Al-Biqa'iAz‑Zumar · 39:38–46

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:38–46

39:38Page 462

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨

And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."

ولَمّا عُلِمَ بِهَذِهِ البَراهِينِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - المُتَصَرِّفُ في المَعانِي؛ بِتَصَرُّفِهِ في القُلُوبِ بِالهِدايَةِ والإضْلالِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: فَلَئِنْ قَرَّرْتَهم بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لِيَقُولُنَّ: بَلى”؛ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ أنَّهُ الخالِقُ لِلذّاتِ؛ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلْمَعانِي والصِّفاتِ؛ فَقالَ - مُفْسِدًا لِدِينِهِمْ؛ بِاعْتِرافِهِمْ بِأصْلَيْنِ؛ القُدْرَةِ التّامَّةِ لَهُ؛ والعَجْزِ الكامِلِ لِمَعْبُوداتِهِمْ -: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾؛ أيْ: فَقُلْتَ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ؛ فُرادى أوْ مُجْتَمِعِينَ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ الِاتِّساعِ؛ والعَظَمَةِ؛ والِارْتِفاعِ؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ عَلى ما لَها مِنَ العَجائِبِ؛ وفِيها مِنَ الِانْتِفاعِ؛ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾؛ بَعْدَ تَخْوِيفِهِمْ لَكَ بِشُرَكائِهِمُ الَّذِينَ هم مِن جُمْلَةِ خَلْقِ مَن أرْسَلَكَ؛ بِما أنْتَ فِيهِ: الَّذِي خَلَقَها ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ؛ ولا إلْباسَ بِوَجْهٍ في أمْرِهِ؛ ولا يَصُدُّهم عَنْ ذَلِكَ الحَياءُ مِنَ التَّناقُضِ؛ ولا الخَوْفُ مِنَ التَّهافُتِ بِالتَّعارُضِ. (p-٥١٢)ولَمّا كانَ هَذا مُحَيِّرًا؛ لِأنَّهُ بَيِّنٌ؛ ولا بُدَّ أنَّهم لا يُقْبِلُونَ؛ ولا يُعْرِضُونَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أصْنَعُ؟ فَقالَ:﴿قُلْ﴾؛ مُسَبِّبًا عَنِ اعْتِرافِهِمْ لَهُ - سُبْحانَهُ - بِجَمِيعِ الأمْرِ قَوْلَهُ - مُقَرِّرًا بِالفَرْعِ؛ بَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالأصْلِ؛ ومُقَرِّعًا بِتَخْوِيفِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ أمْرٌ بِعَقْدٍ؛ ولا حَلٍّ -: ﴿أفَرَأيْتُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ السّائِلُ النَّصُوحُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُنَبِّهَ الخَصْمَ عَلى مَحَلِّ النُّكْتَةِ؛ لِيَنْتَبِهَ مِن غَفْلَتِهِ؛ فَيَرْجِعَ عَنْ غَلْطَتِهِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ عَنْ مَعْبُوداتِهِمْ؛ بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْها سابِقًا بِأداةِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ بَيانًا لِغَلَطِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا عَنْ مَفْعُولِ“رَأيْتَ”؛ الأوَّلِ؛ والثّانِي جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ -: ﴿ما تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ؛ وقَرَّرَ بُعْدَهم عَنِ التَّخْوِيفِ بِهِمْ؛ بِادِّعاءِ إلَهِيَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ فَلا شَيْءَ إلّا وهو مِن دُونِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ؛ ولَمّا كانَتِ العافِيَةُ أكْثَرَ مِنَ البَلْوى؛ أشارَ إلَيْها بِأداةِ الشَّكِّ؛ ونَبَّهَ عَلى مَزِيدِ عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِإعادَةِ الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ ولَمّا كانَ دَرْءُ المَفاسِدِ مُقَدَّمًا؛ قالَ: ﴿بِضُرٍّ﴾؛ أيْ: إنْ أطَعْتُكم في الجُنُوحِ إلَيْها خَوْفًا مِنها؛ وبالَغَ في تَنْبِيهِهِمْ؛ نُصْحًا لَهُمْ؛ لِيَرْجِعُوا عَنْ ظاهِرِ غَيِّهِمْ؛ بِما ذُكِرَ مِن دَناءَتِها؛ وسُفُولِها بِالتَّأْنِيثِ؛ بَعْدَ سُفُولِها بِعَدَمِ العَقْلِ؛ مَعَ دَناءَتِها؛ وبَعْدَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِأداةِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ فَقالَ: (p-٥١٣)﴿هَلْ هُنَّ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها؛“كاشِفاتٌ”؛ أيْ: عَنِّي؛ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّهُ لا خَلْقَ لَها؛ وأنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ (تَعالى)؛“ضُرَّهُ”؛ أيْ: الَّذِي أصابَنِي بِهِ؛ نَوْعًا مِنَ الكَشْفِ؛ لِأرْجُوَها في وقْتِ شِدَّتِي؛ ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾؛ لِطاعَتِي إيّاهُ في تَوْحِيدِهِ؛ وخَلْعِ ما سِواهُ مِن عَبِيدِهِ؛“هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتٌ”؛ أيْ: عَنِّي؛“رَحْمَتَهُ”؛؛ أيْ: لِأجْلِ عِصْيانِي لَهُنَّ؛ نَوْعَ إمْساكٍ؛ لِأُطِيعَكم في الخَوْفِ مِنهُنَّ؛ هَذِهِ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو؛ بِالتَّنْوِينِ؛ وإعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ بِنَصْبِ ما بَعْدَهُ؛ وهو الأصْلُ في اسْمِ الفاعِلِ؛ والباقُونَ بِالإضافَةِ؛ ولا فائِدَةَ غَيْرُ التَّخْفِيفِ؛ وقَدْ يُتَخَيَّلُ مِنها أنَّ الأوْثانَ مُخْتَصَّةٌ بِهَذا المَعْنى مَعْرُوفَةٌ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَسْكُتُونَ عِنْدَ هَذا السُّؤالِ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن لُزُومِ التَّناقُضِ إنْ أجابُوا بِالباطِلِ؛ ومِن بُطْلانِ دِينِهِمْ إنْ أجابُوا بِالحَقِّ؛ وكانَ الجَوابُ قَطْعًا عَنْ هَذا:“لا"؛ سَواءٌ نَطَقُوا؛ أوْ سَكَتُوا؛ تَحَرَّرَ أنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ بِوَجْهٍ إلّا اللَّهُ؛ فَكانَتِ النَّتِيجَةُ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾؛ إذا ألْقَمْتَهُمُ الحَجَرَ؛ ﴿حَسْبِيَ﴾؛ أيْ: كافِيَّ ﴿اللَّهُ﴾؛ الَّذِي أفْرَدْتُهُ بِالعِبادَةِ؛ لِأنَّهُ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مِمّا يُخَوِّفُونَنِي بِهِ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ ﴿عَلَيْهِ﴾؛ وحْدَهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ؛ ﴿يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْلُوَ أمْرُهم كُلَّ أمْرٍ؛ وأمَرَهُ بِالقَوْلِ؛ إعْلامًا بِأنَّ حالَهم عِنْدَ هَذا السُّؤالِ التَّناقُضُ (p-٥١٤)الظّاهِرُ جِدًّا.

39:39Page 462

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩

Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know

ولَمّا كانُوا مَعَ هَذِهِ الحُجَجِ القاطِعَةِ؛ والأدِلَّةِ القامِعَةِ؛ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ الَّتِي لا دافِعَ لَها بِوَجْهٍ؛ كالبَهائِمِ؛ لا يُبْصِرُونَ إلّا الجُزْئِيّاتِ حالَ وُقُوعِها؛ قالَ - مُهَدِّدًا مَعَ الِاسْتِعْطافِ -: ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾؛ أيْ: يا أقارِبِي؛ الَّذِينَ أرْتَجِيهِمْ عِنْدَ المُلِمّاتِ؛ وفِيهِمْ كِفايَةٌ في القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ؛ ﴿اعْمَلُوا﴾؛ أيْ: افْعَلُوا أفْعالًا مَبْنِيَّةً عَلى العِلْمِ؛ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾؛ أيْ: حالَتِكُمُ الَّتِي تَرَتَّبْتُمْ فِيها؛ وجَمُدْتُمْ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَكُمْ؛ مِنَ الكَوْنِ والمُكْنَةِ؛ لِتُبْصِرُوا حَقائِقَ الأُمُورِ؛ فَتَنْتَقِلُوا عَنْ أحْوالِكُمُ السّافِلَةِ إلى المَنازِلِ العالِيَةِ؛ فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّهم كالحَيَواناتِ العُجْمِ؛ لا اخْتِيارَ لَهُمْ؛ ويُعَرِّضُ بِالعَمَلِ؛ الَّذِي مَبْناهُ العِلْمُ والمَكانَةُ الَّتِي مَحَطُّها الجُمُودُ؛ بِأنَّ أفْعالَهم لَيْسَ فِيها ما يَنْبَنِي عَلى العِلْمِ؛ وإنَّما هي جُزافٌ؛ لا اعْتِبارَ لَها؛ ولا وزْنَ لَها؛ ثُمَّ أجابَ مَن عَساهُ أنْ يَقُولَ لَهُ مِنهُمْ: فَماذا تَعْمَلُ أنْتَ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾؛ عَلى كِفايَةِ اللَّهِ لِي؛ لَيْسَ لِي نَظَرٌ إلى سِواهُ؛ ولا أخْشى غَيْرَهُ؛ ولَيْسَ لِي مَكانَةٌ ألْتَزِمُ الجُمُودَ عَلَيْها؛ بَلْ أنا واقِفٌ عَلى ما يَرِدُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ إنْ نَقَلَنِي انْتَقَلْتُ؛ وإنْ أمَرَنِي بِغَيْرِ ذَلِكَ امْتَثَلْتُ؛ وأنا مُرْتَقِبٌ كُلَّ وقْتٍ لِلزِّيادَةِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ قَوْلِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ مِنهُمْ: وماذا عَساهُ يَكُونُ؟ قَوْلَهُ - إيذانًا بِأنَّهُ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ؛ لِأنَّ المُخْبِرَ لَهُ بِهِ اللَّهُ -: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛

39:40Page 462

مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠

To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."

(p-٥١٥)﴿مَن يَأْتِيهِ﴾؛ أيْ: مِنّا ومِنكُمْ؛ ﴿عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾؛ بِأنْ يُزِيلَ عَنْهُ كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُهُ أنْ يَسْتَعْذِبَهُ؛ ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: يَجِبُ في وقْتِهِ؛ مِن ”حَلَّ عَلَيْهِ الحَقُّ؛ يَحِلُّ“؛ بِالكَسْرِ؛ أيْ: وجَبَ؛ و”الدَّيْنُ“: صارَ حالًّا بِحُضُورِ أجَلِهِ؛ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾؛ لِإقامَتِهِ عَلى حالَتِهِ؛ وجُمُودِهِ عَلى ضَلالَتِهِ؛ ومَن يُؤْتِيهِ اللَّهُ انْتِصارًا يُعْلِيهِ؛ ويَنْقُلُهُ إلى نَعِيمٍ عَظِيمٍ؛ لِانْتِقالِهِ بِارْتِقائِهِ في مَدارِجِ الكَمالِ؛ بِأوامِرِ ذِي الجَلالِ والجَمالِ؛ ولَقَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ في قِصَّةِ المُسْتَهْزِئِينَ؛ ثُمَّ في وقْعَةِ ”بَدْرٍ“؛ فَإنَّ مَن أهْلَكَهُ اللَّهُ مِنهم جَعَلَ إهْلاكَهُ أوَّلَ عَذابِهِ؛ ونَقَلَهُ بِهِ إلى عَذابِ البَرْزَخِ؛ ثُمَّ عَذابِ النّارِ؛ فَلا انْفِكاكَ لَهُ مِنَ العَذابِ؛ ولا رَجاءَ لَحُسْنِ المَآبِ.

39:41Page 463

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١

Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.

ولَمّا تَجَلَّتْ عَرائِسُ هَذِهِ المَعانِي؛ آخِذَةً بِالألْبابِ؛ ولَمَعَتْ سُيُوفُ تِلْكَ المَبانِي مِنَ المَثانِي؛ قاطِعَةً الرِّقابَ؛ وخَتَمَها بِما خَتَمَ؛ مِن صادِعِ الإرْهابِ؛ أنْتَجَتْ؛ ولا بُدَّ؛ قَوْلَهُ - مُعَلِّلًا لِإتْيانِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ؛ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ لِمَضْمُونِ هَذا الإخْبارِ -: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِن باهِرِ العَظَمَةِ؛ ونافِذِ الكَلِمَةِ.

ولَمّا كانَ تَوَسُّطُ المِلْكِ خَفِيًّا؛ لَمْ يُعِدْهُ؛ فَأسْقَطَ حَرْفَ الغايَةِ؛ إفْهامًا لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ بِلا واسِطَةٍ؛ بَعْدَ أنْ أثْبَتَ وساطَتَهُ أوَّلَ السُّورَةِ؛ فَقالَ - مَقْرُونًا بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ؛ إشارَةً إلى بِدايَةِ الحالِ؛ فَلَمّا حَصَلَ التَّمَكُّنُ؛ فَصارَ الكِتابُ خُلُقًا لَهُ ﷺ وصارَ ظُهُورُهُ فِيهِ هادِيًا لِغَيْرِهِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ (p-٥١٦)لا عَلى غَيْرِكَ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ؛ لِأنَّكَ عِنْدَنا الخالِصُ لَنا؛ دُونَ أهْلِ القَرْيَتَيْنِ؛ ودُونَ أهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ؛ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ دُونَنا فِيكَ حَظٌّ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الكَمالِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”ال“؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ عامَّةً؛ لِأنَّ رِسالَتَكَ عامَّةٌ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ مُصاحِبًا لَهُ؛ لا يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلى أنْ يُزِيحُوا مَعْنًى مِن مَعانِيهِ عَنْ قَصْدِهِ؛ ولا لَفْظًا مِن ألْفاظِهِ عَنْ سَبِيلِهِ وحَدِّهِ؛ بَلْ هو مُعْجِزٌ في مَعانِيهِ - حاضِرَةً كانَتْ أوْ غائِبَةً - ونُظُومِهِ؛ وألْفاظِهِ؛ وأسْماءِ سُوَرِهِ؛ وآياتِهِ؛ وجَمِيعِ رُسُومِهِ؛ فَلا بُدَّ مِن إتْيانِ ما فِيهِ مِن وعْدٍ؛ ووَعِيدٍ.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ وُجُوبُ المُبادَرَةِ إلى الإذْعانِ لَهُ؛ لِفَوْزِ الدّارَيْنِ؛ حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ (تَعالى) - تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ؛ لِعَظِيمِ ما لَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ وتَهْدِيدًا لَهم -: ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾؛ أيْ: طاوَعَ الهادِيَ؛ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أيْ: فاهْتِداؤُهُ خاصٌّ نَفْعُهُ بِها؛ لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلّا أجْرُ التَّسَبُّبِ؛ ﴿ومَن ضَلَّ﴾؛ أيْ: وقَعَ مِنهُ ضَلالٌ بِمُخالَفَتِهِ لِداعِي الفِطْرَةِ؛ ثُمَّ داعِي الرِّسالَةِ عَنْ عِلْمٍ؛ وتَعَمُّدٍ؛ أوْ إهْمالٍ لِلنَّظَرِ؛ وتَهاوُنٍ؛ ولَمّا كانَ رُبَّما وُقِعَ في وهْمِ أنَّهُ يَلْحَقُ الدّاعِيَ بَعْدَ البَيانِ مِن إثْمِ الضّالِّ؛ وكانَ السِّياقُ لِتَهْدِيدِ الضّالِّينَ؛ زادَ في التَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾؛ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن ضَلالِهِ؛ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ.

ولَمّا هَدى السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ لِتَقْهَرَهم (p-٥١٧)عَلى الهُدى“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أنْتَ﴾؛ أيْ: في هَذا الحالِ؛ ولِمَزِيدِ العِنايَةِ بِنَفْيِ القَهْرِ؛ قَدَّمَ أداةَ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ لِتَحْفَظَهم عَنِ الضَّلالِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ إلَيْهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ؛ لا لِقُدْرَةِ الرَّسُولِ عَلى هِدايَتِهِمْ؛ ولا لِعَجْزِ المُرْسَلِ عَنْ ذَلِكَ.

39:42Page 463

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.

ولَمّا كانَ الوَكِيلُ في الشَّيْءِ لا تَصْلُحُ وكالَتُهُ فِيهِ إلّا إنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ؛ وكانَ حِفْظُهم عَلى الهُدى؛ وعَنِ الضَّلالِ؛ لا يَكُونُ إلّا لِحاضِرٍ لا يَغِيبُ؛ ولا يَعْتَرِيهِ نَوْمٌ؛ ولا يَطْرُقُهُ مَوْتٌ؛ لَمْ تَصِحَّ وكالَةُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فِيهِ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنَّهُ لَوْ وُكِلَ إلَيْكَ أمْرُهم لَضاعُوا عِنْدَ نَوْمِكَ؛ ومَوْتِكَ”؛ فَدَلَّ عَلَيْهِ بِما أدّى مَعْناهُ؛ وزادَ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ ما يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ؛ مِن تَشْبِيهِ الهِدايَةِ بِالحَياةِ واليَقَظَةِ؛ والضَّلالِ بِالمَوْتِ والنَّوْمِ؛ فَكَما أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ؛ والإنامَةِ إلّا اللَّهُ؛ فَكَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى الهِدايَةِ؛ والإضْلالِ إلّا اللَّهُ؛ فَمَن عَرَفَ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القُدْرَةِ؛ ومَن عَرَفَ السِّرَّ فِيهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ؛ فَهي تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ؛ لَفَتَ القَوْلَ إلى التَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ؛ وأسْنَدَ التَّوَفِّيَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لِأنَّهُ في بَيانِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْوَكالَةِ غَيْرُهُ أصْلًا؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مَجامِعُ الكَمالِ؛ ولَيْسَ لِشائِبَةِ نَقْصٍ إلَيْهِ سَبِيلٌ؛ ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾؛ الَّتِي ماتَتْ عِنْدَ انْقِضاءِ (p-٥١٨)آجالِها؛ أيْ يَفْعَلُ في وفاتِها فِعْلَ مَن يَجْتَهِدُ في ذَلِكَ؛ بِأنْ يَقْبِضَها وافِيَةً؛ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنها في شَيْءٍ مِنَ الجَسَدِ؛ وعَبَّرَ عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ إشارَةً إلى أنَّها؛ وإنْ تَجاوَزَتِ الحَصْرَ فَهي كَنَفْسٍ واحِدَةٍ؛ ولَعَلَّهُ لَمْ يُوَحِّدْهُ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الوَحْدَةَ عَلى حَقِيقَتِها؛ ﴿حِينَ مَوْتِها﴾؛ أيْ: مَنعِها مِنَ التَّصَرُّفِ في أجْسادِها؛ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ كائِنَةً في مَماتِها؛ مَحْبُوسَةً فِيهِ؛ مَظْرُوفَةً لَهُ؛ وعَطَفَ عَلى“الأنْفُسَ”؛ قَوْلَهُ: ﴿والَّتِي﴾؛ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي ﴿لَمْ تَمُتْ﴾؛ لِأنَّها لَمْ تَنْقَضِ آجالُها؛ حِينَ نَوْمِها كائِنَةً ﴿فِي مَنامِها﴾؛ بِمَنعِها مِنَ التَّصَرُّفِ بِالحِسِّ؛ والإدْراكِ؛ ما دامَ النَّوْمُ مَوْجُودًا؛ مَظْرُوفَةً لَهُ؛ لا شَيْءَ مِنها في الجَسَدِ عَلى حالِ اليَقَظَةِ؛ فالجامِعُ بَيْنَهُما عَدَمُ الإدْراكِ؛ والشُّعُورِ؛ والتَّصَرُّفِ؛ ولَوْ قِيلَ: بِمَوْتِها؛ وبِمَنامِها؛ لَمْ يُفِدْ أنَّ كُلًّا مِنَ المَوْتِ؛ والوَفاةِ؛ آيَةٌ مُغايِرَةٌ لِلْأُخْرى.

ولَمّا كانَ النَّوْمُ مُنْقَضِيًا؛ دَلَّنا؛ بِقِرانِهِ بِالمَوْتِ؛ عَلى أنَّ المَوْتَ أيْضًا مُنْقَضٍ؛ ولا بُدَّ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لِكُلٍّ مِنهُما واحِدٌ؛ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَيُمْسِكُ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنِ الوَفاتَيْنِ أنَّهُ يُمْسِكُ عِنْدَهُ ﴿الَّتِي قَضى﴾؛ أيْ: خَتَمَ؛ وحَكَمَ؛ وبَتَّ بَتًّا مُقَدَّرًا؛ مَفْرُوغًا مِنهُ؛ وقِراءَةُ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُوَضِّحَةٌ لِهَذا المَعْنى؛ بِزِيادَةِ اليُسْرِ؛ والسُّهُولَةِ؛ ﴿عَلَيْها المَوْتَ﴾؛ مَظْرُوفَةً لِمَماتِها؛ لا تَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِ جَسَدِها؛ ما دامَ المَوْتُ مُحِيطًا بِها؛ كَما أنَّ النّائِمَةَ كَذَلِكَ؛ ما دامَ النَّوْمُ مُحِيطًا بِها؛ ﴿ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾؛ أيْ: الَّتِي أخَّرَ مَوْتَها؛ وجَعَلَها مَظْرُوفَةً لِلْمَنامِ؛ لِأنَّها لَمْ يَنْقَضِ أجَلُها (p-٥١٩)الَّذِي ضَرَبَهُ لَها؛ بِأنْ يَفْنى المَنامُ؛ فَيُوقِظَها لِتَصْرِيفِ أبْدانِها؛ ويَجْعَلَ ذَلِكَ الإمْساكَ لِلْمَيِّتَةِ؛ والإرْسالَ لِلنّائِمَةِ؛ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ لِبَعْثِ المَيِّتَةِ؛ ولِمَوْتِ النّائِمَةِ؛ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؛ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ أماتَ النّائِمَةَ؛ وبَعَثَ المَيِّتَةَ؛ وقَدْ ظَهَرَ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هَدى إلَيْهِ قَطْعًا السِّياقُ أنَّ النَّفْسَ الَّتِي تَنامُ هي الَّتِي تَمُوتُ؛ وهي الرُّوحُ؛ قالَ ابْنُ الصَّلاحِ؛ في فَتاوِيهِ: وهو الأشْبَهُ بِظاهِرِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ انْتَهى.

رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ - قالَ الهَيْثَمِيُّ: ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ:“تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ والأمْواتِ؛ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ؛ فَيُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ المَوْتى؛ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ إلى أجْسادِها”؛ ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي؛ اللَّهُمَّ إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها؛ وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ"؛» وظَهَرَ أيْضًا أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الحِينَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِ مِثْلِهِ في النَّوْمِ ثانِيًا؛ والمَنامَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المَماتِ أوَّلًا.

ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى الأُسْلُوبِ الرَّفِيعِ؛ والنَّظْمِ المَنِيعِ؛ نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ؛ وما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ قَرْعًا لِمَن يَرْمِيهِ بِالأساطِيرِ؛ وغَيْرِها مِنَ الأباطِيلِ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِنَ الوَفاةِ؛ (p-٥٢٠)والنَّوْمِ؛ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ؛ والعِبارَةِ عَنْهُ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والحِفْظِ غَيْرُهُ؛ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُهُ؛ ﴿لِقَوْمٍ﴾؛ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ في مُزاوَلَةِ الأُمُورِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ تَجْرِيدِ النَّفْسِ مِنَ الشَّواغِلِ؛ والتَّدَبُّرِ؛ قالَ: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: في عَظَمَةِ هَذا التَّدْبِيرِ؛ لِيُعْلَمَ بِهِ عَظَمَةُ اللَّهِ؛ وذَلِكَ أنَّ النَّفْسَ جَوْهَرٌ رُوحانِيٌّ؛ لَهُ في التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ ثَلاثُ حالاتٍ؛ إحْداها أنْ يَقَعَ ضَوْءُ النَّفْسِ عَلى البَدَنِ ظاهِرًا وباطِنًا؛ وذَلِكَ هو الحَياةُ مَعَ اليَقَظَةِ؛ وثانِيَتُها انْقِطاعُ ضَوْءِ النَّفْسِ عَنِ البَدَنِ ظاهِرًا لا باطِنًا؛ وذَلِكَ بِالنَّوْمِ؛ وثالِثُها انْقِطاعُ ذَلِكَ ظاهِرًا وباطِنًا؛ وهو بِالمَوْتِ؛ فالمَوْتُ والنَّوْمُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ؛ إلّا أنَّ المَوْتَ انْقِطاعٌ تامٌّ؛ والنَّوْمَ انْقِطاعٌ ناقِصٌ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ شَيْءٍ واحِدٍ عَلى نَوْعَيْنِ؛ ثُمَّ يَجْعَلُهُما في شَيْءٍ واحِدٍ عَلى التَّعاقُبِ؛ ويَفْصِلُ كُلًّا مِنهُما مِنَ الآخَرِ؛ إلّا هو - سُبْحانَهُ -؛ وكُلَّما قَدَرَ عَلى إنْهاءِ المَوْتَةِ الصُّغْرى بِحَدٍّ جَعَلَهُ لَها؛ فَهو قادِرٌ عَلى إنْهاءِ الكُبْرى بِمِثْلِ ذَلِكَ.

39:43Page 463

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣

Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"

ولَمّا أنْتَجَ هَذا؛ ولا بُدَّ؛ نَحْوَ أنْ يُقالَ - تَوَعُّدًا لَهم -: ”هَلْ عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقُومُ شَيْءٌ مَقامَهُ؛ ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ؛ ولا يَقْرُبُ أحَدٌ مِنَ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ مِن فِعْلِهِ؛ فَكَيْفَ بِالقُرْبِ مِن رُتْبَتِهِ؟! فَضْلًا عَنْ (p-٥٢١)مُماثَلَتِهِ؛ فَرَجَعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ؟“؛ عادَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمْ؛ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ عِنْدَها؛ أنْ أخَذُوا ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مُكافِئَ لَهُ؛ ولا مُدانِيَ؛ ﴿شُفَعاءَ﴾؛ أيْ: تُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى؛ في الدُّنْيا؛ وفي الآخِرَةِ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها؛ مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ الشُّهُودِيَّةِ عِنْدَهم عَلى أنَّهُ لا يَشْفَعُ أحَدٌ إلّا عِنْدَ مَن يَصِحُّ أنْ يُكافِئُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ولِذَلِكَ نَبَّهَ عَلى المَعْنى بِقَوْلِهِ - مُعْرِضًا عَنْهُمْ؛ إشارَةً إلى سُفُولِهِمْ عَنِ الفَهْمِ -: ﴿قُلْ أوَلَوْ﴾؛ أيْ: أيَتَّخِذُونَهم لِذَلِكَ؛ ولَوْ ﴿كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لا تَتَجَدَّدُ لَهم هَذِهِ الصِّفَةُ؛ ﴿ولا يَعْقِلُونَ﴾؛ كَما يُشاهَدُ مِن حالِ أصْنامِكم.

39:44Page 463

قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤

Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."

ولَمّا نَفى صَلاحِيَّةَ أصْنامِهِمْ لِهَذا الأمْرِ؛ أشارَ إلى نَفْيِهِ عَمّا سِواهُ؛ بِقَصْرِ الأمْرِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المُحْتَوِي عَلى صِفاتِ الكَمالِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿الشَّفاعَةُ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسُ؛ ﴿جَمِيعًا﴾؛ فَلا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ مِنها شَيْئًا؛ لَكِنَّهُ يَأْذَنُ إنْ شاءَ فِيما يُرِيدُ مِنها؛ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ ولَمّا كانَ كُلَّ ما سِواهُ مِلْكًا لَهُ؛ وكانَ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ المَمْلُوكَ لا يَصِحُّ أنْ يُمَلِّكَ شَيْئًا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ؛ لِأنَّ المِلْكَيْنِ لا يَتَوارَدانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا تُشاهِدُونَ مِن مُلْكِهِ سِواهُما؛ والشَّفاعَةُ مِن مِلْكِهِما. (p-٥٢٢)ولَمّا كانَ المَمْلُوكُ مِلْكًا ضَعِيفًا قَدْ يَتَغَلَّبُ عَلى مالِكِهِ؛ فَيُناظِرُهُ؛ فَيَتَأهَّلُ لِلشَّفاعَةِ عِنْدَهُ؛ نَفى ذَلِكَ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ - دالًّا عَلى عَظَمَةِ القَهْرِ؛ بِأداةِ التَّراخِي - فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ مَعْنًى في الدُّنْيا؛ بِأنْ يُنَفِّذَ فِيكم جَمِيعَ أمْرِهِ؛ وحِسًّا ظاهِرًا ومَعْنًى في الآخِرَةِ.

39:45Page 463

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.

ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّ شُفَعاءَهم لَيْسَتْ بِأهْلٍ لِلشَّفاعَةِ؛ وعَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ؛ وخَتَمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ؛ المُقْتَضِي لِأنْ تُصْرَفَ الهِمَمُ كُلُّها نَحْوَهُ؛ وتُوَجَّهَ العَزائِمُ جَمِيعُها تِلْقاءَهُ؛ ولِأنَّهُ لا يُخْشى سِواهُ؛ ولا يُرْجى غَيْرُهُ؛ ذَكَرَ حالًا مِن أحْوالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإذا﴾؛ أيْ: الحالُ ما ذَكَرْناهُ؛ وإذا ﴿ذُكِرَ﴾؛ وأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ ولَمْ يُضْمِرْهُ؛ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ؛ زِيادَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا عَظِيمَ غَيْرُهُ؛ ولا أمْرَ لِسِواهُ؛ ﴿وحْدَهُ﴾؛ أيْ: دُونَ شُفَعائِهِمُ الَّتِي قَدْ وضَحَ أنَّهُ لا شَفاعَةَ لَهُمْ؛ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾؛ أيْ: نَفَرَتْ كَراهِيَةً؛ وذُعْرًا؛ واسْتِكْبارًا؛ مَعَ تَمَعُّرِ الوَجْهِ؛ وتَقَبُّضِهِ قُلُوبَهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يُجَدِّدُونَ إيمانًا؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ بَيانًا لِأنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ إضاعَةُ اعْتِقادِ ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ؛ مِنَ الرُّجُوعِ (p-٥٢٣)إلَيْهِ؛ الَّذِي أتَمَّهُ؛ وأظْهَرَهُ؛ رُجُوعِ الآخِرَةِ؛ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ﴾؛ وبَكَّتَ بِهِمْ في رِضاهم بِالأدْنى؛ فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: الأوْثانُ؛ وأكَّدَ فَرْطَ جَهْلِهِمْ في اتِّباعِهِمُ الباطِلَ؛ وجُمُودِهِمْ عَلَيْهِ؛ دُونَ تَلَبُّثٍ لِنَظَرٍ في دَلِيلٍ؛ أوْ سَماعٍ لِـ ”قالَ“؛ أوْ ”قِيلَ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا هُمْ﴾؛ أيْ: بِضَمائِرِهِمُ المُفِيضَةِ عَلى ظَواهِرِهِمْ؛ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أيْ: فاجَؤُوا طَلَبَ البِشْرِ؛ وإيقاعِهِ؛ وتَجْدِيدِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّباتِ في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ سَواءٌ ذُكِرَ مَعَهُمُ اللَّهُ؛ أوْ لا؛ فالِاسْتِبْشارُ حِينَئِذٍ إنَّما هو بِالأنْدادِ؛ والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا؛ وغَيْظًا؛ فَيَظْهَرُ أثَرُهُ؛ وهو الِانْقِباضُ في أدِيمِ الوَجْهِ؛ والِاسْتِبْشارَ امْتِلاءُ القَلْبِ سُرُورًا؛ حَتّى يَظْهَرَ أثَرُهُ؛ وهو الِانْبِساطُ؛ والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ والعامِلُ في ”إذا“؛ الأُولى هو العامِلُ في الفُجائِيَّةِ؛ أيْ: فاجَؤُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ هَذا الذِّكْرِ؛ وعَبَّرَ بِالفِعْلِ أوَّلًا؛ وبِالِاسْمِيَّةِ ثانِيًا؛ لِيُفِيدَ ذَمَّهم عَلى مُطْلَقِ الِاشْمِئْزازِ؛ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى الأحْوالِ؛ وعَلى ثَباتِ الِاسْتِبْشارِ؛ تَقْبِيحًا لِمُطْلَقِ الكُفْرِ؛ ثُمَّ الثَّباتِ عَلَيْهِ؛ فَتْحًا لِبابِ التَّوْبَةِ.

39:46Page 463

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦

Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."

ولَمّا نَفى صَلاحِيَةَ الوَكالَةِ عَلى النّاسِ في الهُدى؛ والضَّلالِ لِغَيْرِهِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِمُلْكِهِ؛ ومِلْكِهِ؛ وأخْبَرَ بِتَعَمُّدِهِمُ الباطِلَ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ وُجُوبَ اللِّجاءِ إلَيْهِ؛ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ؛ وقَصْرِ العَزْمِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ (p-٥٢٤)- مُعْلِمًا بِذَلِكَ؛ ومُعَلِّمًا لِما يُقالُ عِنْدَ مُخالَفَةِ الدّاعِي؛ بِاتِّباعِ الهَوى -: ﴿قُلِ﴾؛ أيْ: يا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ؛ فَلا يَفْهَمُ عَنّا حَقَّ الفَهْمِ غَيْرُهُ؛ راغِبًا إلى رَبِّكَ في أنْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ أيْ: يا اللَّهُ؛ وهَذا نِداءٌ مَحْضٌ؛ ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا عَلى نَحْوَيْنِ آخَرَيْنِ؛ ذَكَرَهُما ابْنُ الخَشّابِ المَوْصِلِيُّ؛ في كِتابِهِ ”النِّهايَةُ شَرْحُ الكِفايَةِ“؛ أحَدُهُما أنْ تُذْكَرَ لِتَمْكِينِ الجَوابِ في نَفْسِ السّائِلِ؛ كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قالَ: آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تُصَلِّيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ؛ فَقالَ: ”اللَّهُمَّ نَعَمْ“؛» إلى آخِرِ ما قالَهُ لَهُ؛ وسَرَّهُ أنَّ المَسْؤُولَ إذا ذَكَرَ اللَّهَ في جَوابِهِ؛ كانَ ذِكْرُهُ إيّاهُ أبْعَثَ لِلسّائِلِ عَلى تَصْدِيقِهِ؛ لِأنَّهُ أوْقَرُ في صَدْرِهِ؛ إنْ لَمْ يَتَصَدَّ لِذِكْرِ اللَّهِ؛ ولَمْ يَكُنْ بِصَدَدِهِ؛ وهو مِمَّنْ يَدِينُ بِاسْتِعْمالِ الكَذِبِ؛ والثّانِي أنْ يَدُلَّ بِهِ عَلى النُّدْرَةِ؛ وقِلَّةِ وُقُوعِ المَذْكُورِ؛ كَقَوْلِ المُصَنِّفِينَ: لا يَكُونُ كَذا؛ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ كَذا؛ كَأنَّهُ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِن جَزْمِهِ؛ أوْ لا يَسُدُّ البابَ في أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُ ما ذَكَرَهُ؛ فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ فَإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَذا؛ انْتَهى؛ ثُمَّ أبْدَلَ - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ -؛ ووَصَفَ - عِنْدَ غَيْرِهِ - فَقالَ: ﴿فاطِرَ﴾؛ أيْ: ”مُبْدِعَ“؛ مِنَ العَدَمِ؛ ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ (p-٥٢٥)لا تَتِمُّ إلّا بِتَمامِ العِلْمِ؛ قالَ: ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾؛ أيْ: ما لا يَصِحُّ عِلْمُهُ لِلْخَلْقِ؛ وما يَصِحُّ.

ولَمّا كانَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ - لا يُمْكِنُ لَهُ ذَلِكَ؛ حَسُنَ التَّخْصِيصُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾؛ أيْ: أنا؛ وهُمْ؛ وغَيْرِنا؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ لا مَحِيصَ عَنْ ذَلِكَ؛ ولا يَصِحُّ في الحِكْمَةِ سِواهُ؛ كَما أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَحْكُمُ بَيْنَ عَبِيدِهِ؛ ومِن تَحْتِ أمْرِهِ؛ لا يَسُوغُ في رَأْيِهِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ ﴿فِي ما كانُوا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ بِما اقْتَضَتْهُ جِبِلّاتُهُمُ الَّتِي جَبَلْتَهم عَلَيْها؛ ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ وأمّا غَيْرُكَ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُونَ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلى الحُكْمِ بَيْنَهُمْ؛ وأمّا غَيْرُ ما هم عَرِيقُونَ في الِاخْتِلافِ فِيهِ؛ فَلا يَحْكُمُ بَيْنَهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ إمّا ما هُيِّئُوا بِفِطَرِهِمُ السَّلِيمَةِ؛ وعُقُولِهِمُ القَوِيمَةِ؛ لِلِاتِّفاقِ عَلَيْهِ؛ فَهو الحَقُّ؛ وإمّا ما يَعْرِضُ لَهم الِاخْتِلافُ فِيهِ؛ لا عَلى سَبِيلِ القَصْدِ؛ أوْ بِقَصْدٍ غَيْرِ ثابِتٍ؛ فَهو مِمّا تُذْهِبُهُ الحَسَناتُ؛ فَعُرِفَ أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ إنَّما هو لِلِاخْتِصاصِ؛ لا الفاصِلَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском