Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:29–37
39:29Page 461
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩
Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.
ولَمّا أقامَ - سُبْحانَهُ - الدَّلِيلَ المُنِيرَ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ بَيْنَ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ؛ ساجِدًا وقائِمًا؛ يَدْعُو اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ؛ وبَيْنَ مَن يَدْعُو لِلَّهِ أنْدادًا؛ وخَتَمَ بِضَرْبِ الأمْثالِ؛ وكانَ الأمْثالُ أبْيَنَ فِيما يُرادُ مِنَ الأحْوالِ؛ قالَ - مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِها؛ بِلَفْتِ القَوْلِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ -: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿مَثَلا﴾؛ لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؛ مَعَ أنَّهُ لا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ أنَّ المُشْرِكَ لا يُدانِي المُخْلِصَ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقُولَ: إنَّ المُشْرِكَ أعْظَمُ؛ كَما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ؛ ولَمّا كانَ الذَّكَرُ أقْوى مِنَ الأُنْثى؛ وأعْرَفَ بِمَواقِعِ النَّفْعِ؛ والضُّرِّ؛ وكانَ كَوْنُهُ بالِغًا أعْظَمَ لِقُوَّتِهِ؛ وأشَدَّ لِشَكِيمَتِهِ؛ فَيَكُونُ أنْفى لِلْعارِ عَنْ نَفْسِهِ؛ وأدْفَعَ لِلظُّلْمِ عَنْ جانِبِهِ؛ وأذَبَّ عَنْ حِماهُ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِلْمَثَلِ؛ مُشِيرًا إلى تَبْكِيتِ الكُفّارِ؛ ورِضاهم لِأنْفُسِهِمْ بِما لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ (p-٤٩٨)أدْنى الأرِقّاءِ -: ﴿رَجُلا فِيهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ولَمّا كانَتْ مَعْبُوداتُهم - لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ - كَثِيرَةَ الأشْباهِ والنَّظائِرِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِجَمْعِ الكَثْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿شُرَكاءُ﴾؛ في الظّاهِرِ مِنَ الأصْنامِ؛ وفي الباطِنِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ؛ ووَصَفَ الشُّرَكاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾؛ أيْ: مُخْتَلِفُونَ؛ عَسِرُونَ؛ يَتَجاذَبُونَ؛ مَعَ سُوءِ الأخْلاقِ؛ وضِيقِها؛ وقَباحَةِ الشَّرِكَةِ؛ فَلَيْسَ أحَدٌ مِنهم يَرْضى بِالإنْصافِ؛ فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُرْضِيَهم أصْلًا؛ ﴿ورَجُلا سَلَمًا﴾ أيْ: مِن نِزاعٍ؛ ﴿لِرَجُلٍ﴾؛ فَلَيْسَ فِيهِ لِغَيْرِهِ شَرِكَةٌ؛ ولا عَلاقَةٌ أصْلًا؛ فَهو أجْدَرُ بِأنْ يَقْدِرَ عَلى رِضاهُ؛ مَعَ راحَتِهِ مِن تَجاذُبِ الشُّرَكاءِ - هَذا عَلى قِراءَةِ المَكِّيِّ؛ والبَصْرِيِّ؛ وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِحَذْفِ الألِفِ؛ وفَتْحِ اللّامِ؛ وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ؛ عَلى المُبالَغَةِ.
ولَمّا انْكَشَفَ الحالُ فِيها جِدًّا؛ قالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾؛ أيْ: الرَّجُلانِ؛ يَكُونُ أحَدُهُما مُساوِيًا لِلْآخَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ولَوْ بِغايَةِ الجُهْدِ والعِنايَةِ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِواءُ مُبْهَمًا قالَ: ﴿مَثَلا﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ المَثَلِ؛ أيْ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما؛ أيْ يَجْمَعُهُما مَثَلٌ واحِدٌ؛ حَتّى إنْ يَكُونا هُما مُتَساوِيَيْنِ؛ فَهو تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ في الأصْلِ عَنِ الفاعِلِ؛ والجَوابُ في هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ قَطْعًا: لا سَواءَ؛ بَلْ مَثَلُ الرَّجُلِ السّالِمِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ فَكَذا مَمْثُولُهُ؛ وهو القانِتُ المُخْلِصُ؛ ومَثَلُ الرَّجُلِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاكُسُ في غايَةِ القُبْحِ؛ فَكَذا مَمْثُولُهُ؛ وهو الدّاعِي لِلْأنْدادِ. (p-٤٩٩)ولَمّا عُلِمَ بِهَذا المَثَلِ المَضْرُوبِ لِلرَّجُلَيْنِ سُفُولُ المُشْتَرِكِ؛ وهو الدّاعِي لِلْأنْدادِ؛ وعُلُوُّ السّالِمِ؛ وهو القانِتُ؛ ظَهَرَ بِذَلِكَ؛ بِلا رَيْبٍ؛ حَقارَةُ المُتَشارِكِينَ؛ وجَلالَةُ المُتَفَرِّدِ؛ وهو اللَّهُ؛ فَأنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ الَّذِي لا مُكافِئَ لَهُ؛ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلُّ أحَدٍ؛ لِما لَهُ مِنَ الظُّهُورِ؛ لِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ؛ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ؛ ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾؛ أيْ: النّاسِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِما لا يَلِيقُ بِهَذا العِلْمِ؛ فَيُشْرِكُونَ بِهِ؛ إمّا جَلِيًّا؛ وإمّا خَفِيًّا؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلَيْسَ المُلْتَفِتُونَ إلى غَيْرِهِ أدْنى التِفاتٍ عُلَماءَ؛ بَلْ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا؛ وهُمُ المُشْرِكُونَ شِرْكًا جَلِيًّا؛ وأمّا أصْحابُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ فَهم - وإنْ كانَ لَهم عِلْمٌ - فَلَيْسَ بِكامِلٍ.
39:30Page 461
إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠
Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.
ولَمّا كانَ السّالِمُ مَثَلًا لَهُ ﷺ ولِأتْباعِهِ؛ والآخَرُ لِلْمُخالِفِينَ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أثْبَتَ جَهْلَهُمْ؛ وكانَ الجاهِلُ ذا حَمِيَّةٍ؛ وإباءٍ لِما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ؛ وعَصَبِيَّةٍ:
والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ
فَكانَ لِذَلِكَ التَّفْكِيرِ في أمْرِهِمْ؛ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ التَّقاعُدِ مِنَ الأتْباعِ؛ والتَّصْوِيبِ بِالأذى؛ ولا سِيَّما وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ مُؤَدِّيًا (p-٥٠٠)إلى الأسَفِ؛ وشَدِيدِ القَلَقِ؛ فَكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: فَما يَعْمَلُ؟ وكانَ لا يَنْبَغِي في الحَقِيقَةِ أنْ يُقْلِقَ إلّا مَن ظَنَّ دَوامَ النَّكَدِ؛ قالَ (تَعالى) - مُسَلِّيًا؛ ومُعَزِّيًا؛ ومُوَسِّيًا؛ في سِياقِ التَّأْكِيدِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَلَقَ كانَ حالُهُ مُقْتَضِيًا لِإنْكارِ انْقِطاعِ التَّأْكِيدِ -: ﴿إنَّكَ﴾؛ فَخَصَّهُ ﷺ؛ لِأنَّ الخِطابَ إذا كانَ لِلرَّأْسِ كانَ أصْدَعَ لِأتْباعِهِ؛ فَكُلُّ مَوْضِعٍ كانَ لِلْأتْباعِ وخُصَّ فِيهِ ﷺ بِالخِطابِ دُونَهُمْ؛ فَهُمُ المُخاطَبُونَ في الحَقِيقَةِ؛ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِمُمْكِنٍ مِن نَفْسِهِ إلّا العَدَمُ؛ قالَ: ﴿مَيِّتٌ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ لِأنَّ هَذِهِ صِفَةٌ لازِمَةٌ؛ بِخِلافِ ”مائِتٌ“؛ يَعْنِي: فَكُنْ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الغاسِلِ؛ فَإنَّكَ مُسْتَرِيحٌ قَرِيبًا عَمّا تُقاسِي مِن أنْكادِهِمْ؛ وراجِعٌ إلى رَبِّكَ لِيُجازِيَكَ عَلى طاعَتِكَ لَهُ؛ ﴿وإنَّهُمْ﴾؛ أيْ: العِبادَ كُلَّهُمْ؛ أتْباعَكَ وغَيْرَهُمْ؛ ﴿مَيِّتُونَ﴾؛ فَمُنْقَطِعٌ ما هم فِيهِ مِنَ اللَّدَدِ؛ والعَيْشِ والرَّغَدِ.
39:31Page 461
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١
Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.
ولَمّا كانَ الشِّفاءُ الكامِلُ إنَّما يَكُونُ بِأخْذِ الثَّأْرِ؛ وإذْلالِ الظّالِمِ؛ قالَ - مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى مُدَّةِ البَرْزَخِ؛ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ فَضْلًا عَنِ القَصاصِ؛ صادِعًا لَهم بِالخِطابِ بَعْدَ الغَيْبَةِ -: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها العِبادُ؛ كُلَّكُمْ؛ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ مَسْؤُولٌ عَنْ نَفْسِهِ؛ وعَنْ غَيْرِهِ؛ (p-٥٠١)هَلْ راعى حَقَّ اللَّهِ فِيهِ؛ أوْ أنْتَ وهُمْ؛ مِن بابِ تَغْلِيبِ المُخاطَبِ - وإنْ كانَ واحِدًا؛ لِعَظْمَتِهِ - عَلى الغائِبِينَ؛ وزادَ في إثْباتِ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ فَساقَهُ مَساقَ ما لا خِلافَ فِيهِ؛ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الحالَ مُخالِفٌ لِهَذا الحالِ؛ لِانْقِطاعِ الأسْبابِ؛ بِقَوْلِهِ - صارِفًا القَوْلَ إلى وصْفِ التَّرْبِيَةِ؛ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ الفَضْلُ عَلى الطّائِعِ؛ والعَدْلُ في العاصِي -: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُرَبِّي لَكم بِالخَلْقِ؛ والرِّزْقِ؛ فَلا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يَدَعَكم يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ كَما هو مُشاهَدٌ مِن غَيْرِ حِسابٍ؛ كَما أنَّ أقَلَّكم عَقْلًا لا يَرْضى بِذَلِكَ في عَبِيدِهِ الَّذِينَ مَلَّكَهُ اللَّهُ إيّاهم مِلْكًا ضَعِيفًا؛ أوْ ولّاهُ عَلَيْهِمْ وِلايَةً مُزَلْزَلَةً؛ فَكَيْفَ بِمَن فَوْقَهُ؟! فَكَيْفَ بِالحُكَماءِ؟! ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ: تُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ؛ لِيَأْخُذَ بِيَدِ المَظْلُومِ؛ ويَنْتَقِمَ لَهُ مِنَ الظّالِمِ؛ ويُجازِيَ كُلًّا بِما عَمِلَ؛ أمّا في الشَّرِّ فَسُوءًا بِسُوءٍ؛ لا يُظْلَمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ؛ ولا ما دُونَهُ؛ وأمّا في الخَيْرِ فالحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؛ فَلا يَنْبَغِي أبَدًا لِمَظْلُومٍ أنْ يَتَوَهَّمَ دَوامَ نَكَدِهِ؛ وعَدَمَ الأخْذِ بِيَدِهِ؛ فَيَقْتَصِرَ في العَمَلِ؛ ويَجْنَحَ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ؛ والوَجَلِ؛ بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَفْرَحَ بِما يُجْزِلُ ثَوابَهُ؛ ويُسَرَّ بِما يُيَسِّرُ حِسابَهُ؛ ويَشْتَغِلَ بِما يُخَلِّصُ بِهِ نَفْسَهُ في يَوْمِ التَّلاقِ؛ الَّذِي النّاسُ فِيهِ فَرِيقانِ؛ ولا يَشْتَغِلَ بِما لا يَكُونُ (p-٥٠٢)مِن تَصْفِيَةِ دارِ الكَدَرِ عَنِ الأكْدارِ؛ وقَرارَةِ الدَّنَسِ عَنِ الأقْذاءِ والأقْذارِ؛ فَإنَّ الدَّوامَ فِيها مُحالٌ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: نَعاهُ ﷺ؛ ونَعى المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ؛ فَفَرَغُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ مَأْتَمِهِمْ؛ ولا تَعْزِيَةَ في العادَةِ بَعْدَ ثَلاثٍ؛ ومَن لَمْ يَتَفَرَّغْ عَنْ مَأْتَمِ نَفْسِهِ؛ وأنْواعِ غُمُومِهِ وهُمُومِهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ مِن هَذا الحَدِيثِ شِمَّةٌ؛ وإذا فَرَغَ قَلْبٌ عَنْ حَدِيثِ نَفْسِهِ؛ وعَنِ الكَوْنِ بِجُمْلَتِهِ؛ فَحِينَئِذٍ يَجِدُ الخَيْرَ مِن رَبِّهِ؛ ولَيْسَ هَذا الحَدِيثُ إلّا بَعْدَ فَنائِهِمْ عَنْهُمْ؛ وأنْشَدَ بَعْضُهم - يَعْنِي في لِسانِ الحالِ بِما قَدَّمْنا -:
؎كَتَبْتُ إلَيْكم بَعْدَ مَوْتِي بِلَيْلَةٍ ∗∗∗ ولَمْ أدْرِ أنِّي بَعْدَ مَوْتِي أكْتُبُ
انْتَهى؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم إذا أماتُوا نُفُوسَهم حَيِيَتْ أرْواحُهُمْ؛ فانْفَسَحَتْ صُدُورُهُمْ؛ وانْتَعَشَتْ قُوى قُلُوبِهِمْ؛ فاتَّسَعَتْ عُلُومُهُمْ؛ واسْتَنارَتْ فُهُومُهُمْ؛ وتَجَلَّتْ لَهم حَقائِقُ الأُمُورِ؛ فَحَدَّثُوا عَنْ مُشاهَدَةٍ: «”النّاسُ نِيامٌ؛ فَإذا ماتُوا انْتَبَهُوا“».
39:32Page 462
۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا؛ وأعْلَمَ بِأنَّهم كَذَبَةٌ في ذَلِكَ؛ كافِرُونَ؛ ساتِرُونَ لِلْحَقِّ؛ وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ؛ وأخْبَرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن خِصامِ الدّاعِي لَهم بَيْنَ يَدَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ (p-٥٠٣)فِي الحِكْمَةِ تَرَكُهم هَمَلًا؛ كَما هو مُقَرَّرٌ في العُقُولِ؛ ومَوْجُودٌ في الفِطَرِ الأُولى؛ ومَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ مِن أحْوالِهِمْ؛ فَيُنْعِمُ عَلى المَظْلُومِ؛ ويَنْتَقِمُ مِنَ الظّالِمِ؛ وكانَ الكاذِبُ في أقَلِّ الأشْياءِ ظالِمًا؛ وأظْلَمُ مِنهُ الكاذِبُ عَلى الأكابِرِ؛ وأظْلَمُ الظّالِمِينَ الكاذِبُ عَلى اللَّهِ؛ قالَ (تَعالى) - مُسَبِّبًا عَمّا مَضى -: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ - ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿مِمَّنْ كَذَبَ﴾؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ؛ فَكَفَرَ بِسَتْرِ الصِّدْقِ الثّابِتِ؛ وإظْهارِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ.
ولَمّا كانَ الكَذِبُ عَظِيمَ القَباحَةِ في نَفْسِهِ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ كَما مَضى عَلى الأكابِرِ؟! فَكَيْفَ إذا كانُوا مُلُوكًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؟! لَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي الكِبْرِياءُ رِداؤُهُ؛ والعَظْمَةُ إزارُهُ؛ فَمَن نازَعَهُ واحِدَةً مِنهُما قَصَمَهُ؛ فَزَعَمَ في كَذِبِهِ أنَّ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْدادًا؛ وشُرَكاءَ؛ وأوْلادًا.
ولَمّا كانَ وُقُوعُ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ حَقًّا؛ لِكَوْنِهِ واقِعًا لا مَحالَةَ؛ وُقُوعًا يُطابِقُ الخَبَرَ عَنْهُ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّهُ لا يَلِيقُ في الحِكْمَةِ غَيْرُهُ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّ أقَلَّ الخَلْقِ لا يَرْضى أنْ يَتْرُكَ عَبِيدَهُ سُدًى؛ فَكَيْفَ بِالخالِقِ؟ فَكانَ الخَبَرُ بِهِ صِدْقًا؛ لِوُقُوعِ العِلْمِ القَطْعِيِّ بِأنَّهُ يُطابِقُ ذَلِكَ الواقِعَ؛ قالَ: ﴿وكَذَّبَ﴾؛ أيْ: أوْقَعَ التَّكْذِيبَ لِكُلِّ مَن أخْبَرَهُ؛ ﴿بِالصِّدْقِ﴾؛ أيْ: الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ؛ وأنَّهُ يَبْعَثُ الخَلائِقَ لِلْجَزاءِ؛ المُطابِقِ (p-٥٠٤)كُلٌّ مِنهُما لِلْواقِعِ؛ لِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ المُشاهَدَةِ؛ ﴿إذْ جاءَهُ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ ولا نَظَرٍ في دَلِيلٍ؛ كَما هو دَأْبُ المُعانِدِينَ؛ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ؛ لَهم ما يَضُرُّهم مِن عَذابِ جَهَنَّمَ؛ ذَلِكَ جَزاءُ المُسِيئِينَ.
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَرَّرَ كالشَّمْسِ أنَّهُ لا يَسُوغُ في عَقْلِ العاقِلِ تَرْكُ الخَلْقِ سُدًى؛ فَكانَ يَوْمُ الدِّينِ مَعْلُومًا قَطْعًا؛ وكانَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ نَفْيَ مَدْخُولِهِ؛ فَتَرْجَمَتُهُ: لَيْسَ أحَدٌ أكْذَبَ مِنهُمْ؛ وكانَ عُرْفُ اللُّغَةِ في تَسْلِيطِ هَذا النَّفْيِ عَلى صِيغَةِ ”أفْعَلُ“؛ إثْباتَ مَدْلُولِ ”أفْعَلُ“؛ لِيَكُونَ المَعْنى أنَّهم أكْذَبُ الخَلْقِ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”ألَيْسَ هَذا الكاذِبُ المُكَذِّبُ عاقِلًا؛ يَخْشى أنْ يُحاسِبَهُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ؟ ألَيْسَ اللَّهُ المُتَّصِفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ يُحاسِبُ عِبادَهُ؛ كَما يُحاسِبُ كُلٌّ مِنَ الخَلائِقِ مَن تَحْتَ يَدِهِ؟ ألَيْسَ يَحْبِسُ الظّالِمَ مِنهم في دارِ انْتِقامِهِ؛ كَما يَفْعَلُ أدْنى الحُكّامِ؟ ألَيْسَ دارُ انْتِقامِهِ جَهَنَّمَ؛ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِعَبُوسَةٍ وتَجَهُّمٍ؟“؛ نَسَّقَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: النّارِ؛ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِالتَّجَهُّمِ؛ والعُبُوسَةِ؛ كَما كانَ يَلْقى الحَقَّ وأهْلَهُ؛ ﴿مَثْوًى﴾؛ أيْ: مُنْزَلٌ مُهَيَّأٌ لِلْإقامَةِ فِيهِ؛ عَلى وجْهِ اللُّزُومِ لَهُمْ؟ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهُ قالَ - تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيلًا بِالوَصْفِ؛ مُبَيِّنًا أنَّ الكَذِبَ كُفْرٌ؛ أيْ: سَتْرٌ لِلصِّدْقِ؛ وإظْهارٌ لِما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ والتَّكْذِيبَ بِالصِّدْقِ كَذَلِكَ -: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ سَتَرُوا كَذِبَهُمْ؛ فَألْبَسُوهُ مَلابِسَ الصِّدْقِ؛ وسَتَرُوا الصِّدْقَ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ؛ (p-٥٠٥)ذَلِكَ جَزاءُ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمُتَّقِينَ؛ فَأقامَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ المُقَدِّمَةَ دَلِيلًا عَلى تِلْكَ المُقَدِّماتِ كُلِّها.
39:33Page 462
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣
And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.
ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - الظّالِمِينَ بِالكَذِبِ؛ ذَكَّرَ أضْدادَهُمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ وهُمُ المُحْسِنُونَ؛ بِالصِّدْقِ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِي﴾؛ أيْ: الفَرِيقُ الَّذِي ﴿جاءَ بِالصِّدْقِ﴾؛ أيْ: الخَبَرِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ؛ فَصَدَقَ عَلى اللَّهِ؛ وتَعْرِيفُهُ يَدُلُّ عَلى كَمالِهِ؛ فَيُشِيرُ إلى أنَّ الإتْيانَ بِهِ دَيْدَنُهُ؛ لا يَتَعَمَّدُ كَذِبًا؛ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ صِدْقٍ سَمِعَهُ؛ وقامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ؛ ولَيْسَ هو بِجُمُودِهِ عَدُوَّ ما لَمْ يَعْلَمْ؛ فَهو يُكَذِّبُ بِكُلِّ ما لَمْ يَسْمَعْ؛ فَمَن أعْدَلُ مِنهُ؟! لِكَوْنِهِ صَدَقَ عَلى اللَّهِ؛ وصَدَّقَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ؛ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ؛ ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى قِلَّةِ المَوْصُوفِ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ الصِّدْقِ؛ وهَذا الفَرِيقُ هو الرُّسُلُ وأتْباعُهُمْ؛ ولِذَلِكَ حَصَرَ التَّقْوى فِيهِمْ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِالجَمْعِ إلى عَظَمَتِهِمْ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلًا -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿المُتَّقُونَ﴾؛ الَّذِينَ جانَبُوا الظُّلْمَ؛ فَلَيْسَ لِجَهَنَّمَ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ؛ ولا لَهم فِيها مُنْزَلٌ؛ ولا مَقِيلٌ؛ بَلِ الجَنَّةُ مُنْزَلُهُمْ؛ ألَيْسَ في الجَنَّةِ مُنْزَلٌ لِلْمُتَّقِينَ؟ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا المَثْوى في (p-٥٠٦)جَهَنَّمَ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ والِاتِّقاءَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ أنَكَأ ما لِلْمُجْرِمِ مِنَ الكُفْرِ؛ وسُوءِ الجَزاءِ؛ وأسَرَّ ما لِلْمُسْلِمِ؛ مِن قَصْرِ التَّقْوى عَلَيْهِ؛ وذِكْرِ أحَبِّ جَزائِهِ إلَيْهِ؛ والإشارَةِ إلى عَراقَتِهِ في الإحْسانِ؛ وفي الآياتِ احْتِباكٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ ذَكَرَ الكَذِبَ والتَّكْذِيبَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ ثانِيًا؛ والِاتِّقاءَ وجَزاءَهُ؛ وما يَتْبَعُهُ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ في شِقِّ المُسِيءِ أنَكَأ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ في أقْبَحِ مَواضِعِهِ؛ ولا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ؛ وأسَرَّ ما يَكُونُ في شِقِّ المُحْسِنِ؛ مِنَ اسْتِقامَةِ الطَّبْعِ؛ وحُسْنِ الجَزاءِ.
39:34Page 462
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤
They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -
ولَمّا مَدَحَهم عَلى تَقْواهُمْ؛ قالَ - في جَوابِ مَن سَألَ عَنْ ثَوابِهِمْ؛ فَقالَ لافِتًا القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ تَعْرِيفًا بِمَزِيدِ إكْرامِهِمْ -: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم إرادَتُهُ مَتى أرادُوهُ؛ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمُ؛ اللَّطِيفِ بِهِمْ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ لِأنَّهم سَلَّمُوا لَهُ في الأُولى ما يَشاءُ؛ فَسَلَّمَ لَهم في الأُخْرى ما يَشاؤُونَ؛ ولَمّا كانَ هَذا أعْظَمَ الجَزاءِ؛ مَدَحَهُ عَلى وجْهٍ بَيَّنَ عِلَّتَهُ؛ وأوْجَبَ عُمُومَهُ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الثَّوابُ الكَبِيرُ؛ ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإحْسانِ؛ كَما اتَّصَفُوا بِهِ بِالتَّقْوى؛ فَأحَبَّهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - كَما أحَبَّهُمْ؛ فَكانَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ؛ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ؛ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها؛ ورِجْلَهُ الَّتِي (p-٥٠٧)يَمْشِي بِها.
39:35Page 462
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥
That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.
ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن قَدَّمَ في كُلِّ أمْرٍ الأهَمَّ فالأهَمَّ؛ فَمَيَّزَ بَيْنَ خَيْرِ الخَيْرَيْنِ فاتَّبَعَهُ؛ وشَرِّ الشَّرَّيْنِ فاجْتَنَبَهُ؛ كانَ المُحْسِنُ مَن جَعَلَ أكْبَرَ ذُنُوبِهِ نُصْبَ عَيْنَيْهِ؛ وعَمِلَ عَلى هَدْمِهِ؛ فَلِذَلِكَ عَلَّلَ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُكَفِّرَ﴾؛ أيْ: يَسْتُرَ سَتْرًا عَظِيمًا؛ كَأنَّهُ قالَ: ”...المُحْسِنِينَ الَّذِينَ أحْسَنُوا لِهَذا الغَرَضِ“؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لِلْجَزاءِ؛ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لَفْتًا عَنْ صِفَةِ الإحْسانِ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ الِاجْتِهادِ في العَمَلِ؛ والإيذانِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الغُفْرانِ لِمَن يُرِيدُ إلّا مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي نَصَبَ المُحْسِنُ جَلالَهُ وجَمالَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ؛ فاسْتَغْرَقَ في صِفاتِهِ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ؛ فَعَبَدَهُ كَأنَّهُ يَراهُ؛ وحَقَّقَ بِاعْتِرافِهِمْ بِالخَطَإ وقَصْدِهِمُ التَّكْفِيرَ؛ لَمّا أهَمَّهم فِعْلُهم لَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عَنْهم أسْوَأ﴾؛ العَمَلِ؛ ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾؛ وتابُوا عَنْهُ بِالنَّدَمِ؛ والإقْلاعِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ؛ وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ إذا مُحِيَ الأكْبَرُ انْمَحى الأصْغَرُ؛ لِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ؛ فَلِلَّهِ دَرُّ أهْلِ البَصائِرِ والإخْلاصِ؛ في الإعْلانِ؛ والسَّرائِرِ؛ ولَمّا أخْبَرَ بِالتَّطْهِيرِ مِن أوْضارِ السَّيِّئِ؛ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِالتَّنْوِيرِ بِأنْوارِ الحَسَنِ؛ فَقالَ: ﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ (p-٥٠٨)أيْ: الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالوَعْدِ بِهِ.
ولَمّا كانَ (تَعالى) يَزِيدُ العَمَلَ الصّالِحَ؛ ويُرَبِّيهِ؛ زادَ الجارَّ في الجَزاءِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُ يَجْعَلُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ كُلَّها مِثْلَ أعْلاها؛ فَقالَ: ﴿بِأحْسَنِ﴾؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ أخَصَّ مِن مَقْصُودِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“؛ وكانَتْ ”الَّذِي“؛ و”مَن“؛ أقَلَّ إبْهامًا مِن ”ما“؛ قالَ: ﴿الَّذِي﴾؛ أيْ: العَمَلِ الَّذِي؛ وهو كالأوَّلِ؛ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما هو بَعْضُهُ؛ كَخاتَمِ فِضَّةٍ؛ وأشارَ إلى مُداوَمَتِهِمْ عَلى الخَيْرِ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِالكَوْنِ؛ والمُضارِعِ؛ فَقالَ: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ مُجَدِّدِينَ لَهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ في طَبائِعِهِمْ؛ فَهم عَرِيقُونَ في تَعاطِيهِ؛ فَمَن كانَ في هَذِهِ الدّارِ مُحْسِنًا في وقْتٍ ما؛ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ؛ فَهو في الآخِرَةِ كُلَّ حِينٍ يَراهُ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ؛ ثُمَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى أحْسَنِ الأعْمالِ أحْسَنُ الثَّوابِ؛ وأحْسَنُ الثَّوابِ الرُّؤْيَةُ؛ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الدَّوامِ؛ وهَذا اسْتِدْلالٌ قَوِيٌّ.
39:36Page 462
أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦
Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.
ولَمّا فُهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] أنَّ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَهُ؛ وكانَ مِن طَبْعِ الآدَمِيِّ الِاهْتِمامُ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ ولا سِيَّما إذا كانَ المُكَذِّبُ كَثِيرًا وقَوِيًّا؛ وتَقَرَّرَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الحَكَمُ العَدْلُ بَيْنَ المُتَخاصِمِينَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ولَزِمَ كُلَّ سامِعٍ الإقْرارُ بِالآخِرَةِ؛ وبَشَّرَ المُحْسِنِينَ وحَذَّرَ المُسِيئِينَ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يُحَذِّرُونَهُ آلِهَتَهم كَما يُحَذِّرُهم إلَهَهُ؛ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ قَوْلُهُ - مُقِرًّا لِلْكِفايَةِ غايَةَ الإقْرارِ؛ ومُنْكِرًا (p-٥٠٩)لِنَفْيِها كُلَّ الإنْكارِ -: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِصِفاتِ العَظَمَةِ كُلِّها؛ المَنعُوتُ بِنُعُوتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ؛ وأكَّدَ المُرادَ بِزِيادَةِ الجارِّ؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الجَزْمِ بِأنَّهم غالِبُونَ؛ فَقالَ: ﴿بِكافٍ﴾؛ وحَقَّقَ المُناطَ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: ﴿عَبْدَهُ﴾؛ أيْ: الخالِصَ لَهُ؛ الَّذِي لَمْ يُشْرِكْ بِهِ أصْلًا؛ كَما تَقَدَّمَ في المَثَلِ؛ مِمَّنْ كَذَّبَهُ؛ وقَصَدَ مَساءَتَهُ؛ فَيَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ؛ حَتّى يُظْهِرَ دِينَهُ؛ ويُعْلِيَ أمْرَهُ؛ ويُغْنِيَهُ عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى غَيْرِهِ؛ أوْ يَجْنَحَ إلى سِواهُ؛ بِاعْتِقادِ أنَّ في يَدِهِ شَيْئًا يَسْتَقِلُّ بِهِ؛ وهَذا لا يُنافِي السَّعْيَ في الأسْبابِ؛ مَعَ اعْتِقادِ أنَّها بِيَدِ اللَّهِ؛ فَإنْ شاءَ رَبَطَ بِها المُسَبَّباتِ؛ وإنْ شاءَ أعْقَمَها؛ بَلِ السَّعْيُ أكْمَلُ؛ لِأنَّ تَرْتِيبَ الأسْبابِ بِوَضْعِ الحَكِيمِ؛ فالسَّعْيُ في طَرْحِها يُنافِي وضْعَ الحِكْمَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ؛ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: ”عِبادَهُ“؛ بِالجَمْعِ؛ بِمَعْنى: الرَّسُولَ وأتْباعَهُ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: بَلى؛ إنَّهُ لَيَكْفِي مَن يَشاءُ؛ والأصْنامُ المُمَثَّلُونَ بِالشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ لا يَكْفُونَ مَن تَوَلّاهُمْ؛ بَنى عَلى ذَلِكَ حالًا عَجِيبًا مِن أحْوالِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَجِّبًا مِنهُمْ؛ ومُتَهَكِّمًا بِهِمْ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾؛ أيْ: عُبّادُ الأصْنامِ؛ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَكْفِي مَن أرادَ؛ وأنَّ الأصْنامَ لا كِفايَةَ عِنْدَها بِوَجْهٍ؛ والحالُ أنَّهم يُخَوِّفُونَكَ؛ ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِمَّنْ لَهُ اخْتِيارٌ؛ فَإنْ كانَ عاقِلًا كانَ أقْوى لِمُخالَفَتِهِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ بَدِيهَةً أنَّهُ لا اخْتِيارَ لَهُمْ؛ (p-٥١٠)فَضْلًا عَنِ العَقْلِ؛ قالَ - تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ لِكَوْنِهِمْ يُنْزِلُونَهم بِالعِبادَةِ وغَيْرِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم لا عَقْلَ لَهُمْ؛ فَصارُوا بِذَلِكَ ضِحْكَةً؛ وشُهْرَةً بَيْنَ النّاسِ -: ﴿بِالَّذِينَ﴾؛ وبَيَّنَ حَقارَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ وهم مَعْبُوداتُهُمْ؛ ضَلالًا عَنِ المَحَجَّةِ؛ فَيَقُولُونَ: إنّا نَخْشى عَلَيْكَ أنْ يَخْبِلَكَ آلِهَتُنا؛ كَما قالَتْ عادٌ لِهُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”إنْ نَقُولَ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ“؛ وسَيَأْتِي التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالتَّأْنِيثِ؛ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ.
ولَمّا كانَ مِنَ الحَقِّ الواضِحِ كالشَّمْسِ أنَّ ما قالُوهُ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ أضَلَّهُمُ اللَّهُ إهانَةً لَهُمْ؛ وهَداكَ إكْرامًا لَكَ“؛ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَسَرَهم عَلى ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ إضْلالُهُ لَهم آيَةً كَما أنَّ هُداهُ لِمَن هَداهُ آيَةٌ؛ فَقالَ - مُخَفِّفًا عَنْهُ ﷺ في إذْهابِ نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؛ دامِغًا لِلْقَدَرِيَّةِ -: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا يُرَدُّ أمْرُهُ؛ ﴿فَما لَهُ﴾؛ لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أضَلَّهُ؛ ﴿مِن هادٍ﴾؛ أيْ: فَخَفِّضْ مِن حُزْنِكَ عَلَيْهِمْ؛
39:37Page 462
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧
And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أبَدًا؛ ﴿فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾؛ فَهو - سُبْحانَهُ - يَهْدِي مَن شاءَ مِنهُمْ؛ إنْ أرادَ.
ولَمّا لَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ؛ ولا شَيْءٌ مِن شَكٍّ؛ أنَّ الهادِيَ المُضِلَّ إنَّما هو اللَّهُ؛ وحْدَهُ؛ وأنَّهُ جَعَلَ شَيْئًا واحِدًا سَبَبًا لِضَلالِ قَوْمٍ؛ لِيَكُونَ ضَلالُهم (p-٥١١)فِي الظّاهِرِ عِلَّةً لِلنِّقْمَةِ؛ وهُدًى لِآخَرِينَ؛ فَيَكُونَ هُداهم سَبَبًا لِلنِّعْمَةِ؛ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحُسْنِ قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿بِعَزِيزٍ﴾؛ أيْ: غالِبٍ لِما يُرِيدُ في إضْلالِهِ قَوْمًا يَدَّعُونَ أنَّهُمُ النِّهايَةُ في كَمالِ العُقُولِ؛ لِما هَدى بِهِ غَيْرَهُمْ؛ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾؛ أيْ: لَهُ هَذا الوَصْفُ؛ فَمَن أرادَ النِّقْمَةَ مِنهُ سَلَّطَ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ مِمّا يُحْزِنُهُ؛ ويُذِلُّهُ؛ كَما أنَّهُ إذا أرادَ يُعْمِيهِ عَنْ أنْوَرِ النُّورِ؛ ويُضِلُّهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences