Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Sad 38:52–69
38:52Page 456
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
ولَمّا كانَ الأكْلُ والشُّرْبُ داعِيَيْنِ إلى النِّساءِ؛ لا سِيَّما مَعَ الرّاحَةِ؛ قالَ: ﴿وعِنْدَهُمْ﴾؛ أيْ: لَهم مِن غَيْرِ مُفارَقَةٍ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ سِياقُ الِامْتِنانِ مُفْهِمًا كَثْرَةَ المُمْتَنِّ بِهِ؛ لا سِيَّما إذا كانَ مِنَ العَظِيمِ؛ أتى بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ مُرِيدًا بِهِ الكَثْرَةَ؛ لِأنَّهُ أشْهَرُ؛ وأوْضَحُ وأرْشَقُ مِن ”قَواصِرُ“؛ المُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمْعِ ”قاصِرٌ“؛ و”قَوْصَرَّةٌ“؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ والتَّخْفِيفِ؛ لِوِعاءِ التَّمْرِ؛ فَقالَ: ﴿قاصِراتُ﴾؛ ولَمّا كُنَّ عَلى خُلُقٍ واحِدٍ في العِفَّةِ؛ وكَمالِ الجَمالِ؛ وحَّدَ فَقالَ: (p-٤٠٣)﴿الطَّرْفِ﴾؛ أيْ: طَرْفِهِنَّ؛ لِعِفَّتِهِنَّ؛ وطَرْفِ أزْواجِهِنَّ؛ لِحُسْنِهِنَّ؛ ولَمّا لَمْ تَنْقُصْ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ المَعْنى؛ لِكَوْنِهِ في سِياقِ المَدْحِ والِامْتِنانِ؛ وكانَ يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ؛ أتى عَلى نَمَطِ الفَواصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿أتْرابٌ﴾؛ أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ مَعَ أزْواجِهِنَّ؛ وهي الشَّبابُ؛ سُمِّي القَرِينُ ”تِرْبًا“؛ لِمَسِّ التُّرابِ جِلْدَهُ؛ وجِلْدِ قَرِينِهِ في وقْتٍ واحِدٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى لِلتَّآلُفِ؛ فَإنَّ التَّحابَّ بَيْنَ الأقْرانِ أشَدُّ وأثْبَتُ.
38:53Page 456
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا النَّعِيمَ لِأهْلِ الطّاعَةِ؛ وقَدَّمَ ذَلِكَ العَذابَ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ؛ قالَ: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ هُنا؛ والَّذِي مَضى؛ ﴿ما﴾؛ وبَنى لِلْمَفْعُولِ - اخْتِصارًا؛ وتَحْقِيقًا لِلتَّحَتُّمِ - قَوْلَهُ: ﴿تُوعَدُونَ﴾؛ مِن ”الوَعْدُ“؛ و”الإيعادُ“؛ وقِراءَةُ الغَيْبِ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي؛ ومَن خاطَبَ لَفَتَ الكَلامَ لِلتَّلْذِيذِ بِالخِطابِ؛ تَنْشِيطًا لِهِمَمِهِمْ؛ وإيقاظًا لِقُلُوبِهِمْ؛ ﴿لِيَوْمِ الحِسابِ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
38:54Page 456
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
ولَمّا كانَ هَذا يُصَدَّقُ بِأنْ يُوجَدَ ثُمَّ يَنْقَطِعُ؛ كَما هو المَعْهُودُ مِن حالِ الدُّنْيا؛ أخْبَرَ أنَّهُ عَلى غَيْرِ هَذا المِنوالِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: المُشارَ إلَيْهِ إشارَةَ الحاضِرِ الَّذِي لا يَغِيبُ؛ ﴿لَرِزْقُنا﴾؛ أيْ: لَلرِّزْقُ الَّذِي (p-٤٠٤)يَسْتَحِقُّ الإضافَةَ إلَيْنا في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَلِذَلِكَ كانَتِ النَّتِيجَةُ: ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾؛ أيْ: فَناءٍ؛ وانْقِطاعٍ؛ بَلْ هو كالماءِ المُتَواصِلِ في نَبْعِهِ؛ كُلَّما أُخِذَ مِنهُ شَيْءٌ أخْلَفَ في الحالِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ لا يُمَيَّزُ المَأْخُوذُ مِنَ المَوْجُودِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَلْذِيذٌ؛ وتَنْعِيمٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ بِكَثْرَةِ ما عِنْدَهُ؛ وبِمُشاهَدَةِ ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ؛ ويُثْبِتُونَهُ لِلَّهِ (تَعالى) مِنَ القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ في كُلِّ وقْتٍ؛ جَزاءً وِفاقًا؛ عَكْسَ ما يَأْتِي لِأهْلِ النّارِ.
38:55Page 456
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ نَزّاعَةً لِلْهَوى؛ مَيّالَةً إلى الرَّدى؛ فَكانَتْ مُحْتاجَةً إلى مَزِيدِ تَخْوِيفٍ؛ وشَدِيدِ تَهْوِيلٍ؛ قالَ (تَعالى) - مُتَوَعِّدًا لِمَن تَرَكَ التَّأسِّيَ بِهَؤُلاءِ السّادَةِ في أحْوالِ العِبادَةِ؛ مُؤَكِّدًا لِما مَضى مِن إيعادِ العُصاةِ؛ وتَخْوِيفِ العُتاةِ -: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي هو جَدِيرٌ بِأنْ يُجْعَلَ نُصْبَ العَيْنِ؛ وهو أنَّهُ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما ذُكِرَ؛ وإنْ أنْكَرَهُ الكَفَرَةُ؛ وحَذْفُ الخَبَرِ؛ بَعْدَ إثْباتِهِ في الأوَّلِ؛ أهْوَلُ؛ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلى تَنْزِيلِهِمْ أنْفُسَهم في مَنازِلِها؛ بِالصَّبْرِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ؛ فَرَفَعُوا أنْفُسَهم فَوْقَ قَدْرِها؛ وتَجاوَزُوا الحَدَّ؛ وعَلَوْا في الكُفْرِ بِهِ؛ وأسْرَفُوا في المَعاصِي والظُّلْمِ؛ وتَجَبَّرُوا؛ وتَكَبَّرُوا؛ فَكانُوا أحْمَقَ النّاسِ؛﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾؛ أيْ: مَصِيرٍ؛ ومَرْجِعٍ؛ (p-٤٠٥)وأبْدَلَ مِنهُ؛ أوْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ:
38:56Page 456
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: الشَّدِيدَةَ الِاضْطِرامِ؛ المُلاقِيَةَ لِمَن يَدْخُلُها بِغايَةِ العَبُوسَةِ والتَّجَهُّمِ.
ولَمّا كانَ اخْتِصاصُهم بِها لَيْسَ بِصَرِيحٍ في عَذابِهِمُ؛ اسْتَأْنَفَ التَّصْرِيحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها﴾؛ أيْ: يَدْخُلُونَها؛ فَيُباشِرُونَ شَدائِدَها؛ ولَمّا أفْهَمَ هَذا غايَةَ الكَراهَةِ لَها؛ وأنَّهُ لا فِراشَ لَهم غَيْرُ جَمْرِها؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَيَكُونُ مِهادًا لَهُمْ؛ لِتُحِيطَ بِهِمْ؛ فَيَعُمَّهم صَلْيُها“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾؛ أيْ: الفِراشُ هِيَ؛ فَإنَّ فائِدَةَ الفِراشِ تَنْعِيمُ الجَسَدِ؛ وهَذِهِ تُذِيبُ الجِلْدَ واللَّحْمَ؛ ثُمَّ يَعُودُ في الحالِ؛ كُلَّما ذابَ عادَ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ؛ لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الإعادَةِ في كُلِّ وقْتٍ دائِمًا أبَدًا؛ كَما كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ دائِمًا أبَدًا؛ جَزاءً وِفاقًا؛ عَكْسَ ما لِأهْلِ الجَنَّةِ مِنَ التَّنْعِيمِ؛ والتَّلْذِيذِ؛ بِإعادَةِ كُلِّ ما قَطَعُوا مِن فاكِهَتِها؛ وأكَلُوا مِن طَيْرِها؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ الإعادَةَ؛ فَنالُوا هَذِهِ السَّعادَةَ.
38:57Page 456
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
ولَمّا قَدَّمَ أنَّ لِأهْلِ الطّاعَةِ فاكِهَةً وشَرابًا؛ وكانَ ما وصَفَ بِهِ مَأْوى العُصاةِ لا يَكُونُ إلّا عَذابًا؛ وكانَ مُفْهِمًا - لا مَحالَةَ - أنَّ الحَرارَةَ تُسِيلُ مِن أهْلِ النّارِ عُصارَةً مِن صَدِيدٍ وغَيْرِهِ؛ قالَ: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: العَذابُ لِلطّاغِينَ؛ ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمٌ﴾؛ أيْ: ماءٌ حارٌّ؛ وأشارَ بِالعَطْفِ بِالواوِ إلى تَمَكُّنِهِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿وغَسّاقٌ﴾ (p-٤٠٦)أيْ: سَيْلٌ مُنْتِنٌ عَظِيمٌ جِدًّا؛ بارِدٌ؛ أسْوَدُ؛ مُظْلِمٌ؛ شَدِيدٌ في جَمِيعِ هَذِهِ الصِّفاتِ؛ مِن صَدِيدٍ ونَحْوِهِ؛ وهو في قِراءَةِ الجَماعَةِ - بِالتَّخْفِيفِ - اسْمٌ؛ كَـ ”العَذابُ“؛ و”النَّكالُ“؛ مِن ”غَسَقَتْ عَيْنُهُ“؛ أيْ: سالَتْ؛ و”غَسَقَ الشَّيْءُ“؛ أيْ: امْتَلَأ؛ ومِنهُ ”الغاسِقُ“؛ لِلْقَمَرِ؛ لِامْتِلائِهِ؛ وكَمالِهِ؛ وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ وحَفْصٍ - بِالتَّشْدِيدِ - صِفَةٌ؛ كَـ ”الخَبّازُ“؛ و”الضَّرّابُ“؛ تُشِيرُ إلى شِدَّةِ أمْرِهِ في جَمِيعِ ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنَ السَّيَلانِ؛ والبَرْدِ؛ والسَّوادِ.
38:58Page 456
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
ولَمّا كانَ في النّارِ - أجارَنا اللَّهُ مِنها بِعَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ - ما لا يُعَدُّ مِن أنْواعِ العِقابِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ”هَذا“ -: ﴿وآخَرُ﴾؛ أيْ: مِن أنْواعِ المَذُوقاتِ؛ عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ - بِالجَمْعِ لِـ ”أُخْرى“؛ و”مَذُوقٌ“؛ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِما بِالإفْرادِ؛ وهو حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ؛ وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَإ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾؛ أيْ: شَكْلِ هَذا المَذُوقِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الكَثْرَةَ في المُعَذَّبِينَ؛ وهُمُ الطّاغُونَ؛ وفي عَذابِهِمْ؛ مَعَ افْتِراقِهِ بِالأنْواعِ؛ وإنِ اتَّحَدَ في جِنْسِ العَذابِ؛ صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ﴾؛ أيْ: هُمْ؛ أوْ هِيَ؛ أوْ هُوَ؛ أيْ: جِنْسُ عَذابِهِمْ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ.
38:59Page 456
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
ولَمّا كانَ مِمّا أفْهَمَهُ الكِتابُ في هَذا الخِطابِ أنَّ الطّاغِينَ الدّاخِلِينَ إلى جَهَنَّمَ أصْنافٌ كَثِيرَةٌ؛ وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ الأصْنافَ إذا اجْتَمَعُوا (p-٤٠٧)كانَتْ مُحاوَراتٌ؛ ولا سِيَّما إنْ كانُوا مِنَ الطُّغاةِ العُتاةِ؛ تَحَرَّكَ السّامِعُ إلى تَعَرُّفِ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسْتَأْنِفًا جَوابَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَقاوُلِهِمْ بِأقْبَحِ المُقاوَلَةِ؛ وهو التَّخاصُمُ النّاشِئُ عَنِ التَّباغُضِ؛ والتَّدابُرِ؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بَيْنَ الَّذِينَ دَبَّرُوا أمْرًا فَعادَ عَلَيْهِمْ بِالوَبالِ؛ في أنَّ كُلًّا مِنهم يُحِيلُ ما وقَعَ بِهِ العَكْسَ عَلى صاحِبِهِ؛ وذَلِكَ أشَدُّ لِعَذابِهِمْ -: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: قالَ أطْغى الطُّغاةِ - لَمّا دَخَلُوها أوَّلًا؛ كَما هم أهْلٌ لَهُ؛ لِأنَّهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ؛ ورَأوْا جَمْعًا مِنَ الأتْباعِ داخِلًا عَلَيْهِمْ -: هَذا ﴿فَوْجٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ كَثِيفَةٌ؛ مُشاةٌ مُسْرِعُونَ؛ ولَمّا كانُوا يَدْخُلُونَها مِن شِدَّةٍ ما تَدْفَعُهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى هَيْئَةِ الواثِبِ؛ قالَ - مُشِيرًا بِالتَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ مُفْرِدًا؛ إلى أنَّهم في المُوافَقَةِ فِيهِ والتَّسابُقِ كَأنَّهم نَفْسٌ واحِدَةٌ -: ﴿مُقْتَحِمٌ﴾؛ أيْ: رامٍ بِنَفْسِهِ في الشِّدَّةِ بِشِدَّةِ فُجاءَةٍ؛ بِلا رَوِيَّةٍ؛ كائِنًا ﴿مَعَكُمْ﴾
ولَمّا كانَ أهْلُ النّارِ يُؤْذِي بَعْضُهم بَعْضًا بِالشَّهِيقِ؛ والزَّفِيرِ؛ والزِّحامِ؛ والدِّفاعِ؛ والبُكاءِ؛ والعَوِيلِ؛ وما يَسِيلُ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ القَيْحِ؛ والصَّدِيدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ النَّكَدِ؛ ولا سِيَّما إنْ كانُوا أتْباعًا لَهم في الدُّنْيا؛ فَصارُوا مِثْلَهم في ذَلِكَ الدُّخُولِ في الرُّتْبَةِ؛ لا يَتَحاشَوْنَ عَنْ دِفاعِهِمْ؛ وخِصامِهِمْ؛ ونِزاعِهِمْ؛ قالُوا - اسْتِئْنافًا -: ﴿لا مَرْحَبًا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنُوا المَدْعُوَّ عَلَيْهِ؛ فَقالُوا: ﴿بِهِمْ﴾؛ وهي كَلِمَةٌ واقِعَةٌ في أتَمِّ مَواقِعِها؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى (p-٤٠٨)التَّضَجُّرِ والبِغْضَةِ؛ مَعَ الصِّدْقِ في أهْلِ مَدْلُولِها؛ الَّذِي هو مُصادَقَةُ الضِّيقِ؛ ”مَفْعَلٌ“؛ مِن ”الرُّحْبُ“؛ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ؛ وهو السَّعَةُ؛ أيْ لا كانَ بِهِمْ سَعَةٌ أصْلًا؛ ولا اتَّسَعَتْ بِهِمْ هَذِهِ الأماكِنُ؛ ولا هَذِهِ الأزْمانُ؛ ولا حَصَلَتْ لَهم ولا بِهِمْ راحَةٌ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلُوا اسْتِحْقاقَهم لِهَذا الدُّعاءِ بِقَوْلِهِمْ - مُؤَكِّدِينَ لِما كانَ اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ؛ وتَطاوَلَ عَلَيْهِ الزَّمانُ؛ مِن إنْكارِهِمْ لَهُ -: ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾؛ أيْ: ومَن صَلِيَها صادَفَ مِنَ الضِّيقِ ما لَمْ يُصادِفْهُ أحَدٌ؛ وآذى كُلَّ مَن جاوَرَهُ.
38:60Page 456
قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠
They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ - عَلى ما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ - أنَّهم يَتَأثَّرُونَ مِن هَذا القَوْلِ؛ فَيَحْصُلُ التَّشَوُّقُ إلى ما يَكُونُ مِن أمْرِهِمْ؛ هَلْ يُجِيبُونَهُمْ؛ أمْ تَمْنَعُهم هَيْبَتُهم عَلى ما كانُوا في الدُّنْيا؟ أعْلَمَ بِما يُعْلَمُ مِنهُ انْقِطاعُ الأسْبابِ هُناكَ؛ فَلا يَكُونُ مِن أحَدٍ مِنهم خَوْفٌ مِن آخَرَ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ؛ المُعَبَّرُ عَنْهم بِالفَوْجِ؛ لِسُفُولِهِمْ؛ وبُطُونِ أمْرِهِمْ؛ ﴿بَلْ أنْتُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ أيُّها الرُّؤَساءُ؛ ﴿لا مَرْحَبًا﴾؛ وبَيَّنُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِكُمْ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا؛ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ مِنّا؛ ثُمَّ عَلَّلُوا قَوْلَهم بِما أفْهَمَ أنَّهم شارَكُوهم في الضَّلالِ؛ وزادُوا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ؛ (p-٤٠٩)فَقالُوا: ﴿أنْتُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾؛ أيْ: الِاقْتِحامَ في العَذابِ؛ بِما أقْحَمْتُمُونا فِيهِ مِن أسْبابِهِ؛ وقَدَّمْتُمْ في دارِ الغُرُورِ مِن تَزْيِينِهِ؛ ﴿لَنا﴾؛ ولَمّا كانَ الِاقْتِحامُ؛ وهو الوُثُوبُ؛ أوِ الدُّخُولُ عَلى شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ؛ كَأنَّها الوُثُوبُ؛ يَنْتَهِي مِنهُ إلى اسْتِقْرارٍ؛ وكانَ الفَرِيقانِ قَدِ اسْتَقَرُّوا في مَقاعِدِهِمْ في النّارِ؛ سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾؛ أيْ: قَرارُكم.
38:61Page 456
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١
They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."
ولَمّا كانَ قَوْلُ الأتْباعِ هَذا مُفْهِمًا لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ سَبَبَ ما وصَلُوا إلَيْهِ مِنَ الشَّقاءِ هو الرُّؤَساءُ؛ وكانَ هَذا مُوجِبًا لِنِهايَةِ غَيْظِهِمْ مِنهُمْ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ لِما يَكُونُ مِن أمْرِهِمْ مَعَهُمْ؛ هَلْ يَكْتَفُونَ بِما أجابُوهم بِهِ؛ أوْ يَكُونُ مِنهم شَيْءٌ آخَرُ؟ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - إعْلامًا بِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ؛ وعَلِمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم -: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ؛ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ الَّذِي مَنَعَنا هَؤُلاءِ عَنِ الشُّكْرِ لَهُ؛ ﴿مَن قَدَّمَ لَنا هَذا﴾؛ أيْ: العَذابَ؛ بِما قَدَّمَ لَنا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أقْحَمَتْناهُ؛ وقَدَّمُوا ذَلِكَ اهْتِمامًا بِهِ؛ وأجابُوا الشَّرْطَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَزِدْهُ﴾؛ أيْ: عَلى العَذابِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ؛ بِما اسْتَحْقَقْنا بِهِ نَحْنُ؛ وهو الضَّلالُ؛ ﴿عَذابًا ضِعْفًا﴾؛ أيْ: زائِدًا عَلى ذَلِكَ؛ مِثْلَهُ مَرَّةً أُخْرى؛ بِالإضْلالِ؛ وقَيَّدُوهُ طَلَبًا لِفَخامَتِهِ؛ بِقَوْلِهِمْ - مُعَبِّرِينَ بِالظَّرْفِ؛ لِإفْهامِ الضِّيقِ الَّذِي تَقَدَّمَ الدُّعاءُ (p-٤١٠)المُجابُ فِيهِ بِهِ؛ لِيَكُونَ عَذابًا آخَرَ؛ فَهو أبْلَغُ مِمّا في ”الأعْرافِ“؛ لِأنَّ السِّياقَ هُنا لِلطّاغِينَ؛ وهُناكَ لِمُطْلَقِ الكافِرِينَ -: ﴿فِي النّارِ﴾؛ أيْ: كائِنًا فِيها؛ وهَذا مِثْلُ الآيَةِ الأُخْرى: ”رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا“؛ أيْ: مِثْلَ عَذابِنا مَرَّتَيْنِ.
38:62Page 457
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢
And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1
ولَمّا ذَكَرَ مِنَ اقْتِحامِهِمْ في العَذابِ؛ وتَقاوُلِهِمْ بِما دَلَّ عَلى خِزْيِهِمْ؛ وحَسْرَتِهِمْ؛ وحُزْنِهِمْ؛ أعْلَمَ بِما دَلَّ عَلى زِيادَةِ خُسْرانِهِمْ؛ وحَسْرَتِهِمْ؛ وهَوانِهِمْ؛ بِمَعْرِفَتِهِمْ بِنَجاةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَهْزَؤُونَ بِهِمْ؛ ويُذِلُّونَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: الفَرِيقانِ؛ الرُّؤَساءُ؛ والأتْباعُ؛ بَعْدَ أنْ قَضَوْا وطَرَهُمْ؛ مِمّا لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا مِن تَخاصُمِهِمْ؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ ﴿لَنا﴾؛ مانِعًا في أنّا ﴿لا نَرى﴾؛ أيْ: في المَحَلِّ الَّذِي أُدْخِلْناهُ؛ ﴿رِجالا﴾؛ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾؛ أيْ: في دارِ الدُّنْيا؛ ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾؛ أيْ: الأراذِلِ؛ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ؛ بِأنَّهم قَدْ قَطَعُوا الرَّحِمَ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ العَشِيرَةِ؛ وأفْسَدُوا ذاتَ البَيْنِ؛ وغَيَّرُوا الدِّينَ؛ بِكَوْنِهِمْ لا يَزالُونَ يُخالِفُونَ النّاسَ في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ؛ والذُّلِّ؛ والهَوانِ؛ وسُوءِ الحالِ في الدُّنْيا؛ فَيَظُنُّ أهْلُها نَقْصَ حَظِّهِمْ مِنهُ؛ وكَثْرَةَ مَصائِبِهِمْ فِيها لِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ وما دَرَوْا أنَّهُ (تَعالى) يَحْمِي أحِبّاءَهُ مِنها؛ كَما (p-٤١١)يَحْمِي الإنْسانُ عَلِيلَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ ومَن يُرِدْ بِهِ خَيْرًا يُصَبْ مِنهُ.
38:63Page 457
أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣
Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"
ولَمّا كانُوا يَسْخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ؛ وهم لَيْسُوا مَوْضِعًا لِذَلِكَ؛ بَلْ حالُهم في جِدِّهِمْ؛ وجَدِّهِمْ؛ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ؛ قالُوا - مُسْتَفْهِمِينَ؛ أمّا عَلى قِراءَةِ الحَرَمَيْنِ؛ وابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ فَتَحْقِيقًا؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ فَتَقْدِيرًا -: ﴿أتَّخَذْناهُمْ﴾؛ أيْ: كَلَّفْنا أنْفُسَنا؛ وعالَجْناها في أخْذِهِمْ؛ ﴿سِخْرِيًّا﴾؛ أيْ: نَسْخَرُ مِنهُمْ؛ ونَسْتَهْزِئُ بِهِمْ؛ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ؛ ونُسَخِّرُهُمْ؛ أيْ: نَسْتَخْدِمُهُمْ؛ عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ؛ وهم لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ؛ بَلْ كانُوا خَيْرًا مِنّا؛ فَلَمْ يَدْخُلُوا هُنا لِعَدَمِ شَرارَتِهِمْ؛ وكَأنَّهم إلى تَجْوِيزِ كَوْنِهِمْ في النّارِ مَعَهُمْ؛ ومَنعِهِمْ مِن رُؤْيَتِهِمْ؛ أمْيَلُ؛ فَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ؛ ناسِبِينَ خَفاءَهم عَنْهم إلى رَخاوَةٍ في أبْصارِهِمْ؛ عَلى قُوَّتِها في ذَلِكَ الحِينِ؛ فَقالُوا: ﴿أمْ زاغَتْ﴾؛ أيْ: مالَتْ مُتَجاوِزَةً؛ ﴿عَنْهُمُ﴾
ولَمّا كانَ (تَعالى) يُعِيدُ الخَلْقَ في القِيامَةِ عَلى غايَةِ الإحْكامِ في أبْدانِهِمْ؛ ومَعانِيها؛ فَتَكُونُ أبْصارُهم أحَدَّ ما يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ؛ وأنْفَذَهُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] عَدُّوا أبْصارَهم في الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَدَمًا؛ فَلِذَلِكَ عَرَّفُوا قَوْلَهُمْ: ﴿الأبْصارُ﴾؛ أيْ: مِنّا؛ الَّتِي لا أبْصارَ في الحَقِيقَةِ سِواها؛ فَلَمْ نَرَهم وهم فِينا؛ ومَعَنا في النّارِ؛ ولَكِنْ حَجَبَهم عَنّا بَعْضُ أوْدِيَتِها؛ وجِبالِها؛ ولَهَبِها؛ فَـ ”أمْ“؛ مُعادِلَةٌ لِجُمْلَةِ السُّخْرِيَةِ؛ وقَدْ (p-٤١٢)عُلِمَ بِهَذا التَّقْدِيرِ أنَّ مَعْنى الآيَةِ إلى انْفِصالٍ حَقِيقِيٍّ؛ مَعْناهُ: أهم مَعَنا أمْ لا؟ فَهي مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ؛ الَّذِي يَلْزَمُهُ - بِحُكْمِ العِنادِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ - عَدَمُ كَوْنِ المُسْتَسْخَرِ بِهِمْ مَعَهم في النّارِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا؛ وهو كَوْنُهم مَعَهم فِيها؛ وأثْبَتَ زَيْغَ الأبْصارِ ثانِيًا؛ اللّازِمَ مِنهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَوْنُهم مَعَهم في النّارِ؛ دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ أوَّلًا؛ وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مَعَهُمْ؛ وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ المَوْضِعَ لِتَحَسُّرِهِمْ؛ ولَوْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ في غَلَطِهِمْ؛ والَّذِي ذُكِرَ عَنْهم أقْعَدُ في ذَلِكَ.
38:64Page 457
إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤
Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا رائِعًا جِدًّا؛ زاجِرًا لِمَن لَهُ عَقْلٌ فَتَأمَّلَهُ مُجَرِّدًا لِنَفْسِهِ مِنَ الهَوى؛ وكانَتِ الجُدُودُ تَمْنَعُهم عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ؛ كانَ مَوْضِعًا لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ؛ الَّذِي تَقَدَّمَ الإخْبارُ بِهِ؛ ﴿لَحَقٌّ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ؛ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ؛ إذا وقَعَ مَضْمُونُهُ وافَقَ الواقِعَ مِنهُ هَذا الإخْبارُ عَنْهُ؛ ولَمّا كانَ أشَقُّ ما فِيهِ عَلَيْهِمْ؛ وأنْكَأُ؛ تَخاصُمَهَمْ؛ جَعَلَهُ هو المُخْبَرَ بِهِ وحْدَهُ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لَهُ؛ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَإٍ اسْتِئْنافًا؛ تَقْدِيرُهُ: ”هُوَ“ -: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾؛ لِأنَّهُ ما أنارَهُ لَهم إلّا الشَّرُّ؛ والنَّكَدُ؛ فَسُمِّيَ ”تَخاصُمًا“. (p-٤١٣)
38:65Page 457
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥
Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1
ولَمّا كانَتْ قَدْ جَرَتْ - عادَتُهم عِنْدَ التَّخْوِيفِ - أنْ يَقُولُوا: عَجِّلْ لَنا هَذا إنْ كُنْتَ صادِقًا فِيما ادَّعَيْتَ؛ ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا الإلَهُ؛ فَصارُوا كَأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ؛ قالَ (تَعالى) - مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ؛ آمِرًا لَهُ بِالجَوابِ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِمَن يَقُولُ لَكَ ذَلِكَ؛ ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾؛ أيْ: مُخَوِّفٌ لِمَن عَصى؛ ولَمْ أدَّعِ أنِّي إلَهٌ؛ لِيُطْلَبَ مِنِّي ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا الإلَهُ؛ فَهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلْمَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ؛ وأفْرَدَ قاصِرًا لِلصِّفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن إلَهٍ﴾؛ أيْ: مَعْبُودٍ بِحَقٍّ؛ لِكَوْنِهِ مُحِيطًا بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو أصْلُ الدِّينِ؛ لَفَتَ القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ؛ وأبْيَنَ؛ فَقالَ: ﴿إلا اللَّهُ﴾؛ ولِلْإحاطَةِ عَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ ولَوْ شارَكَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا؛ ولِلتَّفَرُّدِ قالَ - مُبَرْهِنًا عَلى ذَلِكَ -: ﴿الواحِدُ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ؛ أوْ يَكُونَ لَهُ شَبِيهٌ؛ فَيَكُونَ مُحْتاجًا مُكافِئًا؛ ﴿القَهّارُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَقْهَرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُ؛ وهَذا بُرْهانٌ عَلى أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ؛ وأنَّ آلِهَتَهم بَعِيدَةٌ عَنِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ؛ لِتَعَدُّدِها؛ وتَكافُئِها بِالمُشابَهَةِ؛ واحْتِياجِها.
38:66Page 457
رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2
ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: مُبْدِعُها؛ وحافِظُها؛ عَلى عُلُوِّها؛ وسَعَتِها؛ وإحْكامِها؛ بِما لَها مِنَ الزِّينَةِ؛ والمَنافِعِ؛ وجَمَعَ لِأنَّ المَقامَ لِلْقُدْرَةِ؛ وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى تَعَدُّدِها سَهْلٌ (p-٤١٤)﴿والأرْضِ﴾؛ عَلى سَعَتِها؛ وضَخامَتِها؛ وكَثافَتِها؛ وما فِيها مِنَ العَجائِبِ.
ولَمّا كانَ القائِلُ مُخَيَّرًا؛ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في الكافِيَةِ الشّافِيَةِ؛ عِنْدَ اخْتِلاطِ العُقَلاءِ بِغَيْرِهِمْ؛ في إطْلاقِ ما شاءَ مِن ”مَن“؛ الَّتِي أغْلَبُ إطْلاقِها عَلى العُقَلاءِ؛ و”ما“؛ الَّتِي هي بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ وكانَ رُبَّما وُقِعَ في وهْمِ أنَّ تَمَكُّنَهُ (تَعالى) مِنَ العُقَلاءِ دُونَ تَمَكُّنِهِ مِن غَيْرِهِمْ؛ لِما لَهم مِنَ الحِيَلِ الَّتِي يَحْتَرِزُونَ بِها عَنِ المَحْذُورِ؛ ويَنْظُرُونَ بِها في عَواقِبِ الأُمُورِ؛ أشارَ إلى أنَّ حُكْمَهُ فِيهِمْ كَحُكْمِهِ في غَيْرِهِمْ؛ مِن غَيْرِ فارِقٍ؛ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهم بِـ ”ما“؛ الَّتِي أصْلُها وأغْلَبُ اسْتِعْمالِها لِمَن لا يَعْقِلُ؛ وسِياقُ العَظَمَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ وآثارِها؛ دالٌّ عَلى دُخُولِها في العِبادَةِ قَطْعًا؛ فَقالَ: ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: الخافِقَيْنِ؛ مِنَ الفَضاءِ؛ والهَواءِ؛ وغَيْرِهِما مِنَ العَناصِرِ؛ والنَّباتِ؛ والحَيَواناتِ؛ العُقَلاءِ؛ وغَيْرِها؛ رَبّى كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ إيجادًا؛ وإبْقاءً؛ عَلى ما يُرِيدُ؛ وإنْ كَرِهَ ذَلِكَ المَرْبُوبُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى قَهْرِهِ؛ وتَفَرُّدِهِ في جَمِيعِ أمْرِهِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإنْذارِ؛ كَرَّرَ ما يَدُلُّ عَلى القَهْرِ؛ فَقالَ: ﴿العَزِيزُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَعِزُّ الوُصُولُ إلَيْهِ؛ ويَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ وكانَتْ دَلالَةُ الوَصْفَيْنِ العَظِيمَيْنِ عَلى الوَعِيدِ أظْهَرَ مِن إشْعارِها بِالوَعْدِ؛ كانَ مَوْضِعَ قَوْلِهِمْ: (p-٤١٥)فَما لَهُ لا يُعَجِّلُ بِالهَلاكِ لِمَن يُخالِفُهُ؟ فَقالَ: ﴿الغَفّارُ﴾؛ أيْ: المُكَرِّرُ سَتْرَهُ لِما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ حِلْمًا إلى وقْتٍ؛ الماحِي لَها بِالكُلِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَشاءُ مِنَ العِبادِ؛ كَما فَعَلَ مَعَ أكْثَرِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - حَيْثُ غَفَرَ لَهم ما اقْتَرَفُوهُ قَبْلَ الإسْلامِ.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا وحْدانِيَّتُهُ؛ وقُدْرَتُهُ؛ ولَمْ يَزَعْهم ذَلِكَ عَنْ ضَلالِهِمْ؛ ولا رَدَّهم عَنْ عُتُوِّهِمْ ومِحالِهِمْ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِأنْ يُقْبِلَ كُلُّ أحَدٍ عَلَيْهِ؛ ولا يَعْدِلَ أبَدًا عَنْهُ؛ قالَ - آمِرًا لَهُ بِما يُنَبِّهُهم عَلى عَظِيمِ خَطَئِهِمْ -: ﴿قُلْ هُوَ﴾؛ أيْ: هَذا الأمْرُ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكم مِنَ الأخْبارِ؛ عَنِ الماضِي؛ والآتِي مِنَ القِيامَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّخاصُمِ المَذْكُورِ؛ وغَيْرِها؛ والأحْكامِ؛ والمَواعِظِ؛ فَثَبَتَ بِمَضْمُونِهِ الوَحْدانِيَّةُ؛ وتَحَقَّقَ بِإعْجازِهِ؛ مَعَ ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ؛ وتَمامِ القُدْرَةِ؛ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؛ ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: خَبَرٌ يَفُوتُ الوَصْفَ في الجَلالِ والعِظَمِ؛ بِدَلالَةِ العِبارَةِ؛ والصِّفَةِ؛ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ؛ لا وعْيَ لَهُ؛ ولا شَيْءَ مِن رَأْيٍ.
ولَمّا كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أعْظَمُ النّاسِ إقْبالًا عَلى الغَرائِبِ؛ وتَنْقِيبًا عَنِ الدَّقائِقِ والجَلائِلِ مِنَ المَناقِبِ؛ بَكَّتَهم بِقَوْلِهِ - واصِفًا لَهُ -: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ﴾؛ (p-٤١٦)أيْ: خاصَّةً؛ لا عَنْ غَيْرِهِ؛ والحالُ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُهْمَلاتِ؛ ولَمّا كانَ أكْثَرُهم مُتَهَيِّئًا لِلْإسْلامِ؛ والرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرانِ؛ لَمْ يَقُلْ: ”مُدْبِرُونَ“؛ ولا ”تُعْرِضُونَ“؛ بَلْ قالَ: ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَكُمُ الإعْراضُ في هَذا الحِينِ؛ وقَدْ كانَ يَنْبَغِي لَكُمُ الإقْبالُ عَلَيْهِ خاصَّةً؛ والإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ السَّعادَةَ الكامِلَةَ؛ ولَوْ أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ بِالتَّدَبُّرِ لَعَلِمْتُمْ قَطْعًا صِدْقِي؛ وأنِّي ما أُرِيدُ بِكم إلّا السَّعادَةَ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ فَبادَرْتُمُ الإقْبالَ إلَيَّ؛ والقَبُولَ لِما أقُولُ.
38:69Page 457
مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩
I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].
ولَمّا قَصَرَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَلى الإنْذارِ؛ وكانُوا يُنازِعُونَ فِيهِ؛ ويَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ؛ دَلَّ عَلى صِدْقِهِ؛ وعَلى عَظِيمِ هَذا النَّبَإ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَ﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ كَما تَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِن حالِي؛ لَهُ إحاطَةٌ ما ﴿بِالمَلإ﴾؛ أيْ: الفَرِيقِ المُتَّصِفِ بِالشَّرَفِ؛ ﴿الأعْلى﴾؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ أهْلُ السَّماواتِ العُلا؛ وآدَمُ وإبْلِيسُ؛ وكَأنَّ مُخاطَبَةَ اللَّهِ لَهم كانَتْ بِواسِطَةِ مَلَكٍ؛ كَما هو ألْيَقُ بِالكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ فَصَحَّ أنَّ المُقاوَلَةَ بَيْنَ المَلَإ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ولَمّا أفْرَدَ وصْفَ المَلَإ؛ إيذانًا بِأنَّهم في الِاتِّفاقِ في عُلُوِّ رُتْبَةِ الطّاعَةِ كَأنَّهم شَيْءٌ واحِدٌ؛ جَمَعَ؛ لِئَلّا يُظَنَّ حَقِيقَةُ الوَحْدَةِ؛ فَقالَ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ: في شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوَّلِ خَلِيفَةٍ في الأرْضِ؛ (p-٤١٧)بَلِ الخَلِيفَةِ المُطْلَقِ؛ لِأنَّ خِلافَةَ أوْلادِهِ مِن خِلافَتِهِ؛ وفي الكَفّاراتِ الواقِعَةِ مِن بَيْنِهِ؛ كَما أنَّهُ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِأهْلِ النّارِ؛ إذْ يَخْتَصِمُونَ؛ ولا بِالخَصْمِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ (تَعالى) خَلِيفَةً في الأرْضِ؛ إذْ يَخْتَصِمُونَ؛ وقَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ عِلْمًا مُطابِقًا لِلْحَقِّ؛ بِشَهادَةِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ؛ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي لَمْ أُخالِطْ عالِمًا قَطُّ؛ فَهَذا عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ واضِحٌ في أنِّي لَمْ أعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِالوَحْيِ؛ لِكَوْنِي رَسُولَ اللَّهِ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالمُضارِعِ - وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ ومَضى مِن أوَّلِ الدَّهْرِ - تَذْكِيرًا بِذَلِكَ الحالِ؛ وإعْلامًا بِما هم فِيهِ الآنَ مِن مِثْلِهِ في الدَّرَجاتِ؛ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ؛ وعَبَّرَ في تَخاصُمِ أهْلِ النّارِ - وهو لَمْ يَأْتِ - بِالماضِي؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ وُقُوعَهُ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ؛ فَكَأنَّهُ وقَعَ؛ وفُرِغَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِن قَضائِهِ مَن لا يُرَدُّ لَهُ قَضاءٌ؛ لِأنَّهُ الواحِدُ؛ فَلا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا مُنازِعَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences