Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Sad 38:86–88
38:86Page 458
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ ٨٦
Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., the Qur’ān] any payment, and I am not of the pretentious.
ولَمّا تَمَّ ما أرادَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ لَهم نَبَأٌ عَظِيمٌ؛ هم عَنْهُ مُعْرِضُونَ؛ بِما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الغَيْبِ؛ مَعَ ما لَهُ مِنَ الإعْجازِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ ما اقْتَضى أنَّهُ صادِقٌ في نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وخَتَمَ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ اتِّباعِ إبْلِيسَ؛ أمَرَهُ بِالبَراءَةِ مِن طَرِيقِهِ؛ وأنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ ما قَدْ يَحْمِلُ عَلى التَّقَوُّلِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِأُمَّتِكَ؛ ﴿ما أسْألُكُمْ﴾؛ سُؤالًا مُسْتَعْلِيًا؛ وعَلَّقَ بِهِ؛ لا بِـ ”أجْرٍ“؛ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى التَّبْلِيغِ؛ والإنْذارِ؛ مِمّا أنْتُمْ مُتَعَرِّضُونَ لَهُ مِنَ الهَلاكِ بِالإعْراضِ؛ فَأداةُ الِاسْتِعْلاءِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ سُؤالِ المَوَدَّةِ في القُرْبى؛ وحُسْنِ الِاتِّباعِ؛ فَإنَّهُما مَسْؤُولانِ؛ وهُما رُوحُ الدِّينِ؛ ولَكِنَّ سُؤالَهُما لَيْسَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الإبْلاغِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُما لَوِ انْتَفَيا انْتَفى؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْرٍ﴾؛ أيْ: فَيَكُونَ لَكم في الرَّدِّ شُبْهَةٌ؛ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾؛ أيْ: المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ مِن قَوْلٍ؛ (p-٤٣٣)ولا فِعْلٍ؛ الَّذِينَ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم تَزْوِيرَ الكَلامِ؛ والتَّصَنُّعَ فِيهِ؛ وتَرْتِيبَهُ عَلى طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ؛ بِنَظْمٍ؛ أوْ نَثْرِ سَجْعٍ؛ أوْ خُطَبٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ أوْ وضْعِ أنْفُسِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ كَما فَعَلَ إبْلِيسُ؛ لَسْتُ مِنهم بِسَبِيلٍ؛ ولا أُعَدُّ في عِدادِهِمْ بِوَجْهٍ؛ لا أفْعَلُ أفْعالَهُمْ؛ ولا أُحِبُّهُمْ؛ ولا أتَعَصَّبُ لَهُمْ؛ فَهو أبْلَغُ مِن ”وما أنا مُتَكَلِّفًا“؛ قَدْ عَرَفْتُمُونِي طُولَ عُمْرِي كَذَلِكَ؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ في غَرِيزَتِي لَما كَفَفْتُ عَنْهُ طُولَ زَمانَيِ النُّمُوِّ مِنَ الصِّبا؛ والشَّبابِ؛ اللَّذَيْنِ تُوجَدُ فِيهِما الغَرائِزُ؛ ولا تُوجَدُ بَعْدَهُما؛ فَإذا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِي إذْ ذاكَ؛ ثَبَتَ أنَّهُ مُتَعَذِّرٌ بَعْدَهُ؛ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا تُوجَدُ غَرِيزَةٌ بَعْدَ الوُقُوفِ عَنِ النُّمُوِّ؛ في سِنِّ الثَّلاثِ والأرْبَعِينَ؛ فَإذا عُلِمَ أنِّي لَسْتُ كَذَلِكَ؛ عُلِمَ أنِّي مَأْمُورٌ بِما أنا فِيهِ مِنَ القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ فَأنا مِنَ المُكَلَّفِينَ؛ لا المُتَكَلِّفِينَ؛ فَكُلُّ مَن قالَ؛ أوْ فَعَلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ؛ فَهو مُتَكَلِّفٌ؛ ورَوى الثَّعْلَبِيُّ؛ بِسَنَدِهِ؛ مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا؛ والبَيْهَقِيُّ؛ في الشُّعَبِ؛ مِن قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أرْطَأةَ؛ وأبُو نَعِيمٍ؛ في الحِلْيَةِ؛ مِن قَوْلِ وهْبٍ: «”عَلامَةُ المُتَكَلِّفِ ثَلاثٌ: يُنازِعُ مَن فَوْقَهُ؛ ويَتَعاطى ما لا يُنالُ؛ ويَقُولُ ما لا يَعْلَمُ“».
ولَمّا أثْبَتَ المُقْتَضِياتِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ وأزالَ المَوانِعَ؛ بَيَّنَ حَقِيقَتَهُ الَّتِي لا يَتَعَدّاها إلى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هُوَ إلا ذِكْرٌ﴾ (p-٤٣٤)أيْ: عِظَةٌ؛ وشَرَفٌ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ يَفْهَمُ كُلُّ فَرْدٍ ما تَحْتَمِلُهُ قُواهُ؛ ذَكِيًّا كانَ؛ أوْ غَبِيًّا؛ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ العُلُوِّ؛ الَّذِي لا يُدانِيهِ فِيهِ كَلامٌ؛ بِخِلافِ الشِّعْرِ؛ والكَهانَةِ؛ الَّتِي مَحَطُّها السَّجْعُ؛ والكَذِبُ في الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ؛ فَإنَّهُما مَعَ سُفُولِ رُتْبَتِهِما لا يَفْهَمُهُما مِنَ العالَمِينَ إلّا ذاكَ؛ وذاكَ.
38:88Page 458
وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ ٨٨
And you will surely know [the truth of] its information after a time."
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”أنا عالِمٌ بِذَلِكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - جَوابًا لِقَسَمٍ -: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ أيْضًا؛ ﴿نَبَأهُ﴾؛ أيْ: صِدْقِي في جَمِيعِ ما أنْبَأتُكم بِهِ فِيهِ؛ وعَنْهُ؛ مِنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ؛ وفِيما أشارَ إلَيْهِ افْتِتاحُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِخَلِيفَةٍ؛ وخِتامُهم بِخَلِيفَةٍ؛ مِن أنَّ عِزَّتَكم تَصِيرُ إلى ذُلٍّ؛ وشِقاقَكم يَصِيرُ إلى مُسالَمَةٍ وأُلْفَةٍ؛ وكَثْرَتَكم تَصِيرُ إلى قِلٍّ؛ وأنَّ ما أنا فِيهِ الآنَ يُفْضِي بِي إلى خِلافَةِ اللَّهِ في أرْضِهِ؛ وأنَّ أوْسَطَ أمْرِي يَصِيرُ إلى مِثْلِ خِلافَةِ الأوَّلِ في جَمِيعِ جَزِيرَةِ العَرَبِ؛ الَّتِي هي أرْضُ المَسْجِدِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي هو قَبْلَ المَسْجِدِ الأقْصى؛ الَّذِي هو مَحَلُّ خِلافَتِهِ؛ ثُمَّ يُزادُ أمْرُ خِلافَتِي في سائِرِ البِلادِ؛ ولا يَزالُ؛ حَتّى يَعُمَّ الأرْضَ بِطُولِها؛ والعَرْضِ؛ عَلى يَدِ ابْنِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاتِمَةُ أكابِرِ أتْباعِي؛ (p-٤٣٥)وأنْصارِي؛ وأشْياعِي؛ وتَرَكَ الجارَّ إعْلامًا بِاسْتِغْراقِ العِلْمِ لِزَمانِ البَعْدِ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾؛ أيْ: مُبْهَمٍ عِنْدَكُمْ؛ مَعْلُومٍ لِي في الدُّنْيا؛ إذا ظَهَرَ عِبادِي عَلَيْكُمْ؛ وفي الآخِرَةِ مُطْلَقًا؛ وإنَّما أُخِّرُوا إلى هَذا الحِينِ لِيُبْلِغَ في الإعْذارِ إلَيْهِمْ؛ فَتَنْقَطِعَ حُجَجُهُمْ؛ وتَتَناهى ذُنُوبُهُمُ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ الأخْذَ بِها؛ ولَقَدْ - واللَّهِ - عَلِمُوا ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَدِمُوا؛ مَن ماتَ مِنهُمْ؛ ومَن عاشَ؛ قَبْلَ مُضِيِّ عِشْرِينَ سَنَةً مِن إعْلاءِ كَلِمَتِهِ؛ وإظْهارِ رِسالَتِهِ؛ وإتْمامِ دِينِهِ؛ واسْتَمَرَّ العِلْمُ لَهم ولِمَن بَعْدَهم بِما بَثَّ فِيهِ مِنَ العُلُومِ؛ وجَمَعَ فِيهِ مِن شَرِيفِ الرُّسُومِ؛ وأظْهَرَ مِمّا تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِهِ فِيهِ إلى هَذا الزَّمانِ؛ وإلى أنْ يَفْنى كُلُّ فانٍ؛ ثُمَّ يُبْعَثُوا إلى الجِنانِ؛ أوِ النِّيرانِ؛ فَقَدْ أثْبَتَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن كَوْنِ القُرْآنِ ذِكْرًا ما أثْبَتَتْهُ أوَّلُ آيَةٍ فِيها؛ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ مَعَ زِيادَةِ الوَعِيدِ؛ فانْعَطَفَ الآخِرُ عَلى الأوَّلِ؛ واتَّصَلَ بِهِ أحْسَنَ اتِّصالٍ؛ وأجْمَلَ؛ ونَظَرَ إلى أوَّلِ ”الزُّمَرِ“؛ أعْظَمَ نَظَرٍ؛ وأكْمَلَ؛ فَلِلَّهِ دَرُّ هَذا الِانْتِظامِ؛ فَهو لَعَمْرِي أضْوَأُ مِن شَمْسِ الضُّحى؛ وأتَمُّ مِن بَدْرِ التَّمامِ؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ؛ وأجْمَلَهُ؛ وفَصَّلَهُ؛ وفَضَّلَهُ؛ وشَرَّفَهُ؛ وكَرَّمَهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences