Al-Biqa'iSad · 38:11–19

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Sad 38:11–19

38:11Page 453

جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

ولَمّا انْتَفى عَنْهم - بِما مَضى - وعَنْ كُلِّ مَن يَدَّعُونَ مُمالَأتَهُ؛ ومُناصَرَتَهُ عَنْ آلِهَتِهِمْ؛ وغَيْرِها؛ خَصائِصُ الإلَهِيَّةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ - سُبْحانَهُ -؛ فَعَبَّرَ عَنْ حالِهِمْ بِأعْلى ما يَصِلُونَ إلَيْهِ مِنَ التَّجَمُّعِ؛ والتَّعاضُدِ؛ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهُ؛ مِن عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ ونَفْرَتِهِمْ عَنِ القَبُولِ؛ وانْطِلاقِهِمْ؛ فَقالَ - مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَإٍ حُذِفَ؛ لِوُضُوحِ العِلْمِ بِهِ -: (p-٣٣٩)﴿جُنْدٌ ما﴾؛ أيْ: لَيْسُوا في شَيْءٍ مِمّا مَضى؛ وإنَّما هم جُنْدٌ حَقِيرُونَ؛ مِن بَعْضِ جُنُودِنا؛ مُتَعاوِنُونَ في نَجْدَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“؛ صِفَةً؛ أُرِيدَ بِها التَّعْظِيمُ؛ عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ بِهِمْ؛ أوِ التَّحْقِيرِ؛ لِأنَّ ”ما“؛ الصِّفَةَ؛ تُسْتَعْمَلُ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ؛ وبَيَّنَ بُعْدَهم عَنْ غَيْرِ ما أقامَهم فِيهِ؛ واسْتَعْمَلَهم لَهُ مِنَ الرُّتَبِ الَّتِي فَرَضَها لَهُمْ؛ وسُفُولَهم عَنْها؛ بِقَوْلِهِ - واصِفًا لِـ ”جُنْدٌ“ -: ﴿هُنالِكَ﴾؛ أيْ: في الحَضِيضِ عَنْ هَذِهِ المَرامِي العالِيَةِ؛ وبَيَّنَ أنَّهُ كَثِيرًا ما تَحَزَّبَ أمْثالُهم عَلى الرُّسُلِ؛ فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ - واصِفًا بَعْدَ وصْفٍ؛ مُفْرِدًا تَحْقِيرًا -: ﴿مَهْزُومٌ﴾؛ أيْ: لَهُ الِانْهِزامُ صِفَةٌ راسِخَةٌ ثابِتَةٌ؛ ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ جَرَتْ عادَتُهم عِزَّةً وشِقاقًا بِالتَّحَزُّبِ عَلى الأنْبِياءِ؛ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمُ الدّائِرَةُ؛ ولِلرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - العاقِبَةُ؛ فَلا تَكْتَرِثْ بِهِمْ أصْلًا؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَكانَ أوَّلُ جُنْدٍ مَهْزُومٍ مِنهم جُنْدَ غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ ثُمَّ انْبَسَطَ (p-٣٤٠)صِدْقُ الحَدِيثِ عَلى جُنُودٍ كَثِيرَةٍ في وقائِعَ مُخْتَلِفَةٍ.

38:12Page 453

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢

The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1

ولَمّا أوْجَبَ ذَلِكَ التَّشَوُّفَ إلى بَيانِ الأحْزابِ الماضِيَةِ؛ وكانُوا أحْقَرَ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ مَعَ شِدَّتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ بِالتّاءِ الدّالَّةِ عَلى الرُّتْبَةِ الثّانِيَةِ المُؤَخَّرَةِ؛ وهي رُتْبَةُ التَّأْنِيثِ؛ اللّازِمِ مِنهُ الضَّعْفُ؛ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ﴾؛ ولَمّا كانَتْ نِيَّتُهُمُ التَّكْذِيبَ؛ لا إلى آخِرَ؛ عُدُّوا مُسْتَغْرِقِينَ لِلزَّمانِ؛ فَنُزِعَ الجارُّ وقِيلَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ؛ ولَمّا كانَ لِأوَّلِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الكَثْرَةِ؛ والقُوَّةِ؛ والِاجْتِماعِ عَلى طُولِ الأزْمانِ؛ ما لَمْ يَكُنْ لِمَن بَعْدَهُمْ؛ كانُوا مَعَ تَقَدُّمِهِمْ في الزَّمانِ أحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ في هَذا السِّياقِ؛ فَقالَ: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾؛ واسْتَمَرُّوا في عِزَّتِهِمْ؛ وشِقاقِهِمْ؛ إلى أنْ رَأوُا الماءَ قَدْ أخَذَهُمْ؛ ولَمْ يَسْمَحُوا بِالإذْعانِ؛ ولا بِالتَّضَرُّعِ؛ إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أنْ يَرْكَبُوا مَعَهُ؛ أوْ يَدْعُوَ لَهم فَيَنْجُوا.

ولَمّا كانَ لِقَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَهم مِنَ الضَّخامَةِ؛ والعِزِّ؛ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ؛ مَعَ قُوَّةِ الأبْدانِ؛ وعُلُوِّ الهِمَمِ؛ واتِّساعِ المُلْكِ؛ حَتّى بَنَوْا جَنَّةً في الأرْضِ؛ أتْبَعَهم بِهِمْ؛ ومِن مُناسَبَتِهِمْ لَهم في أنَّ عَذابَهم بِالرِّيحِ؛ الَّتِي هي سَبَبُ السَّحابِ؛ الحامِلِ لِلْماءِ؛ فَقالَ: ﴿وعادٌ﴾؛ مُسَمِّيًا لَهم بِالِاسْمِ المُنَبِّهِ عَلى ما كانَ لَهم مِنَ المُكْنَةِ بِالمُلْكِ؛ واسْتَمَرُّوا في شِقاقِهِمْ إلى أنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ؛ ورَأوْها تَحْمِلُ الإبِلَ فِيما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ؛ وهَجَمَ (p-٣٤١)عَلَيْهِمْ أوائِلُها وهم يَرَوْنَ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في عافِيَةٍ مِنها؛ ولَمْ يَدَعْهُمُ الشِّقاقُ يَسْألُونَهُ في الدُّعاءِ لَهُمْ؛ ولا يُذْعِنُونَ لِما دَعاهم إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ لَهم مِنَ القُوَّةِ؛ والمُلْكِ في جَمِيعِ الأرْضِ؛ وبِناءِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ؛ ما يَتَضاءَلُ مَعَهُ مُلْكُ كُلِّ مَلِكٍ؛ أتْبَعَهم مُلْكًا ضَخْمًا؛ قَهَرَ غَيْرَهُ بِعِزِّ سُلْطانِهِ؛ وكَثْرَةِ أعْوانِهِ؛ حَتّى ادَّعى الإلْهِيَّةَ في زَمانِهِ؛ وتَكَبَّرَ بِسَعَةِ مُلْكِهِ؛ والأنْهارِ الجارِيَةِ مِن تَحْتِهِ؛ مَعَ ما لَهُ مِنَ الوِفاقِ لَهم بِأنَّ عَذابَهُ كانَ بِالرِّيحِ باطِنًا؛ وإنْ كانَ بِالماءِ ظاهِرًا؛ وذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ضَرَبَ البَحْرَ أرْسَلَ اللَّهُ الرِّيحَ فَفَرَّقَتْهُ طُرُقًا؛ وأيْبَسَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ؛ ولَمّا خَلَصَ بَنُو إسْرائِيلَ؛ أمَرَها اللَّهُ (تَعالى) فَسَكَنَتْ؛ فانْطَبَقَ البَحْرُ عَلى فِرْعَوْنَ وآلِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وفِرْعَوْنُ﴾؛ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ نَصًّا عَلى حَقِيقَةِ أمْرِهِ؛ وتَصْرِيحًا بِكُفْرِهِ؛ إبْطالًا لِما أظْهَرَهُ الأخابِثُ مِن شَرَهٍ؛ طَعْنًا في الدِّينِ؛ وتَشْكِيكًا لِضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ.

ولَمّا نَصَّ عَلى كُفْرِهِ؛ وصَفَهُ بِما يَدُلُّ - مَعَ الدَّلالَةِ عَلى مُشارَكَةِ عادٍ في ضَخامَةِ الأمْرِ - عَلى كُفْرِ قَوْمِهِ؛ فَقالَ: ﴿ذُو الأوْتادِ﴾؛ أيْ: الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِثَباتِ المُلْكِ؛ وتَقْوِيَتِهِ؛ مِن عُلُوِّ السُّلْطانِ بِكَثْرَةِ الأعْوانِ؛ والتَّفَرُّدِ (p-٣٤٢)بِالأوامِرِ؛ وسَعَةِ العَقْلِ؛ ودِقَّةِ المَكْرِ؛ وكَثْرَةِ الحِيَلِ؛ بِالسِّحْرِ وغَيْرِهِ؛ وجَوْدَةِ التَّدْبِيرِ بِالعَدْلِ؛ فِيما يَزْعُمُ؛ وصَوْلَةِ القَهْرِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وأصْلُهُ مِنَ البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ؛ قالَ الأفْوَهُ الأوْدِيُّ:

؎والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا لَهُ عَمَدٌ ∗∗∗ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ

واسْتَمَرُّوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ وهم يُضْرَبُونَ تارَةً بِالطُّوفانِ؛ وتارَةً بِالجَرادِ؛ وتارَةً بِالقُمَّلِ؛ وأُخْرى بِالضَّفادِعِ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلى أنْ رَأوْا آيَةَ البَحْرِ الَّتِي هي الغايَةُ؛ ولَمْ يَرُدَّهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَنْ شِقاقِهِمْ؛ إلى أنْ غَرِقُوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ؛ كَما صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ.

38:13Page 453

وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣

And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1

ولَمّا كانَتْ ثَمُودُ أضْخَمَ النّاسِ بَعْدَهم بِما لَهم مِن إتْقانِ الأبْنِيَةِ في الجِبالِ؛ والسُّهُولِ؛ والتَّوَسُّعِ بِعِمارَةِ الحَدائِقِ؛ وإنْباطِ العُيُونِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ؛ مَعَ مُناسَبَتِهِمْ لَهم في رُؤْيَةِ الآياتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ العَظِيمَةِ؛ أتْبَعَهم بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وثَمُودُ﴾؛ واسْتَمَرُّوا فِيما هم فِيهِ؛ إلى أنْ رَأوْا عَلاماتِ العَذابِ؛ مِن صُفْرَةِ الوُجُوهِ؛ ثُمَّ حُمْرَتِها؛ ثُمَّ سَوادِها؛ ولَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ زاجِرٌ يَرُدُّهم عَنْ عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ.

ولَمّا كانَ الحامِلُ لِثَمُودَ عَلى المَعْصِيَةِ المُوجِبَةِ العَذابَ النِّساءَ؛ لِأنَّ عاقِرَ النّاقَةِ ما اجْتَرَأ عَلى عَقْرِها إلّا لِامْرَأةٍ مِنهُمْ؛ جَعَلَتْ لَهُ عَلى عَقْرِها (p-٣٤٣)زَواجَها؛ وكانَ المُوجِبُ لِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ إتْيانَ الذُّكُورِ؛ فالجامِعُ بَيْنَهُمُ شَهْوَةُ الفَرْجِ؛ مَعَ الطِّباقِ بِالذُّكُورِ؛ والإناثِ؛ مَعَ أنَّ عَذابَ ثَمُودَ بِرَجْفِ دِيارِهِمْ؛ وعَذابَ قَوْمِ لُوطٍ بِقَلْعِ مَدائِنِهِمْ؛ وحَمْلِها ثُمَّ قَلْبِها؛ أتْبَعَهم بِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى قُوَّتِهِمْ؛ مُضِيفًا لَهم إلى نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّهم عِدَّةُ مَدائِنَ؛ لَيْسَ لَهُمُ اسْمٌ جامِعٌ؛ كَقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وقَوْمُ لُوطٍ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ؛ واسْتَمَرُّوا في عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ حَتّى ضُرِبُوا بِالعَشا؛ وطَمْسِ الأعْيُنِ؛ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الوُصُولِ إلى ما أرادُوا مِنَ الدُّخُولِ إلى بَيْتِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولا التَّمَكُّنِ مِمّا أرادُوا؛ ولَمْ يَرُدَّهم ذَلِكَ عَنْ عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ بَلْ تَوَعَّدُوهُ بِطُلُوعِ النَّهارِ.

ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ المَدَرِ؛ أتْبَعَهم طائِفَةً مِن أهْلِ الوَبَرِ؛ يُقارِبُونَهم في الِاسْتِعْصاءِ بِالشَّجَرِ؛ مَعَ أنَّ عَذابَهم بِظُلَّةِ النّارِ؛ كَما كانَ لِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِجارَةً مِن نارٍ؛ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾؛ ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَهُمْ؛ تَهْوِينًا لِأمْرِ قُرَيْشٍ؛ ورَدْعًا لَهُمْ؛ بِالحَثِّ عَلى اسْتِحْضارِ عَذابِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العُظَماءُ في التَّجَنُّدِ؛ والِاجْتِماعِ عَلى مَن يُناوِئُونَهُ؛ ﴿الأحْزابُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أقْصى رُتَبِ هَؤُلاءِ في المُخالَفَةِ أنْ يَكُونُوا مِثْلَ حِزْبٍ مِنهم.

38:14Page 453

إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤

Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.

(p-٣٤٤)ولَمّا كانَ في مَعْرِضِ المُعارَضَةِ لِتَألُّبِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ وتَجَمُّعِهِمْ عَلى المُناوَأةِ باطِلًا؛ واتِّفاقِهِمْ؛ ولَمّا كانُوا لِما عِنْدَهم مِنَ العِنادِ؛ وحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ رُبَّما أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ هَلاكُ هَؤُلاءِ الأحْزابِ لِأجْلِ التَّكْذِيبِ؛ وقالُوا: هو عادَةُ الدَّهْرِ في الإهْلاكِ؛ والتَّخالُفِ في أسْبابِ الهَلاكِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿كُلٌّ﴾؛ مِن هَذِهِ الفِرَقِ؛ كانَ لِهَلاكِهِ سَبَبٌ مِنَ الأسْبابِ؛ ﴿إلا﴾؛ أنَّهُ؛ ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُمْ؛ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِ؛ فَإنَّ مَن كَذَّبَ رَسُولًا واحِدًا؛ مَعَ ثُبُوتِ رِسالَتِهِ؛ فَقَدِ اسْتَهانَ بِمَن أرْسَلَهُ؛ وذَلِكَ مَلْزُومٌ لِتَكْذِيبِ جَمِيعِ مَن يُرْسِلُهُ؛ لِتَساوِي أقْدامِ المُعْجِزاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ رِسالَتُهم بِها؛ في إيجابِ التَّصْدِيقِ؛ ﴿فَحَقَّ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ أنَّهُ حَقَّ ﴿عِقابِ﴾؛ أيْ: ثَبَتَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّخَلُّصِ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ والعُدُولُ إلى إفْرادِ الضَّمِيرِ مَعَ أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلتَّوْحِيدِ؛ كَما مَضى؛ وهو أنَصُّ عَلى المُرادِ؛ وتَقَدَّمَ السِّرُّ في حَذْفِ الياءِ رَسْمًا في جَمِيعِ المَصاحِفِ؛ وقِراءَةً عِنْدَ أكْثَرِ القُرّاءِ؛ وفي إثْباتِها في الحالَيْنِ لِيَعْقُوبَ وحْدَهُ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلشِّقاقِ؛ والإذْعانِ لِلذِّكْرِ؛ الَّذِي هو المَوْعِظَةُ ذاتُ الشَّرَفِ:

؎لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذى ∗∗∗ حَتّى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ

كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِلْعُقُوبَةِ؛ بِخِلافِ ما في ”ق“؛ فَإنَّ السِّياقَ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ (p-٣٤٥)وصِحَّةِ النِّذارَةِ؛ وإثْباتِ المَجْدِ؛ فَكانَ الوَعِيدُ في ذَلِكَ كافِيًا.

38:15Page 453

وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥

And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَقَدْ أعْقَبْنا كُلًّا مِن أُولَئِكَ الأحْزابِ؛ لَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ العِقابُ؛ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ؛ لا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ؛ ولا ارْتِيابَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما﴾؛ ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ في شِدَّةِ العِنادِ؛ والتَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ؛ والِاسْتِكْبارِ عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ؛ وتَعاطِي جَمِيعِ أسْبابِ العَذابِ؛ كَأنَّهم يَنْتَظِرُونَهُ؛ ويَسْتَعْجِلُونَهُ؛ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى الِانْتِظارِ؛ ولَمّا كانُوا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِصِدْقِ الآتِي إلَيْهِمْ؛ والقَطْعِ بِصِحَّةِ ما يَقُولُ؛ كَأنَّهم يَرَوْنَ العَذابَ ولا يَرْجِعُونَ؛ جَرَّدَ فِعْلَ الِانْتِظارِ؛ فَقالَ: ﴿يَنْظُرُ﴾؛ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أدْبَرُوا عَنْكَ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ وغايَةِ جُهْدِهِمْ أنْ يَكُونُوا مِنَ الأحْزابِ؛ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى جُنْدِنا؛ فَأخَذْناهم بِما هو مَشْهُورٌ مِن وقائِعِنا؛ ومَعْرُوفٌ مِن أيّامِنا؛ بِأصْنافِ العَذابِ؛ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهُمْ؛ ولا قُوَّتُهم شَيْئًا؛ ولَمْ يَضُرَّ جُنْدَنا ضَعْفُهُمْ؛ ولا قِلَّتُهُمْ؛ ﴿إلا صَيْحَةً﴾؛ وحَقَّرَ أمْرَهم بِالإشارَةِ إلى أنَّ أقَلَّ شَيْءٍ مِن عَذابِهِ كافٍ في إهْلاكِهِمْ؛ فَقالَ ﴿واحِدَةً﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ؛ فَعُلِمَ بِهِ أنَّ الوَصْفَ بِالوَحْدَةِ لِلتَّعْظِيمِ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَها﴾؛ أيْ: الصَّيْحَةِ؛ ﴿مِن فَواقٍ﴾؛ أيْ: مَزِيدِ أيِّ شَيْءٍ مِن جِنْسِها يَكُونُ فَوْقَها؛ يُقالُ: ”فاقَ أصْحابَهُ فَوْقًا؛ وفَواقًا“: عَلاهُمْ؛ وقَرَأهُ (p-٣٤٦)حَمْزَةُ بِالضَّمِّ؛ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ سُرْعَةِ الهَلاكِ بِها؛ مِن غَيْرِ تَأخُّرٍ أصْلًا؛ فَإنَّ ”الفُواقُ“؛ كَـ ”غُرابٌ“: ما يَأْخُذُ المُحْتَضَرَ عِنْدَ النِّزاعِ؛ والمَعْنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ في إهْلاكِهِمْ إلى زِيادَةٍ عَلى الصَّيْحَةِ المَوْصُوفَةِ؛ لِأنَّهُ لا صَيْحَةَ فَوْقَها؛ فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمُ أقَلِّ شَيْءٍ مِن عَذابِهِ؛ وتَحْقِيرُ أعْلى شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَتانِ مِن ”فَواقِ الحَلْبِ“؛ قالَ الصَّغانِيُّ: و”الفُواقُ“؛ و”الفَواقُ“؛ أيْ بِالضَّمِّ؛ والفَتْحِ: ما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ مِنَ الوَقْتِ؛ لِأنَّها تُحْلَبُ ثُمَّ تُتْرَكُ سَرِيعَةً يَرْضَعُها الفَصِيلُ لِتَدِرَّ؛ قالَ في القامُوسِ: أوْ ما بَيْنَ فَتْحِ يَدِكَ وقَبْضِها عَلى الضَّرْعِ؛ فالمَعْنى: ما لَها مِن رُجُوعٍ؛ كَما يَرْجِعُ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ عَنِ الفَواقِ؛ وكَما يَرْجِعُ المَرِيضُ بِالإفاقَةِ مِنَ المَرَضِ إلى الصِّحَّةِ؛ أوْ: ما لَها مِنَ انْفِصالٍ؛ وافْتِراقٍ؛ بِقَدْرِ ما يَتَنَفَّسُ فِيهِ أحَدٌ أقَلَّ تَنَفُّسٍ؛ وأقْصَرَهُ زَمَنًا؛ كَما هي عادَةُ الأصْواتِ المَأْلُوفَةِ؛ يَكُونُ فِيها تَرْجِيعٌ يُوجِبُ في الصَّوْتِ تَقَطُّعًا يَصِيرُ بِهِ وقْعُهُ ضَعِيفًا فاتِرًا؛ واعْتِمادُهُ عَلى مُخْرَجِهِ رَخْوًا؛ بَلْ هي صَمّاءُ؛ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ؛ لا تَفْجَأُ أحَدًا إلّا ماتَ؛ إلّا مَن ثَبَّتَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن فَواقِ المُحْتَضَرِ؛ أيْ أنَّهُ لَيْسَ فِيها مُقَدِّمَةٌ لِلْمَوْتِ غَيْرُ قَرْعِ الصَّوْتِ؛ وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِمْ: ما لَها (p-٣٤٧)مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

38:16Page 453

وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦

And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."

ولَمّا عَجَّبَ مِنهم بِما مَضى؛ وأبْطَلَ شُبَهَهُمْ؛ وعَرَّفَهم أنَّهم قَدْ عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِلْهَلاكِ تَعْرِيضًا قَرِيبًا؛ أتْبَعُ ذَلِكَ تَعْجِيبًا أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: اسْتِهْزاءً؛ غَيْرَ هائِبِينَ ما هَدَدْناهم بِهِ؛ ولا ناظِرِينَ في عاقِبَتِهِ: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿عَجِّلْ لَنا﴾؛ أيْ: إحْسانًا إلَيْنا ﴿قِطَّنا﴾؛ أيْ: نَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوُعِّدْنا بِهِ؛ وكِتابَنا الَّذِي كَتَبْتَ فِيهِ ذَلِكَ؛ وأحْصَيْتَ فِيهِ أعْمالَنا؛ وأصْلُهُ مِن ”قَطَّ الشَّيْءَ“؛ إذا قَطَعَهُ؛ ومِنهُ ”قَطَّ القَلَمَ“؛ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الكِتابِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةَ في الِاسْتِهْزاءِ بِطَلَبِ العَذابِ في جَمِيعِ الأزْمانِ؛ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ القِيامَةِ؛ أسْقَطُوا حَرْفَ الجَرِّ؛ وقالُوا: ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾؛ فَجَعَلُوا جَمِيعَ الزَّمانِ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ؛ وجَعَلُوا تَعْجِيلَهُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ دَلالَةً عَلى الإعْراقِ في الِاسْتِهْزاءِ؛ وعَبَّرَ بِالقِطِّ زِيادَةً في التَّنْبِيهِ عَلى رُكُوبِ الهَوى؛ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ؛ فَإنَّ مادَّتَهُ دائِرَةٌ في الأغْلَبِ عَلى ما يُكْرَهُ؛ واشْتِقاقُهُ مِن ”القَطُّ“؛ وهو القَطْعُ؛ فَـ ”القِطُّ“: النَّصِيبُ؛ والصَّكُّ؛ وكِتابُ المُحاسَبَةِ؛ لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الوَرَقِ؛ (p-٣٤٨)والحِسابُ قِطْعَةٌ مِنَ الأُمُورِ؛ وهو يَقْطَعُ فِيهِ بِما هو لَهُ؛ والسّاعَةُ؛ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ؛ و”تَقَطْقَطَ الرَّجُلُ“: رَكِبَ رَأْسَهُ؛ أيْ: تَبِعَ هَواهُ؛ الَّذِي هو قِطْعَةٌ مِن أمْرِهِ؛ و”جاءَتِ الخَيْلُ قَطاقِطَ“؛ أيْ: قِطَعًا؛ وجَماعاتٍ؛ في تَفْرِقَةٍ؛ و”القَطُّ“: القَطْعُ؛ و”القَطَطُ“: القَصِيرُ الجَعْدُ؛ و”الطَّقْطَقَةُ“: حِكايَةُ صَوْتِ الحِجارَةِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: عَجِّلْ مِن ذَلِكَ ما يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ ويُسْمَعُ صَوْتُهُ عَلى غايَةِ الشِّدَّةِ؛ فَيُهْلِكُ؛ ويُفَرِّقُ بَيْنَ الأحْبابِ؛ ويُكْتَبُ في كُلِّ صَكٍّ؛ ويُتْلى خَبَرُهُ في سائِرِ الأحْقابِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ هو أنّا لا نَرْجِعُ عَنْهُ لِشَيْءٍ أصْلًا؛ فَسُبْحانَ الحَلِيمِ الَّذِي أكْرَمَنا؛ ورَحِمَنا بِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ؛ فَلَمْ يُعَجِّلْ لَنا النِّقْمَةَ؛ وأقْبَلَ بِقُلُوبِنا إلَيْهِ؛ وقَصَرَ هِمَمَنا - بَعْدَ أنْ كانَتْ في أشَدِّ بُعْدٍ - عَلَيْهِ؛

38:17Page 454

ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧

Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].

ولَمّا بَلَغَ السَّيْلُ - في رُكُوبِهِمُ الباطِلَ عِنادًا - الزُّبى؛ وتَجاوَزَ في طُغْيانِهِ رُؤُوسَ الرُّبى؛ وكانَ سُؤالُهم في تَعْجِيلِ العَذابِ اسْتِهْزاءً؛ مَعَ ما قَدَّمُوا مِنَ الإكْذابِ؛ والكَلامِ البَعِيدِ عَنِ الصَّوابِ؛ رُبَّما اقْتَضى أنْ يُسْألَ في تَعْجِيلِ ما طَلَبُوا؛ ورُبَّما أُوقِعَ في ظَنِّ أنَّ إعْراضَهم والِابْتِلاءَ بِهِمْ رُبَّما كانَ لِشَيْءٍ في البَلاغِ؛ أوِ المُبَلِّغِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّ عادَتَهُ الِابْتِلاءَ لِلصّالِحِينَ؛ رِفْعَةً لِدَرَجاتِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسَلِّيًا؛ ومُعَزِّيًا؛ ومُؤَسِّيًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ بِمَن تَقَدَّمَهُ مِن إخْوانِهِ الأنْبِياءِ (p-٣٤٩)والمُرْسَلِينَ؛ مُذَكِّرًا لَهُ بِما قاسَوْا مِنَ الشَّدائِدِ؛ وما لاقَوْا مِنَ المِحَنِ؛ وحاثًّا عَلى العَمَلِ بِأعْمالِهِمْ؛ آمِرًا بِالتَّأنِّي؛ والتُّؤَدَةِ؛ والحِلْمِ؛ ومُحَذِّرًا مِنَ العَجَلَةِ؛ والتَّبَرُّمِ؛ والضَّجَرِ؛ وبَدَأ بِأهْلِ الشَّرَفِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِشَرَفِ القُرْآنِ؛ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ شَرَفُ صاحِبِهِ؛ تَعْرِيفًا بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرَفِ الرّاحَةُ في الدُّنْيا؛ ومُنَبِّهًا عَلى أنَّ شَرَفَهُ مُحْوِجٌ عَنْ قُرْبٍ بِكَثْرَةِ الأتْباعِ إلى الحُكْمِ بَيْنَ ذَوِي الخُصُوماتِ والنِّزاعِ؛ الَّذِي لا قِوامَ لَهُ إلّا بِالحِلْمِ؛ والأناةِ؛ والصَّبْرِ؛ وبَدَأ مِن أهْلِ الشَّرَفِ بِمَن كانَ أوَّلُ أمْرِهِ مِثْلَ أوَّلِ أمْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ في اسْتِضْعافِ قَوْمِهِ لَهُ؛ وآخِرُ أمْرِهِ مَلِكًا ثابِتَ الأرْكانِ؛ مَهِيبَ السُّلْطانِ؛ لِيَكُونَ حالُهُ مَثَلًا لَهُ؛ فَيَحْصُلَ بِهِ تَمامُ التَّسْلِيَةِ -: ﴿اصْبِرْ﴾؛ وأشارَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إلى عَظِيمِ الصَّبْرِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى ما﴾؛ وزادَ في الحَثِّ عَلَيْهِ بِالمُضارِعِ؛ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ قَوْلَهُ في كُلِّ حِينٍ؛ مِنَ الأقْوالِ المُنْكِيَةِ المُوجِعَةِ؛ المُبْكِيَةِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ لِنَقْصِ فِيكَ؛ ولَكِنَّهُ لِحِكَمٍ تَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ مَدارُها زِيادَةُ شَرَفِكَ؛ ورِفْعَةِ دَرَجاتِكَ؛ وصَرَفَ الكَلامَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ؛ لِاقْتِضاءِ ما يُذْكَرُ مِنَ التَّسْخِيرِ لِذَلِكَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا﴾؛ أيْ: الَّذِي أخْلَصْناهُ لَنا؛ وأخْلَصَ نَفْسَهُ لِلنَّظَرِ إلى عَظَمَتِنا؛ والقِيامِ في خِدْمَتِنا؛ وأبْدَلَ مِنهُ؛ أوْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿داوُدَ ذا الأيْدِ﴾؛ أيْ: القُوى العَظِيمَةِ في تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَلائِقِ الأجْسامِ؛ فَكانَتْ قُوَّتُهُ (p-٣٥٠)فِي ذَلِكَ سَبَبًا لِعُرُوجِهِ إلى المَراتِبِ العِظامِ.

ولَمّا كانَ أعْظَمُ الجِهادِ الإنْقاذَ مِن حَفائِرِ الهَفَواتِ؛ وأوامِرِ الشَّهَواتِ؛ بِالإصْعادِ في مَدارِجِ الكَمالاتِ؛ ومَعارِجِ الإقْبالِ؛ وكانَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ في الآدَمِيِّينَ؛ لِما حُفُّوا بِهِ مِنَ الشَّهَواتِ؛ ورَكَزَ في طِباعِهِمْ مِنَ الغَفْلاتِ؛ عَلَّلَ قُوَّتَهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا -: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾؛ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيَصِيرَ إلى ما خَلَقَهُ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ بِالعَقْلِ المَحْضِ؛ أطْلَقَ العُلُوَّ دَرَجَةً دَرَجَةً عَلى الرُّجُوعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ دُونَ الرُّتْبَةِ الَّتِي تَكُونُ نِهايَةً عِنْدَ المَوْتِ؛ فَكَأنَّ المَقْضِيَّ لَهُ بِها أنْزَلَ نَفْسَهُ عَنْها؛ ثُمَّ صارَ يَرْجِعُ إلَيْها كُلَّ لَحْظَةٍ؛ بِما يُكابِدُ مِنَ المُجاهَداتِ؛ والمُنازَلاتِ؛ والمُحاوَلاتِ؛ حَتّى وصَلَ إلَيْها بَعْدَ التَّجَرُّدِ عَنِ الهَوى كُلِّهِ؛

38:18Page 454

إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨

Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَزالُ يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ (تَعالى) حَتّى يُحِبَّهُ؛ فَإذا أحَبَّهُ صارَ يَفْعَلُ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ الخَوارِقُ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ جَزائِهِ عَلى ذَلِكَ الجِهادِ؛ مُؤَكِّدًا لَهُ؛ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِن إنْكارِ الخَوارِقِ؛ لِتَقَيُّدِهِ بِالمَأْلُوفاتِ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا يُعْجِزُها شَيْءٌ؛ ﴿سَخَّرْنا الجِبالَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي أقْسى مِن قُلُوبِ قَوْمِكَ؛ فَإنَّها أعْظَمُ الأراضِي صَلابَةً؛ وقُوَّةً؛ وعُلُوًّا؛ ورِفْعَةً؛ بِأنْ جَعَلْناها مُنْقادَةً ذَلُولًا كالجَمَلِ الأنِفِ؛ ثُمَّ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعَهُ﴾؛ أيْ: مُصاحِبَةً لَهُ؛ فَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ التَّسْخِيرُ (p-٣٥١)ظاهِرًا لِأحَدٍ بَعْدَهُ؛ ولا قَبْلَهُ؛ ولَمّا كانَ وُجُودُ التَّسْبِيحِ مِنَ الجِبالِ شَيْئًا فَشَيْئًا أعْجَبَ؛ لِأنَّها جَمادٌ؛ عَبَّرَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ؛ فَقالَ - مُصَوِّرًا لِتِلْكَ الحالِ؛ مُعَبِّرًا بِضَمِيرِ الإناثِ؛ إشارَةً إلى أنَّها بَعْدَ ما لَها مِنَ الصَّلابَةِ صارَتْ في غايَةِ اللِّينِ؛ والرَّخاوَةِ؛ يُسَبِّحُ كُلُّ جَبَلٍ مِنها بِصَوْتٍ غَيْرِ مُشْبِهٍ بِصَوْتِ الآخَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى التَّمْيِيزِ؛ والعِلْمِ بِتَسْبِيحِ كُلٍّ عَلى انْفِرادِهِ -: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾؛ ولَمْ يَقُلْ: ”مُسَبِّحَةً“؛ أوْ: ”تُسَبِّحُ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ تَسْبِيحَها بِصَوْتٍ واحِدٍ؛ لِيُشْكِلَ الأمْرُ في بَعْضِها؛ وهو يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا؛ وأنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى أنَّهُنَّ يَنْقَدْنَ لَهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ قالًا وحالًا؛ انْقِيادَ المُخْتارِ المُطِيعِ لِلَّهِ.

ولَمّا كانَ في سِياقِ الأوْبَةِ؛ وكانَ آخِرُ النَّهارِ وقْتَ الرُّجُوعِ لِكُلِّ ذِي إلْفٍ إلى مَأْلَفِهِ؛ مَعَ أنَّهُ وقْتُ الفُتُورِ؛ والِاسْتِراحَةِ مِنَ المَتاعِبِ؛ قالَ: ﴿بِالعَشِيِّ﴾؛ أيْ: تَقْوِيَةً لِلْعامِلِ؛ وتَذْكِيرًا لِلْغافِلِ؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ الفَيْضِ والتَّشْرِيفِ بِالقُرْآنِ؛ قالَ: ﴿والإشْراقِ﴾؛ أيْ: في وقْتِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنِ انْتِشابِ النّاسِ في الأشْغالِ؛ واشْتِغالِهِمْ بِالمَآكِلِ؛ والمَلاذِّ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ تَذْكِيرًا لَهُمْ؛ وتَرْجِيعًا عَنْ مَأْلُوفاتِهِمْ إلى تَقْدِيسِ رَبِّهِمْ - سُبْحانَهُ -؛ ولَيْسَ الإشْراقُ طُلُوعَ الشَّمْسِ؛ إنَّما هو صَفاؤُها (p-٣٥٢)وُضَوْؤُها؛ وشُرُوقُها طُلُوعُها؛ ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى في بَيْتِها الضُّحى؛ وقالَ لَها: ”هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ“؛» وفي الجامِعِ لِعَبْدِ الرَّزّاقِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: صَلاةُ الضُّحى في القُرْآنِ؛ ولَكِنْ لا يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غائِصٌ؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ؛ وإلَيْها الإشارَةُ أيْضًا - واللَّهُ أعْلَمُ - بِصَلاةِ الأوّابِينَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠] ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٩]؛ رَوى مُسْلِمٌ؛ في صَحِيحِهِ؛ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ في مُسْنَدِهِ؛ والدّارِمِيُّ؛ في جامِعِهِ؛ المُسَمّى بِالمُسْنَدِ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «صَلاةُ الأوّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصالُ”؛» ولَفْظُ الدّارِمِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وهم يُصَلُّونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ فَقالَ:“صَلاةُ الأوّابِينَ إذا رَمَضَتِ الفِصالُ»؛ ولَفْظُ عَبْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ؛ فَرَآهم يُصَلُّونَ الضُّحى فَقالَ: ”هَذِهِ صَلاةُ الأوّابِينَ؛ وكانُوا يُصَلُّونَها إذا رَمَضَتِ الفِصالُ“؛» أيْ بَرَكَتْ مِن شِدَّةِ الحَرِّ؛ وإحْراقِهِ أخْفافَها؛ مِن ”الرَّمَضُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ؛ وهو شِدَّةُ الشَّمْسِ عَلى الرَّمْلِ؛ وغَيْرِهِ؛ و”الرَّمْضاءُ“: الشَّدِيدَةُ الحَرِّ.

38:19Page 454

وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩

And the birds were assembled, all with him repeating [praises].

(p-٣٥٣)ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ تَسْخِيرِ أثْقَلِ الأشْياءِ وأثْبَتِها لَهُ؛ أتْبَعَها أخَفَّها وأكْثَرَها انْتِقالًا؛ وعَبَّرَ فِيها بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى الِاجْتِماعِ جُمْلَةً؛ والثَّباتِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا باسِمِ الجَمْعِ؛ دُونَ الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى أنَّها في شِدَّةِ الِاجْتِماعِ؛ كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ؛ ذَكَرَ حالَها في وصْفٍ صالِحٍ لِلْواحِدِ؛ وجَعَلَهُ مُؤَنَّثًا؛ إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الرَّخاوَةِ اللّازِمَةِ لِلْإناثِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِغايَةِ الطَّواعِيَةِ؛ والقَبُولِ لِتَصَرُّفِ الأحْكامِ -: ﴿والطَّيْرَ﴾؛ أيْ: سَخَّرْناها لَهُ حالَ كَوْنِها ﴿مَحْشُورَةً﴾؛ أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ كَرْهًا؛ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ دُفْعَةً واحِدَةً - بِما دَلَّ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ -؛ وهو أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ؛ وهي أشَدُّ نَفْرَةً مِن قَوْمِكَ؛ وأعْسَرُ ضَبْطًا؛ وهَذا كَما كانَ الحَصى يُسَبِّحُ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وفي يَدِ بَعْضِ أصْحابِهِ؛ وكَما تَحَرَّكَ الجَبَلُ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ؛ وقالَ: «”اسْكُنْ أُحُدُ“؛ فَسَكَنَ؛» وكَما حُشِرَ الدَّبْرُ عَلى رَأْسِ عاصِمِ بْنِ ثابِتِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمَنَعَ مِن أخْذِهِ لِيُتَلَعَّبَ بِهِ؛ فَلَمّا جاءَ اللَّيْلُ أرْسَلَ اللَّهُ سَيْلًا فاحْتَمَلَهُ إلى حَيْثُ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ؛ ولا وُقِفَ لَهُ عَلى أثَرٍ؛ ﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ؛ والطَّيْرِ؛ ﴿لَهُ أوّابٌ﴾؛ أيْ: رَجّاعٌ؛ لِأجْلِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاصَّةً (p-٣٥٤)عَنْ مَأْلُوفِهِ؛ لا بِمَعْنًى آخَرَ مِمّا ألِفَتْهُ؛ فَكُلَّما رَجَعَ هو عَنْ حُكْمِهِ؛ وما هو فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ بِالخَلْقِ؛ إلى تَسْبِيحِ الحَقِّ؛ رَجَعَتْ مَعَهُ بِذَلِكَ الجِبالُ والطَّيْرُ؛ وجُعِلَ الخَبَرُ مُفْرَدًا؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ زَجَلِها بِالتَّأْدِيبِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ والإفْرادُ أيْضًا يُفِيدُ الحُكْمَ عَلى كُلِّ فَرْدٍ؛ ولَوْ جَمَعَ لَطَرَقَهُ احْتِمالُ أنَّ الحُكْمَ عَلى المَجْمُوعِ بِقَيْدِ الجَمْعِ؛ فَكَأنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَفْهَمُ تَسْبِيحَ الجِبالِ؛ والطَّيْرِ؛ ويَنْقادُ لَهُ كُلٌّ مِنهُما إذا أمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ وكُلُّ مَن تَحَقَّقَ بِحالِهِ؛ ساعَدَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ؛ فَفي هَذا إشارَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنّا مَتى شِئْنا جَعَلْنا قَوْمَكَ مَعَكَ في التَّسْخِيرِ هَكَذا؛ فَلا تَيْأسْ مِنهم عَلى شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ؛ وقُوَّةِ سَماجَتِهِمْ وغَرَّتِهِمْ؛ فَإنّا جَعَلْناهم كَذَلِكَ لِتُرَوِّضَ نَفْسَكَ بِهِمْ؛ وتَزْدادَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ جَلالًا؛ وعُلُوًّا؛ ورِفْعَةً؛ وكَمالًا؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا تَسَعُها العُقُولُ؛ ولا تَيْأسْ مِن لِينِهِمْ لَكَ ورُجُوعِهِمْ إلَيْكَ؛ فَإنَّهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا كالجِبالِ قُوَّةً وصَلابَةً؛ أوِ الطَّيْرِ نَفْرَةً وطَيْشًا وخِفَّةً؛ فَمَتى شِئْنا جَعَلْناهم لَكَ مِثْلَما جَعَلْنا الجِبالَ والطَّيْرَ مَعَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَلْ أمْرُهم أيْسَرُ؛ وشَأْنُهم أهْوَنُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском