Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:73–75
39:73Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣
But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1
ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ؛ أتْبَعَهُ أحْوالَ أضْدادِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وسِيقَ﴾؛ وسَوْقُهم إلى المَكانِ الطَّيِّبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْقِفَهم كانَ طَيِّبًا؛ لِأنَّ مَن كانَ في أدْنى نَكَدٍ فَهُيِّئَ لَهُ مَكانٌ هَنِيءٌ؛ لا يَحْتاجُ في الذَّهابِ إلَيْهِ إلى سَوْقٍ؛ فَشَتّانَ ما بَيْنَ السَّوْقَيْنِ؛ هَذا سَوْقُ إكْرامٍ؛ وذاكَ سَوْقُ إهانَةٍ وانْتِقامٍ؛ وهَذا لَعَمْرِي مِن بَدائِعِ أنْواعِ البَدِيعِ؛ وهو أنْ يَأْتِيَ - سُبْحانَهُ - بِكَلِمَةٍ في حَقِّ الكُفّارِ؛ فَتَدُلُّ عَلى هَوانِهِمْ بِعِقابِهِمْ؛ ويَأْتِيَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ بِعَيْنِها؛ وعَلى هَيْئَتِها في حَقِّ الأبْرارِ فَتَدُلُّ عَلى إكْرامِهِمْ بِحُسْنِ ثَوابِهِمْ؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ مُعْجِزَ المَبانِي؛ مُتَمَكِّنَ المَعانِي؛ عَذْبَ المَوارِدِ والمَثانِي.
ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ لِجَمِيعِ السُّعَداءِ؛ بَلْ لِلْخُلَّصِ مِنهُمْ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: لا جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ كُلَّما زادَهم إحْسانًا زادُوا لَهُ هَيْبَةً؛ رَوى أحْمَدُ؛ وأبُو يَعْلى؛ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ؛ (p-٥٦٨)عَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”يَوْمًا كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ“؛ فَقِيلَ: ما أطْوَلُ هَذا اليَوْمَ؟ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ عَلَيْهِ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“؛» ورَوى الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ...“؛ فَذَكَرَ الحَدِيثَ؛ حَتّى قالَ: قالُوا: فَأيْنَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: ”تُوضَعُ لَهم كَراسِيُّ مِن نُورٍ؛ ويُظَلَّلُ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ أقْصَرَ عَلى المُؤْمِنِينَ مِن ساعَةٍ مِن نَهارِ“؛» ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ السَّوْقُ إشارَةً إلى قَسْرِ المَقادِيرِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى الأفْعالِ الَّتِي هي أسْبابُ الدّارَيْنِ؛ ﴿إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾؛ أهْلُ الصَّلاةِ؛ المُنْقَطِعِينَ إلَيْها؛ المُسْتَكْثِرِينَ مِنها؛ عَلى حِدَةٍ؛ وأهْلُ الصَّوْمِ كَذَلِكَ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تَظْهَرُ آثارُها عَلى الوُجُوهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّوْقَ؛ ذَكَرَ غايَتَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾؛ ولَمّا كانَ إغْلاقُ البابِ عَنِ الآتِي يَدُلُّ عَلى تَهاوُنٍ بِهِ؛ وفي وُقُوفِهِ إلى أنْ يُفْتَحَ لَهُ نَوْعُ هَوانٍ؛ قالَ: ﴿وفُتِحَتْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّها قَدْ فُتِحَتْ ﴿أبْوابُها﴾؛ أيْ: إكْرامًا لَهُمْ؛ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَيْها؛ بِنَفْسِ الفَتْحِ؛ وبِما يَخْرُجُ إلَيْهِمْ (p-٥٦٩)مِن رائِحَتِها؛ ويَرَوْنَ مِن زَهْرَتِها؛ وبَهْجَتِها؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهم سائِقًا ثانِيًا إلى ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ؛ ولا رَأوْا عَنْهُ ثانِيًا.
ولَمّا ذَكَرَ إكْرامَهم بِأحْوالِ الدّارِ؛ ذَكَرَ إكْرامَهم بِالخَزَنَةِ الأبْرارِ؛ فَقالَ - عَطْفًا عَلى جَوابِ ”إذا“؛ بِما تَقْدِيرُهُ: ”تَلَقَّتْهم خَزَنَتُها بِكُلِّ ما يَسُرُّهُمْ“ -: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾؛ أيْ: حِينَ الوُصُولِ؛ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ تَعْجِيلًا لِلْمَسَرَّةِ لَهُمْ؛ بِالبِشارَةِ بِالسَّلامَةِ؛ الَّتِي لا عَطَبَ فِيها؛ ولَمّا كانَتْ دارًا لا تَصْلُحُ إلّا لِلْمُطَهَّرِينَ؛ قالُوا: ﴿طِبْتُمْ﴾؛ أيْ: صَلَحْتُمْ لِسُكْناها؛ فَلا تَحَوُّلَ لَكم عَنْها أصْلًا؛ ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ - تَنْبِيهًا عَلى أنَّها دارُ الطِّيبِ؛ فَلا يَدْخُلُها إلّا مُناسِبٌ لَها - قَوْلَهُمْ: ﴿فادْخُلُوها﴾؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ: ﴿خالِدِينَ﴾؛ ولَعَلَّ فائِدَةَ الحَذْفِ لِجَوابِ ”إذا“؛ أنْ تَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ مِنَ الإكْرامِ كُلَّ مُذْهَبٍ؛ وتَعْلَمَ أنَّهُ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ؛ ومِن أنْسَبِ الأشْياءِ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم مِن غَيْرِ مانِعٍ مِن إغْلاقِ بابٍ؛ أوْ مَنعِ بَوّابٍ؛ بَلْ مَأْذُونًا لَهُمْ؛ مُرَحَّبًا بِهِمْ إلى مِلْكِ الأبَدِ.
39:74Page 466
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَدَخَلُوها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: جَمِيعُ الدّاخِلِينَ؛ ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ وعَدَلُوا إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ حَثًّا لِأنْفُسِهِمْ عَلى اسْتِحْضارِ جَمِيعِ ما تُمْكِنُهم مَعْرِفَتُهُ مِنَ الصِّفاتِ؛ فَقالُوا: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾؛ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فَطابَقَ قَوْلُهُ الواقِعَ (p-٥٧٠)الَّذِي وجَدْناهُ في هَذِهِ السّاعَةِ؛ ﴿وأوْرَثَنا﴾؛ كَما وعَدَنا؛ ﴿الأرْضَ﴾؛ الَّتِي لا أرْضَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها؛ وهي أرْضُ الجَنَّةِ؛ الَّتِي لا كَدَرَ فِيها بِوَجْهٍ؛ وفِيها كُلُّ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ؛ وتَلَذُّ الأعْيُنُ؛ بِأنْ جَعَلَ حالَنا فِيها في تَمامِ المِلْكِ؛ وعَدَمِ التَّسَبُّبِ في الحَقِيقَةِ فِيهِ؛ حالَ الوارِثِ الَّذِي هو بَعْدَ مَوْرُوثِهِ؛ ولا شَيْءَ بَعْدَهُ؛ ولا مُنازِعَ لَهُ؛ حالَ كَوْنِنا ﴿نَتَبَوَّأُ﴾؛ أيْ: نَتَّخِذُ مَنازِلَ؛ هي أهْلٌ لِمَن خَرَجَ مِنها أنْ يَشْتَهِيَ العَوْدَ إلَيْها؛ وبَيَّنُوا الأرْضَ بِقَوْلِهِمْ - في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ -: ﴿مِنَ الجَنَّةِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾؛ لِاتِّساعِها؛ فَلا حاجَةَ لِأحَدٍ فِيها أنْ يُنازِعَ أحَدًا في مَكانٍ أصْلًا؛ ولا يَشْتَهِي إلّا مَكانَهُ؛ ولَمّا كانَتْ بِهَذا الوَصْفِ الجَلِيلِ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ مَدْحُها بِقَوْلِهِ: ﴿فَنِعْمَ﴾؛ أجْرُنا؛ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أجْرُ العامِلِينَ﴾؛ تَرْغِيبًا في الأعْمالِ؛ وحَثًّا عَلى عَدَمِ الِاتِّكالِ.
39:75Page 467
وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥
And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الَّذِينَ رَكَّبَ فِيهِمُ الشَّهَواتِ؛ وما وصَلُوا إلَيْهِ مِنَ المَقاماتِ؛ أتْبَعَهم أهْلَ الكَراماتِ؛ الَّذِينَ لا شاغِلَ لَهم عَنِ العِباداتِ؛ فَقالَ - صارِفًا الخِطابَ لِعُلُوِّ الخَبَرِ إلى أعْلى الخَلْقِ أنَّهُ لا يَقُومُ بِحَقِّ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ غَيْرُهُ -: ﴿وتَرى﴾؛ مُعَبِّرًا بِأخَصَّ مِنَ الإبْصارِ؛ الأخَصِّ مِنَ النَّظَرِ؛ كَما بَيَّنَ في ”البَقَرَةِ“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] ﴿المَلائِكَةَ﴾؛ القائِمِينَ بِجَمِيعِ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ؛ ﴿حافِّينَ﴾؛ أيْ: مُحْدِقِينَ؛ ومُسْتَدِيرِينَ؛ وطائِفِينَ في جُمُوعٍ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ؛ مِن ”الحَفُّ“؛ وهو الجَمْعُ؛ و”الحَفَّةُ“؛ (p-٥٧١)وهُوَ جَماعَةُ النّاسِ؛ والأعْدادُ الكَثِيرَةُ؛ وهو جَمْعُ ”حافٌّ“؛ وهو الواحِدُ مِنَ الجَماعَةِ المُحْدِقَةِ.
ولَمّا كانَ عِظَمُ الشَّيْءِ مِن عِظَمِ صاحِبِهِ؛ وكانَ لا يُحِيطُ بِعَظَمَةِ العَرْشِ حَقَّ الإحاطَةِ إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِإدْخالِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾؛ أيْ: المَوْضِعِ الَّذِي يُدارُ فِيهِ بِهِ؛ ويُحاطُ بِهِ مِنهُ؛ مِن ”الحَوْلُ“؛ وهو الإحاطَةُ؛ والِانْعِطافُ؛ والإدارَةُ؛ مُحْدِقِينَ بِبَعْضِ أحِفَّتِهِ؛ أيْ: جَوانِبِهِ الَّتِي يُمْكِنُ الحُفُوفُ بِها؛ بِالقُرْبِ مِنها؛ يُسْمَعُ لِحُفُوفِهِمْ صَوْتٌ بِالتَّسْبِيحِ؛ والتَّحْمِيدِ؛ والتَّقْدِيسِ؛ والِاهْتِزازِ خَوْفًا مِن رَبِّهِمْ؛ فَإدْخالُ ”مِن“؛ يُفْهِمُ أنَّهم - مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى حَدٍّ لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ - لا يَمْلَؤُونَ ما حَوْلَهُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ﴾؛ وصَرَفَ القَوْلَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ مَدْحًا لَهم بِالتَّشْمِيرِ؛ لِشُكْرِ المُنْعِمِ؛ وتَدْرِيبًا لِغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: يُبالِغُونَ في التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقْصِ؛ بِأنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى عَرْشٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وأنْ يَحْوِيَهُ مَكانٌ؛ مُتَلَبِّسِينَ بِإثْباتِ الكَمالِ لِلْمُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ بِإلْزامِهِمْ بِالعِبادَةِ؛ مِن غَيْرِ شاغِلٍ يَشْغَلُهُمْ؛ ولا مُنازِعٍ مِن شَهْوَةٍ؛ أوْ حَظٍّ يُغْفِلُهُمْ؛ تَلَذُّذًا بِذِكْرِهِ؛ وتَشَرُّفًا بِتَقْدِيسِهِ؛ ولِأنَّ حَقَّهُ إظْهارُ تَعْظِيمِهِ عَلى الدَّوامِ؛ كَما أنَّهُ مُتَّصِلُ الإنْعامِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الشَّهَواتِ؛ بِما بَرَزَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّهاداتِ؛ (p-٥٧٢)ذَكَرَ هُنا الحُكْمَ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ فاوَضُوا في أصْلِ خَلْقِهِمْ؛ بِقَوْلِهِمْ: ”أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ“؛ الآيَةَ؛ فَقالَ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الشَّهَواتِ؛ وأهْلِ العِصْمَةِ والثَّباتِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ عامًّا في التَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ عَدْلًا؛ وفَضْلًا؛ بِخِلافِ سِياقِ سُورَةِ ”يُونُسَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالَ: ﴿بِالحَقِّ﴾؛ بِأنْ طُوبِقَ بِما أنْزَلْنا فِيهِمْ في الكُتُبِ الَّتِي وضَعْناها لِحِسابِهِمُ الواقِعُ؛ فَمَن طَغى مِنهم أسْكَنّاهُ ”لَظى“؛ بِعَدْلِنا؛ ومَنِ اتَّقى نَعَّمْناهُ في جَنَّةِ المَأْوى؛ بِفَضْلِنا؛ لِجِهادِهِمْ ما فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ؛ حَتّى ثَبَتُوا عَلى الطّاعاتِ؛ مَعَ ما يَنْزِعُهم مِنَ الطَّبائِعِ إلى الجَهالاتِ؛ وأمّا المَلائِكَةُ فَأبْقَيْناهم عَلى حالِهِمْ في العِباداتِ؛ ﴿وقِيلَ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ قائِلٍ؛ آخِرَ الأُمُورِ كُلِّها؛ ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ؛ وعَدَلَ بِالقَوْلِ إلى ما هو حَقٌّ بِهَذا المَقامِ؛ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ عَلِمْنا ذَلِكَ في هَذا اليَوْمِ عَيْنَ اليَقِينِ؛ كَما كُنّا في الدُّنْيا نَعْلَمُهُ عِلْمَ اليَقِينِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أحَقَّ الأيّامِ بِمَعْرِفَةِ شُمُولِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِاجْتِماعِ الخَلائِقِ؛ وانْفِتاحِ البَصائِرِ؛ وسَعَةِ الضَّمائِرِ؛ قالَ - واصِفًا لَهُ - سُبْحانَهُ - بِأقْرَبِ الصِّفاتِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ -: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِي ابْتَدَأهم (p-٥٧٣)أوَّلًا مِنَ العَدَمِ؛ وأقامَهم ثانِيًا؛ بِما رَبّاهم بِهِ مِنَ التَّدْبِيرِ؛ وأعادَهم ثالِثًا بَعْدَ إفْنائِهِمْ؛ بِأكْمَلِ قَضاءٍ وتَقْدِيرٍ؛ وأبْقاهم رابِعًا؛ لا إلى خَيْرٍ؛ فَقَدْ حَقَّقَ وعْدَهُ؛ كَما أنْزَلَ في كِتابِهِ؛ وصَدَّقَ وعِيدَهُ لِأعْدائِهِ؛ كَما قالَ في كِتابِهِ؛ فَتَحَقَّقَ أنَّهُ تَنْزِيلُهُ؛ فَقَدْ خَتَمَ الأمْرَ بِإثْباتِ الكَمالِ بِاسْمِ الحَمْدِ عِنْدَ دُخُولِ الجِنانِ؛ والنِّيرانِ؛ كَما ابْتَدَأ بِهِ عِنْدَ ابْتِداءِ الخَلْقِ في أوَّلِ الإنْعامِ؛ فَلَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ في أنَّ الأمْرَ كَما قالَ كِتابُهُ عَلى كُلِّ حالٍ؛ فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُها عَلى أوَّلِها؛ بِأنَّ الكِتابَ تَنْزِيلُهُ لِمُطابَقَةِ كُلِّ ما فِيهِ لِلْواقِعِ؛ عِنْدَما يَأْتِي تَأْوِيلُهُ؛ وبِأنَّ الكِتابَ الحامِلَ عَلى التَّقْوى؛ المُسَبِّبَةِ لِلْجَنَّةِ؛ أُنْزِلَ لِلْإبْقاءِ الأوَّلِ؛ فَمَنِ اتَّبَعَهُ كانَ لَهُ سَبَبًا لِلْإبْقاءِ الثّانِي؛ وهَذا الآخَرُ هو عَيْنُ أوَّلِ سُورَةِ ”غافِرٍ“؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ مُعْجِزًا نِظامُهُ؛ فائِتًا القُوى أوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ وخِتامُهُ؛ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ؛ وآلِهِ؛ وصَحْبِهِ؛ وأهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطّاهِرِينَ؛ وصَحابَتِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences