْرِ اسْتِخْدامًا -: ﴿بَيْضاءَ﴾؛ أيْ: مُشْرِقَةً صافِيَةً؛ هي في غايَةِ اللَّطافَةِ؛ تَتَلَأْلَأُ نُورًا؛ وأعْرَقَ في وصْفِها بِالطِّيبِ؛ بِجَعْلِها تَفْسِيرًا لِلْمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾؛ بِما كانُوا يَتَجَرَّعُونَ مِن كَأْساتِ الأحْزانِ والأنْكادِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ (p-٢٣١)وجَمَعَ إشارَةً إلى أنَّهم لا يَعْلُونَها إلّا كَذَلِكَ؛ بِما فِيهِ مِن مَزِيدِ اللَّذَّةِ.
37:47Page 447
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
ولَمّا كانَ قَدْ أثْبَتَ لَها الكَمالَ؛ نَفى عَنْها النَّقْصَ؛ فَقالَ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾؛ أيْ: فَسادٌ مِن تَصْدِيعِ رَأْسٍ؛ أوْ إرْخاءِ مَفْصِلٍ؛ أوْ إخْماءِ كَبِدٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَغْتالُ؛ أيْ: يُهْلِكُ؛ أوْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلاكِ؛ ﴿ولا هم عَنْها﴾؛ أيْ: عادَةً بَعْدَ شُرْبِها؛ ﴿يُنْـزَفُونَ﴾؛ أيْ: يَذْهَبُ شَيْءٌ مِن عُقُولِهِمْ؛ وإنْ طالَ شُرْبُهم وكَثُرَ؛ لِئَلّا يَنْقُصَ نَعِيمُهُمْ؛ ولا يَنْفَدَ شَرابُهُمْ؛ أوْ ما عِنْدَهم مِنَ الجِدَةِ؛ لِكُلِّ ما يُسَرُّ بِهِ؛ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ بِكَسْرِ الزّايِ؛ مِن ”أنْزَفَ“؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ مِثْلَ ”أقَلَّ“؛ و”أعْسَرَ“؛ إذا صارَ قَلِيلَ المالِ؛ أوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ؛ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ”نَزَفَ“؛ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن نَفادِ الشَّرابِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”نَزَفَتِ الرَّكِيَّةُ“؛ أيْ: ذَهَبَ ماؤُها؛ وأنْ تَكُونَ مِن ذَهابِ العَقْلِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”نَزَفَ الرَّجُلُ“؛ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ و”نُزِفَ“؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ بِمَعْنى: ذَهَبَ عَقْلُهُ؛ بِالسُّكْرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ”أنْزَفَ“؛ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ذَهابِ العَقْلِ؛ مِن ”أنْزَفَ الرَّجُلُ“؛ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالسُّكْرِ؛ وأنْ تَكُونَ مِن عَدَمِ الشَّرابِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”نَزَفَ الرَّجُلُ الخَمْرَةَ“؛ سَواءٌ (p-٢٣٢)كانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ أوْ لِلْمَفْعُولِ؛ إذا أفْناها.
37:48Page 447
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لا يَكْمُلُ إلّا بِالجِماعِ؛ والخَمْرُ أدْعى شَيْءٍ إلَيْهِ؛ وهو لا يَكْمُلُ النَّعِيمُ بِهِ إلّا بِالِاخْتِصاصِ؛ قالَ: ﴿وعِنْدَهُمْ﴾؛ نِساءٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا؛ وغَيْرِها؛ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾؛ أيْ: لا تَطْرِفُ واحِدَةٌ مِنهُنَّ إلى غَيْرِ زَوْجِها؛ ولا يَدَعُهُ تَناهِي حُسْنِها؛ وفَرْطُ جَمالِها؛ طَرْفُهُ يَطْرِفُ إلى غَيْرِها؛ ﴿عِينٌ﴾؛ أيْ: نُجْلُ العُيُونِ؛ جَمْعُ ”عَيْناءُ“؛ كُسِرَتْ عَيْنُهُ لِمُناسَبَةِ الياءِ.
ولَمّا كانَ أحْسَنُ الألْوانِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ؛ الأبْيَضَ الأحْمَرَ المُشْرَبَ صُفْرَةً أكْسَبَتْهُ صَفاءً وإشْراقًا وبَهاءً؛ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾؛ أيْ: بَيْضُ نَعامٍ؛ ﴿مَكْنُونٌ﴾؛ أيْ: مَصُونٌ مِن دَنَسٍ يَلْحَقُهُ؛ وغُبارٍ يَرْهَقُهُ؛ ولِمَحَبَّةِ العَرَبِ لِهَذا اللَّوْنِ كانَتْ تَقُولُ عَنِ النِّساءِ: بَيْضاتُ الخُدُورِ؛ لِأنَّ لَوْنَهُ أبْيَضُ مُشْرَبٌ صُفْرَةً صافِيَةً؛ وقَدْ صَرَّحَ امْرُؤُ القَيْسِ بِهَذا في لامِيَّتِهِ المَشْهُورَةِ؛ فَقالَ:
؎كَبِكْرٍ مُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ
(p-٢٣٣)أيْ: مُخالِطَةِ البَياضِ المائِلِ إلى الحُمْرَةِ بِصُفْرَةٍ؛ وهو أصْفى الألْوانِ؛ وأعْدَلُها؛ يُشابِهُ لَوْنَ نُورِ القَمَرِ.
37:50Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ الِاجْتِماعُ إنَّما هو لِلسُّرُورِ؛ وكانَ السُّرُورُ لا يَتِمُّ إلّا بِالمُنادَمَةِ؛ وكانَ أحْلى المُنادَمَةِ ما يُذَكِّرُ بِحُلُولِ نِعْمَةٍ؛ أوِ انْحِلالِ نِقْمَةٍ؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ؛ ولا بُدَّ؛ قَوْلُهُ - إشارَةً إلى فَراغِ البالِ؛ وصِحَّةِ العَقْلِ؛ بِالإصابَةِ في المَقالِ -: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلُ الجَنَّةِ بِالكَلامِ؛ وأشارَ إلى أنَّ مُجَرَّدَ الإقْبالِ بِالقَصْدِ يَلْفِتُ القُلُوبَ إلى سَماعِهِ؛ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ الكَلامِ الَّذِي هو رُوحُ ذَلِكَ المُقامِ؛ وأمّا المُواجَهَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها دائِمَةٌ؛ وبَيَّنَ حالَ هَذا الإقْبالِ فَقالَ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾؛ أيْ: يَتَحَدَّثُونَ حَدِيثًا بَيِّنًا؛ لا خَفاءَ بِشَيْءٍ مِنهُ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ بِما حَقُّهُ أنْ يُهْتَمَّ بِهِ؛ ويُسْألَ عَنْهُ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي خَلَصُوا مِنها؛ بَعْدَ أنْ كادَتْ تُرْدِيهِمْ؛ وسَمّاهُ سُؤالًا؛ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أهْلًا لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ؛ لا يَخْلُو عَنْ سُؤالٍ؛ أدْناهُ سُؤالُ المُحادِثِ أنْ يُصْغِيَ إلى الحَدِيثِ؛ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي إعْلامًا بِتَحَقُّقِهِ تَحَقُّقَ ما وقَعَ.
37:51Page 447
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى سَماعِ شَيْءٍ مِنها يَكُونُ نَمُوذَجًا لِلْباقِي؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: في هَذا التَّساؤُلِ؛ وشَتّانَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ما مَضى خَبَرُهُ مِن تَساؤُلِ أهْلِ النّارِ. (p-٢٣٤)ولَمّا كانَ ظَنُّهُ أنَّهُ لا يَخْلُصُ مِن شَرِّ ذَلِكَ القَرِينِ الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْهُ؛ فَنَجّاهُ اللَّهُ مِنهُ؛ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ؛ فَكانَ ذَلِكَ إحْدى النِّعَمِ الكُبْرى؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالتَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾؛ أيْ: جَلِيسٌ مِنَ النّاسِ؛ كَأنَّهُ شَيْطانٌ مُبِينٌ؛
37:52Page 448
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
﴿يَقُولُ﴾؛ أيْ: مُكَذِّبًا بِالبَعْثِ؛ مُسْتَبْعِدًا لَهُ غايَةَ الِاسْتِبْعادِ؛ مُجَدِّدًا لِقَوْلِهِ في كُلِّ وقْتٍ؛ يُرِيدُ أنْ يَخْتَدِعَنِي بِلَطافَةِ قِيادِهِ إلى سُوءِ اعْتِقادِهِ؛ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾؛ أيْ: بِالبَعْثِ؛ يُوَبِّخُنِي بِذَلِكَ؛ ويَسْتَقْصِرُ باعِي في النَّظَرِ؛ اسْتِثارَةً لِهِمَّتِي؛ وإلْهابًا لِنَخْوَتِي؛ وحَمِيَّتِي؛
37:53Page 448
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
ويُكَرِّرُ الإنْكارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أإذا مِتْنا﴾؛ أيْ: فَذَهَبَتْ أرْواحُنا؛ ﴿وكُنّا﴾؛ أيْ: كَوْنًا راسِخًا؛ ﴿تُرابًا وعِظامًا﴾؛ أيْ: فانْمَحَقَتْ أجْسامُنا الَّتِي هي مَراكِبُ الأرْواحِ؛ ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾؛ أيْ: لَمَجْزِيُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما عَمِلْنا؛ بِأنْ نُبْعَثَ ونُجازى؛ وكانَ تَأْكِيدُهُ لِلْإشارَةِ مِنهُ إلى كُلِّ عاقِلٍ جَدِيرٍ بِأنْ يُكَذِّبَ بِما أقْرَرْتُ بِهِ لِبُعْدِهِ؛ أوْ إلى أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِهِ؛ ولَوْ كانَ مُؤَكَّدًا.
ولَمّا كانَ هَذا المَقالُ سَبَبًا لِعَظِيمِ تَشَوُّفِ السّامِعِ إلى ما يَكُونُ بَعْدَهُ؛ وكانَ أهْلُ الجَنَّةِ مِن عُلُوِّ المَكانِ؛ والمَكانَةِ؛ وصِحَّةِ الأجْسامِ؛ وقُوَّةِ التَّرْكِيبِ؛ ونُفُوذِ الأبْصارِ؛ بِحَيْثُ يَنْظُرُونَ ما شاؤُوا مِنَ النّارِ وغَيْرِها مِمّا دُونَهُمْ؛ مَتى شاؤُوا؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - مُشِيرًا إلى أنَّ حالَهُ هَذا مُعْلِمٌ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ -: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: هَذا القائِلُ؛ لِشِرْبِهِ هَؤُلاءِ؛ الَّذِينَ هم كَما قالَ (p-٢٣٥)بَعْضُهم في مُوَشَّحٍ:
؎رُبَّ شِرْبٍ كالعِقْدِ قَدْ نُظِمُوا ∗∗∗ في ثِيابٍ طِرازُها الكَرَمُ
؎فاغْتَنَمْتُ الهَنا كَما اغْتَنَمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ وظَنَنْتُ الكُؤُوسَ بَيْنَهُمُ
؎أنْجُمًا في سَما الهَناءِ تُرى ∗∗∗ ∗∗∗ كُلُّ نَجْمٍ يَغِيبُ في بَدْرِ
﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؛ أيْ: شافُونَ قَلْبِي بِأنْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِن تَمامِ اللَّذَّةِ؛ وتُكَلِّفُوا أنْفُسَكُمُ النَّظَرَ مَعِي في النّارِ؛ لِتَسُرُّونِي بِذَلِكَ.
37:55Page 448
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ المُخْلَصِينَ؛ وهم أهْلُ الجَنَّةِ كُلُّهُمْ؛ أوْ جُلُّهُمْ؛ وكانَ الضَّمِيرُ يَعُودُ لِما سَبَقَهُ بِعَيْنِهِ؛ وكانَ مُخاطَبُو هَذا القائِلِ إنَّما هم شِرْبُهُ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ مِمّا مَضى مِنَ التَّقابُلِ؛ والتَّوادِّ؛ والتَّواصُلِ بِالمُنادَمَةِ؛ والتَّساؤُلِ؛ أنَّهم يَنْتَدِبُونَ نَدْبَهم إلَيْهِ؛ ويُقْبِلُونَ قَطْعًا عَلَيْهِ؛ وكانَ النّافِعُ لَنا إنَّما هو قَوْلُهُ فَقَطْ - في تَوْبِيخِ عَدُوِّهِ؛ وتَغْبِيطِ نَفْسِهِ ووَلِيِّهِ؛ لَمْ يَجْمَعِ الضَّمِيرَ؛ لِئَلّا يُلْبِسَ؛ فَيُوهِمَ أنَّهُ لِلْجَمِيعِ؛ وأعادَهُ عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِنَعْتَبِرَ بِمَقالِهِ؛ ونَتَّعِظَ بِما قَصَّ عَلَيْنا مِن حالِهِ - فَقالَ: ﴿فاطَّلَعَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما رَأى لِنَفْسِهِ في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ اللَّذَّةِ؛ إلى أهْلِ النّارِ؛ ﴿فَرَآهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ القَرِينَ السُّوءِ؛ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: في وسَطِها؛ وغَمْرَتِها؛ تَضْطَرِمُ عَلَيْهِ أشَدَّ اضْطِرامٍ؛ بِما كانَ يُضْرِمُ في قَلْبِهِ في الدُّنْيا مِنَ الحَرِّ؛ كُلَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ المَقالَ؛ (p-٢٣٦)وسَمّى الوَسَطَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ؛ كَمَرْكَزِ الدّائِرَةِ؛
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ مُكافَأتِهِ لَهُ بِما كانَ مِن تَقْرِيعِهِ؛ وتَوْبِيخِهِ عَلى التَّصْدِيقِ بِالآخِرَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: لِقَرِينِهِ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ لا يَقَعُ في فِكْرٍ أنَّهُ كانَ يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِ هَذا نَوْعَ التِفاتٍ؛ لِأنَّهُ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ ولِأنَّ هَذا القائِلَ مَحْكُومٌ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ يُؤَثِّرُ فِيهِ قَوْلُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ بِما يُزَيِّنُهُ بِهِ الشَّيْطانُ؛ وتُحَسِّنُهُ النُّفُوسُ بِالشَّهَواتِ؛ والرّاحَةِ مِن كَلَفِ الطّاعاتِ؛ وساقَهُ في أُسْلُوبِ القَسَمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى التَّعَجُّبِ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿تاللَّهِ﴾؛ وزادَ التَّأْكِيدَ بَعْدَما عَلَّقَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ بِالمُخَفَّفَةِ مِنَ المُثَقَّلَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾؛ أيْ: إنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُهْلِكَنِي؛ وتَجْعَلَنِي في أرْدَإ ما يَكُونُ مِنَ الأماكِنِ؛ وفي هَذا التَّأْكِيدِ غايَةُ التَّرْغِيبِ في الثَّباتِ لِمَن كانَ قَرِيبًا مِنَ التَّزَلْزُلِ؛ وفي المُباعَدَةِ لِقُرَناءِ السُّوءِ.
37:57Page 448
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
ولَمّا ذَكَرَ سُوءَ ما كانَ يَأْتِي إلَيْهِ؛ ذَكَرَ حُسْنَ أثَرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَهُ؛ فَقالَ - لافِتًا الكَلامَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ لِأنَّهُ مَقامُهُ -: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ؛ بِما رَبّانِي بِهِ مِن تَثْبِيتِي عَنِ اتِّباعِكَ؛ والتَّجاوُزِ عَنِّي في مُخالَطَتِكَ؛ ﴿لَكُنْتُ﴾؛ كَوْنًا ثابِتًا؛ ﴿مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (p-٢٣٧)أيْ: المُكْرَهِينَ عَلى حُضُورِ هَذا المَوْطِنِ الضَّنْكِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ؛ فَيالَلَّهِ! ما أعْظَمَ إحْسانَ هَذِهِ الآيَةِ في التَّنْفِيرِ مِنَ العِشْرَةِ لِقُرَناءِ السُّوءِ؛ لِأنَّها شَدِيدَةُ الخَطَرِ؛ قَبِيحَةُ الأثَرِ! ولَقَدْ أبانَ نَظَرُهُ هَذا عَنْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أعْلى لَذَّةً مِمّا كانَ فِيهِ؛ فَلَيْسَ بِأدْنى مِنهُ؛ فَإنَّهُ لا شَيْءَ ألَذُّ مِن رُؤْيَةِ العَدُوِّ الماكِرِ الَّذِي طالَما أحْرَقَ الأكْبادَ؛ وشَوَّشَ الأفْكارَ؛ في مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الإنْكارِ؛ وعَظائِمِ الأكْدارِ؛ مِن غَمَراتِ النّارِ.
ولَمّا رَأى ذاكَ فِيما هو فِيهِ مِنَ الجَحِيمِ؛ ورَأى نَفْسَهُ فِيما هي فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ؛ ما مَلَكَ نَفْسَهُ أنْ قالَ - كَما يَعْرِضُ لِمَن يَكُونُ في شِدَّةٍ فَيَأْتِيهِ الفَرَجُ فَجْأةً؛ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ في مَنامٍ؛ أوْ أضْغاثِ أحْلامٍ؛ لا يُصَدِّقُ ما صارَ إلَيْهِ؛ سُرُورًا -: ﴿أفَما﴾؛ أيْ: أنْحَنُ يا إخْوانِي مُنَعَّمُونَ؛ مُخَلَّدُونَ؟ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنا ما ﴿نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ حالَتِنا هَذِهِ؛ وأكَّدَهُ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ لِأجْلِ نَفاسَتِهِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛
37:59Page 448
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
ثُمَّ أعْرَقَ في العُمُومِ بِما هو مِعْيارُهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى﴾؛ أيْ: الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا.
ولَمّا ذَكَرَ نِعْمَةَ الخَلاصِ مِنَ المَوْتِ؛ ذَكَرَ نِعْمَةَ الإنْقاذِ مِنَ الأكْدارِ؛ فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ﴾؛ وأكَّدَ النَّفْيَ؛ فَقالَ: ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾
ولَمّا تَذَكَّرَ هَذا فاسْتَفَزَّهُ السُّرُورُ؛ وازْدَهَتْهُ الغِبْطَةُ والحُبُورُ؛ (p-٢٣٨)لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أنْ قالَ - في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ النَّشاطِ؛ لِما لَهُ مِن خَرْقِ العادَةِ؛ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ؛ لِتَعْظِيمِ الغِبْطَةِ -: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: المُلْكَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ؛ ﴿لَهُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ يَعْدِلُهُ؛
37:61Page 448
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
ولَمّا دَلَّ هَذا السِّياقُ عَلى عَظِيمِ ما نالُوهُ؛ زادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمِثْلِ هَذا﴾؛ أيْ: الجَزاءِ؛ ﴿فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾؛ أيْ: لِيَنالُوهُ؛ فَإنَّهم يَغْتَنُونَ غِنًى لا فَقْرَ بَعْدَهُ؛ بِخِلافِ ما يَتَنافَسُونَ فِيهِ؛ ويَتَدالَجُونَ عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا؛ فَإنَّهُ مَعَ سُرْعَةِ زَوالِهِ مُنَغَّضٌ بِكَدَرِهِ؛ ومَلالِهِ.
37:62Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
ولَمّا فاتَ الوَصْفَ هَذا التَّشْوِيقُ إلى هَذا النَّعِيمِ؛ رَمى في نَعْتِهِ رَمْيَةً أُخْرى؛ سَبَقَتِ العُقُولَ؛ وتَجاوَزَتْ حَدَّ الإدْراكِ؛ وعَلَتْ عَنْ تَخَيُّلِ الوَهْمِ؛ في اسْتِفْهامٍ مُنَفِّرٍ مِن ضِدِّهِ؛ بِمِقْدارِ التَّرْغِيبِ فِيهِ لِمَن كانَ لَهُ لُبٌّ؛ فَقالَ: ﴿أذَلِكَ﴾؛ الجَزاءُ البَعِيدُ المَنالِ؛ البَدِيعُ المِثالِ؛ ﴿خَيْرٌ نُـزُلا﴾؛ فَأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهُ إنَّما هو شَيْءٌ يَسِيرٌ؛ كَما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلى ما لاحَ في جَنْبِ ما لَهم وراءَ ذَلِكَ؛ مِمّا لا تَسَعُهُ العُقُولُ؛ ولا تَضْبِطُهُ الفُهُومُ؛ ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَعْرِفُها بِأنَّها في غايَةِ النُّتْنِ؛ والمَرارَةِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”تَزَقَّمَ الطَّعامُ“؛ إذا تَناوَلَهُ عَلى كُرْهٍ؛ ومَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ؛ وعادَلَ بَيْنَ ما لا مُعادَلَةَ بَيْنَهُما بِوَجْهٍ؛ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ؛ ولِأنَّهم كانُوا يَرَوْنَ (p-٢٣٩)ما سَبَّبَ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ خَيْرًا مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ؛ الَّتِي سَبَّبَتْ لَهُمُ النَّعِيمَ؛ فَكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ هَذا العَذابَ خَيْرٌ مِنَ النَّعِيمِ؛ فَسِيقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
37:63Page 448
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
ولَمّا كانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ نَباتَها في النّارِ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ تَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ كانَ سَبَبًا لِضِيقِ عُقُولِهِمْ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلى مَن يَظُنُّ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَفْتِنُ عِبادَهُ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ -: ﴿إنّا جَعَلْناها﴾؛ أيْ: الشَّجَرَةَ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ كَمَن هو في الظَّلامِ؛ بِكَوْنِها عَذابًا لَهم في الأُخْرى؛ وسَبَبًا لِزِيادَةِ ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا؛ ولَوْ وضَعُوها مَواضِعَها لَعَلِمُوا أنَّ مَن جَعَلَ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا لا تَحْرِقُهُ؛ يَسْتَخْرِجُونَها هم مَتى شاؤُوا؛ فَيَحْرِقُونَ بِها ما شاؤُوا مِن حَطَبٍ وغَيْرِهِ؛ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْبِتَ في النّارِ شَجَرًا أخْضَرَ لا تَحْرِقُهُ النّارُ؛
37:64Page 448
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ مَحَلَّ الفِتْنَةِ جَعْلُها فِيما يُنْكِرُونَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ؛ مُعَلِّلًا لِجَعْلِها فِتْنَةً تُخالِطُهم فَتُحِيلُهم في الدُّنْيا بِحَرِّها؛ وفي الأُخْرى بِأثَرِها -: ﴿إنَّها﴾؛ وحَقَّقَ أمْرَ نَباتِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿شَجَرَةٌ﴾؛ وزادَ الأمْرَ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجُ﴾؛ وأكَّدَهُ بِالظَّرْفِ؛ فَقالَ: ﴿فِي أصْلِ﴾؛ أيْ: ثابِتِ؛ وقَعْرِ؛ ومُعْظَمِ؛ وقَرارِ ﴿الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: النّارِ الشَّدِيدَةِ الِاضْطِرامِ؛ وفُرُوعُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها؛
37:65Page 448
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
ثُمَّ زادَ ذَلِكَ وُضُوحًا؛ (p-٢٤٠)وتَصْوِيرًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿طَلْعُها﴾؛ أيْ: الَّذِي هو مِثْلُ طَلْعِ النَّخْلِ في نُمُوِّهِ؛ ثُمَّ تَشَقُّقِهِ عَنْ ثَمَرِهِ؛ ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾؛ فِيما هو مَثَلٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فِيهِ؛ وهو القَباحَةُ الَّتِي بَلَغَتِ النِّهايَةُ؛ وهَذا المَثَلُ واقِعٌ في أتَمِّ مَواقِعِهِ؛ سَواءٌ كانَ الشَّيْطانُ عِنْدَهُمُ اسْمًا لِلْحَيَّةِ؛ أوْ لِغَيْرِها؛ لِأنَّ قُبْحَ الشَّياطِينِ؛ وما يَتَّصِلُ بِهِمْ؛ في أنَّهم شَرٌّ مَحْضٌ؛ لا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ؛ مُقَرَّرٌ في النُّفُوسِ؛ ولِهَذا كانَ كُلُّ مَنِ اسْتَقْبَحَ مَنظَرَ إنْسانٍ؛ أوْ فِعْلَهُ؛ يَقُولُ: ”كَأنَّهُ شَيْطانٌ“؛ كَما انْطَبَعَ في النُّفُوسِ حُسْنُ المَلائِكَةِ؛ وجَلالَتُهُمْ؛ فَشُبِّهُوا لَهُمُ الصُّوَرَ الحِسانَ؛ ولِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ ثَمَرَ شَجَرٍ يُقالُ لَهُ ”الأسْتَنُ“؛ بِهَذا الِاسْمِ؛ وهو شَجَرٌ خَشِنٌ؛ مُرٌّ؛ مُنْتِنٌ؛ مُنْكَرُ الصُّورَةِ.
37:66Page 448
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
ولَمّا أثْبَتَ أمْرَها بِما هو في غايَةِ الفِتْنَةِ لَها؛ واللُّطْفِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ سَبَّبَ عَنِ الفِتْنَةِ بِها قَوْلَهُ - رادًّا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِمّا لا يَشْتَهُونَهُ؛ ومُكَذِّبًا لِما كانُوا يَدَّعُونَ مِنَ المُدافَعَةِ -: ﴿فَإنَّهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرانِهِمْ بِها؛ وبِغَيْرِها؛ مِمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ؛ ﴿لآكِلُونَ مِنها﴾؛ أيْ: مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ مِن شَوْكِها؛ وطَلْعِها؛ وما يُرِيدُ اللَّهُ؛ بِما يُؤْلِمُ مِنها؛ ولَمّا كانُوا قَدْ زادُوا في بابِ التَّهَكُّمِ في أمْرِها؛ زادَ التَّأْكِيدَ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾؛ ومِن غَيْرِها؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ أكْلَهم مِنها؛ ﴿البُطُونَ﴾ (p-٢٤١)قَهْرًا عَلى ذَلِكَ؛ وإجْبارًا؛ ولَمّا أحْرَقَ أكْبادَهم مِن شَدِيدِ الجُوعِ زِيادَةً في العَذابِ؛
37:67Page 448
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ الآكِلَ المُتَنَعِّمَ يَتَفَكَّهُ بَعْدَ أكْلِهِ بِما يُبَرِّدُ غِلَّةَ كَبِدِهِ؛ قالَ - مُشِيرًا إلى تَناهِي شَناعَةِ مُتَفَكَّهِهِمْ؛ وطَوِيلِ تَلَهُّبِهِمْ مِن عَطَشِهِمْ؛ بِأداةِ التَّراخِي؛ وآلَةِ التَّأْكِيدِ لِما لَهم في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ الإنْكارِ -: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها﴾؛ أيْ: عَلى أكْلِهِمْ مِنها؛ ﴿لَشَوْبًا﴾؛ أيْ: خَلْطًا عَظِيمَ الإحْراقِ؛ ﴿مِن حَمِيمٍ﴾؛ أيْ: ماءٍ حارٍّ؛ كَأنَّهُ مُجَمَّعٌ مِن مِياهٍ مِن عُصاراتٍ شَتّى؛ مِن قَيْحٍ؛ وصَدِيدٍ؛ ونَحْوِهِما - نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
37:68Page 448
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ إنَّما هو النُّزُلُ الَّذِي مَدْلُولُهُ ما يَكُونُ في أوَّلِ القُدُومِ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ؛ وكانُوا يُورَدُونَ الحَمِيمَ؛ كَما يُورَدُ الإبِلُ الماءَ؛ وكانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ خارِجَها؛ أوْ خارِجَ غَمْرَتِها؛ كَما تَكُونُ الأحْواضُ في الحِيشانِ؛ خارِجَ الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْإبِلِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا أنَّ لَهم ما هو أشَدُّ شَناعَةً مِن ذَلِكَ؛ مُلَوِّحًا إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي -: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن دارِ ضِيافَتِهِمُ الزَّقُّومِيَّةِ؛ ﴿لإلى الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: ذاتِ الِاضْطِرامِ الشَّدِيدِ؛ والزَّفِيرِ؛ والبُكاءِ؛ والِاغْتِمامِ الطَّوِيلِ المَدِيدِ؛ كَما أنَّ حِزْبَ اللَّهِ يَتَقَلَّبُونَ مِن جَنّاتِ النَّعِيمِ إلى جَنّاتِ المَأْوى؛ مَثَلًا؛ إلى جَنّاتِ عَدْنٍ؛ إلى (p-٢٤٢)الفِرْدَوْسِ؛ الَّتِي لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا؛ كَما يَنْقُلُ أهْلُ السَّعَةِ والأكابِرُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ضُيُوفَهم في البَساتِينِ المُتَواصِلَةِ؛ والمَناظِرِ؛ ويُنَزِّهُونَهم في القُصُورِ العالِيَةِ؛ والدَّساكِرِ.
37:69Page 448
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ عَذابِهِمْ هَذا؛ وكانَ سَبَبُهُ الجُمُودَ؛ مَعَ العادَةِ الجارِيَةِ عَلى غَيْرِ الحَقِّ؛ والتَّقَيُّدَ بِما ألِفَتْهُ النَّفْسُ؛ ومالَ إلَيْهِ الطِّباعُ؛ مِمّا أصَّلَهُ مَن يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُمْ؛ وأتَمُّ عَقْلًا؛ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ هَلاكِ أكْثَرِ الخَلْقِ؛ وأكَّدَهُ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ ضَلالَ مَن أصَّلَ لَهُمْ؛ فَتِلْكَ العَوائِدُ مِن آبائِهِمْ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا﴾؛ أيْ: وجَدُوا وِجْدانًا ألِفُوهُ؛ ﴿آباءَهم ضالِّينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الضَّلالِ؛ فَما هم فِيهِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ ضَلالٌ؛ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ النَّفْرَةُ عَنْ صاحِبِهِ؛
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences