Al-Biqa'iAz‑Zumar · 39:9–19

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:9–19

39:9Page 459

أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩

Is one who is devoutly obedient during periods of the night, prostrating and standing [in prayer], fearing the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, [like one who does not]? Say, "Are those who know equal to those who do not know?" Only they will remember [who are] people of understanding.

ولَمّا أرْشَدَتْ ”أمْ“؛ قَطْعًا؛ في قِراءَةِ مَن شَدَّدَ؛ إدْغامًا لِإحْدى المِيمَيْنِ في الأُخْرى؛ أنَّ التَّقْدِيرَ - شَرْحًا لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ؛ بَعْدَ أحْوالِ المُشْرِكِينَ -: أهَذا الَّذِي يَدْعُو اللَّهَ مَرَّةً؛ وغَيْرَهُ مِمَّنْ يَجْعَلُهُ لَهُ نِدًّا أُخْرى؛ أسَدُّ طَرِيقَةً؛ وأقْوَمُ قِيلًا؛ ﴿أمَّنْ هُوَ﴾؛ والتَّقْدِيرُ في قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ كَثِيرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِالتَّخْفِيفِ: ”أمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ خَيْرٌ؛ أمْ ذَلِكَ الكافِرُ النّاسِي لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ؟“؛ ويُرَجِّحُ التَّقْدِيرُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ دُونَ النِّداءِ؛ إنْكارَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العالِمِ الَّذِي حَداهُ عِلْمُهُ عَلى القُنُوتِ؛ والَّذِي لا يَعْلَمُ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِعِلْمِهِ؛ ﴿قانِتٌ﴾؛ أيْ: مُخْلِصٌ في عِبادَتِهِ اللَّهَ (تَعالى) دائِمًا؛ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾؛ أيْ: جَمِيعَ ساعاتِهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْإخْلاصِ؛ وكانَ الإخْلاصُ أقْرَبَ مُقَرِّبٍ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ التَّجَرُّدُ عَنْ جَمِيعِ الأغْيارِ؛ وكانَ السُّجُودُ ألْيَقَ الأشْياءِ بِهَذا الحالِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أقْرَبَ مُقَرِّبٍ لِلْعَبْدِ مِن رَبِّهِ؛ لِأنَّهُ خاصٌّ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ: ﴿ساجِدًا﴾؛ أيْ: وراكِعًا؛ ودَلَّ عَلى تَمَكُّنِهِ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِالعَطْفِ؛ فَقالَ: ﴿وقائِمًا﴾؛ أيْ: وقاعِدًا؛ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ تَنْبِيهًا عَلى دَوامِ إخْلاصِهِ في حالِ سُجُودِهِ؛ وقِيامِهِ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ السُّجُودَ دَلِيلًا عَلى الرُّكُوعِ؛ والقِيامَ دَلِيلًا عَلى القُعُودِ؛ والسِّرُّ في ذِكْرِ ما ذَكَرَ؛ وتَرْكِ ما تَرَكَ؛ أنَّ (p-٤٦٧)السُّجُودَ يَدُلُّ عَلى العِبادَةِ؛ وقَرْنُ القِيامِ بِهِ دالٌّ عَلى أنَّهُ قِيامٌ مِنهُ؛ فَهو عِبادَةٌ؛ وذَلِكَ مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُما أعْظَمُ الأرْكانِ؛ فَهو نَدْبٌ إلى تَطْوِيلِهِما عَلى الرُّكْنَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ القُعُودَ إنَّما هو لِلرِّفْقِ بِالِاسْتِراحَةِ؛ والرُّكُوعَ إنَّما أُرِيدَ بِهِ إخْلاصَ الأرْكانِ لِلْعِبادَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ عادَةً أنْ يَكُونَ لِغَيْرِها؛ وأمّا السُّجُودُ فَيَطْرُقُهُ احْتِمالُ السُّقُوطِ؛ والقِيامُ والقُعُودُ مِمّا جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ؛ فَلَمّا ضَمَّ إلَيْهِما الرُّكُوعَ تَمَحَّضا لِلْخُضُوعِ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ العَلِيمِ؛ العَزِيزِ؛ الرَّحِيمِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ الفُتُورِ؛ والغَفْلَةِ؛ والنِّسْيانِ؛ وكانَ ذَلِكَ في مَحَلِّ الغُفْرانِ؛ وكانَ لا يُمْكِنُ صَلاحُهُ إلّا بِالخَوْفِ مِنَ المَلِكِ الدَّيّانِ؛ قالَ - مُعَلِّلًا؛ أوْ مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ يَقُولُ: ما لَهُ يُتْعِبُ نَفْسَهُ هَذا التَّعَبَ؛ ويَكِدُّها هَذا الكَدَّ؟ -: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾؛ أيْ: عَذابَ اللَّهِ فِيها؛ فَهو دائِمُ التَّجَدُّدِ لِذَلِكَ كُلَّما غَفَلَ عَنْهُ؛ ولَمّا ذَكَرَ الخَوْفَ؛ أتْبَعَهُ قَرِينَهُ؛ الَّذِي لا يَصِحُّ بِدُونِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَنْقَلِبُ في إنْعامِهِ.

ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى الخَوْفِ؛ والرَّجاءِ؛ والعَمَلِ؛ إنَّما هو العِلْمُ النّافِعُ؛ وكانَ العِلْمُ الَّذِي لا يَنْفَعُ كالجَهْلِ؛ أوِ الجَهْلُ خَيْرٌ؛ كانَ جَوابُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ: لا يَسْتَوِيانِ؛ لِأنَّ المُخْلِصَ عالِمٌ؛ والمُشْرِكَ جاهِلٌ؛ فَأمَرَهُ بِالجَوابِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لا يَسْتَوِيانِ؛ لِأنَّ الحامِلَ عَلى الإخْلاصِ العِلْمُ؛ وعَلى الإشْراكِ الجَهْلُ؛ وقِلَّةُ العَقْلِ؛ ثُمَّ أنْكِرْ عَلى مَن يَشُكُّ في ذَلِكَ؛ فَقُلْ (p-٤٦٨)لَهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾؛ أيْ: في الرُّتْبَةِ؛ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: فَيَعْمَلُونَ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ؛ فَأدّاهم عِلْمُهم إلى التَّوْحِيدِ؛ والإخْلاصِ في الدِّينِ؛ ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ فَلَيْسَتْ أعْمالُهم عَلى مُقْتَضى العِلْمِ؛ إمّا لِجَهْلٍ؛ وإمّا لِإعْراضٍ عَنْ مُقْتَضى العِلْمِ؛ فَصارُوا لا عِلْمَ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْتِفاعَ لَهم بِهِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَأمَّلُوا أدْنى تَأمُّلٍ؛ مَعَ تَجْرِيدِ الأنْفُسِ مِنَ الهَوى؛ لَرَجَعُوا إلَيْهِ؛ مِن أنَّهُ لا يَرْضى أحَدٌ أصْلًا لِعَبْدِهِ أنْ يُخالِفَ أمْرَهُ؛ وإلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ العِلْمُ إلّا عَلى العامِلِ أرْشَدَ قَوْلُ ابْنِ هِشامٍ في السِّيرَةِ؛ ”ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا“؛ أنْ يَقُولَ النّاسُ: عُلَماءُ؛ ولَيْسُوا بِأهْلِ عِلْمٍ؛ لَمْ يَحْمِلُوهم عَلى هُدًى؛ ولا حَقٍّ.

ولَمّا كانَ مَدارُ السِّدادِ التَّذَكُّرَ؛ وكانَ مَدارُ التَّذَكُّرِ - الَّذِي بِهِ الصَّلاحُ؛ والفَسادُ - هو القَلْبَ؛ لِأنَّهُ مَرْكَزُ العَقْلِ؛ الَّذِي هو آلَةُ العِلْمِ؛ وكانَ القَلْبُ الَّذِي لا يَحْمِلُ عَلى الصَّلاحِ عَدَمًا؛ بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ؛ قالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ﴾؛ أيْ: تَذَكُّرًا عَظِيمًا؛ بِما أفْهَمَهُ إظْهارُ التّاءِ؛ فَيُعْلَمُ أنَّ المُحْسِنَ لا يَرْضى بِالإحْسانِ إلى مَن يَأْكُلُ خَيْرَهُ ويَعْبُدُ غَيْرَهُ؛ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الصّافِيَةِ؛ والقُلُوبِ النَّيِّرَةِ؛ وهُمُ المَوْصُوفُونَ آخِرَ ”آلِ عِمْرانَ“؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى (p-٤٦٩)آخِرِها؛ وما أحْسَنَ التَّعْبِيرَ هُنا بِاللُّبِّ؛ الَّذِي هو خُلاصَةُ الشَّيْءِ! لِأنَّ السِّياقَ لِلْإخْلاصِ؛ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: قالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: خَلَقَ اللَّهُ (تَعالى) الأشْياءَ مُسَخَّرَةً لِلْآدَمِيِّ؛ وخَلَقَ الآدَمِيَّ لِلْخِدْمَةِ؛ ووَضَعَ فِيهِ أنْوارَهُ؛ لِيُخْرِجَ الخِدْمَةَ لِلَّهِ (تَعالى) مِن باطِنِهِ بِالحاجَةِ؛ فالآدَمِيُّ مَندُوبٌ إلى العِلْمِ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وبِأوامِرِهِ؛ حَسَبَ ما خُلِقَ لَهُ؛ والخِدْمَةُ والقُنُوتُ بِقَلْبِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ ماثِلًا؛ مُنْتَصِبًا؛ مُحِقًّا؛ مُبادِرًا؛ مُسارِعًا؛ سائِقًا مَرْكَبَكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ بِالحُبِّ لَهُ؛ وعِلْمُ الخِدْمَةِ عِلْمُ البِساطَيْنِ: بِساطِ القُدْرَةِ؛ وبِساطِ العُبُودَةِ؛ فَإذا طالَعْتَ بِساطَ القُدْرَةِ بِعَقْلٍ وافِرٍ؛ وهو أنْ تَعْرِفَ نَفْسَكَ؛ وتَرْكِيبَكَ؛ مِن رُوحانِيٍّ؛ وجُسْمانِيٍّ؛ وطالَعْتَ بِساطَ العُبُودَةِ بِكِياسَةٍ تامَّةٍ؛ أدْرَكْتَ تَدْبِيرَهُ في العُبُودَةِ؛ وباطِنَ أمْرِهِ؛ ونَهْيِهِ؛ وعِلَلَ التَّحْرِيمِ؛ والتَّحْلِيلِ؛ وبَسَطَ اللَّهُ بِساطَ الرُّبُوبِيَّةِ مِن بابِ القُدْرَةِ؛ وبَسَطَ بِساطَ العُبُودَةِ مِن بابِ العَظَمَةِ؛ ثُمَّ كانَ آخِرُ خَلْقِهِ - سُبْحانَهُ - هَذا الإنْسانَ؛ الَّذِي بَسَطَ لَهُ هَذَيْنِ البِساطَيْنِ؛ وجَمَعَ فِيهِ العالَمَيْنِ؛ وزادَ عَلى ما فِيهِما مِن قَبُولِ الأمْرِ اخْتِيارًا؛ وطَوْعًا؛ وكُلُّ شَيْءٍ أعْطاكَ إنَّما أعْطاكَ لِتُبْرِزَهُ إلى جَوارِحِكَ؛ وتَسْتَعْمِلَهُ فِيما خُلِقَ لَهُ؛ فَلَوْ لَمْ يُعْطِكَ لَمْ يَطْلُبْ مِنكَ؛ فَلا تُطْلَبُ الزَّكاةُ مِمَّنْ لا مالَ لَهُ؛ ولا الصَّلاةُ قِيامًا مِمَّنْ لا رِجْلَ لَهُ.

39:10Page 459

قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠

Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ القانِتَ خَيْرٌ؛ وكانَ المُخالِفُ لَهُ كَثِيرًا؛ وكانَ أعْظَمُ (p-٤٧٠)حامِلٍ لَهُ عَلى القُنُوتِ التَّقْوى؛ وكانَتْ كَثْرَةُ المُخالِفِ أعْظَمَ مُزَلْزِلٍ؛ وكانَ الإنْسانُ - لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ - أحْوَجَ شَيْءٍ إلى التَّثْبِيتِ؛ وكانَ التَّثْبِيتُ مِنَ المُجانِسِ؛ والتَّأْنِيسُ مِنَ المُشاكِلِ؛ أسْكَنَ لِلْقَلْبِ؛ وأشْرَحَ لِلصَّدْرِ؛ أمَرَ أكْمَلَ الخَلْقِ وأحْسَنَهم مُلاطَفَةً؛ بِتَثْبِيتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾؛ ولَمّا كانَ الثَّباتُ لا يَرْسَخُ مَعَ كَثْرَةِ المُخالِفِ؛ وتَوالِي الزَّلازِلِ والمَتالِفِ؛ إلّا إذا كانَ عَنِ المَلِكِ؛ جَعَلَ ذَلِكَ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الخالِقُ؛ والأقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ الخَلائِقِ؛ فَقالَ: ﴿يا عِبادِ﴾؛ دُونَ أنْ يَقُولَ: ”يا عِبادَ اللَّهِ“؛ مَثَلًا؛ تَذْكِيرًا لَهُمْ؛ تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ بِما عُلِمَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: ”قالَ اللَّهُ“؛ وتَشْرِيفًا لَهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ بِالضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى اللُّطْفِ؛ وشِدَّةِ الخُصُوصِيَّةِ؛ وإعْلامًا لَهم بِأنَّهُ حاضِرٌ لا يَغِيبُ عَنْهم بِوَجْهٍ؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ؛ ولَوْ عَلى أدْنى حالاتِها.

ولَمّا كانَ الإحْسانُ رُبَّما جَرَّأ عَلى المُحْسِنِ؛ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى سَدادِ قَوْلِ العارِفِينَ: ”اجْلِسْ عَلى البِساطِ؛ وإيّاكَ والِانْبِساطَ“؛ ونَبَّهَ بِلَفْتِ القَوْلِ عَنْ مَظْهَرِ التَّكَلُّمِ؛ إلى الوَصْفِ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ العاقِلَ مَن (p-٤٧١)أوْجَبَ لَهُ الإحْسانَ؛ إجْلالًا وإكْبارًا؛ وأثْمَرَ لَهُ العَطْفُ والتَّقْرِيبُ ذُلًّا في نَفْسِهِ وصَغارًا؛ وخَوْفًا وانْكِسارًا؛ مِمّا أقَلُّهُ قَطْعُ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِ المُحْسِنِ إلَيْكم وِقايَةً؛ بِأنْ تَتَرَقَّوْا في دَرَجاتِ طاعَتِهِ؛ مُخْلِصِينَ لَهُ؛ كَما خَلَقَكم لَكُمْ؛ لا لِغَرَضٍ لَهُ؛ لِيَرْسَخَ إيمانُكُمْ؛ ويَقْوى إحْسانُكُمْ؛ وهَذا أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الإيمانَ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ التَّقْوى.

ولَمّا أرْشَدَهم بِالِاسْمِ النّاظِرِ إلى الإحْسانِ إلى أنْ يَقُولُوا: فَما لَنا إنْ فَعَلْنا؟ قالَ - مُجِيبًا؛ مُعَلِّلًا -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ أيْ: لَكُمْ؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الدّالَّ عَلى سَبَبِ جَزائِهِمْ؛ تَشْوِيقًا إلى الِازْدِيادِ مِنهُ؛ ولَمّا كانَ العَمَلُ لا يَنْفَعُ إلّا في دارِ التَّكْلِيفِ؛ قالَ: ﴿فِي هَذِهِ﴾؛ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ زِيادَةً في التَّعْيِينِ؛ ﴿الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الدَّنِيَّةِ؛ الوَضِرَةِ؛ الَّتِي لا تَطْهُرُ الحَياةُ فِيها إلّا بِالتَّقْدِيسِ؛ بِعِبادَةِ الخالِقِ؛ والتَّخَلُّقِ بِأوْصافِهِ؛ ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا؛ بِالنَّصْرِ؛ والمَعُونَةِ؛ مَعَ كَثْرَةِ المُخالِفِ؛ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ”أحْسَنُوا“؛ أوْقَعُوا الإحْسانَ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ في هَذِهِ الدُّنْيا؛ فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مُبْتَدَأً؛ وخَبَرًا؛ لَكِنَّهُ يَصِيرُ خاصًّا بِثَوابِ الدُّنْيا؛ فالأوَّلُ حَسَنٌ.

ولَمّا كانَ رُبَّما عَرَضَ لِلْإنْسانِ في أرْضٍ مَن يَمْنَعُهُ الإحْسانَ؛ ويَحْمِلُهُ عَلى العِصْيانِ؛ حَثَّ - سُبْحانَهُ - عَلى الهِجْرَةِ إلى حَيْثُ يَزُولُ عَنْهُ (p-٤٧٢)ذَلِكَ المانِعُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ عُذْرًا في التَّقْصِيرِ؛ كَما قِيلَ:

وإذا نَبا بِكَ مُنْزَلٌ فَتَحَوَّلِ

فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ؛ والعَظْمَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿واسِعَةٌ﴾؛ ووُجُودُهُ بِعِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ في كُلِّ أرْضٍ؛ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فالمُتَقَيِّدُ بِمَكانٍ مِنها ضَعِيفُ العَزْمِ؛ واهِنُ اليَقِينِ؛ فَلا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِ في الإحْسانِ بِعَدَمِ الهِجْرَةِ.

ولَمّا كانَ الصَّبْرُ عَلى هِجْرَةِ الوَطَنِ؛ ولا سِيَّما إنْ كانَ ثَمَّ أهْلٌ وعَشِيرَةٌ؛ شَدِيدًا جِدًّا؛ ذَكَرَ ما لِلصّابِرِ عَلى ذَلِكَ؛ لِمَن تَشَوَّفَ إلى السُّؤالِ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى﴾؛ أيْ: التَّوْفِيَةَ العَظِيمَةَ؛ ﴿الصّابِرُونَ﴾؛ أيْ: عَلى ما تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ في مُخالَفَةِ الهَوى؛ واتِّباعِ أوامِرِ المَلِكِ الأعْلى؛ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهٍ مِنَ الكَثْرَةِ؛ لا يُمْكِنُ في العادَةِ حُسْبانُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ وكُلُّ عَمَلٍ يُمْكِنُ عَدُّهُ؛ وحَصْرُهُ؛ إلّا الصَّبْرَ؛ فَإنَّهُ دائِمٌ مَعَ الأنْفاسِ؛ وهو مَعْنًى مِنَ المَعانِي الباطِنَةِ؛ لا يَطَّلِعُ خَلْقٌ عَلى مِقْدارِهِ في قُوَّتِهِ؛ وضَعْفِهِ؛ وشِدَّتِهِ؛ ولِينِهِ؛ لِأنَّهُ مَعَ خَفائِهِ يَتَفاوَتُ مِقْدارُهُ؛ وتَتَعاظَمُ آثارُهُ؛ بِحَسَبِ الهِمَمِ في عُلُوِّها؛ وسُفُولِها؛ وسُمُوِّها؛ ونُزُولِها؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن كَمُلَ صَبْرُهُ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ لامُ الكَمالِ - لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حِسابٌ؛ لِما رَواهُ البَزّارُ؛ وابْنُ حِبّانَ؛ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ (p-٤٧٣)بِها لَمَمٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ادْعُ اللَّهَ لِي؛ قالَ: ”إنْ شِئْتِ دَعَوْتِ اللَّهَ فَشَفاكِ؛ وإنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولا حِسابَ عَلَيْكِ“؛ قالَتْ: بَلْ أصْبِرُ ولا حِسابَ عَلَيَّ».

39:11Page 460

قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١

Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.

ولَمّا كانَتِ الأعْيُنُ ناظِرَةً إلى الأمْرِ؛ هَلْ يَفْعَلُ ما يَأْمُرُ بِهِ؛ ومُقَيَّدَةً بِالرَّئِيسِ لِتَأْتَسِيَ بِهِ؛ وكانَ أعْظَمُ الصّابِرِينَ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ حَتّى خَلَّصَ أعْمالَها مِنَ الشَّوائِبِ؛ وحَماها مِنَ الحُظُوظِ والعَوائِقِ؛ وصانَها مِنَ الفُتُورِ والشَّواغِلِ؛ أمَرَهُ بِما يُرَغِّبُهم في المُجاهَدَةِ؛ ويَكْشِفُ لَهم عَنْ حَلاوَةِ الصَّبْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ ولَمّا كانَ الرَّئِيسُ لِقُرْبِهِ مِنَ المَلِكِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهُ يُسامِحُهُ في كَثِيرٍ مِمّا يُكَلَّفُ بِهِ غَيْرُهُ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ﴾؛ وبَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِأنَّهُ قُطِعَ ومَضى؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَشُوبَةٌ؛ وأقامَ مَقامَ الفاعِلِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ العُمْدَةُ؛ لِلْحَثِّ عَلى لُزُومِهِ؛ قَوْلَهُ: ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي الخَلْقُ كُلُّهم سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قَبْضَتِهِ؛ وعُلُوِّهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾؛ أيْ: العِبادَةَ الَّتِي يُرْجى مِنهُ الجَزاءُ عَلَيْها.

39:12Page 460

وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢

And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."

ولَمّا كانَ الرَّئِيسُ إذا سابَقَ إلى شَيْءٍ شَوَّقَ النُّفُوسَ إلَيْهِ؛ وأوْجَبَ عَلَيْها العُكُوفَ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ﴾ أيْ؛ وقَعَ الأمْرُ لِي؛ وانْبَرَمَ بِأوامِرَ عَظِيمَةٍ؛ وراءَ ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ لا تُطِيقُونَها؛ ﴿لأنْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ (p-٤٧٤)أنْ؛ ﴿أكُونَ﴾؛ في وقْتِي؛ وفي شَرْعِي؛ ﴿أوَّلَ﴾؛ أيْ: أعْظَمَ ﴿المُسْلِمِينَ﴾؛ أيْ: المُنْقادِينَ في الرُّتْبَةِ الحائِزِينَ قَصَبَ السَّبْقِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لِأوامِرِ الإلَهِ؛ الَّذِي لا فَوْزَ إلّا بِامْتِثالِ أوامِرِهِ؛ أوْ أسْبَقَ الكائِنِينَ مِنهم في زَمانِي؛ فَجِهَةُ هَذا الفِعْلِ غَيْرُ جِهَةِ الأوَّلِ؛ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لِإحْرازِ قَصَبِ السَّبْقِ؛ والأوَّلُ لِمُطْلَقِ الإخْلاصِ في العِبادَةِ.

39:13Page 460

قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

ولَمّا كانَ ما أمَرَ بِهِ مُفْهِمًا لِأنْ يَكُونَ مَعَ تَرْغِيبٍ؛ ومَعَ تَرْهِيبٍ؛ وكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الرَّئِيسَ لا يَرْهَبُ المَلِكَ؛ لِأُمُورٍ تُرْجى مِنهُ؛ أوْ تُخْشى؛ وكانَ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِإبْلاغِ المَأْمُورِينَ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ؛ وأشَدَّ إقْبالًا بِنُفُوسِهِمْ؛ قالَ (تَعالى): ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِأُمَّتِكَ؛ وأكَّدَ - لِما في الأوْهامِ أنَّ الرَّئِيسَ لا يَخافُ - قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ﴾؛ أيْ: مَعَ تَأْمِينِهِ لِي بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ؛ وما تَأخَّرَ؛ إخْلاصًا في إجْلالِهِ؛ وإعْظامِهِ؛ وفِعْلًا لِما عَلى العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكِبْرِياءِ؛ والعَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ وصْفُ الإحْسانِ رُبَّما جَرَّأ عَلى العِصْيانِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِعَدَمِ العِرْفانِ؛ فَقالَ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيَّ؛ المُرَبِّيَ لِي بِكُلِّ جَمِيلٍ؛ فَتَرَكْتُ الإخْلاصَ لَهُ؛ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ وإذا كانَ اليَوْمُ عَظِيمًا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ عَذابُهُ؟!

39:14Page 460

قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤

Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,

ولَمّا بَيَّنَ ما أمَرَ بِهِ؛ وأعْلَمَ أنَّهُ يَخافُ مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ لَهُ بِذَلِكَ؛ فَأفْهَمَ أنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِما أُمِرَ بِهِ؛ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ لِلتَّصْرِيحِ (p-٤٧٥)مِنَ المَزِيَّةِ ما لا يَخْفى؛ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ؛ ﴿أعْبُدُ﴾؛ تَخْصِيصًا لَهُ بِذَلِكَ؛ لا أنْحُو أصْلًا بِالعِبادَةِ نَحْوَ غَيْرِهِ أبَدًا؛ ﴿مُخْلِصًا لَهُ﴾؛ وحْدَهُ؛ ﴿دِينِي﴾؛ أيْ: امْتِثالًا لِما أُمِرْتُ بِهِ؛ فَلا أشِينُهُ بِشائِبَةٍ أصْلًا؛ لا طَلَبًا لِجَنَّةٍ؛ ولا خَوْفًا مِن نارٍ؛ فَإنَّهُ قَدْ غَفَرَ لِي ما تَقَدَّمَ؛ وما تَأخَّرَ؛ فَصارَتْ عِبادَتِي لِأجْلِ وجْهِهِ؛ وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ خاصَّةً؛ شَوْقًا إلَيْهِ؛ وحُبًّا لَهُ؛ وحَياءً مِنهُ؛ وأمّا الرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ - والخَوْفُ مِن سَطْواتِهِ الَّتِي جِماعُها قَطْعُ الإحْسانِ؛ الَّذِي هو عِنْدَ الأغْبِياءِ أدْنى ما يُخافُ؛ فَإنَّما خَوْفِي لِأجْلِ إعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ؛ وعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ.

39:15Page 460

فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥

So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."

ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا غايَةُ الِامْتِثالِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ والرَّهْبَةِ؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ ﷺ أقْواهم قَلْبًا؛ وأصْفاهم لُبًّا؛ وأجْرَؤُهم نَفْسًا؛ وأصْدَقُهُمْ؛ وأشْجَعُهم عَشِيرَةً وحِزْبًا؛ كانَ خَوْفُ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى؛ فَسَبَّبَ عَنْهُ تَهْدِيدَهم أعْظَمَ تَهْدِيدٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدُوا﴾؛ أيْ: أنْتُمْ أيُّها الدّاعُونَ لَهُ في وقْتِ الضَّرّاءِ؛ المُعْرِضُونَ عَنْهُ في وقْتِ الرَّخاءِ؛ ﴿ما شِئْتُمْ﴾؛ أيْ: مِن جَمادٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ونَبَّهَ عَلى سُفُولِ رُتْبَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - تَسْفِيهًا لِمَن يَلْتَفِتُ إلى سِواهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ فَإنَّ عِبادَةَ ما دُونَهُ تُؤَدِّي إلى قَطْعِ إحْسانِهِ؛ ولا إحْسانَ إلّا إحْسانُهُ؛ فَإذا انْقَطَعَ حَصَلَ كُلُّ سُوءٍ؛ وفي ذَلِكَ جَمِيعُ الخَسارَةِ.

ولَمّا كانُوا يَدَّعُونَ الذَّكاءَ؛ ويَفْعَلُونَ ما لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ؛ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ما يُنَبِّهُهم عَلى غَباوَتِهِمْ؛ بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن شَقاوَتِهِمْ؛ فَقالَ: (p-٤٧٦)﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ خَسارَتُهم هي الخَسارَةُ؛ لِكَوْنِها النِّهايَةَ في العَطَبِ؛ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِدُخُولِهِمُ النّارَ؛ الَّتِي هي مَعْدِنُ الهَلاكِ؛ لِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ مِن كُلِّ ما يُوجِبُ الطُّغْيانَ؛ ولَمّا كانَ أعَزُّ ما عَلى الإنْسانِ بَعْدَ نَفْسِهِ أهْلَهُ؛ الَّذِينَ عِزُّهُ بِهِمْ؛ قالَ: ﴿وأهْلِيهِمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّهم إنْ كانُوا مِثْلَهُمْ؛ فَحالُهم في الخَسارَةِ كَحالِهِمْ؛ ولا يُمْكِنُ أحَدًا مِنهم أنْ يُواسِيَ صاحِبَهُ بِوَجْهٍ؛ فَإنَّهُ لِكُلٍّ مِنهم شَأْنٌ يُغْنِيهِ؛ وإنْ كانُوا ناجِينَ فَلا اجْتِماعَ بَيْنَهم.

ولَمّا كانَتِ العاقِبَةُ هي المَقْصُودَةَ بِالذّاتِ؛ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو الفَيْصَلُ؛ لا يُمْكِنُ لِما فاتَ فِيهِ تَدارُكٌ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ في ذَلِكَ غايَةُ الهَوْلِ؛ كَرَّرَ التَّعْرِيفَ بِغَباوَتِهِمْ؛ تَنْبِيهًا عَلى رُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ الوَصْفِ؛ عَلى طَرِيقِ النَّتِيجَةِ لِما أفْهَمَهُ ما قَبْلَهُ؛ فَقالَ - مُنادِيًا؛ لِأنَّهُ أهْوَلُ؛ مُبالِغًا بِالِاسْتِئْنافِ؛ وحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ وضَمِيرِ الفَصْلِ؛ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ؛ ووَصْفِهِ -: ﴿ألا ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ البَعِيدُ الرُّتْبَةِ في الخَسارَةِ جِدًّا؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الخُسْرانُ﴾؛ أتى بِصِيغَةِ ”الفُعْلانِ“؛ المُفْهِمِ مُطْلَقًا لِلْمُبالَغَةِ؛ فَكَيْفَ إذا بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ؛ الَّذِي هو أثْقَلُ الحَرَكاتِ؟! وزادَ في تَقْرِيعِهِمْ بِالغَباوَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿المُبِينُ﴾

39:16Page 460

لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦

They will have canopies [i.e., layers] of fire above them and below them, canopies. By that Allāh threatens [i.e., warns] His servants. O My servants, then fear Me.

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّهُ البَيِّنُ في نَفْسِهِ؛ المُنادِي - بِما فِيهِ مِنَ القَباحَةِ - بِأنَّهُ لا خُسْرانَ غَيْرُهُ؛ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ - عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ -: ﴿لَهُمْ﴾؛ فَإنَّ عادَةَ (p-٤٧٧)اللّامِ عِنْدَ مُصاحَبَةِ المَجْرُورِ - ولا سِيَّما الضَّمِيرَ - إفْهامُ المَحْبُوبِ لِلضَّمِيرِ؛ لا سِيَّما مَعَ ذِكْرِ الظُّلَلِ؛ وأشارَ إلى قُرْبِها مِنهُمْ؛ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾؛ ولَمّا أوْهَمَهم ذَلِكَ الرّاحَةَ؛ أزالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النّارِ﴾؛ وذَلِكَ أنَكَأُ مِمّا لَوْ أفْهَمَهُمُ الشَّرَّ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ ولَمّا كانَ في القَرارِ - كائِنًا ما كانَ؛ عَلى أيِّ حالٍ كانَ - نَوْعٌ مِنَ الرّاحَةِ بِالسُّكُونِ؛ بَيَّنَ أنَّهم مُعَلَّقُونَ في غَمَراتِ الِاضْطِرابِ؛ يُصْعِدُهُمُ اللَّهِيبُ تارَةً؛ ويُهْبِطُهُمُ انْعِكاسُهُ عَلَيْهِمْ بِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ أُخْرى؛ فَلا قَرارَ لَهم أصْلًا؛ كَما يَكُونُ الحَبُّ في الماءِ عَلى النّارِ؛ يَغْلِي بِهِ صاعِدًا وسافِلًا؛ لا يَقَرُّ في أسْفَلِ القِدْرِ أصْلًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومِن تَحْتِهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَ كَوْنُ الظُّلَّةِ - المَأْخُوذَةِ مِنَ الظِّلِّ - مِن تَحْتُ؛ في غايَةِ الغَرابَةِ؛ أعادَها؛ ولَمْ يَكْتَفِ بِالأُولى؛ ولَمْ يُعِدْ ذِكْرَ النّارِ؛ لِفَهْمِها في التَّحْتِ مِن بابِ الأوْلى؛ فَقالَ: ﴿ظُلَلٌ﴾؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما فَهِمْتُهُ؛ مِن عَدَمِ القَرارِ؛ ما رَواهُ البُخارِيُّ؛ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى صَلاةً أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ؛ فَقالَ: ”مَن رَأى مِنكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيا“؛ فَسَألَنا يَوْمًا؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: ”لَكِنِّي رَأيْتُ (p-٤٧٨)رَجُلَيْنِ أتَيانِي؛ فَأخَذا بِيَدِي؛ وأخْرَجانِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ“؛ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ؛ حَتّى قالَ: ”فانْطَلَقْنا إلى نَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ؛ أعْلاهُ ضَيِّقٌ وأسْفَلُهُ واسِعٌ؛ تُوقَدَ تَحْتَهُ نارٌ؛ فَإذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ؛ عُراةٌ؛ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهِيبُ مِن تَحْتِهِمْ؛ فَإذا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتّى كادُوا يَخْرُجُونَ؛ فَإذا خَمَدَتْ رَجَعُوا“؛» فَذَكَرَهُ؛ وهو طَوِيلٌ عَظِيمٌ؛ ثُمَّ فَسَرَّهم بِالزُّناةِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مَهُولًا؛ وهم لا يَرْهَبُونَهُ؛ ولا يَرْجِعُونَ عَنْ غَيِّهِمْ بِهِ؛ ذَكَرَ فائِدَتَهُ؛ مَعَ الزِّيادَةِ في تَعْظِيمِهِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ؛ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي صِفاتُهُ الجَبَرُوتُ؛ والكِبْرُ؛ ﴿بِهِ عِبادَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَهم أقَلِّيَّةُ الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ؛ فَيُعِيذُهم مِنهُ؛ ولَمّا أهَّلَهم لِلْإضافَةِ إلَيْهِ؛ وخَوَّفَهم سَطْواتِهِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَهْيِئَتِهِمْ لِلِاسْتِماعِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ تَخْوِيفُ اسْتِعْطافٍ؛ فَقالَ: ﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾؛ أيْ: سَبِّبُوا عَنْ ذَلِكَ أنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يُسْخِطُنِي وِقايَةً مِمّا يُرْضِينِي؛ لِأرْضى عَنْكم.

39:17Page 460

وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧

But those who have avoided ṭāghūt,1 lest they worship it, and turned back to Allāh - for them are good tidings. So give good tidings to My servants

ولَمّا ذَكَرَ ما لِمَن عَبَدَ الطّاغُوتَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ أضْدادَهُمْ؛ لِيَقْتَرِنَ الوَعْدُ بِالوَعِيدِ؛ فَيَحْصُلَ كَمالُ التَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذَلِكَ؛ لِما لَها في الِانْسِياقِ إلَيْهِ مِنَ الهَوى؛ مَعَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ: «”حُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ“؛» ولَمّا كانَ لِلْإجْمالِ؛ ثُمَّ البَيانِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ؛ قالَ: ﴿الطّاغُوتَ﴾؛ وهو كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ”فَلْعُوتٌ“؛ مِن (p-٤٧٩)”الطُّغْيانُ“؛ وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ؛ وفِيهِ مُبالَغَةٌ أُخْرى؛ بِجَعْلِ الذّاتِ عَيْنَ المَعْنى؛ ودَلَّ عَلى عَكْسِ مَن تَبِعَها بِتَعْكِيسِ حُرُوفِها؛ ولَمّا ذَكَرَ اجْتِنابَها مُطْلَقًا؛ تَرْغِيبًا فِيهِ؛ بَيَّنَ خُلاصَةَ ما يُجْتَنَبُ لِأجْلِهِ؛ مَعَ التَّنْفِيرِ مِنها بِتَأْنِيثِها؛ الَّذِي أبْصَرَهُ المُنِيبُونَ بِتَقْوِيَةِ اللَّهِ لَهم عَلَيْها؛ حَتّى كانُوا ذُكْرانًا؛ وهم إناثًا؛ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ لِلْكُفّارِ في ”البَقَرَةِ“؛ فَقالَ - مُبْدِلًا مِنها بَدَلَ اشْتِمالٍ -: ﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾

ولَمّا ذَكَرَ اجْتِنابَ الشِّرْكِ؛ أتْبَعَهُ التِزامَ التَّوْحِيدِ؛ فَقالَ: ﴿وأنابُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا رُجُوعًا عَظِيمًا؛ أزالُوا فِيهِ النَّوْبَةَ؛ وجَعَلُوها إقْبالَةً واحِدَةً؛ لا صَرْفَ فِيها؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ فَلا مَعْدِلَ عَنْهُ؛ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾؛ في الدُّنْيا؛ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ؛ وعِنْدَ المَوْتِ؛ تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ؛ فَقَدْ رَبِحُوا رِبْحًا لا خَسارَةَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِكَلامِ اللَّهِ؛ فَأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ؛ فَبَشِّرْهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنْ عَمَلِهِمْ؛ صارِفًا القَوْلَ إلى التَّكَلُّمِ بِالإفْرادِ؛ تَشْرِيفًا لِلْمُبَشَّرِينَ المَوْصُوفِينَ -: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أهَّلُوا أنْفُسَهم بِقَصْرِ هِمَمِهِمْ عَلَيَّ؛ لِلْإضافَةِ إلَيَّ؛

39:18Page 460

ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨

Who listen to speech and follow the best of it. Those are the ones Allāh has guided, and those are people of understanding.

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾؛ أيْ: بِجَمِيعِ قُلُوبِهِمْ؛ ﴿القَوْلَ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسَ مِن كُلِّ قائِلٍ؛ لَيْسُوا جُفاةً عُساةً إذا أقْبَلُوا عَلى (p-٤٨٠)شَيْءٍ أعْرَضُوا عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ عَزائِمِهِمْ؛ بَعْدَ انْتِقادِهِ؛ ﴿أحْسَنَهُ﴾؛ بِما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ مِن غَيْرِ عُدُولٍ إلى أدْنى هَوًى؛ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ دُخُولًا بَيِّنًا حَثُّ أهْلِ الكِتابِ عَلى اتِّباعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ؛ فَإنَّ كُتُبَ اللَّهِ كُلَّها حَسَنَةٌ؛ وهَذا القُرْآنُ أحْسَنُها كَلامًا؛ ومَعانِيَ؛ ونِظامًا؛ لا يَشُكُّ في هَذا أحَدٌ لَهُ أدْنى ذَوْقٍ.

ولَمّا بَيَّنَ عَمَلَهُمْ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ مَدْحَهُمْ؛ فَقالَ - مُظْهِرًا زِيادَةَ المَحَبَّةِ لَهُمْ؛ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ؛ بِالتَّأْكِيدِ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الهِمَّةِ والرُّتْبَةِ خاصَّةً؛ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ في هَؤُلاءِ المُجْتَبَيْنَ العالُو الرُّتْبَةِ جِدًّا وغَيْرُهُمْ؛ أبْرَزَ المَفْعُولَ؛ فَقالَ - مُحَوِّلًا الأُسْلُوبَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ هِدايَتِهِمْ -: ﴿هَداهُمُ اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنْ لا وُصُولَ إلَيْهِ إلّا بِهِ؛ وهَذا بِخِلافِ آيَةِ ”الأنْعامِ“؛ حَيْثُ ذَكَرَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: ”أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ“؛ فَحَذَفَ المَفْعُولَ؛ لِتَصِيرَ هِدايَتُهم مُكَرَّرَةً بِوُجُوبِ تَسْلِيطِ العامِلِ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي أعادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وكَرَّرَ الإشارَةَ؛ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الصّافِيَةِ عَنْ شَوْبِ كَدَرٍ.

39:19Page 460

أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩

Then, is one who has deserved the decree of punishment [to be guided]? Then, can you save one who is in the Fire?

ولَمّا خَصَّ - سُبْحانَهُ - البِشارَةَ بِالمُحْسِنِينَ؛ عُلِمَ أنَّ غَيْرَهم قَدْ حُكِمَ بِشَقاوَتِهِ؛ (p-٤٨١)وكانَ ﷺ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ الرَّحْمَةِ؛ ومَزِيدِ الشَّفَقَةِ؛ جَدِيرًا بِالأسَفِ عَلى مَن أعْرَضَ؛ سَبَّبَ عَنْ أسَفِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ﴾؛ وأسْقَطَ تاءَ التَّأْنِيثِ الدّالَّةِ عَلى اللِّينِ؛ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنِ الأسَفِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾؛ بِإبائِهِ؛ وتَوَلِّيهِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ مُنْغَمِسًا في النّارِ؛ الَّتِي أبْرَمْنا القَضاءَ بِأنَّها جَزاءُ الفُجّارِ؛ لا يُمْكِنُ إنْقاذُهُ مِنها؛ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِن إعْراضِهِ الَّذِي غَمَسَهُ في النّارِ؟ ثُمَّ دَلَّ عَلى هَذا الَّذِي قَدَّرْتُهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأجْلِ طُولِ الكَلامِ؛ ولِتَهْوِيلِ الأمْرِ؛ وتَفْخِيمِهِ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ تَعْلِيقِ الهَمِّ بِهِمْ؛ لِما عِنْدَهُ ﷺ مِن جِبِلَّةِ العَطْفِ؛ والرِّقَّةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ -: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾؛ أيْ: تُخَلِّصُ؛ وتَمْنَعُ؛ وتُنْجِي؛ ووَضَعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ قَوْلَهُ - شَهادَةً عَلَيْهِ بِما هو مُسْتَحِقُّهُ؛ ولا يُمْكِنُ غَيْرَ اللَّهِ فَكُّهُ مِنهُ -: ﴿مَن في النّارِ﴾؛ مُتَمَكِّنًا فِيها؛ شَدِيدَ الِانْغِماسِ في طَبَقاتِها؛ والرُّسُوخِ؛ بِحَيْثُ إنَّها قَدْ أحاطَتْ بِهِ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ وكانَ الأصْلُ: أنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ؟ فَقَدَّمَ المَفْعُولَ وجَعَلَهُ عُمْدَةَ الكَلامِ؛ لِيَقْرَعَ السَّمْعَ؛ ويُتَرَقَّبَ الخَبَرُ عَنْهُ؛ ثُمَّ حَذَفَ خَبَرَهُ لِيَكُونَ أهْوَلَ؛ فَتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أعْلى الخَلْقِ يُنْقِذُهُ؛ فَغَيْرُهُ مِن بابِ الأوْلى؛ فَصارَ الكَلامُ بِذَلِكَ مِنَ الرَّوْنَقِ؛ والبَهْجَةِ؛ والهَوْلِ؛ والإرْهابِ؛ ما لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى مِثْلِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском