Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Sad 38:70–85
38:70Page 457
إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠
It has not been revealed to me except that I am a clear warner."
ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا في تَعَنُّتِهِمْ: فَلَعَلَّهُ مِثْلَما أُوحِيَ إلَيْكَ بِعِلْمِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ؛ يُوحى إلَيْكَ بِالقُدْرَةِ عَلى ما لَمْ تَكُنْ تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ فَتُعَجِّلَ لَنا المَوْتَ؛ ثُمَّ البَعْثَ؛ لِنَرى ما أخْبَرْتَنا بِهِ مِنَ التَّخاصُمِ مُصَوَّرًا؛ لَعَلَّنا نُصَدِّقُكَ فِيما أتَيْتَ بِهِ؛ قالَ - مُجِيبًا لَهُمْ؛ قاصِرًا لِلْوَحْيِ عَلى قَصْرِهِ عَلى النِّذارَةِ؛ وهي إبْلاغُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ؛ لا تَعْجِيلُ شَيْءٍ مِمّا تُوُعِّدُوا بِهِ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿يُوحى﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ (p-٤١٨)ذَلِكَ كافٍ في تَنْبِيهِهِمْ عَلى مَوْضِعِ الإشارَةِ في أنَّ دَعْواهُ إنَّما هي النُّبُوَّةُ؛ لا الإلَهِيَّةُ؛ ﴿إلَيَّ إلا﴾؛ ولَمّا كانَ الوَحْيُ قَوْلًا؛ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ ﴿أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾؛ أيْ: قَصْرِي عَلى النِّذارَةِ؛ لا أنِّي أُنْجِزُ ما يَتَوَعَّدُ بِهِ اللَّهُ؛ فَـ ”أنَّما“؛ مَفْعُولُ ”يُوحى“؛ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ في القِراءَتَيْنِ؛ وإنِ اخْتَلَفَ التَّوْجِيهانِ؛ فالتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالفَتْحِ: ”إلّا الإنْذارُ“؛ أوْ: ”إلّا كَوْنِي نَذِيرًا“؛ وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: ”إلّا هَذا القَوْلُ؛ وهو أنِّي أقُولُ لَكم كَذا“؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: لا أدَعُ لَبْسًا فِيما أُبَلِّغُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
38:71Page 457
إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١
[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.
ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ نَذِيرٌ؛ وأزالَ ما رُبَّما أوْرَدُوهُ عَلَيْهِ؛ أتْبَعَهُ ظَرْفَ اخْتِصامِ المَلَإ الأعْلى؛ أوْ بَدَلَ ”إذْ“؛ الأُولى؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿قالَ﴾؛ ودَلَّ عَلى أنَّ هَذا كُلَّهُ إحْسانٌ إلَيْهِ؛ وإنْعامٌ عَلَيْهِ؛ بِذِكْرِ الوَصْفِ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ - ولَفَتَ القَوْلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أقْعَدُ في المَدْحِ؛ وأدَلُّ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؛ كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] - دَلِيلًا يُوهِمُ أنَّهُ ظَرْفٌ لِـ ”يُوحى“؛ أوْ لِـ ”نَذِيرٌ“؛ فَقالَ: ﴿رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ خَيْرَ المَخْلُوقِينَ؛ وأكْرَمَهم عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أعْطاكَ الكَوْثَرَ؛ وهو كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ تَحْتاجَ إلَيْهِ؛ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ وهُمُ المَلَأُ الأعْلى؛ وإبْلِيسُ مِنهُمْ؛ (p-٤١٩)لِأنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ مَعَهُمْ؛ وفي عِدادِهِمْ؛ ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما دَلَّهم عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ اللَّهِ؛ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ أنَّ البَشَرَ يَقَعُ مِنهُ الفَسادُ؛ فَكانُوا يُبْعِدُونَ أنْ يَخْلُقَ - سُبْحانَهُ - مَن فِيهِ فَسادٌ؛ لِأنَّهُ الحَكِيمُ؛ الَّذِي لا حَكِيمَ سِواهُ؛ أكَّدَ لَهم - سُبْحانَهُ - قَوْلَهُ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾؛ أيْ: شَخْصًا ظاهِرَ البَشَرَةِ؛ لا ساتِرَ لَهُ مِن رِيشٍ؛ ولا شَعْرٍ؛ ولا غَيْرِهِما؛ لِيَكُونَ التَّأْكِيدُ دَلِيلًا عَلى ما مَضى مِن مُراجَعَتِهِمْ لِلَّهِ (تَعالى)؛ الَّتِي أشارَ إلَيْها بِالِاخْتِصامِ؛ وبَيَّنَ أصْلَهُ بِقَوْلِهِ - مُعَلِّقًا بِـ ”خالِقٌ“؛ أوْ بِوَصْفِ بَشَرٍ -: ﴿مِن طِينٍ﴾؛ أجْعَلُهُ خَلِيفَتِي في الأرْضِ؛ وإنْ كانَ في ذَلِكَ فَسادٌ؛ لِأنِّي أُرِيدُ أنْ أُظْهِرَ حِلْمِي؛ ورَحْمَتِي؛ وعَفْوِي؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن صِفاتِي الَّتِي لا يَحْسُنُ في الحِكْمَةِ إظْهارُها إلّا مَعَ الذُّنُوبِ: «”لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا فَتَسْتَغْفِرُوا لَجاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ“؛» قالَ القُشَيْرِيُّ: وإخْبارُهُ لِلْمَلائِكَةِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ مِنَ الكَوْنَيْنِ؛ والجَنَّةِ؛ والنّارِ؛ والعَرْشِ؛ والكُرْسِيِّ؛ والمَلائِكَةِ؛ ولَمْ يَقُلْ في صِفَةِ شَيْءٍ مِنها ما قالَهُ في صِفَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأوْلادِهِ؛ ولَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ لِشَيْءِ غَيْرِهِ.
38:72Page 457
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢
So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
ولَمّا أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾؛ أيْ: هَيَّأْتُهُ بِإتْمامِ خَلْقِهِ لِما يُرادُ مِنهُ مِن قَبُولِ الرُّوحِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ؛ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾؛ فَصارَ حَسّاسًا مُتَنَفِّسًا؛ شَبَّهَ - سُبْحانَهُ - إفاضَتَهُ الرُّوحَ؛ بِما يَتَأثَّرُ عَنْ نَفْخِ الإنْسانِ مِن لَهَبِ النِّيرانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّحْرِيكِ؛ والإسْكانِ؛ والزِّيادَةِ؛ والنُّقْصانِ؛ وأضافَهُ - سُبْحانَهُ - إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ (p-٤٢٠)﴿فَقَعُوا لَهُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿ساجِدِينَ﴾؛ أيْ: اسْجُدُوا لَهُ؛ لِلتَّكْرِمَةِ؛ امْتِثالًا لِأمْرِي؛ سُجُودًا هو بِغايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الطَّواعِيَةِ؛ والِاخْتِيارِ؛ والمَحَبَّةِ؛ لِتَكُونُوا كَأنَّكم وقَعْتُمْ بِغَيْرِ اخْتِيارٍ؛ فَفَعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ - سُبْحانَهُ - مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ فِعْلَهُمْ؛ مَعَ جَوازِ تَأْنِيثِهِ؛ فَقالَ:
38:73Page 457
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣
So the angels prostrated - all of them entirely,
﴿فَسَجَدَ﴾؛ أيْ: عِنْدَما نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ عَلى ما أمَرَهُمُ اللَّهُ؛ ولَمّا كانَ إسْنادُ الخَبَرِ إلى الجَمِيعِ قَدْ يُرادُ بِهِ أكْثَرُهُمْ؛ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّهُمْ﴾؛ إرادَةً لِرَفْعِ المَجازِ.
ولَمّا كانَ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ واحِدٌ مَثَلًا؛ أوْ قَلِيلٌ لا يُعْبَأُ بِهِمْ؛ لِضَعْفٍ؛ أوْ نَحْوِهِ؛ رَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجْمَعُونَ﴾؛ مَعَ إفادَةِ أنَّ السُّجُودَ كانَ في آنٍ واحِدٍ؛ إعْلامًا بِشِدَّةِ انْقِيادِهِمْ؛ وحُسْنِ تَأهُّبِهِمْ لِلطّاعَةِ؛ واسْتِعْدادِهِمْ؛
38:74Page 457
إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.
ثُمَّ زادَ في إيضاحِ العُمُومِ بِالِاسْتِثْناءِ؛ الَّذِي هو مِعْيارُهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ الإبْلاسِ؛ وهو انْقِطاعُ الرَّجاءِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ في أوَّلِ خِطابِ اللَّهِ لَهُ بِالإنْكارِ عَلَيْهِ؛ عَلى كَيْفِيَّةٍ عُلِمَ مِنها تَأبُّدُ الغَضَبِ عَلَيْهِ؛ وتَحَتُّمُ العُقُوبَةِ لَهُ.
ولَمّا عُرِفَ بِالِاسْتِثْناءِ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ؛ وكانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى اسْتِكْبارِ الكَفَرَةِ؛ بِكَوْنِهِمْ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ بَيَّنَ أنَّ المانِعَ لَهُ مِنَ السُّجُودِ (p-٤٢١)الكِبْرُ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ مُقْتَصِرًا في شَرْحِ الِاخْتِصامِ عَلَيْهِ؛ وعَلى ما يَتَّصِلُ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾؛ أيْ: طَلَبَ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِن أنْ يُؤْمَرَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ وأوْجَدَ الكِبْرَ عَلى أمْرِ اللَّهِ؛ وكانَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ كَما اسْتَكْبَرْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ عَلى رَسُولِنا؛ وسَنَرْفَعُ رَسُولَنا ﷺ؛ كَما رَفَعْنا آدَمَ صَفِيَّنا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ عَلى مَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ السُّجُودِ لَهُ؛ ونَجْعَلُهُ خَلِيفَةَ هَذا الوُجُودِ؛ كَما جَعَلْنا آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأشَرْنا إلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِافْتِتاحِها بِخَلِيفَةٍ؛ واخْتِتامِها بِخَلِيفَةٍ؛ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِكْرِ كُلٍّ مِن أحْوالِهِما.
ولَمّا كانَ الفِعْلُ الماضِي رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ حَدَثَ فِيهِ وصْفٌ لَمْ يَكُنْ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَكَفَرَ بِذَلِكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - بَيانًا لِأنَّهُ جُبِلَ عَلى الكُفْرِ؛ ولَمْ يَحْدُثْ مِنهُ إلّا ظُهُورُ ذَلِكَ لِلْخَلْقِ - قَوْلَهُ: ﴿وكانَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقًا في وصْفِ الكُفْرِ؛ الَّذِي مَنشَؤُهُ الكِبْرُ عَلى الحَقِّ؛ المُسْتَلْزِمُ لِلذُّلِّ لِلْباطِلِ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ فِعْلَ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى فِعْلِ الكُفْرِ ثانِيًا؛ ووَصْفَ الكُفْرِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى وصْفِ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا؛ وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أقْعَدُ في التَّحْذِيرِ بِأنَّ مَن وقَعَ مِنهُ كِبْرٌ جَرَّهُ إلى الكُفْرِ.
38:75Page 457
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
ولَمّا كانَ مَن خالَفَ أمْرَ المَلِكِ جَدِيرًا بِأنْ يَحْدُثَ إلَيْهِ أمْرٌ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنهُ؛ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ لِما كانَ مِنَ المَلِكِ إلَيْهِ؛ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَحَلِّ البُعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا﴾؛ وبَيَّنَ يَأْسَهُ مِنَ (p-٤٢٢)الرَّحْمَةِ؛ وأنَّهُ لا جَوابَ لَهُ أصْلًا؛ بِتَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إبْلِيسُ ما﴾ أيْ؛ أيُّ شَيْءٍ؛ ﴿مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾؛ وبَيَّنَ ما يُوجِبُ طاعَتَهُ؛ ولَوْ أمَرَ بِتَعْظِيمِ ما لا يَعْقِلُ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ عَمَّنْ كانَ عِنْدَ السُّجُودِ لَهُ عاقِلًا؛ كامِلَ العَقْلِ -: ﴿لِما خَلَقْتُ﴾؛ فَأنا العالِمُ بِهِ؛ وبِما يَسْتَحِقُّهُ؛ دُونَ غَيْرِي؛ وما أمَرْتُ بِالسُّجُودِ لَهُ إلّا لِحِكْمَةٍ في الأمْرِ؛ وابْتِلاءٍ لِلْغَيْرِ؛ وأكَّدَ بَيانَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اليَدِ؛ وتَثْنِيَتِها؛ فَقالَ: ﴿بِيَدَيَّ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ مِن بَيْنِ هَذا النَّوْعِ؛ وما ذاكَ إلّا لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ؛ والمُرادُ بِاليَدِ هُنا صِفَةٌ شَرِيفَةٌ؛ غَيْرُ النِّعْمَةِ؛ والقُدْرَةِ؛ مَعْلُومَةٌ لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ ولِمَن تَبَحَّرَ في عِلْمَيِ اللُّغَةِ؛ والسُّنَّةِ؛ خَصَّ بِها خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفًا لَهُ؛ وفي تَثْنِيَةِ اليَدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ رُبَّما أظْهَرَ فِيهِ مَعانِيَ الشِّمالِ؛ وإنْ كانَ كُلٌّ مِن يَدَيْهِ مُبارَكًا؛ ثُمَّ قَسَّمَ المانِعَ إلى طَلَبِ العُلُوِّ؛ ووُجُودِ العُلُوِّ؛ مَعَ الإنْكارِ عَلَيْهِ في الِاسْتِنادِ إلى شَيْءٍ مِنهُما؛ فَقالَ - في صِيغَةِ اسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ؛ مَعَ الإنْكارِ؛ والتَّقْرِيعِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لا مَحالَةَ؛ زِيادَةً عَلى ما كَفَرَ بِهِ أنْ يَكُونَ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ -: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾؛ أيْ: طَلَبْتَ أنْ تَكُونَ أعْلى مِنهُ؛ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ دُونَهُ؛ فَأنْتَ بِذَلِكَ ظالِمٌ؛ فَكُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ؛ العَرِيقِينَ في وصْفِ الظُّلْمِ؛ فَإنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى أدْناهُ؛ أوْشَكَ أنْ يَصِلَ إلى أعْلاهُ؛ ﴿أمْ كُنْتَ﴾؛ أيْ: بِما لَكَ مِنَ الجِبِلَّةِ الرّاسِخَةِ؛ ﴿مِنَ العالِينَ﴾؛ أيْ: الكُبَراءِ؛ المُسْتَحِقِّينَ لِلْكِبْرِ؛ وأنا لا أعْلَمُ ذَلِكَ؛ فَنَقَصْتُكَ مِن مَنزِلَتِكَ؛ فَكُنْتُ جائِرًا في أمْرِي (p-٤٢٣)لَكَ بِما أمَرْتُكَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ عَلَوْتَ بِنَفْسِكَ فَلَمْ تَسْجُدْ لَهُ؛ هَذا المُرادُ؛ لا ما يَقُولُهُ بَعْضُ المَلاحِدَةِ مِن أنَّ العالِينَ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَسْجُدُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ في العُمُومِ المُؤَكَّدِ هَذا التَّأْكِيدَ العَظِيمَ؛ وفي تَفْسِيرِ العُلَماءِ لَهُ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ فِعْلُ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا عَلى فِعْلِ العُلُوِّ ثانِيًا؛ ووَصْفُ العُلُوِّ ثانِيًا عَلى وصْفِ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا؛ وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ إنْكارَ الفِعْلِ المُطْلَقِ مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِ المُقَيَّدِ؛ لِأنَّهُ المُطْلَقُ بِزِيادَةٍ؛ وإنْكارُ الوَصْفِ مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ جُزْؤُهُ؛ مَعَ أنَّ إنْكارَ الفِعْلِ مِن هَذا مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِ الفِعْلِ مِن ذاكَ؛ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَدْلُولًا عَلى إنْكارِهِ مَرَّتَيْنِ؛ تارَةً بِإنْكارِ فِعْلِ عَدِيلِهِ؛ وأُخْرى بِإنْكارِ وصْفِهِ نَفْسِهِ؛ والوَصْفانِ كَذَلِكَ؛ وفِعْلُ الكِبْرِ أجْدَرُ بِالإنْكارِ مِن فِعْلِ العُلُوِّ؛ و”أمْ“؛ مُعادِلَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ وإنْ حُذِفَتْ مِن قِراءَةِ بَعْضِهِمْ؛ لِدَلالَةِ ”أمْ“ عَلَيْها؛ وإنِ اخْتَلَفَ الفِعْلُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ: ”أضَرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ“؛ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما؛ لا تَدْرِي أيَّهُما كانَ؛ ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: ”أيُّ ذَلِكَ كانَ“؛ انْتَهى.
38:76Page 457
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
(p-٤٢٤)ولَمّا صَدَعَهُ - سُبْحانَهُ - بِهَذا الإنْكارِ؛ دَلَّ عَلى إبْلاسِهِ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالَ﴾؛ مُدَّعِيًا لِأنَّهُ مِنَ العالِينَ؛ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾؛ أيْ: فَلا حِكْمَةَ في أمْرِي بِالسُّجُودِ لَهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما ادَّعاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾؛ أيْ: وهي في غايَةِ القُوَّةِ؛ والإشْراقِ؛ ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾؛ أيْ: وهو في غايَةِ الكُدُورَةِ؛ والضَّعْفِ؛
38:77Page 457
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
واسْتُؤْنِفَ بَيانُ ما حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ جَوابِهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعْرِضًا عَنِ القَدْحِ في جَوابِهِ؛ لِظُهُورِ سُقُوطِهِ؛ بِأنَّ المَخْلُوقَ المَرْبُوبَ لا اعْتِراضَ لَهُ عَلى رَبِّهِ بِوَجْهٍ -: ﴿قالَ فاخْرُجْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَكَبُّرِكَ؛ ونِسْبَتِكَ الحَكِيمَ الَّذِي لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إلى الجَوْرِ؛ ﴿مِنها﴾؛ أيْ: مِنَ الجَنَّةِ؛ مَحَلِّ الطُّهْرِ عَنِ الأدْواءِ الظّاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ادِّعاءِ أنَّهُ أهْلٌ لِأقْرَبِ القُرْبِ -: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾؛ أيْ: مُسْتَحِقٌّ لِلطَّرْدِ؛ والرَّجْمِ؛ وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ؛ الَّذِي هو لِلْمُبالَغَةِ في الطَّرْدِ.
38:78Page 457
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
ولَمّا كانَ الطَّرْدُ قَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يَسِيرٍ؛ بَيَّنَ أنَّهُ دائِمٌ؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى الإعْلامِ بِما في نَفْسِهِ مِن مَزِيدِ الكِبْرِ -: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِلتَّكَلُّمِ في غَيْرِ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لَمْ يَأْتِ بِلامِ الكَلامِ؛ بِخِلافِ ”الحِجْرِ“؛ فَقالَ: ﴿لَعْنَتِي﴾؛ أيْ: إبْعادِي؛ مَعَ الطَّرْدِ؛ والخِزْيِ؛ والهَوانِ؛ والذُّلِّ؛ مُسْتَعْلِيًا ذَلِكَ عَلَيْكَ دائِمًا؛ قاهِرًا لَكَ؛ لا تَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ (p-٤٢٥)عَنْهُ بِوَجْهٍ؛ وأمّا غَيْرُكَ فَلا يَتَعَيَّنُ لِلَّعْنِ؛ بَلْ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجاءِ؛ والخَوْفِ؛ لا عِلْمَ لِلْخَلائِقِ بِأنَّهُ مَقْطُوعٌ بِلَعْنَةٍ؛ ما دامَ حَيًّا؛ إلّا مَن أخْبَرَ عَنْهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ؛ ثُمَّ غَيّا هَذا اللَّعْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أيْ: فَإذا جاءَ ذَلِكَ اليَوْمُ أخَذَ في المُجازاةِ لِكُلِّ عامِلٍ بِما عَمِلَ؛ ولَمْ يَبْقَ لِمُذْنِبٍ وقْتٌ يَتَدارَكُ فِيهِ ما فاتَهُ؛ وحِينَئِذٍ يُعْلَمُ أهْلُ الِاسْتِحْقاقِ لِلَّعْنِ كُلُّهُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ عِلْمُ ذَلِكَ خاصًّا بِإبْلِيسَ؛ بَلْ يَقَعُ العِلْمُ بِجَمِيعِ أهْلِ اللَّعْنَةِ؛ فالغايَةُ لِعِلْمِ الِاخْتِصاصِ بِاللَّعْنِ؛ لا لِلَّعْنِ.
38:79Page 457
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
ولَمّا كانَ ذَلِكَ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِنهُ؛ فَأخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِهِ؛ في سِياقٍ مُعْلِمٍ أنَّهُ مَنَعَهُ التَّوْفِيقَ؛ فَلَمْ يَسْألِ التَّخْفِيفَ؛ ولا عَطَفَ نَحْوَ التَّوْبَةِ؛ بَلْ أدْرَكَهُ الخِذْلانُ بِالتَّمادِي في الطُّغْيانِ؛ فَطَلَبَ ما يَزْدادُ بِهِ لَعْنَةً؛ مِنَ الإضْلالِ؛ والإعْراقِ في الضَّلالِ؛ ضِدَّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَقالَ - ذاكِرًا صِفَةَ الإحْسانِ؛ والتَّسْبِيبَ لِسُؤالِ الإنْظارِ؛ لِما جَرَّأهُ عَلَيْهِما مِن ظاهِرِ العِبارَةِ؛ في أنَّ اللَّعْنَةَ مُغَيّاةٌ بِيَوْمِ الدِّينِ -: ﴿قالَ رَبِّ﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِإيجادِي؛ وجَعْلِي في عِدادِ المَلائِكَةِ الكِرامِ؛ ﴿فَأنْظِرْنِي﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما عَذَّبْتَنِي بِهِ مِنَ الطَّرْدِ؛ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ؛ الَّذِينَ تَبْعَثُهم بِبَعْثِ جَمِيعِ الخَلائِقِ؛
38:80Page 457
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
﴿قالَ﴾؛ مُؤَكِّدًا لِأنَّ (p-٤٢٦)مِثْلَ ذَلِكَ في خَرْقِهِ لِلْعادَةِ لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ؛ ﴿فَإنَّكَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا السُّؤالِ؛ ﴿مِنَ المُنْظَرِينَ﴾؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا الإنْظارِ لِغَيْرِهِ أيْضًا.
ولَمّا دَبَجَ في عِبارَتِهِ بِما يَقْتَضِي السُّؤالَ في ألّا يَمُوتَ؛ فَإنَّ يَوْمَ البَعْثِ ظَرْفٌ لِفَيْضِ الحَياةِ؛ لا لِغَيْضِها؛ ولِبَسْطِها؛ لا لِقَبْضِها؛ مَنَعَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ﴾؛ ولَمّا كانَ تَدْبِيجُهُ في السُّؤالِ قَدْ أفْهَمَ تَجاهُلَهُ بِما هو أعْلَمُ الخَلْقِ بِهِ؛ مِن تَحَتُّمِ المَوْتِ لِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ في دارِ الخُلْدِ؛ الَّذِي أبْلَغَ اللَّهُ (تَعالى) في الإعْلامِ بِهِ؛ قالَ: ﴿المَعْلُومِ﴾؛ وهو الصَّعْقَةُ الأُولى؛ وما يَتْبَعُها.
38:82Page 457
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الإجابَةُ سَبَبًا لِأنْ يَخْضَعَ؛ ويُنِيبَ شُكْرًا عَلَيْها؛ وأنْ يَطْغى؛ ويَتَمَرَّدَ؛ ويَخِيبَ؛ لِأنَّها تَسْلِيطٌ؛ وتَهْيِئَةٌ لِلشَّرِّ؛ فاسْتَشْرَفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَكُونُ مِن هَذَيْنِ المُسَبِّبَيْنِ؛ عَرَّفَ أنَّهُ مَنَعَهُ الخِذْلانُ مِنَ اخْتِيارِ الإحْسانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾؛ أيْ: الَّتِي أبَتْ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِكَ فِعْلٌ لا بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ؛ ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: ذُرِّيَّةَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿أجْمَعِينَ﴾؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَوْ عَرَفَ عِزَّتَهُ لَما (p-٤٢٧)أقْسَمَ بِها عَلى مُخالَفَتِهِ.
ولَمّا كانَ عالِمًا بِأنَّ القادِرَ ما خَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وشَرَّفَهُ بِما شَرَّفَهُ بِهِ؛ لِيُشْقِيَ ذُرِّيَّتَهُ كُلَّهُمْ؛ قالَ: ﴿إلا عِبادَكَ﴾؛ فَأضافَهم إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ غَيْرَهم قَدِ انْسَلَخُوا مِنَ التَّشَرُّفِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أطاعُوهُ؛ ولَمّا كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِن غَيْرِ البَشَرِ؛ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) لِطاعَتِهِ؛ فَأخْلَصُوا قَصْدَهم لَها؛ وعُرِفَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ أنَّهم قَلِيلٌ؛ وأنَّ الغُواةَ هُمُ الأصْلُ.
38:84Page 458
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
ولَمّا حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلى جَوابِهِ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فالحَقُّ﴾؛ أيْ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ؛ وغَوايَتِهِمْ؛ أقُولُ الحَقَّ؛ ﴿والحَقَّ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ أبَدًا؛ ﴿أقُولُ﴾؛ أيْ: لا أقُولُ إلّا الحَقَّ؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ قُلْتُهُ ثَبَتَ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى نَقْضِهِ؛ ولا نَقْصِهِ؛ ولَمّا كانَتْ إجابَتُهُ بِالإنْظارِ رُبَّما كانَتْ سَبَبًا لِطَمَعِهِ في الخَلاصِ؛ قَطَعَ رَجاءَهُ بِما أبْرَزَهُ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ؛ مِن قَوْلِهِ - جَوابًا لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ؛ وبَيانًا لِلْحَقِّ؛ وفي قِراءَةِ عاصِمٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِرَفْعِ ”فالحَقُّ“؛ يَكُونُ هو المُقْسَمُ بِهِ؛ أيْ: فالحَقُّ قَسَمِي؛ والجَوابُ:
38:85Page 458
لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥
[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."
﴿لأمْلأنَّ﴾؛ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُبَيِّنٌ أنَّ هَذا مِمّا لا يُخْلَفُ أصْلًا؛ ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: النّارَ العَظِيمَةَ؛ الَّتِي مِن شَأْنِها تَجَهُّمُ مَن حُكِمَ بِدُخُولِهِ إيّاها؛ ﴿مِنكَ﴾؛ أيْ: نَفْسِكَ؛ وكُلِّ مَن كانَ عَلى شاكِلَتِكَ؛ مِن جِنْسِكَ؛ مِن (p-٤٢٨)جَمِيعِ الجِنِّ؛ ﴿ومِمَّنْ﴾؛ ولَمّا كانَ الأغْلَبُ عَلى سِياقاتِ هَذِهِ السُّورَةِ سَلامَةُ العاقِبَةِ؛ كانَ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في ”تَبِعَ“؛ أوْلى؛ ولِيُفْهَمَ الحُكْمُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ؛ ثُمَّ الحُكْمُ عَلى المَجْمُوعِ؛ فَقالَ: ﴿تَبِعَكَ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ المالِئَ لِجَهَنَّمَ مِن غَيْرِ البَشَرِ؛ قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: النّاسِ الَّذِينَ طَلَبْتَ الإمْهالَ لِأجْلِهِمْ؛ وأكَّدَ ضَمِيرَ ”مِنكَ“؛ والمَوْصُولَ في ”مِمَّنْ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أجْمَعِينَ﴾؛ لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ أحَدٍ مِنكُمْ؛ وهَذا الخِصامُ الَّذِي بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ كانَ بَيْنَ المَلَإ الأعْلى؛ كانَ سَبَبًا لَهم إلى انْكِشافِ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّ السُّجُودَ؛ والتَّحِيّاتِ؛ والِاسْتِغْفارَ؛ والكَفّاراتِ؛ سَبَبُ الوُصُولِ إلى اللَّهِ؛ والقُرُباتِ؛ فَصارُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَخْتَصِمُونَ فِيها؛ فَكانَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ سَبَبًا لِإطْلاعِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أسْرارِ المُلْكِ؛ والمَلَكُوتِ؛ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ - وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ - والدّارِمِيُّ؛ والبَغَوِيُّ؛ في تَفْسِيرِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنِّي نَعَسْتُ؛ فاسْتَثْقَلْتُ (p-٤٢٩)نَوْمًا؛ فَأتانِي رَبِّي - وفي رِوايَةٍ: آتٍ مِن رَبِّي - في أحْسَنِ صُورَةٍ؛ فَقالَ لِي: (يا مُحَمَّدُ)؛ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي؛ وسَعْدَيْكَ؛ قالَ: (هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟)؛ فَقُلْتُ: لا يا رَبُّ - وفي رِوايَةٍ: قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ أيْ رَبِّ“مَرَّتَيْنِ”- قالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتّى وجَدْتُ بَرَدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ - أوْ قالَ: نَحْرِي - فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ“؛ وفي رِوايَةٍ: ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ”؛ وفي رِوايَةِ الدّارِمِيِّ؛ والبَغَوِيِّ:“ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ قالَ: (يا مُحَمَّدُ؛ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟)؛ قُلْتُ: نَعَمْ؛ في الدَّرَجاتِ؛ والكَفّاراتِ؛ قالَ: (وما هُنَّ؟)؛ قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ؛ والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ؛ وإسْباغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ - وفي رِوايَةٍ: ”فِي السَّبْراتِ -؛ وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ قالَ: (مَن فَعَلَ ذاكَ عاشَ بِخَيْرٍ؛ وماتَ بِخَيْرٍ؛ وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ)؛ وقالَ: (يا مُحَمَّدُ)؛ قُلْتُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ؛ قالَ: (إذا صَلَّيْتَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ؛ وتَرْكَ المُنْكَراتِ؛ وحُبَّ المَساكِينِ؛ وأنْ تَغْفِرَ لِي؛ وتَرْحَمَنِي؛ وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً فاقْبِضْنِي إلَيْكَ (p-٤٣٠)غَيْرَ مَفْتُونٍ)؛ قالَ: (والدَّرَجاتُ: إفْشاءُ السَّلامِ؛ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ)؛» قالَ المُنْذِرِيُّ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ؛ و“السَّبْراتُ”؛ بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ؛ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ: جَمْعُ“سَبْرَةٌ”؛ وهي شِدَّةُ البَرْدِ؛ وعَزاهُ شَيْخُنا في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الفِرْدَوْسِ إلى أحْمَدَ؛ والتِّرْمِذِيِّ؛ عَنْ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا؛ وقالَ: وفي البابِ عَنْ ثَوْبانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ أحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ؛ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ وأبِي رافِعٍ؛ وأبِي أُمامَةَ؛ وأبِي عُبَيْدَةَ؛ وأُسامَةَ؛ وجابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ؛ وأُسامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ؛ وأنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عِنْدَ أحْمَدَ؛ فَهَذا اخْتِصامٌ سَبَّبَ العِلْمُ بِتَفاصِيلِهِ الِاخْتِصامَ الأوَّلَ؛ وهو ما في شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ والعِلْمُ المَوْهُوبُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ السُّؤالِ عَنْ هَذا الِاخْتِصامِ؛ كالعِلْمِ المَوْهُوبِ لِأبِيهِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاخْتِصامِ؛ وهَذا الِاخْتِصامُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو اخْتِلافُهم في مَقادِيرِ جَزاءِ العامِلِينَ مِنَ الثَّوابِ المُشارِ إلَيْهِ بِالدَّرَجاتِ؛ الحامِلِ عَلَيْها العَقْلُ الدّاعِي إلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ والعِقابِ المُشارِ إلَيْهِ بِالكَفّاراتِ؛ الدّاعِي إلى أسْبابِها الوَساوِسُ الشَّيْطانِيَّةُ الرّادَّةُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ؛ الَّتِي سَألَ إبْلِيسُ الإنْظارَ لِأجْلِها؛ وسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ في (p-٤٣١)مَقادِيرِ الجَزاءِ اخْتِلافُ مَقادِيرِ الأعْمالِ الباطِنَةِ؛ مِن صِحَّةِ النِّيّاتِ؛ وقُوَّةِ العَزائِمِ؛ وشِدَّةِ المُجاهَداتِ؛ ولِينِها؛ عَلى حَسَبِ دَواعِي الحُظُوظِ والشَّهَواتِ الَّتِي كانَ سَبَبُ عِلْمِهِمْ بِها الِاخْتِصامُ في أمْرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما نَشَأ عَنْهُ تَفْصِيلُهُ بِأُمُورٍ دَقِيقَةِ المَأْخَذِ؛ المُظْهِرَةِ لِأنَّ الفَضْلَ لَيْسَ بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ؛ وإنَّما هو بِما يَهَبُهُ اللَّهُ مِنَ الأُمُورِ الباطِنَةِ؛ وسُمِّيَ تَقاوُلُهم في ذَلِكَ اخْتِصامًا؛ دَلالَةً عَلى عَظَمَةِ ما تَقاوَلُوا فِيهِ؛ لِأنَّ الخُصُومَةَ لا تَكُونُ إلّا بِسَبَبِ أمْرٍ نَفِيسٍ؛ فالمَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولٌ بِما أُقِيمُ فِيهِ مِنَ الخِدْمَةِ؛ فَلَيْسَ بَيْنَهم تَقاوُلٌ يَكُونُ بِغايَةِ الجِدِّ والرَّغْبَةِ؛ كَما هو شَأْنُ الخِصامِ؛ إلّا في هَذا؛ لِشِدَّةِ عَجَبِهِمْ مِنهُ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن صُعُوبَةِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى الآدَمِيِّ؛ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّواغِلِ والصَّوارِفِ عَنْها؛ بِما وهَبَهُمُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ؛ جَزاءً لِانْقِيادِهِمْ لِلطّاعَةِ بِالسُّجُودِ بَعْدَ ذَلِكَ الخِصامِ؛ فَنُزُوعُ الآدَمِيِّ عَنْ صَوارِفِهِ وحُظُوظِهِ إلى ما لِلْمَلائِكَةِ مِنَ الصُّفُوفِ في الطّاعَةِ والإعْراضِ أصْلًا عَنِ المَعْصِيَةِ؛ غايَةٌ في العَجَبِ؛ وعَلِمُهُ ﷺ لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ عِلْمٌ عامٌّ؛ لِما كانَ في حِينِ الرُّؤْيا؛ ظَهَرَ لَهُ بِهِ مَلَكُوتُهُما؛ ونِسْبَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ إلى عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ كالنِّسْبَةِ الَّتِي ذَكَرَها الخَضِرُ لِمُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - في نَقْرَةِ العُصْفُورِ مِنَ البَحْرِ؛ والَّذِي ذَكَرَهُ العُلَماءُ في ذَلِكَ أنَّهُ تَقْرِيبٌ لِلْأفْهامِ؛ فَإنَّهُ لا نِسْبَةَ في الحَقِيقَةِ لِعِلْمِ أحَدٍ مِن عِلْمِهِ (تَعالى)؛ ولا بِنَقْصِ عِلْمِهِ أصْلًا - سُبْحانَهُ - عَمّا يُلِمُّ بِنَقْصٍ؛ أوْ يُدْنِي إلى وهَنٍ: ﴿قُلْ (p-٤٣٢)لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ [المائدة: ١٠٩] ويُقالُ لِلنَّبِيِّ ﷺ في ناسٍ اخْتَلَجُوا دُونَهُ عَنْ حَوْضِهِ: «“إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ”؛ فَيَقُولُ:“فَسُحْقًا سُحْقًا"».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences