Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:20–28
39:20Page 460
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠
But those who have feared their Lord - for them are chambers,1 above them chambers built high, beneath which rivers flow. [This is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in [His] promise.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن عَبَدَ الأنْدادَ هالِكٌ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ العَقْلِ بِجُرْأةٍ؛ (p-٤٨٢)وعَدَمِ تَدْبِيرٍ؛ بَيَّنَ ما لِأضْدادِهِمْ؛ فَقالَ - صارِفًا القَوْلَ عَنْ الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ إشارَةً إلى كَرَمِ المُتَّقِينَ؛ بِما لَهم مِن أصالَةِ الرَّأْيِ؛ الَّتِي أوْجَبَتْ خَوْفَهُمْ؛ مَعَ تَذَكُّرِ الإحْسانِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ خَوْفَهم عِنْدَ تَذَكُّرِ الِانْتِقامِ أوْلى -: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ سُخْطِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ وِقايَةً؛ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسَكَنَةٍ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا بِنَظَرٍ يَدُلُّهم عَلى رِضاهُ؛ ﴿لَهم غُرَفٌ﴾؛ أيْ: عَلالِيَ مِنَ الجَنَّةِ؛ يَسْكُنُونَها في نَظِيرِ ظُلَلِ الكُفّارِ؛ ولَمّا كانَتِ الغُرَفُ في قَرارٍ تَقَرُّ بِهِ العُيُونُ؛ لَمْ يَقُلْ ”مِن فَوْقِهِمْ“؛ كَما قالَ في أهْلِ النّارِ؛ وقالَ: ﴿مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾؛ أيْ: شَدِيدَةُ العُلُوِّ؛ ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الطَّبَقَةَ الثّانِيَةَ السَّماءُ؛ لِأنَّ الغُرْفَةَ أصْلُها العالِي؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ السَّماءُ السّابِعَةُ ”غُرْفَةً“؛ وأنْ تَكُونَ الغُرْفَةُ مِثْلَ ظُلَلِ النّارِ؛ لَيْسَ لَها قَرارٌ؛ قالَ - تَحْقِيقًا لِلْحَقِيقَةِ؛ مُفْرِدًا؛ كَما هو المُطَّرِدُ في وصْفِ جَمْعِ الكَثْرَةِ لِما يَعْقِلُ -: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾؛ ولَمّا كانَتِ المَنازِلُ لا تَطِيبُ إلّا بِالماءِ؛ وكانَ الجارِي أشْرَفَ وأحْسَنَ؛ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾؛ أيْ: الغُرَفِ؛ مِنَ الطَّبَقَةِ السُّفْلى؛ والطَّبَقَةِ العُلْيا؛ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ؛ لِأنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ لِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ ﴿الأنْهارُ﴾
ولَمّا ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وما يَكُونُ فِيهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ - رادًّا السِّياقَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ؛ مَعَ اسْتِحْضارِ ما لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ إخْلافٌ -: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾؛ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِصِيغَةِ المَصْدَرِ (p-٤٨٣)الدّالِّ عَلى الفِعْلِ؛ النّاصِبِ لَهُ؛ وهو واجِبُ الإضْمارِ؛ والإضافَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانَ ما يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ وعْدَهُ؛ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ -: ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِن شَيْءٍ يُرِيدُهُ؛ ولَمّا كانَ الرَّعْيُ لِزَمانِ الوَعْدِ؛ ومَكانِهِ إنَّما يَكُونُ لِلْمُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ فَهو أبْلَغُ مِن رَعْيِهِ نَفْسَهُ؛ عَبَّرَ بِـ ”المِفْعالُ“؛ فَقالَ: ﴿المِيعادَ﴾؛ لِأنَّهُ لا سَبَبَ أصْلًا يَحْمِلُهُ عَلى الإخْلافِ.
39:21Page 460
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky and makes it flow as springs [and rivers] in the earth; then He produces thereby crops of varying colors; then they dry and you see them turned yellow; then He makes them [scattered] debris. Indeed in that is a reminder for those of understanding.
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ؛ دَلَّ عَلَيْها بِما يَتَكَرَّرُ مُشاهَدَتُهُ مِن مِثْلِها؛ وخَصَّ المُصْطَفى ﷺ بِالخِطابِ؛ حَثًّا عَلى تَأمُّلِ هَذا الدَّلِيلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَتِهِ؛ فَقالَ - مُقَدِّرًا -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ أيْ: مِمّا يَدُلُّكَ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى إعادَةِ ما اضْمَحَلَّ؛ وتَمَزَّقَ؛ وأرْفَتَ؛ وتَفَرَّقَ؛ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ؛ ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا يَسْتَمْسِكُ الماءُ فِيها إلّا بِقُدْرَةٍ باهِرَةٍ تَقْهَرُهُ عَلى ذَلِكَ؛ ﴿ماءً﴾؛ كَما تُشاهِدُونَهُ في كُلِّ عامٍ؛ ﴿فَسَلَكَهُ﴾؛ أيْ: في خِلالِ التُّرابِ؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَنابِيعَ﴾؛ أيْ: عُيُونًا فائِرَةً؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ فَقَهَرَهُ عَلى الصُّعُودِ بَعْدَ أنْ غَيَّبَهُ في أعْماقِها بِالفَيْضِ؛ والصَّوْبِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ قَسَرَهُ عَلى الِانْضِباطِ في العُلُوِّ؛ ثُمَّ أكْرَهَهُ عَلى النُّزُولِ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ؛ وكَيْفِيَّةٍ مُدَبَّرَةٍ؛ وأمْرٍ مَقْسُومٍ؛ قالَ الشَّعْبِيُّ؛ والضَّحّاكُ: كُلُّ ماءٍ في (p-٤٨٤)الأرْضِ مِنَ السَّماءِ؛ يَنْزِلُ إلى الصَّخْرَةِ؛ ثُمَّ يُقَسَّمُ مِنها العُيُونُ والرَّكايا.
ولَمّا كانَ إخْراجُ النَّباتِ مُتَراخِيًا عَنْ نُزُولِ المَطَرِ؛ عَبَّرَ بِـ ”ثُمَّ“؛ وفِيها أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ فِيما تَلاها؛ بِأنَّهُ مَحِلُّ الشّاهِدِ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: الماءِ؛ ﴿زَرْعًا﴾؛ ولَمّا كانَ اخْتِلافُ المُسَبَّبِ؛ مَعَ اتِّحادِ السَّبَبِ؛ أعْجَبَ في الصَّنْعَةِ؛ وأدَلَّ عَلى بَدِيعِ القُدْرَةِ؛ قالَ: ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾؛ أيْ: في الأصْنافِ؛ والكَيْفِيّاتِ؛ والطَّبائِعِ؛ والطُّعُومِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مَعَ اتِّحادِ الماءِ الَّذِي جَمَعَهُ مِن أعْماقِ الأرْضِ؛ بَعْدَ أنْ تَفَتَّتَ فِيها وصارَ تُرابًا.
ولَمّا كانَ الإيقافُ بَعْدَ قُوَّةِ الإشْرافِ دالًّا عَلى القَهْرِ؛ ونُفُوذِ الأمْرِ؛ قالَ إشارَةً إلى أنَّ الخُرُوجَ عَنِ الحَدِّ غَيْرُ مَحْمُودٍ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ فَإنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالنَّقْصِ؛ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ وزادَ في تَعْظِيمِ هَذا المَعْنى؛ لِلْحَثِّ عَلى تَدَبُّرِهِ؛ بِإسْنادِهِ إلى خَيْرِ الخَلْقِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَتَراهُ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ هَيْجِهِ؛ وهو شِدَّةُ ثَوَرانِهِ؛ في نُمُوِّهِ؛ بَعْدَ التَّمامِ؛ بِتَوْقِيعِ الِانْصِرامِ؛ أنَّكَ تَراهُ ﴿مُصْفَرًّا﴾؛ آخِذًا في الجَفافِ بَعْدَ تِلْكَ الزَّهْرَةِ؛ والبَهْجَةِ؛ والنُّضْرَةِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإظْهارِ القُدْرَةِ التّامَّةِ؛ عَبَّرَ بِالجَعْلِ؛ مُسْنَدًا إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِخِلافِ آيَةِ ”الحَدِيدِ“؛ الَّتِي عَبَّرَ فِيها بِالكَوْنِ؛ لِأنَّ السِّياقَ ثَمَّ لِأنَّ الدُّنْيا عَدَمٌ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾؛ أيْ: مُكَسَّرًا؛ مُفَتَّتًا بالِيًا.
ولَمّا تَمَّ هَذا المِنوالُ البَدِيعُ الدّالُّ بِلا شَكٍّ لِكُلِّ مَن رَآهُ؛ عَلى أنَّ فاعِلَهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ لِما يُرِيدُ؛ بَعْدَ الإبادَةِ؛ كَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ (p-٤٨٥)مِنَ العَدَمِ؛ والإفادَةِ لِكُلِّ ما لَمْ يَكُنْ؛ قالَ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إنْكارَهم غايَةً في الحُمْقِ؛ والجُمُودِ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: التَّدْبِيرِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ ﴿لَذِكْرى﴾؛ أيْ: تَذْكِيرًا عَظِيمًا واضِحًا عَلى البَعْثِ؛ وما يَكُونُ بَعْدَهُ؛ فَإنَّ النَّباتَ كالإنْسانِ سَواءٌ؛ يَكُونُ ماءً؛ ثُمَّ يَنْعَقِدُ بَشَرًا؛ ثُمَّ يَخْرُجُ طِفْلًا؛ ثُمَّ يَكُونُ شابًّا؛ ثُمَّ يَكُونُ كَهْلًا؛ ثُمَّ شَيْخًا؛ ثُمَّ هَرِمًا؛ ثُمَّ تُرابًا مُفَتَّتًا في الأرْضِ؛ ثُمَّ يَجْمَعُهُ فَيُخْرِجُهُ كَما أخْرَجَ الماءُ النَّباتَ؛ ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الصّافِيَةِ جِدًّا؛ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِ الخِطابِ؛ في أوَّلِ هَذا البابِ؛ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ هَذا الكِتابُ؛ وأمّا غَيْرُهُ وغَيْرُ مَن تَبِعَهُ بِإحْسانٍ؛ فَهم كَبَهائِمِ الحَيَوانِ.
39:22Page 461
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢
So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.
ولَمّا كانَ الَّذِي قَرَّرَ بِهِ أمْرًا فِيما يَظُنُّهُ السّامِعُ ظاهِرًا؛ كَما كانَ جَدِيرًا بِأنْ يُنْكِرَ بَعْضُ الواقِفِينَ مَعَ الظَّواهِرِ تَخْصِيصَ الألِبّاءِ بِهِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارَ؛ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْمُ الشّامِلُ؛ ﴿صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾؛ أيْ: لِلِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ؛ فَكانَ قَلْبُهُ لَيِّنًا؛ فانْقادَ لِلْإيمانِ؛ فاهْتَدى لِباطِنِ هَذا الدَّلِيلِ؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ إسْلامِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ لِلدّاعِي؛ أنْ كانَ ﴿عَلى نُورٍ﴾؛ أيْ: بَيانٍ عَظِيمٍ بِكِتابٍ؛ بِهِ يَأْخُذُ؛ وبِهِ يُعْطِي؛ وإلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ يَنْتَهِي؛ قَدِ اسْتَعْلى عَلَيْهِ؛ فَهو كَأنَّهُ راكِبُهُ؛ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ؛ وزادَ في بَيانِ عَظِيمِ هِدايَتِهِ بِلَفْتِ (p-٤٨٦)القَوْلِ إلى مَظْهَرِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّهِ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِ إحْسانَهُ في انْقِيادِهِ؛ فَبُشْرى لَهُ؛ فَهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ كَمَن جُعِلَ صَدْرُهُ ضَيِّقًا حَرَجًا؛ فَكانَ قَلْبُهُ قاسِيًا؛ فَكانَ في الظَّلامِ خابِطًا؛ فَوَيْلٌ لَهُ - هَكَذا كانَ الأصْلُ - ولَكِنْ قِيلَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أيْ: لِضِيقِ صُدُورِهِمْ؛ وزادَ في بَيانِ ما بَلاهم بِهِ مِن عَظِيمِ القَسْوَةِ؛ بِلَفْتِ القَوْلِ إلى الِاسْمِ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ فَقالَ: ﴿مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ فَإنَّ مَن تَبْتَدِئُ قَسْوَتُهُ مِمّا تَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ؛ وتَلِينُ لَهُ الجُلُودُ؛ مِن مَدْحِ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ فَهو أقْسى مِنَ الجُلْمُودِ.
ولَمّا كانَ مَن وُسِمَ بِهَذا الخِزْيِ أخْسَرَ النّاسِ صَفْقَةً؛ أنْتَجَ وصْفُهُ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ الأباغِضُ؛ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ أيْ: واضِحٍ في نَفْسِهِ؛ مُوَضَّحٌ أمْرُهُ لِكُلِّ أحَدٍ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الشَّرْحَ والنُّورَ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ وثانِيًا الوَيْلَ لِلْقاسِي؛ والضَّلالَ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا؛ رَوى البَيْهَقِيُّ؛ في الشُّعَبِ؛ والبَغَوِيُّ؛ مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ؛ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ؛ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ؛ قالَ: فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ انْشِراحُ صُدُورِهِمْ؟ قالَ: ”إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ (p-٤٨٧)انْشَرَحَ؛ وانْفَسَحَ“؛ قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَما عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: ”الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ؛ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ؛ والتَّأهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ“؛» وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: والنُّورُ الَّذِي مِن قِبَلِهِ - سُبْحانَهُ - نُورُ اللَّوائِحِ؛ بِنُجُومِ العِلْمِ؛ ثُمَّ نُورُ اللَّوامِعِ؛ بِبَيانِ الفَهْمِ؛ ثُمَّ نُورُ المُحاضَرَةِ؛ بِزَوائِدِ اليَقِينِ؛ ثُمَّ نُورُ المُكاشَفَةِ؛ بِتَجَلِّي الصِّفاتِ؛ ثُمَّ نُورُ المُشاهَدَةِ بِظُهُورِ الذّاتِ؛ ثُمَّ أنْوارُ الصَّمَدِيَّةِ؛ بِحَقائِقِ التَّوْحِيدِ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ لا وجْدَ؛ ولا قَصْدَ؛ ولا قُرْبَ؛ ولا بُعْدَ؛ كَلّا؛ بَلْ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ؛ وذَلِكَ كَما قِيلَ: المُؤْمِنُ بِقُوَّةِ عَقْلِهِ يُوجِبُ اسْتِقْلالَهُ بِعِلْمِهِ؛ إلى أنْ يَبْدُوَ؛ ومِنهُ كَمالُ تَمَكُّنِهِ مِن وقادَةِ بَصِيرَتِهِ؛ ثُمَّ إذا بَدا لَهُ لائِحَةٌ مِن سُلْطانِ المَعارِفِ تَصِيرُ تِلْكَ الأنْوارُ مُقْمِرَةً؛ فَإذا بَدَتْ أنْوارُ التَّوْحِيدِ اسْتَهْلَكَتْ تِلْكَ الجُمْلَةَ؛ فَلَمّا اسْتَبانَ الصُّبْحُ أدْرَجَ ضَوْؤُهُ بِأنْوارِهِ أنْوارَ تِلْكَ الكَواكِبِ.
39:23Page 461
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣
Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.
ولَمّا كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَقْسُوَ قَلْبٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ؛ بَيَّنَهُ اللَّهُ؛ وصَوَّرَهُ في أعْظَمِ الذِّكْرِ؛ فَإنَّهُ كانَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءً؛ ولِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرًا؛ وفي أبْصارِهِمْ عَمًى؛ فَقالَ - مُفَخِّمًا لِلْمُنْزِلِ؛ بِجَعْلِ الِاسْمِ الأعْظَمِ مُبْتَدَأً؛ وبِناءِ الكَلامِ عَلَيْهِ -: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الفَعّالُ (p-٤٨٨)لِما يُرِيدُ؛ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ؛ والإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿نَـزَّلَ﴾؛ أيْ: بِالتَّدْرِيجِ؛ لِلتَّدْرِيبِ؛ ولِلْجَوابِ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ؛ ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾؛ وأعْظَمَ الذِّكْرِ؛ ولَوْلا أنَّهُ هو الَّذِي نَزَّلَهُ لَما كانَ الأحْسَنَ؛ ولَقُدِرَ - ولَوْ يَوْمًا واحِدًا - عَلى الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ؛ وأبْدَلَ مِن ”أحْسَنَ“؛ قَوْلَهُ: ﴿كِتابًا﴾؛ أيْ: جامِعًا لِكُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿مُتَشابِهًا﴾؛ أيْ: في البَلاغَةِ المُعْجِزَةِ؛ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ؛ لا تَفاوُتَ فِيهِ أصْلًا في لَفْظٍ ولا مَعْنًى؛ مَعَ كَوْنِهِ نُزِّلَ مُفَرَّقًا في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ وأمّا كَلامُ النّاسِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ وإنْ طالَ الزَّمانُ في التَّهْذِيبِ؛ سَواءٌ اتَّحَدَ زَمانُهُ أوْ لا؛ والِاخْتِلافُ في المُخْتَلِفِ في الزَّمانِ أكْثَرُ؛ ولَمْ يَقُلْ: ”مُشْتَبِهًا“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ كُلُّهُ غَيْرُ واضِحِ الدَّلالَةِ؛ وذَلِكَ لا يُمْدَحُ بِهِ.
ولَمّا كانَ مُفَصَّلًا إلى سُوَرٍ؛ وآياتٍ؛ وجُمَلٍ؛ وصَفَهُ بِالجَمْعِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿مَثانِيَ﴾؛ جَمْعُ ”مَثْنًى“؛ ”مَفْعَلٌ“؛ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ؛ أيْ تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ؛ والمَواعِظُ؛ والأحْكامُ؛ والحِكَمُ؛ مُخْتَلِفَةَ البَيانِ في وُجُوهٍ مِنَ الحِكَمِ؛ مُتَفاوِتَةِ الطُّرُقِ في وُضُوحِ الدَّلالاتِ؛ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ أصْلًا في أصْلِ المَعْنى؛ ولا يُمَلُّ مِن تَكْرارِهِ؛ وتَرْدادِ قِراءَتِهِ؛ وتَأمُّلِهِ؛ واعْتِبارِهِ؛ مَعَ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ أزْواجٌ مِنَ الشَّيْءِ وضِدِّهِ؛ المُؤْمِنُ؛ والكافِرُ؛ والمُطِيعُ؛ والعاصِي؛ والرَّحْمَةُ العامَّةُ؛ والرَّحْمَةُ الخاصَّةُ؛ والجَنَّةُ؛ والنّارُ؛ والنَّعِيمُ؛ (p-٤٨٩)والشَّقاءُ؛ والضَّلالُ؛ والهُدى؛ والسَّرّاءُ؛ والضَّرّاءُ؛ والبِشارَةُ؛ والنِّذارَةُ؛ فَلا تَرَتَّبَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ جَزاءٌ؛ صَرِيحًا؛ إلّا ثُنِّيَ بِإفْهامِ ما لِضِدِّهِ؛ تَلْوِيحًا؛ فَكانَ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ؛ ومُرَغَّبًا فِيهِ؛ أوْ مُرَهَّبًا مِنهُ كَرَّتَيْنِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”مُتَشابِهَةً مَثانِيهِ“؛ فَيَكُونَ نَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ؛ وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ أنَّ النُّفُوسَ أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ حَدِيثِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ؛ فَما لَمْ يُكَرَّرْ عَلَيْها عَوْدًا عَلى بَدْءٍ؛ لَمْ يَرْسَخْ عِنْدَها؛ ولَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُ؛ ومِن ثَمَّ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَرِّرُ قَوْلَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَأكْثَرَ.
ولَمّا كانَ التَّكْرارُ يُمَلُّ؛ ذَكَرَ أنَّ مِن خَصائِصِ هَذا الكِتابِ أنَّهُ يُطْرِبُ مَعَ التَّكْرارِ؛ ويَزْدادُ حَلاوَةً ولَوْ ثُنِّيَ آناءَ اللَّيْلِ وأطْرافَ النَّهارِ؛ فَقالَ: ﴿تَقْشَعِرُّ﴾؛ أيْ: تَهْتَزُّ؛ وتَتَجَمَّعُ؛ وتَتَقَبَّضُ تَقَبُّضًا شَدِيدًا؛ مِن ”القَشْعُ“؛ وهو الأدِيمُ اليابِسُ؛ وزِيدَ حَرْفًا لِزِيادَةِ المَعْنى؛ واخْتِيرَ حَرْفُ التَّكْرِيرِ إشارَةً إلى المُبالَغَةِ فِيهِ؛ وكَوْنُهُ حَرْفَ التَّطْوِيرِ أشَدُّ لِلْمُناسَبَةِ؛ ﴿مِنهُ جُلُودُ﴾؛ أيْ: ظَواهِرَ أجْسامِ؛ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾؛ أيْ: يَخافُونَ خَوْفًا شَدِيدًا؛ ويَلْتَذُّونَ لَذَّةً تُوجِبُ إجْلالًا وهَيْبَةً؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ ذَلِكَ؛ وزادَ في مَدْحِهِمْ بِأنَّهم يَخافُونَ المُحْسِنَ؛ فَهم عِنْدَ ذِكْرِ أوْصافِ الجَلالِ أشَدُّ خَوْفًا؛ فَلِذَلِكَ لَفَتَ القَوْلَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: (p-٤٩٠)﴿رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: المُرَبِّيَ لَهُمْ؛ والمُحْسِنَ إلَيْهِمْ؛ لِاهْتِزازِ قُلُوبِهِمْ؛ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ العَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ العَبْدِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ خَطاياهُ“؛» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِن أهْلِ العِراقِ ساقِطٍ؛ قالَ: فَما بالُ هَذا؟ قالَ: إنَّهُ إذا قُرِئَ عَلَيْهِ القُرْآنُ وسَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ سَقَطَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ وما نَسْقُطُ؛ وإنَّ الشَّيْطانَ لِيَدْخُلُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ؛ ما كانَ هَذا صَنِيعَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾؛ أيْ: تَمْتَدُّ؛ وتَنْعَمُ؛ وقَدَّمَ ما صَرَّحَ فِيهِ بِالِاقْشِعْرارِ الَّذِي يَلْزَمُهُ اليُبْسُ؛ وأخَّرَ القُلُوبَ؛ إبْعادًا لَها عَمّا قَدْ يُفْهِمُ يُبْسًا؛ فَيُوهِمُ قَسْوَةً؛ فَقالَ: ﴿جُلُودُهُمْ﴾؛ لِتَراجُعِهِمْ بَعْدَ بُرْهَةٍ إلى الرَّجاءِ؛ وإنِ اشْتَدَّتْ صَلابَتُها؛ ﴿وقُلُوبُهُمْ﴾؛ وذِكْرُهُ لِتَجَدُّدِ لِينِ القُلُوبِ مَعَ الجُلُودِ دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ اقْشِعْرارِها مَعَها مِن شِدَّةِ الخَشْيَةِ؛ فَإنَّ الخَشْيَةَ لا تَكُونُ إلّا في القَلْبِ؛ وكانَ سِرُّ حَذْفِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ تَنْزِيهَها عَنْ ذِكْرِ ما قَدْ يُفْهِمُ القَسْوَةَ.
ولَمّا كانَ القَلْبُ شَدِيدَ الِاضْطِرابِ؛ والتَّقَلُّبِ؛ دَلَّ عَلى حِفْظِهِ لَهُ بِنافِذِ أمْرِهِ؛ وباهِرِ عَظَمَتِهِ؛ بِالتَّعْدِيَةِ بِـ ”إلى“؛ لِيَكُونَ المَعْنى: ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً؛ (p-٤٩١)﴿إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ فَإنَّ الأصْلَ في ذِكْرِهِ الرَّجاءُ؛ لِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِـ ”أحْسَنَ الحَدِيثِ“؛ لِئَلّا يُوهِمَ أنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّبِّ؛ فَيَكُونَ شُبْهَةً لِأهْلِ الِاتِّحادِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ مِن أرْبابِ البِدَعِ؛ ولَمْ يَقُلْ: ”إلى الحَدِيثِ“؛ أوْ: ”الكِتابِ“؛ مَثَلًا؛ بَلْ عَدَلَ إلى ما عُرِفَ أنَّهُ ذِكْرُهُ - سُبْحانَهُ -؛ لِيَكُونَ أفْخَمَ لِشَأْنِهِ؛ وزادَهُ فَخامَةً بِصَرْفِ القَوْلِ عَنِ الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْإحْسانِ إلى الِاسْمِ الجامِعِ لِلْجَلالِ والإكْرامِ.
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِنَ الآثارِ عَجَبًا؛ دَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ -: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الغَرِيبُ مِنَ الحَدِيثِ المُنْزَلِ؛ والقَبْضِ؛ والبَسْطِ؛ ﴿هُدى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾؛ ومَن هَداهُ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ؛ ويُضِلُّ بِهِ مَن يَشاءُ؛ فَلا تَتَأثَّرُ جُلُودُهم لِقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ؛ فَيَكُونُ هُدًى لِناسٍ؛ ضَلالًا لِآخَرِينَ؛ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ إضْلالًا راسِخًا في قَلْبِهِ؛ بِما أشْعَرَ بِهِ الفَكُّ؛ لِيَخْرُجَ الضَّلالُ العارِضُ؛ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾؛ لِأنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ لِأنَّهُ الواحِدُ في مُلْكِهِ؛ فَلا شَرِيكَ لَهُ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا إطْلاقَ أمْرِهِ في الهِدايَةِ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ في الضَّلالِ؛ وثانِيًا انْسِدادَ بابِ الهِدايَةِ عَلى مَن أضَلَّهُ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ فِيمَن هَداهُ؛ وهي دامِغَةٌ لِلْقَدَرِيَّةِ. (p-٤٩٢)
39:24Page 461
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤
Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."
ولَمّا أتَمَّ الإنْكارَ عَلى مَن سَوّى؛ بَيَّنَ مَن شَرَحَ صَدْرَهُ؛ ومَن ضَيَّقَ؛ وما تَبِعَهُ؛ وخَتَمَ بِأنَّ الأوَّلَ مُهْتَدٍ؛ والثّانِيَ ضالٌّ؛ شَرَعَ في بَيانِ ما لِكُلٍّ مِنهُما؛ نَشْرًا مُشَوَّشًا في أُسْلُوبِ الإنْكارِ أيْضًا؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّ الضَّلالَ سَبَبُ العَذابِ؛ والهُدى سَبَبُ النَّعِيمِ؛ وحَذَفَ هُنا المُنَعَّمَ الَّذِي سَبَّبَ لَهُ النَّعِيمُ لِينَ قَلْبِهِ؛ كَما حَذَفَ القاسِيَ القَلْبِ في آيَةِ الشَّرْحِ؛ الَّذِي سَبَّبَتْ لَهُ قَسْوَتُهُ العَذابَ؛ لِتَتَقابَلَ الآيَتانِ؛ وتَتَعادَلَ العِبارَتانِ -: ﴿أفَمَن﴾؛ وأفْرَدَ عَلى لَفْظِ ”مَن“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الوُجُوهَ الأكابِرُ؛ فَقالَ: ﴿يَتَّقِي﴾؛ ودَلَّ عَلى أنَّ يَدَهُ الَّتِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ يَتَّقِي بِها المَخاوِفَ مَغْلُولَةٌ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِوَجْهِهِ﴾؛ الَّذِي كانَ يَقِيهِ المَخاوِفَ؛ ويَحْمِيهِ مِنها؛ بِجَعْلِهِ - وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ - وِقايَةً يَقِي بِهِ غَيْرَهُ مِن بَدَنِهِ؛ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾؛ أيْ: شِدَّتَهُ ومَكْرُوهَهُ؛ لِأنَّهُ تابَعَ نَفْسَهُ عَلى هَواها؛ حَتّى قَسا قَلْبُهُ؛ وفَسَدَ لُبُّهُ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّهُ يُرْمى بِهِ في النّارِ مَنكُوسًا؛ وهو مُكَبَّلٌ؛ لا شَيْءَ لَهُ مِن أعْضائِهِ مُطْلَقٌ يَرُدُّ بِهِ عَنْ وجْهِهِ؛ في عُنُقِهِ صَخْرَةٌ مِنَ الكِبْرِيتِ مِثْلُ الجَبَلِ العَظِيمِ؛ ويُسْحَبُ في النّارِ عَلى وجْهِهِ؛ كَمَن أمِنَ العَذابَ؟ فَهو يَتَلَقّى النَّعِيمَ بِقَلْبِهِ؛ وقالَبِهِ.
ولَمّا كانَ مُطْلَقُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مُنْكِئًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ﴾؛ لَهُ - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ؛ وجَمَعَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَثْرَتَهم لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا؛ (p-٤٩٣)فَقالَ: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ تَرَكُوا طَرِيقَ الهُدى؛ واتَّبَعُوا الهَوى؛ فَضَّلُوا؛ وأضَلُّوا؛ ﴿ذُوقُوا ما﴾؛ أيْ: جَزاءَ ما؛ ﴿كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾؛ أيْ: تَعُدُّونَهُ فائِدَةً؛ وثَمَرَةً لِأعْمالِكُمْ؛ وتَصَرُّفاتِكُمْ؛ وقِيلَ لِأهْلِ النَّعِيمِ: طِيبُوا نَفْسًا؛ وقَرُّوا عَيْنًا؛ جَزاءً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ ثانِيًا؛ وما يُقالُ لِلظّالِمِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى ما يُقالُ لِلْعَدْلِ أوَّلًا.
39:25Page 461
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥
Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.
ولَمّا ذَكَرَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الآخِرَةِ؛ وكانُوا في مُدَّةِ كُفْرِهِمْ كالحَيَواناتِ العُجْمِ؛ لا يَنْظُرُونَ إلّا الجُزْئِيّاتِ الحاضِرَةِ؛ خَوَّفَهم بِما يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابِ مَن يَقُولُ: فَهَلْ يُعَذَّبُونَ في الدُّنْيا؟ -: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾؛ وأشارَ إلى قُرْبِ زَمانِ المُعَذَّبِينَ مِن زَمانِهِمْ؛ بِإدْخالِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ سَبَإٍ؛ وقَوْمِ تُبَّعٍ؛ وأنْظارِهِمْ؛ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾؛ وكانَ أمْرُهم عَلَيْنا يَسِيرًا؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لَمْ يُغْنِهِمْ حَذَرُهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ؛ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾؛ أنَّهُ يَأْتِي مِنها عَذابٌ؛ جَعَلَ إتْيانَهُ مِن مَأْمَنِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أوْجَعَ لِلْمُعَذَّبِ؛ وأدَلَّ عَلى القُدْرَةِ بِأنَّهُ سَواءٌ عِنْدَهُ (تَعالى) الإتْيانُ بِالعَذابِ مِن جِهَةٍ يُتَوَقَّعُ مِنها؛ ومِن جِهَةٍ لا يُتَوَقَّعُ أنْ يَأْتِيَ مِنها شَرٌّ ما؛ فَضْلًا عَمّا أُخِذُوا بِهِ؛ بَلْ لا يُتَوَقَّعُ مِنها إلّا الخَيْرُ.
39:26Page 461
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦
So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
(p-٤٩٤)ولَمّا بَيَّنَ سَفَهَهُمْ؛ وشِدَّةَ حُمْقِهِمْ بِاسْتِعْجالِهِمْ بِالعَذابِ؛ اسْتِهْزاءً؛ سَبَّبَ عَنْهُ تَبْكِيتَ مَن لَمْ يَتَّعِظْ بِحالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ ﴿الخِزْيَ﴾؛ أيْ: الذُّلَّ النّاشِئَ عَنِ الفَضِيحَةِ؛ والعَذابِ الكَبِيرِ؛ بِما أرادُوهُ مِن إخْزاءِ الرُّسُلِ بِتَكْذِيبِهِمْ؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: العاجِلَةِ الدَّنِيَّةِ.
ولَمّا كانَ انْتِظارُ الفَرَجِ مِمّا يُسَلِّي؛ قالَ - مُعْلِمًا أنَّ عَذابَهم دائِمٌ؛ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى ما هو أشَدُّ؛ وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ -: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: الَّذِي انْتَقَلُوا إلَيْهِ بِالمَوْتِ؛ ويَصِيرُونَ إلَيْهِ بِالبَعْثِ؛ ﴿أكْبَرُ﴾؛ مِنَ العَذابِ الَّذِي أهْلَكَهم في الدُّنْيا؛ وأشَدُّهم إخْزاءً؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الخِزْيَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى إرادَتِهِ ثانِيًا؛ والأكْبَرَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى الكَبِيرِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ تَغْلِيظُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِالجَمْعِ بَيْنَ الخِزْيِ؛ والعَذابِ؛ بِما فَعَلُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِخِلافِ ما يَأْتِي في ”فُصِّلَتْ“؛ فَإنَّ سِياقَهُ لِلطَّعْنِ في الوَحْدانِيَّةِ؛ وهي لِكَثْرَةِ أدِلَّتِها؛ وبُعْدِها عَنِ الشُّكُوكِ؛ وعِظَمِ المُتَّصِفِ بِها؛ وعَدَمِ تَأْثِيرِهِ بِشَيْءٍ؛ يَكْفِي في نَكالِ الكافِرِ بِهِ مُطْلَقُ العَذابِ.
ولَمّا كانَ مَن عَلِمَ أنَّ فِعْلَهُ يُورِثُ نَكالًا؛ كَفَّ عَنْهُ؛ ولا يَكُفُّونَ؛ ولا يَتَّعِظُونَ؛ قالَ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ ما؛ لَعَلِمُوا أنَّهُ أكْبَرُ؛ فاتَّعَظُوا؛ وآمَنُوا؛ ولَكِنَّهُ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا؛ بَلْ هم كالأنْعامِ؛ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأنَّ الجُزْئِيّاتِ لا تَنْفَعُهم كَما تَنْفَعُ سائِرَ الحَيَواناتِ؛ فَإنَّ الشّاةَ تَرى الذِّئْبَ فَتَنْفِرُ مِنهُ؛ إدْراكًا لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ عَداوَةً؛ بِما خَلَقَ (p-٤٩٥)اللَّهُ في طَبْعِهِ مِن أكْلِ أمْثالِها؛ وهَؤُلاءِ يَرَوْنَ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِنَ العَذابِ؛ لِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ؛ فَلا يَفِرُّونَ مِنهُ إلى التَّصْدِيقِ.
39:27Page 461
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧
And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الأوَّلِينَ مَوْعِظَةً لِلْعَرَبِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ - صَرْفًا لِلْقَوْلِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ تَذْكِيرًا بِما في الأناةِ مِنَ المِنَّةِ؛ لِأنَّ حالَها يَقْتَضِي المُعاجَلَةَ بِالأخْذِ؛ والمُبادَرَةِ بِإحْلالِ السَّطْوَةِ -: ضَرَبْنا لَكم حالَهم مَثَلًا لِحالِكُمْ؛ لِتَعْتَبِرُوا بِهِ؛ فَإنَّ الأمْثالَ يُفْهَمُ بِها المَعانِي الغائِبَةُ؛ وتَصِيرُ كَأنَّها مَحْسُوسَةٌ مُشاهَدَةٌ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ بَيانٌ شافٍ؛ وادِّعائِهِمْ أنَّهُ إنَّما هو شِعْرٌ؛ وكَهانَةٌ؛ وسِحْرٌ -: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا﴾؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ المُفاضَلَةِ بَيْنَ المُتَّقِي؛ وغَيْرِهِ؛ مِن أوائِلِ السُّورَةِ؛ حِينَ قالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] إلى أنْ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ [الزمر: ٢٤] وأسَّسَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ كانَتِ العِنايَةُ في هَذا السِّياقِ بِالمُخاطِبِينَ أكْثَرَ؛ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ لِأنَّ رِسالَةَ رَسُولِكم عامَّةٌ.
ولَمّا كانَ المُتَعَنِّتُ كَثِيرًا؛ عَيَّنَ المُحَدَّثَ عَنْهُ بِالإشارَةِ؛ الَّتِي هي أعْرَفُ المَعارِفِ؛ وجَعَلَها ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ القُرْبِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمّا أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ خَلَعَ القُلُوبَ؛ ومَلَأها؛ فَلا حاضِرَ فِيها سِواهُ؛ وإنْ كانَ المُعانِدُ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ زُورٌ؛ وبُهْتانٌ؛ وإثْمٌ؛ وعُدْوانٌ؛ فَقالَ: ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِكُلِّ عِلْمٍ؛ ولَمّا كانَتْ كَلِماتُهُ - سُبْحانَهُ - لا تَنْفَدُ؛ وعَجائِبُهُ لا تُعَدُّ ولا تُحَدُّ؛ وكانَ في (p-٤٩٦)سِياقِ التَّعْجِيبِ مِن تَوَقُّفِهِمْ؛ قالَ: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ أيْ: يَكْفِي ضَرْبُهُ في البَيانِ؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ البالِغَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الضَّرْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بَعْدَ ضَرْبِهِ حالَ مَن يُرْجى تَذَكُّرُهُ بِما ضُرِبَ لَهُ ما يَعْرِفُهُ في الكَوْنِ؛ في نَفْسِهِ؛ أوْ في الآفاقِ؛ تَذَكُّرًا واضِحًا مَكْشُوفًا - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ الإظْهارُ - فَيَتَّعِظَ؛ لِما في تِلْكَ الأمْثالِ المَسُوقَةِ في أحْسَنِ المَقالِ؛ المَنسُوقَةِ بِما يُلائِمُها مِنَ الأوْضاعِ؛ والأشْكالِ مِنَ البَيانِ؛ وأوْضَحِ البُرْهانِ.
39:28Page 461
قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨
[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2
ولَمّا كانَ ذَلِكَ غايَةً في الشَّرَفِ؛ دَلَّ عَلى زِيادَةِ شَرَفِهِ بِحالٍ مُؤَكِّدَةٍ؛ دالَّةٍ عَلى شِدَّةِ عِنادِهِمْ؛ تُسَمّى ”مُوَطِّئَةً“؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ ما بَعْدَها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِ ذَلِكَ المَضْرُوبِ جامِعًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَدْحِ؛ ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ جارِيًا عَلى قَوانِينِ لِسانِهِمْ في جَمْعِهِ؛ بِاتِّساعِهِ؛ ووُضُوحِهِ؛ واحْتِمالِ اللَّفْظِ الواحِدِ مِنهُ لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ؛ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى غَيْرِهِ فَصارَ كَلامًا؟! ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقِيمًا بِالفِعْلِ؛ وهو مُعْوَجٌّ بِالقُوَّةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾؛ أيْ: لَيْسَ بِمَنسُوبٍ إلى شَيْءٍ مِنَ العِوَجِ؛ ولا مِن (p-٤٩٧)شَأْنِهِ العِوَجُ؛ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُعْوَجًّا أصْلًا في شَيْءٍ مِن نَظْمِهِ؛ ولا مَعْناهُ؛ بِاخْتِلافٍ ولا غَيْرِهِ؛ كَما في آيَةِ ”الكَهْفِ“ سَواءً؛ وفي الإتْيانِ بِـ ”عِوَجٍ“؛ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي؛ بَيانُ أنَّ الوَصْفَ لَهُ حَقِيقَةً؛ فَهو أبْلَغُ مِن ”غَيْرَ مُعْوَجٍّ“؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ إرادَةَ أهْلِهِ؛ عَلى المَجازِ.
ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ بِالتَّذْكِيرِ - لِكَوْنِهِ أبْلَغَ لِلْوَعْظِ - حامِلًا؛ ولا بُدَّ؛ لِلْعاقِلِ عَلى الخَوْفِ المُسَبِّبِ لِلنَّجاةِ؛ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بَعْدَ التَّذَكُّرِ النّاشِئِ عَنِ التَّذْكِيرِ؛ حالَ مَن يُرْجى لَهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وِقايَةً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences