Al-Biqa'iAz‑Zumar · 39:5–8

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:5–8

39:5Page 458

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥

He created the heavens and earth in truth. He wraps the night over the day and wraps the day over the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. Unquestionably, He is the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1

ولَمّا أثْبَتَ هَذِهِ الصِّفاتِ؛ الَّتِي نَفَتْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ ولَدٌ؛ وأثْبَتَتْ لَهُ الكَمالَ المُطْلَقَ؛ دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ أيْ: أبْدَعَهُما مِنَ العَدَمِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالأمْرِ الثّابِتِ؛ الَّذِي لَيْسَ بِخَيالٍ؛ ولا سِحْرٍ؛ عَلى وجْهٍ لا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ ولا تَفاوُتَ؛ ولا خَلَلَ يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ: إنَّهُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ؛ ولَمّا كانَ مِن أدَلِّ الأشْياءِ عَلى صِفَتَيِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والقَهْرِ؛ وتَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ الأمْرِ؛ بَعْدَ إيجادِ الخافِقَيْنِ؛ اخْتِلافُ المَلَوَيْنِ؛ وكانَ التَّكْوِيرُ - وهو إدارَةُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ؛ وإحاطَتُهُ بِهِ؛ بِحَيْثُ يَعْلُو عَلَيْهِ؛ ويَغْلِبُهُ؛ ويُغَطِّيهِ - أدَلَّ عَلى صِفَةِ القَهْرِ مِنَ الإيلاجِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِوَقْتِ إيجادِ المَلَوَيْنِ -: ﴿يُكَوِّرُ﴾؛ أيْ: خَلَقَهُما؛ أيْ: صَوَّرَهُما في حالِ كَوْنِهِ يَلُفُّ؛ ويَلْوِي؛ ويُدِيرُ؛ فَيُغَطِّي مَعَ السُّرْعَةِ والعُلُوِّ والغِلَّةِ؛ تَكْوِيرًا كَثِيرًا مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا إلى أجَلِهِ؛ ﴿اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾؛ بِأنْ يَسْتُرَهُ بِهِ؛ فَلا يَدَعُ لَهُ أثَرًا؛ ولِعَظَمَةِ هَذا الصُّنْعِ؛ أعادَ العامِلَ؛ فَقالَ: ﴿ويُكَوِّرُ النَّهارَ﴾؛ عالِيًا تَكْوِيرُهُ وتَغْطِيَتُهُ؛ ﴿عَلى اللَّيْلِ﴾؛ فَيُذْهِبُهُ كَذَلِكَ؛ (p-٤٥٣)ويُدْخِلُ في هَذا الزِّيادَةَ في كُلٍّ مِنهُما؛ بِما يَنْقُصُ مِنَ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ إذا ذَهَبَ أحَدُهُما؛ وأتى الآخَرُ مَكانَهُ؛ فَكَأنَّ الآتِيَ لَفَّ عَلى الذّاهِبِ؛ وألْبَسَهُ؛ كَما يُلَفُّ اللِّباسُ عَلى اللّابِسِ؛ أوْ أنَّهُ شَبَّهَ الذّاهِبَ في خَفائِهِ بِالآتِي بِشَيْءٍ ظاهِرٍ؛ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ عَنْ مَطامِحِ الأبْصارِ؛ أوْ أنَّ كُلًّا مِنهُما لَمّا كانَ يَكُرُّ عَلى الآخَرِ كُرُورًا مُتَتابِعًا شُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارٍ؛ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ؛ فَتُغَيِّبُ ما تَحْتَها.

ولَمّا كانَتِ الظُّلْمَةُ سابِقَةً عَلى الضِّياءِ؛ وكانَ اللَّيْلُ إنَّما هو ظُلْمَةٌ يَسْبِقُها ضِياءٌ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ رَتَّبَ - سُبْحانَهُ - هَذا التَّرْتِيبَ عَلى حَسَبِ الإيجادِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ آيَةَ النَّهارِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ بِخَلْقِهِ الآيَتَيْنِ مُسَخَّرَتَيْنِ؛ عَلى مِنهاجٍ مَعْلُومٍ لِكُلٍّ مِنهُما؛ لا يَتَعَدّاهُ؛ وحَدٍّ مَحْدُودٍ لا يَتَخَطّاهُ -: ﴿وسَخَّرَ﴾؛ أيْ: ذَلَّلَ؛ وأكْرَهَ؛ وقَهَرَ؛ وكَلَّفَ لِما يُرِيدُ؛ مِن غَيْرِ نَفْعٍ لِلْمُسَخَّرِ؛ ﴿الشَّمْسَ﴾؛ أيْ: الَّتِي مَحَتْ ما كانَ مِنَ الظَّلامِ؛ فَأوْجَبَتِ اسْمَ النَّهارِ؛ ﴿والقَمَرَ﴾؛ أيْ: آيَةَ اللَّيْلِ.

ولَمّا أخْبَرَ بِقَهْرِهِما؛ بَيَّنَ ما صَرَّفَهُما فِيهِ؛ فَقالَ - بَيانًا لِهَذا (p-٤٥٤)التَّسْخِيرِ -: ﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ ﴿يَجْرِي﴾؛ أيْ: بِقَضائِنا؛ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ؛ وهَذا آيَةٌ لِاخْتِلافِ أحْوالِ العَبْدِ؛ لِأنَّ خَلْقَهُ جامِعٌ؛ فَيَخْتَلِفُ في القَبْضِ؛ والبَسْطِ؛ والجَمْعِ؛ والفَرْقِ؛ والأخْذِ؛ والرَّدِّ؛ والصَّحْوِ؛ والسُّكْرِ؛ وفي نُجُومِ العَقْلِ؛ وأقْمارِ العِلْمِ؛ وشُمُوسِ المَعْرِفَةِ؛ ونَهارِ التَّوْحِيدِ؛ ولَيْلِ الشَّكِّ والجَحْدِ؛ ونَهارِ الوَصْلِ؛ ولَيالِي الهَجْرِ والفِراقِ؛ وكَيْفِيَّةِ اخْتِلافِها؛ وزِيادَتِها؛ ونُقْصانِها؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ.

ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ العِزَّةَ؛ الَّتِي مَحَطُّها الغَلَبَةُ؛ وكانَ السِّياقُ لِلْقَهْرِ؛ وكانَ القَضاءُ لِعِلَّةٍ لا يَتَخَلَّفُ عَنْها المَعْلُولُ؛ أدَلَّ عَلى القَهْرِ مِن ذِكْرِ الغايَةِ مُجَرَّدَةً عَنِ العِلَّةِ؛ قالَ: ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أيْ: لِمُنْتَهى الدَّوْرِ؛ ومُنْقَطَعِ الحَرَكَةِ؛ ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا قَهْرُهُ؛ قالَ - مُنادِيًا؛ رَشْقًا في قُلُوبِ المُنْكِرِينَ -: ﴿ألا هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: فَما لَهُ لا يَأْخُذُ مَن يُخالِفُهُ؟ وكانَتْ صِفَةُ القَهْرِ والعِزَّةِ رُبَّما أقْنَطَتِ العُصاةَ؛ فَأخَّرَتْهم عَنِ الإقْبالِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِسَبَبِ التَّأْخِيرِ؛ ومُسْتَعْطِفًا -: ﴿الغَفّارُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفَةُ السَّتْرِ عَلى الذُّنُوبِ؛ مُتَكَرِّرَةً؛ فَيَمْحُو ذُنُوبَ مَن يَشاءُ عَيْنًا؛ وأثَرًا؛ بِمَغْفِرَتِهِ؛ ويَأْخُذُ مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ.

39:6Page 459

خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦

He created you from one soul. Then He made from it its mate, and He produced for you from the grazing livestock eight mates.1 He creates you in the wombs of your mothers, creation after creation, within three darknesses.2 That is Allāh, your Lord; to Him belongs dominion. There is no deity except Him, so how are you averted?

ولَمّا كانَ خَلْقُ الحَيَوانِ أدَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ؛ بِما خالَفَ بِهِ الجَماداتِ مِنَ الحَياةِ؛ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْها قَبْلَ أجَلِهِ؛ (p-٤٥٥)وبِما لَهُ مِن أُمُورٍ اضْطِرارِيَّةٍ؛ لا مَحِيصَ لَهُ عَنْها؛ وأُمُورٍ اخْتِيارِيَّةٍ مَوْكُولَةٍ في الظّاهِرِ إلى مَشِيئَتِهِ؛ وكانَ أعْجَبُهُ خَلْقًا الإنْسانَ؛ بِما لَهُ مِن قُوَّةِ النُّطْقِ؛ قالَ - دالًّا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِخَلْقِ الخافِقَيْنِ؛ لافِتًا القَوْلَ إلى خِطابِ النَّوْعِ كُلِّهِ؛ إيذانًا بِتَأهُّلِهِمْ لِلْخِطابِ؛ وتَرَقِّيهِمْ في عُلا الأسْبابِ؛ مِن غَيْرِ عَطْفٍ؛ إيذانًا بِأنَّ كُلًّا مِن خَلْقِهِمْ؛ وخَلْقِ ما قَبْلَهُمْ؛ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى ما سِيقَ لَهُ -: ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ المُدَّعُونَ لِإلَهِيَّةِ غَيْرِهِ؛ ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾؛ هي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَمّا كانَ إيجادُنا مِنها بَعْدَ شَقِّ الأُنْثى مِنها؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”أوْجَدَها مِن تُرابٍ“؛ مُبَيِّنًا بِلَفْظِ الجَعْلِ أنَّ الذَّكَرَ هو سَبَبُها؛ ومادَّتُها؛ مُنَبِّهًا بِأداةِ التَّراخِي عَلى القَهْرِ؛ الَّذِي السِّياقُ لَهُ؛ بِالتَّراخِي في الزَّمانِ؛ بِتَأْخِيرِ المُسَبَّبِ عَنْ سَبَبِهِ المُقْتَضِي لَهُ؛ إلى حِينِ مَشِيئَتِهِ؛ لِأنَّ إيجادَها مِنهُ كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن إيجادِهِ؛ والأصْلُ في الأسْبابِ تَرَتُّبُ المُسَبَّباتِ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ؛ وعَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ أيْضًا؛ بِأنَّ ذَلِكَ - لِكَوْنِهِ شَدِيدَ المُبايَنَةِ لِأصْلِهِ - مِن أعْجَبِ العَجَبِ -: ﴿ثُمَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ حِينٍ؛ وعَبَّرَ بِالجَعْلِ؛ لِأنَّهُ كافٍ في نَفْيِ الشَّرِكَةِ؛ الَّتِي هَذا أُسْلُوبُها؛ ولِيُبَيِّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا لِيَكُونَ سَبَبًا لِما يَحْدُثُ عَنْهُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ؛ لِيَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ إظْهارُ ما لَهُ (p-٤٥٦)- سُبْحانَهُ - مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَقالَ: ﴿جَعَلَ مِنها﴾؛ أيْ: تِلْكَ النَّفْسِ؛ ﴿زَوْجَها﴾؛ أيْ: ونَقَلَكم بَعْدَ خَلْقِكم مِنهُ؛ إلَيْها؛ ثُمَّ أبْرَزَكم إلى الوُجُودِ الخارِجِيِّ مِنها؛ ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ المَعْنى - لِأنَّ السِّياقَ لِإحاطَةِ العِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِإنْزالِ الكِتابِ وما تَبِعَهُ -: قَدَّرَ خَلْقَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ؛ والألْوانِ؛ وجَمِيعِ الهَيْئاتِ؛ حِينَ خَلَقَ آدَمَ؛ بِأنْ هَيَّأهُ لِأنْ تُفِيضُوا مِنهُ؛ فَلا تَزِيدُونَ عَلى ما قَدَّرَهُ شَيْئًا؛ ولا تَنْقُصُونَ؛ وأنْ تَفِيضَ مِنهُ زَوْجُهُ؛ وذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ حَوّاءَ مِنهُ؛ ثُمَّ أوْجَدَها؛ فَكانَ الفَيْضُ مِنها فَيْضًا مِنهُ؛ فالكُلُّ مِنهُ؛ ولِهَذا ورَدَ الحَدِيثُ؛ في مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ؛ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ؛ وضَرَبَ عَلى كَتِفِهِ اليُمْنى؛ فَأخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضاءَ كَأنَّهُمُ الذَّرُّ؛ وضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسْرى؛ فَأخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْداءَ كَأنَّهُمُ الحُمَمُ؛ فَقالَ لِلَّذِي في يَمِينِهِ: (إلى الجَنَّةِ؛ ولا أُبالِي)؛ وقالَ لِلَّذِي في يَسارِهِ: (إلى النّارِ؛ ولا أُبالِي)“».

ولَمّا كانَ تَنْوِيعُ الحَيَوانِ إلى أنْواعٍ مُتَبايِنَةٍ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ الَّتِي هي مَنشَأُ القَهْرِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - مَوْصُوفًا بِالعُلُوِّ؛ وكانَ أكْثَرُ الأنْعامِ أشَدَّ مِنَ الإنْسانِ؛ فَكانَ تَسْخِيرُهُ لَهُ؛ وتَذْلِيلُهُ إنْزالًا عَنْ قُوَّتِهِ؛ (p-٤٥٧)وإيهانًا لِشِدَّتِهِ؛ قالَ - دالًّا عَلى ذَلِكَ الإنْشاءِ؛ والجَعْلِ؛ بِلَفْظِ الإنْزالِ -: ﴿وأنْـزَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿مِنَ الأنْعامِ﴾؛ أيْ: الإبِلِ؛ بِنَوْعَيْها؛ والبَقَرِ كَذَلِكَ؛ والضَّأْنِ؛ والمَعْزِ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ العَرَبِ البَخاتِيُّ؛ والجَوامِيسُ؛ لَمْ يَذْكُرْها - سُبْحانَهُ -؛ واقْتَصَرَ عَلى ما عِنْدَهُمْ؛ وقالَ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ زَوْجَيْنِ؛ ذَكَرًا وأُنْثى؛ و”الزَّوْجُ“: اسْمٌ لِواحِدٍ مَعَهُ آخَرُ؛ لا يَكْمُلُ نَفْعُهُ إلّا بِهِ؛ وإذا نَظَرْتَ هَذِهِ العِبارَةَ؛ مَعَ العِبارَةِ عَنْ خَلْقِ الإنْسانِ؛ فَهِمْتَ أنَّ الأنْعامَ خُلِقَ كُلُّ ذَكَرِها؛ وأُنْثاها؛ عَلى انْفِرادِهِ؛ لا أنَّ أحَدًا مِنها مِن صاحِبِهِ؛ وذَلِكَ أدَلُّ عَلى إطْلاقِ التَّصَرُّفِ؛ وتَنْوِيعِهِ؛ مِمّا لَوْ جَعَلَ خَلْقَها مِثْلَ خَلْقِ الآدَمِيِّ.

ولَمّا كانَ تَكْوِينُهم في تَطْوِيرِهِمْ عَجَبًا؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ بَيانًا لِما أجْمَلَ قَبْلُ -: ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾؛ أيْ: يُقَدِّرُ إيجادَكم أنْتُمْ؛ والأنْعامِ؛ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن أخْلاطِ العَناصِرِ؛ ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ تَطْوِيرُ الخَلْقِ داخِلَ البَطْنِ حَيْثُ لا تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ مَخْلُوقٍ؛ ولا بَصَرُهُ؛ قالَ - دالًّا عَلى عَظَمَتِهِ؛ ودَلالَتِهِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ والقَهْرِ -: ﴿خَلْقًا﴾؛ ودَلَّ عَلى تَكْوِينِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ بِإثْباتِ الحَرْفِ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾؛ أيْ: في تَنَقُّلاتِ الأطْوارِ؛ وتَقَلُّباتِ الأدْوارِ؛ ولَمّا كانَ الحَيَوانُ لا يُعْرَفُ ما هو إلّا (p-٤٥٨)فِي التَّطْوِيرِ الرّابِعِ؛ وكانَ الجَهْلُ ظُلْمَةً؛ قالَ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾؛ ظُلْمَةِ النُّطْفَةِ؛ ثُمَّ العَلَقَةِ؛ ثُمَّ المُضْغَةِ؛ فَإذا صارَ عِظامًا مَكْسُوَّةً لَحْمًا عُرِفَ هَلْ هو ذَكَرٌ أوْ أُنْثى؛ فَزالَتْ عَنْهُ ظُلُماتُ الجَهْلِ؛ وصارَ خَلْقًا آخَرَ؛ وقِيلَ؛ ظُلْمَةُ البَطْنِ؛ والرَّحِمِ؛ والمَشِيمَةِ؛ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وعَزاهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”القَناعَةُ“؛ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَمّا ثَبَتَ لَهُ - سُبْحانَهُ - كَمالُ العَظَمَةِ؛ والقَهْرِ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا ما أنْتَجَهُ الكَلامُ السّابِقُ؛ مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ؛ ومِيمِ الجَمْعِ -: ﴿ذَلِكُمُ﴾؛ أيْ: العالِي المَراتِبِ؛ بِشَهادَتِكم - أيُّها الخَلْقُ - كُلِّكُمْ؛ بَعْضُكم بِلِسانِ قالِهِ؛ وبَعْضُكم بِناطِقِ حالِهِ؛ الَّذِي جَمِيعُ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا؛ أفْعالُهُ؛ ولَمّا أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِأداةِ البُعْدِ؛ أخْبَرَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ونَبَّهَ عَلى جَهْلِهِمْ؛ مِمّا يَعْلَمُونَ مِن رُبُوبِيَّتِهِ؛ لِعَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ عَمَلَ جاهِلٍ بِذَلِكَ؛ فَقالَ - واصِفًا -: ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المالِكُ؛ والمُرَبِّي لَكم بِالخَلْقِ؛ والرِّزْقِ؛ ولَمّا كانَ المُرَبِّي قَدْ لا يَكُونُ مَلِكًا؛ قالَ - نَتِيجَةً لِما سَبَقَ -: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿المُلْكُ﴾؛ ولَمّا كانَ المُخْتَصُّ بِالمُلْكِ قَدْ لا يَكُونُ إلَهًا؛ قالَ - مُثْبِتًا لَهُ الإلَهِيَّةَ؛ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ وهو (p-٤٥٩)بِمَنزِلَةِ نَتِيجَةِ النَّتِيجَةِ -: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾

ولَمّا تَكَفَّلَ هَذا السِّياقُ بِوُجُوبِ الإخْلاصِ في الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ؛ لِأنَّ الكُلَّ تَحْتَ قَهْرِهِ؛ وشُمُولِ نَهْيِهِ وأمْرِهِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأنّى﴾؛ أيْ: فَكَيْفَ؟ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿تُصْرَفُونَ﴾ ؟ أيْ: قَهْرًا عَنِ الإخْلاصِ لَهُ؛ إلى الإشْراكِ بِهِ؛ بِصارِفٍ ما؛ وإنْ كانَ عَظِيمًا؛ ونَبَّهَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - مَعَ هَذا - عَلى أنَّهم مَقْهُورُونَ في فِعْلِ ما هم عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم تابِعُونَ لِلْهَلاكِ المَحْضِ؛ تارِكُونَ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي لا خَفاءَ في شَيْءٍ مِنها؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَتْرُكُ أحَدٌ الدَّلِيلَ في الفَيافِي المُعْطِشَةِ؛ الَّذِي إنْ تَرَكَهُ هَلَكَ؛ إلّا قَهْرًا؛ وأنَّ النّاسَ هُيِّئُوا لِطَرِيقِ الهُدى؛ بِما خُلِقُوا عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ بِسَلامَةِ الفِطَرِ؛ واسْتِقامَةِ العُقُولِ؛ وأشارَ إلى هَذا لِأنَّهم يَأْنَفُونَ مِنَ النِّسْبَةِ إلى القَهْرِ؛ وأنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا بِغَيْرِ اخْتِيارٍ؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الأنَفَةِ؛ وعُلُوِّ الهِمَمِ؛ والعَظْمَةِ.

39:7Page 459

إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

ولَمّا ظَهَرَتِ الأدِلَّةُ؛ وبَهَرَتِ الحُجَجُ؛ بَيَّنَ ما عَلى مَن غَطّاها بِالإصْرارِ؛ وما لِمَن تابَ ورَجَعَ بِالتَّذْكارِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا لِما هو نَتِيجَةُ ما مَضى؛ مُعَرِّفًا لَهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ؛ بِأنَّهُ ما تُعُبِّدَ لِشَيْءٍ يَخُصُّهُ مِن نَفْعٍ؛ أوْ ضُرٍّ؛ وإنَّما هو لِمَصالِحِهِمْ خاصَّةً؛ بادِئًا بِما هو مِن دَرْءِ المَفاسِدِ -: ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾؛ (p-٤٦٠)أيْ: تَسْتُرُوا الأدِلَّةَ؛ فَتُصِرُّوا عَلى الِانْصِرافِ عَنْهُ بِالإشْراكِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: فَلا يَضُرُّهُ كُفْرُكُمْ؛ ولا تَنْفَعُهُ طاعَتُكُمْ؛ وأمّا أنْتُمْ فَلا غِنى لَكم عَنْهُ بِوَجْهٍ؛ ولا بُدَّ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَكُمْ؛ فَلَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكُمْ؛ ﴿ولا يَرْضى﴾؛ لَكم - هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ بِدَلِيلِ ما سَبَقَهُ؛ ولَحِقَهُ -؛ وإنَّما أظْهَرَ؛ لِيَعُمَّ؛ ولِيُذَكِّرَهم بِما يَجِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن أنَّ أحَدًا مِنهم لا يَرْضى لِعِبادِهِ أنْ يُؤَدّى خَراجُهُ إلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَقالَ: ﴿لِعِبادِهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ تَفَرَّدَ بِإيجادِهِمْ؛ وتَرْبِيَتِهِمْ؛ ﴿الكُفْرَ﴾؛ بِالإقْبالِ عَلى سِواهُ؛ وأنْتُمْ لا تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِعَبِيدِكُمْ؛ مَعَ أنَّ مِلْكَكم لَهم في غايَةِ الضَّعْفِ؛ ومَعْنى عَدَمِ الرِّضا أنَّهُ لا يَفْعَلُ فِعْلَ الرّاضِي؛ بِأنْ يَأْذَنَ فِيهِ؛ ويُقِرَّ عَلَيْهِ؛ أوْ يُثِيبَ فاعِلَهُ؛ ويَمْدَحَهُ؛ بَلْ يَفْعَلُ فِعْلَ السّاخِطِ؛ بِأنْ يَنْهى عَنْهُ؛ ويَذُمَّ عَلَيْهِ؛ ويُعاقِبَ مُرْتَكِبَهُ؛ ﴿وإنْ تَشْكُرُوا﴾؛ أيْ: بِالعِبادَةِ؛ والإخْلاصِ فِيها؛ ﴿يَرْضَهُ﴾؛ أيْ: الشُّكْرَ؛ الدّالَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: الرِّضا اللّائِقَ بِجَنابِهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُقِرَّكم عَلَيْهِ؛ أوْ يَأْمُرَكم بِهِ؛ ويُثِيبَكم عَلى فِعْلِهِ؛ والقِسْمانِ بِإرادَتِهِ؛ واخْتِلافُ القُرّاءِ في هائِهِ دالٌّ عَلى مَراتِبِ الشُّكْرِ - واللَّهُ أعْلَمُ -؛ فالوَصْلُ لِلْواصِلِينَ إلى النِّهايَةِ؛ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ في (p-٤٦١)الوُصُولِ؛ والِاخْتِلاسُ لِلْمُتَوَسِّطِينَ؛ والإسْكانُ لِمَن في الدَّرَجَةِ الأُولى مِنهُ.

ولَمّا كانَ في سِياقِ الحُكْمِ والقَهْرِ؛ وكانَتْ عادَةُ القَهّارِينَ أنْ يُكَلِّفُوا بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ؛ ويَأْخُذُوهم بِجَوائِرِهِمْ؛ لِيَنْتَظِمَ لَهُمُ العُلُوُّ عَلى الكُلِّ؛ لِعَدَمِ إحاطَةِ عِلْمِهِمْ بِكُلِّ مُخالِفٍ لِأمْرِهِمْ؛ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾؛ أيَّ وازِرَةٍ كانَتْ؛ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾؛ بَلْ وِزْرُ كُلِّ نَفْسٍ عَلَيْها؛ لا يَتَعَدّاها؛ يُحْفَظُ عَلَيْها مُدَّةَ كَوْنِها في دارِ العَمَلِ؛ والإثْمُ الَّذِي يُكْتَبُ عَلى الإنْسانِ بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لَيْسَ وِزْرَ غَيْرِهِ؛ وإنَّما هو وِزْرُ نَفْسِهِ؛ فَوِزْرُ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ؛ ووِزْرُ السّاكِتِ عَلى التَّرْكِ؛ لِما لَزِمَهُ مِنَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ لا إلى أحَدٍ مِمَّنْ أشْرَكْتُمُوهُ بِهِ؛ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؛ إلى دارِ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ الجَزاءُ تابِعًا لِلْعِلْمِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا عَنْهُ بِهِ -: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنِ البَعْثِ أنَّهُ يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا؛ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بِما كانَ في طَبْعِكُمُ العَمَلُ بِهِ؛ سَواءٌ عَمِلْتُمُوهُ بِالفِعْلِ أمْ لا؛ ثُمَّ يُجازِيكم عَلَيْهِ إنْ شاءَ.

ولَمّا كانَ المُرادُ - كَما أشارَ إلَيْهِ بِـ ”كانَ“ - الإخْبارَ بِجَمِيعِ الأعْمالِ الكائِنَةِ بِالفِعْلِ؛ أوِ القُوَّةِ؛ حَسُنَ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: بِصاحِبَتِها؛ مِنَ الخَواطِرِ؛ والعُزُومِ؛ وذَلِكَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الصُّحْبَةُ: كُلُّ ما لَمْ يَبْرُزْ إلى الخارِجِ؛ فَهو بِما بَرَزَ أعْلَمُ.

39:8Page 459

۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨

And when adversity touches man, he calls upon his Lord, turning to Him [alone]; then when He bestows on him a favor from Himself, he forgets Him whom he called upon before,1 and he attributes to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy your disbelief for a little; indeed, you are of the companions of the Fire."

(p-٤٦٢)ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمُلْكِ وحْدَهُ؛ وأتْبَعَهُ بِما يُرْضِيهِ؛ وما يُسْخِطُهُ؛ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ - مَعَ أنَّهُ أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ؛ بِدَلِيلٍ وِجْدانِيٍّ لِكُلِّ أحَدٍ -؛ عَلى وجْهٍ ذَمَّهم فِيهِ بِالتَّناقُضِ؛ الَّذِي هم أعْظَمُ النّاسِ ذَمًّا لَهُ؛ ونَفْرَةً مِنهُ؛ وذَمًّا بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وإذا﴾؛ وهي - واللَّهُ أعْلَمُ - حالِيَّةٌ مِن واوِ ”تُصْرَفُونَ“؛ وكانَ الأصْلُ: ”مَسَّكُمْ“؛ ولَكِنَّهُ عَمَّمَ؛ ودَلَّ بِلَفْتِ القَوْلِ عَنِ الخِطابِ؛ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلنِّسْيانِ؛ فَقالَ: ﴿مَسَّ الإنْسانَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ الآنِسَ بِنَفَسِهِ؛ مُؤْمِنَهُ؛ وكافِرَهُ؛ ﴿ضُرٌّ﴾؛ أيَّ ضُرٍّ كانَ؛ مِن جِهَةٍ يَتَوَقَّعُها - بِما أشارَ إلَيْهِ الظَّرْفُ بِمُطابَقَةِ المَقْصُودِ لِلسُّورَةِ؛ مَعَ تَهْدِيدِ آخِرِ الَّتِي قَبْلَها -؛ ﴿دَعا رَبَّهُ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْهِ؛ الَّذِي تَقَدَّمَ تَنْبِيهُكم مِن غَفْلَتِكم عَلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الزمر: ٦] ذاكِرًا صِفَةَ إحْسانِهِ؛ ﴿مُنِيبًا﴾؛ أيْ: راجِعًا رُجُوعًا عَظِيمًا؛ ﴿إلَيْهِ﴾؛ بِباطِنِهِ؛ مُخْلِصًا في ذَلِكَ؛ عالِمًا أنَّهُ لا يَكْفِيهِ أمْرَهُ غَيْرُهُ؛ ضَرُورَةً يَجِدُها في نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الضُّرَّ أزالَ عَنْهُ الأهْوِيَةَ؛ والحُظُوظَ؛ مُعْرِضًا عَمّا كانَ يَزْعُمُ مِنَ الشُّرَكاءِ؛ مُعَرِّفًا لِسانُ حالِهِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ - سُبْحانَهُ - كَما هو الحَقُّ؛ فَتَطابَقَ في حالِ الضَّرّاءِ الحَقُّ؛ والِاعْتِقادُ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزَعِ؛ واليَأْسِ؛ إذا كانَ في (p-٤٦٣)ضُرٍّ اسْتَبْعَدَ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُكْشَفَ عَنْهُ؛ لِتَقَيُّدِهِ بِالجُزْئِيّاتِ؛ وقُصُورِهِ عَلى التَّعَلُّقِ بِالأسْبابِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ؛ مَعَ الإشارَةِ إلى الوَعْدِ بِتَحْقِيقِ الفَرَجِ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ اسْتِبْعادِهِ جِدًّا؛ ولَمّا كانَ الرَّخاءُ مُحَقَّقًا؛ وهو أكْثَرُ مِنَ الشِّدَّةِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”خَوَّلَ“؛ عَلى أنَّ عَطاءَهُ ابْتِداءُ فَضْلٍ مِنهُ؛ لا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ التَّخْوِيلَ لا يَكُونُ جَزاءً؛ بَلِ ابْتِداءٌ -: ﴿إذا خَوَّلَهُ﴾؛ أيْ: أعْطاهُ عَطاءً مُتَمَكِّنًا ابْتِداءً؛ وجَعَلَهُ حَسَنَ القِيامِ عَلَيْهِ؛ قادِرًا عَلى إجادَةِ تَعَهُّدِهِ؛ ﴿نِعْمَةً مِنهُ﴾؛ ومَكَّنَهُ فِيها؛ ﴿نَسِيَ﴾؛ أيْ: مَعَ دُعائِهِ؛ أنْ يَشْكُرَ عَلى الإحْسانِ؛ فَكانَتْ مُدَّةُ تَخْوِيلِهِ ظَرْفَ نِسْيانِهِ؛ فَعُلِمَ أنَّ صَلاحَهُ بِالضَّرّاءِ؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: الأمْرَ الَّذِي؛ ﴿كانَ يَدْعُو﴾؛ رَبَّهُ؛ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ ﴿إلَيْهِ﴾؛ إلى كَشْفِهِ؛ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي كانَ؛ وأعْلَمَ بِتَقارُبِ وقْتَيِ النِّسْيانِ؛ والإنابَةِ؛ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَ حالِ التَّخْوِيلِ؛ ﴿وجَعَلَ﴾؛ زِيادَةً عَلى الكُفْرانِ بِنِسْيانِ الإحْسانِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مُكافِئَ لَهُ؛ بِشَهادَةِ الفِطْرَةِ؛ والعَقْلِ؛ والسَّمْعِ؛ ﴿أنْدادًا﴾؛ أيْ: لِكَوْنِهِ يَتَأهَّلُهُمْ؛ فَيُنْزِلُهم بِذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن يَكُونُ قادِرًا عَلى المُعارَضَةِ؛ والمُعانَدَةِ؛ فَقَدْ عُلِمَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالنِّسْيانِ أنَّهُ عالِمٌ بِرَبِّهِ؛ ولِذَلِكَ دَعاهُ في كَشْفِ ضُرِّهِ؛ وأنَّهُ جَعَلَ عِلْمَهُ عِنْدَ الإحْسانِ إلَيْهِ جَهْلًا؛ فَكانَ كَمَن لا يَعْلَمُ؛ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ العُجْمِ. (p-٤٦٤)ولَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الضَّلالِ؛ لِكَوْنِهِ - مَعَ أنَّهُ خَطَأٌ - مُوجِبًا لِقَطْعِ الإحْسانِ؛ وعَدَمِ الإجابَةِ في كَشْفِ الضُّرِّ مَرَّةً أُخْرى؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ وكانَ هَذا الضَّلالُ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ وكانَ العاقِلُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِعِلَّةٍ؛ عَظَّمَهُمْ؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ عَنْ أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا هَذا الضَّلالَ الظّاهِرَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ -: ﴿لِيُضِلَّ﴾؛ أيْ: بِنَفْسِهِ عِنْدَ فَتْحِ الياءِ؛ ويُضِلَّ غَيْرَهُ؛ عِنْدَ مَن ضَمَّها؛ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أيْ: الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى رِضْوانِهِ؛ المُوجِبِ لِلْفَوْزِ بِإحْسانِهِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ المُحَقَّقِ المَقْطُوعِ بِهِ؛ المَرْكُوزِ في الفِطَرِ الأُولى؛ المُسْتَمِرِّ فِيما بَعْدَها؛ أنَّ المَلِكَ لا يَدَعُ مَن يَعْصِيهِ بِغَيْرِ عِقابٍ؛ وكانَ قَدْ ثَبَتَ بِقَضِيَّةِ الإجْماعِ؛ وقْتَ الِاضْطِرارِ؛ أنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلى أحَدٍ سِوى اللَّهِ؛ وكانَ مَنِ التَفَتَ - بَعْدَ أنْ أنْجاهُ اللَّهُ مِن ضَرَرِهِ؛ وأسْبَغَ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ - كافِرًا مِن غَيْرِ شَكٍّ؛ عِنْدَ ذِي عَقْلٍ؛ وكانَ مَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ في هَذِهِ الدّارِ هم أهْلُ النِّعَمِ الكِبارِ؛ والتَّمَتُّعِ الصّافِي عَنِ الأكْدارِ؛ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن عُقُوبَتِهِ في دارِ القَرارِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا (p-٤٦٥)لِأنَّ هَذا التَّمَتُّعَ إنَّما هو سَبَبُ هَذا الكُفْرانِ؛ اسْتِدْراجًا؛ مَعَ الإعْراضِ المُؤْذِنِ بِالغَضَبِ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: يا أحَبَّ خَلْقِنا إلَيْنا؛ المُسْتَحِقَّ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ؛ لِهَذا الَّذِي قَدْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ مُهَدِّدًا لَهُ بِما يَقُوتُهُ بِلَذِيذِ عَيْشِهِ في الدُّنْيا؛ مِنَ الفَيْضِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ؛ ويَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِنَ العَذابِ الأكْبَرِ؛ ﴿تَمَتَّعْ﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الدُّنْيا؛ الَّتِي هي وكُلُّ ما فِيها - مَعَ كَوْنِهِ زائِلًا - يَفِيضُ إلى اللَّهِ؛ فَهو مِن جُمْلَةِ المَقْتِ؛ إلّا لِمَن صَرَفَهُ في طاعَةِ اللَّهِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَمْتِيعَهُ بِالخَسِيسِ؛ ذَكَرَ سَبَبَهُ الخَسِيسَ؛ تَعْظِيمًا لِأُجُورِ المُؤْمِنِينَ؛ لِانْصِرافِهِمْ عَنِ الكُفْرِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن أسْبابِ التَّمْتِيعِ؛ وبَيانًا لِذَوِي الهِمَمِ العَوالِي مِن غَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿بِكُفْرِكَ﴾؛ ثُمَّ أشارَ إلى قِلَّةِ زَمَنِ الدُّنْيا وما فِيها؛ في جَنْبِ الآخِرَةِ؛ فَقالَ: ﴿قَلِيلا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما إذا غُمِسَ في عَذابِهِ أنْعَمُ أهْلِ الدُّنْيا غَمْسَةً واحِدَةً قالَ: ما رَأيْتُ نَعِيمًا قَطُّ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِالنّارِ؛ ودَفْعًا لِما اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ أنَّ تَنْعِيمَهم في الدُّنْيا إنَّما هو لِقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ ومَحَبَّتِهِ لَهُمْ؛ وأنَّ ذَلِكَ يَتَّصِلُ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها -: ﴿إنَّكَ﴾ وهَذا الأمْرُ هُنا يُرادُ بِهِ الزَّجْرُ؛ تَقْدِيرُهُ: إنْ تَمَتَّعْتَ هَكَذا؛ كُنْتَ ﴿مِن أصْحابِ النّارِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا إلّا لَها: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ (p-٤٦٦)لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском