Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:101–108

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:101–108

4:101Page 94

وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

ولَمّا أوْجَبَ السَّفَرَ لِلْجِهادِ؛ والهِجْرَةِ؛ وكانَ مُطْلَقُ السَّفَرِ مَظِنَّةَ المَشَقَّةِ؛ فَكَيْفَ بِسَفَرِهِما مَعَ ما يَنْضَمُّ إلى المَشَقَّةِ فِيهِما مِن خَوْفِ الأعْداءِ؟ ذَكَرَ تَخْفِيفَ الصَّلاةِ بِالقَصْرِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالسَّفَرِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيِّ سَفَرٍ كانَ؛ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ؛ ولَمّا كانَ القَصْرُ رُخْصَةً؛ غَيْرَ عَزِيمَةٍ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾؛ أيْ: إثْمٌ؛ ومَيْلٌ؛ في ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾؛ ولَمّا كانَ القَصْرُ خاصًّا بِبَعْضِ الصَّلَواتِ؛ أتى بِالجارِّ لِذَلِكَ؛ ولِإفادَةِ أنَّهُ في الكَمِّ؛ لا في الكَيْفِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ (p-٣٧٨)الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: فاقْصُرُوا إنْ أرَدْتُمْ؛ وأتِمُّوا إنْ أرَدْتُمْ؛ وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أعْيانَ الصَّلَواتِ المَقْصُوراتِ؛ وكَمْ يُقْصَرُ مِنها مِن رَكْعَةٍ؛ وأنَّ القَصْرَ مِنَ الكَمِّيَّةِ؛ لا مِنَ الكَيْفِيَّةِ؛ بِالإيماءِ مَثَلًا؛ «فِي صَلاةِ الخَوْفِ؛ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - لِيَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ - حِينَ قالَ لَهُ: كَيْفَ تَقْصُرُ وقَدْ أمِنّا؟ -: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ؛ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكُمْ؛ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ“؛» وهَذا هو حَقِيقَةُ القَصْرِ؛ والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”مِن“؛ وأمّا الإيماءُ؛ ونَحْوُهُ مِن كَيْفِيّاتِ صَلاةِ الخَوْفِ؛ فَإبْدالٌ؛ لا قَصْرٌ؛ والسِّياقُ كَما تَرى مُشِيرٌ إلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها؛ وأنَّهُ لا يُسْقِطُها عَنِ المُكَلَّفِ شَيْءٌ؛ وقاضٍ بِأنَّ المُخاطَرَةَ بِالنَّفْسِ والمالِ لا تُسْقِطُ الجِهادَ؛ ولا الهِجْرَةَ؛ إذِ الخَوْفُ والخَطَرُ مَبْنى أمْرِهِما؛ ومَحَطُّ قَصْدِهِما؛ فَهَذا سِرُّ قَوْلِهِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ﴾؛ أيْ: يُخالِطَكم مُخالَطَةً مُزْعِجَةً؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لا أنَّهُ شَرْطٌ في القَصْرِ؛ كَما بَيَّنَتْ نَفْيَ شَرْطِيَّتِهِ السُّنَّةُ؛ والحاصِلُ أنَّ هَذا الشَّرْطَ ذُكِرَ لِهَذا المَقْصِدِ؛ لا لِمُخالَفَةِ المَفْهُومِ لِلْمَنطُوقِ؛ بِشَهادَةِ السُّنَّةِ؛ وقَدْ كانَتِ الصَّلاةُ قَبْلَ الهِجْرَةِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَأُتِمَّتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ المَدِينَةَ دارُ الإقامَةِ؛ وما قَبْلَها كانَ مَحَلَّ سَفَرٍ ونُقْلَةٍ؛ (p-٣٧٩)رَوى الشَّيْخانِ؛ وأحْمَدُ - وهَذا لَفْظُهُ - عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها - قالَتْ: «”فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ؛ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ“».

ولَمّا ذَكَرَ الخَوْفُ مِنهُمْ؛ عَلَّلَهُ؛ مُشِيرًا بِالإظْهارِ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ وبِاسْمِ الفاعِلِ إلى أنَّ مَن تَلَبَّسَ بِالكُفْرِ ساعَةً ما؛ أعْرَقَ فِيهِ؛ أوْ إلى أنَّ المَجْبُولَ عَلى العَداوَةِ؛ المُشارَ إلَيْهِ بِلَفْظِ الكَوْنِ؛ إنَّما هو الرّاسِخُ في الكُفْرِ؛ المَحْكُومُ بِمَوْتِهِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ مِنهم في الكُفْرِ؛ ﴿كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ولَعَلَّهُ أشارَ إلى أنَّهم مَغْلُوبُونَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾؛ دُونَ عَلَيْكُمْ؛ ﴿عَدُوًّا﴾؛ ولَمّا كانَ العَدُوُّ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ؛ قالَ: ﴿مُبِينًا﴾؛ أيْ: ظاهِرَ العَداوَةِ؛ يَعْدُونَ عَلَيْكم لِقَصْدِ الأذى؛ مَهْما وجَدُوا لِذَلِكَ سَبِيلًا؛ فَرُبَّما وجَدُوا الفُرْصَةَ في ذَلِكَ عِنْدَ طُولِ الصَّلاةِ؛ فَلِذَلِكَ قَصَرْتُها؛ ولَوْلا أنَّها لا رُخْصَةَ فِيها بِوَجْهٍ؛ لَوَضَعْتُها عَنْكم في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ؛ أوْ جَعَلْتُ التَّخْفِيفَ في الوَقْتِ؛ فَأمَرْتُ بِالتَّأْخِيرِ؛ ولَكِنَّهُ لا زَكاءَ لِلنُّفُوسِ بِدُونِ فِعْلِها عَلى ما حَدَدْتُ مِنَ الوَقْتِ؛ وغَيْرِهِ.

4:102Page 95

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢

And when you [i.e., the commander of an army] are among them and lead them in prayer,1 let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allāh has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

(p-٣٨٠)ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَيانَ القَصْرِ في الكَمِّيَّةِ؛ مَقْرُونًا بِالخَوْفِ لِما ذُكِرَ؛ وكانَ حُضُورُ النَّبِيِّ ﷺ مَظِنَّةَ الأمْنِ؛ بِالتَّأْيِيدِ بِالمَلائِكَةِ؛ ووَعْدِ العِصْمَةِ مِنَ النّاسِ؛ وما شُهِرَ بِهِ مِنَ الشَّجاعَةِ؛ ونُصِرَ بِهِ مِنَ الرُّعْبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ القاضِيَةِ بِأنَّ لَهُ العاقِبَةَ؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حالَ الصَّلاةِ في الكَيْفِيَّةِ عِنْدَ الخَوْفِ؛ وأنَّ صَلاةَ الخَوْفِ تُفْعَلُ عِنْدَ الأُنْسِ بِحَضْرَتِهِ؛ كَما تُفْعَلُ عِنْدَ الِاسْتِيحاشِ بِغَيْبَتِهِ ﷺ فَجَوازُها لِقَوْمٍ لَيْسَ هو ﷺ فِيهِمْ مَفْهُومٌ مُوافَقَةً؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وإذا كُنْتَ﴾؛ حالَ الخَوْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ فَرْضُهُ؛ ﴿فِيهِمْ﴾؛ أيْ: في أصْحابِكَ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في السَّفَرِ؛ أوْ في الحَضَرِ؛ ﴿فَأقَمْتَ﴾؛ أيْ: ابْتَدَأْتَ؛ وأوْجَدْتَ؛ ﴿لَهُمُ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: الكامِلَةَ؛ وهي المَفْرُوضَةُ؛ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾؛ أيْ: في الصَّلاةِ؛ ولْتَقُمِ الطّائِفَةُ الأُخْرى وِجاهَ العَدُوِّ؛ ويَطُوفُونَ في كُلِّ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ مِنهُ العَدُوُّ؛ ﴿ولْيَأْخُذُوا﴾؛ أيْ: المُصَلُّونَ؛ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ إلى هَذا الأمْرِ؛ لِدُخُولِهِمْ في حالَةٍ هي بِتَرْكِ السِّلاحِ أجْدَرُ؛ ﴿أسْلِحَتَهُمْ﴾؛ كَما يَأْخُذُها مَن هو خارِجَ الصَّلاةِ؛ وسَبَبُ الأمْرِ بِصَلاةِ الخَوْفِ - كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ وغَيْرِهِ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - «أنَّهم غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقاتَلُوا قَوْمًا مِن جُهَيْنَةَ؛ فَقاتَلُوا قِتالًا شَدِيدًا؛ قالَ جابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -: فَلَمّا صَلَّيْنا الظُّهْرَ؛ قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لاقْتَطَعْناهُمْ؛ (p-٣٨١)فَأخْبَرَ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ قالَ: وقالُوا: إنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنَ الأوْلادِ؛ فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ صَفَّنا صَفَّيْنِ؛ والمُشْرِكُونَ بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ...؛» الحَدِيثَ؛ ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّجُودِ ظاهِرَهُ؛ فَيَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْيَكُونُوا﴾؛ لِلْجَمْعِ - الَّذِينَ مِنهم هَذِهِ الطّائِفَةُ - المَذْكُورِينَ بِطَرِيقِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: ”وإذا كُنْتَ فِيهِمْ“؛ وفي ”فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهُمْ“؛ أيْ: فَإذا سَجَدَ الَّذِينَ قامُوا مَعَكَ في الصَّلاةِ؛ فَلْيَكُنِ المُحَدَّثُ عَنْهم - وهُمُ الباقُونَ؛ الَّذِينَ أنْتَ فِيهِمْ؛ وهَذِهِ الطّائِفَةُ مِنهم - ﴿مِن ورائِكُمْ﴾؛ فَإذا أتَمَّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ صَلاتَها فَلْتَذْهَبْ إلى الحِراسَةِ؛ ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾؛ أيْ: مِنَ الجَماعَةِ؛ ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ كَما صَلَّتِ الطّائِفَةُ الأُولى؛ فَإنْ كانَتِ الصَّلاةُ ثُنائِيَّةً؛ ولَمْ تُصَلِّ بِكُلِّ طائِفَةٍ جَمِيعَ الصَّلاةِ؛ فَلْتُسَلِّمْ بِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ؛ وإنْ كانَتْ رُباعِيَّةً؛ ولَمْ تُصَلِّ بِكُلِّ فِرْقَةٍ جَمِيعَ الصَّلاةِ؛ فَلْتُتِمَّ صَلاتَها؛ ولْتَذْهَبْ إلى وِجاهِ العَدُوِّ؛ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى؛ هَكَذا حَتّى تَتِمَّ الصَّلاةُ؛ ويُمْكِنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّجُودِ الصَّلاةَ - مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ -؛ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإذا صَلَّوْا؛ أيْ: أتَمُّوا صَلاتَهم - عَلى ما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ -؛ والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ (p-٣٨٢)فِي ”فَلْيَكُونُوا“؛ لِلطّائِفَةِ السّاجِدَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَأْخُذُوا﴾؛ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُهُ لِلْكُلِّ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالمُصَلِّي؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لا عائِقَ لَهُ عَنِ الأخْذِ مَتى شاءَ؛ أوْ: ولْتَأْخُذْ جَمِيعُ الطَّوائِفِ - الحارِسُونَ؛ والمُصَلُّونَ - ﴿حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾؛ في حالِ صَلاتِهِمْ؛ وحِراسَتِهِمْ؛ وإتْيانِهِمْ إلى الصَّلاةِ؛ وانْصِرافِهِمْ مِنها؛ فَجَعَلَ الحَذَرَ - الَّذِي هو التَّيَقُّظُ؛ والتَّحَرُّزُ؛ بِإقْبالِ الفِكْرِ عَلى ما يَمْنَعُ كَيْدَ العَدُوِّ - كالآلَةِ المَحْسُوسَةِ؛ وخُصَّ في اسْتِعْمالِهِ في الصَّلاةِ في شَأْنِ العَدُوِّ؛ وخُصَّ آخِرُ الصَّلاةِ بِزِيادَةِ حَذَرٍ؛ إشارَةً إلى أنَّ العَدُوَّ في أوَّلِ الصَّلاةِ قَلَّما يَفْطِنُونَ لِكَوْنِهِمْ في الصَّلاةِ؛ بِخِلافِ الآخِرِ؛ فَلِهَذا خُصَّ بِمَزِيدِ الحَذَرِ؛ وهَذا الكَلامُ - عَلى وجازَتِهُ - مُحْتَمِلٌ - كَما تَرى - لِجَمِيعِ الكَيْفِيّاتِ المَذْكُورَةِ في الفِقْهِ؛ لِصَلاةِ الخَوْفِ؛ إذا لَمْ يَكُنِ العَدُوُّ في وجْهِ القِبْلَةِ؛ عَلى أنَّها تَحْتَمِلُ التَّنْزِيلَ عَلى ما إذا كانَ في وجْهِ القِبْلَةِ بِأنْ يُحْمَلَ الوَراءُ عَلى ما واراهُ السُّجُودُ عَنْكُمْ؛ وإتْيانِ الطّائِفَةِ الأُخْرى؛ عَلى الإقْبالِ عَلى المُتابَعَةِ لِلْإمامِ في الأفْعالِ؛ و”لَمْ يُصَلُّوا“؛ أيْ: بِقَيْدِ المُتابَعَةِ لَهُ فِيها - واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الهادِي.

وما أحْسَنَ اتِّصالَ ذَلِكَ بِأوَّلِ آياتِ الجِهادِ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]؛ فَهو مِن رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أمْرَهُ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ عَلى هَذا الِاحْتِياطِ والحَزْمِ؛ بِقَوْلِهِ - مُقَوِّيًا لِتَرْغِيبِهِمْ في ذَلِكَ؛ بِإقْبالِ الخِطابِ (p-٣٨٣)عَلَيْهِمْ -: ﴿ودَّ﴾؛ أيْ: تَمَنّى تَمَنِّيًا عَظِيمًا؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: باشَرُوا الكُفْرَ وقْتًا ما؛ فَكَيْفَ بِمَن هو غَرِيقٌ فِيهِ؟ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾؛ أيْ: تَقَعُ لَكم غَفْلَةٌ في وقْتٍ ما؛ ﴿عَنْ أسْلِحَتِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَتِ القُوَّةُ بِالآلاتِ مُرْهِبَةً لِلْعَدُوِّ؛ ومُنْكِبَةً؛ قالَ: ﴿وأمْتِعَتِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الغَفْلَةُ ضَعْفًا ظاهِرًا؛ تَسَبَّبَ عَنْها قَوْلُهُ: ﴿فَيَمِيلُونَ﴾؛ وأشارَ إلى العُلُوِّ والغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ وأشارَ إلى سُرْعَةِ الأخْذِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَيْلَةً﴾؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةً﴾

ولَمّا كانَ اللَّهُ - ولَهُ المَنُّ - قَدْ رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ الحَرَجَ؛ وكانَ المَطَرُ؛ والمَرَضُ شاقَّيْنِ؛ قالَ: ﴿ولا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ﴿عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ يَسِيرًا؛ ﴿مِن مَطَرٍ﴾؛ أيْ: لِأنَّ حَمْلَ السِّلاحِ حِينَئِذٍ يَكُونُ سَبَبًا لِبَلِّهِ؛ ﴿أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾؛ أيْ: مُتَّصِفِينَ بِالمَرَضِ؛ وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالوَصْفِ إشارَةٌ إلى أنَّ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ لا يُرَخِّصُ؛ ﴿أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ حَمْلَها يَزِيدُ المَرِيضَ وهْنًا.

ولَمّا خَفَّفَ ما أوْجَبَهُ أوَّلًا مِن أخْذِ السِّلاحِ؛ بِرَفْعِ الجُناحِ في حالِ العُذْرِ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَضَعُوهُ إنْ شِئْتُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - بِصِيغَةِ الأمْرِ؛ إشارَةً إلى وُجُوبِ الحَذَرِ مِنهم في كُلِّ حالٍ - قَوْلَهُ: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ أيْ: في كُلِّ حالَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ لا يُتَوَقَّعُ مِنهُ ضَرَرٌ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما بَشَّرَ فِيهِ بِالنَّصْرِ؛ تَشْجِيعًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وإعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ بِالحَزْمِ إنَّما هو (p-٣٨٤)لِلْجَرْيِ عَلى ما رَسَمَهُ مِنَ الحِكْمَةِ في قَوْلِهِ - رَبَطَ المُسَبَّباتِ بِالأسْبابِ؛ فَهو مِن بابِ: ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“؛ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ المُحِيطَ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿أعَدَّ﴾؛ أيْ: في الأزَلِ؛ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الدّائِمِينَ عَلى الكُفْرِ؛ لا مَنِ اتَّصَفَ بِهِ وقْتًا ما؛ وتابَ مِنهُ؛ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾؛ أيْ: يُهِينُهم بِهِ؛ مِن أعْظَمِهِ حَذَرُكُمُ الَّذِي لا يَدَعُ لَهم عَلَيْكم مَقْدِمًا؛ ولا تُمْكِنُهم مَعَهُ مِنكم فُرْصَةٌ.

4:103Page 95

فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣

And when you have completed the prayer, remember Allāh standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

ولَمّا عَلَّمَهم بِما يَفْعَلُونَ في الصَّلاةِ حالَ الخَوْفِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ بَعْدَها؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّها تُغْنِي عَنْ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى تَعْقِيبِهِ بِهِ -: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: فَرَغْتُمْ مِن فِعْلِها وأدَّيْتُمُوها عَلى حالَةِ الخَوْفِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُراقَبَ فَلا يُنْسى؛ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾؛ أيْ: في كُلِّ حالَةٍ؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ حِصْنُكم في كُلِّ حالَةٍ؛ مِن كُلِّ عَدُوٍّ ظاهِرٍ أوْ باطِنٍ.

ولَمّا كانَ الذِّكْرُ أعْظَمَ حَفِيظٍ لِلْعَبْدِ؛ وحارِسٍ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ؛ ومُسَكِّنٍ لِلْقُلُوبِ؛ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ أشارَ (p-٣٨٥)إلى ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ حالَ الطُّمَأْنِينَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ قَدْرِها؛ وبَيانًا لِأنَّها أوْثَقُ عُرى الدِّينِ؛ وأقْوى دَعائِمِهِ؛ وأفْضَلُ مُجْلِياتِ القُلُوبِ؛ ومُهَذِّباتِ النُّفُوسِ؛ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَجامِعِ الذِّكْرِ؛ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ فَقالَ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ: عَمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ؛ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: فافْعَلُوها قائِمَةَ المَعالِمِ كُلِّها؛ عَلى الحالَةِ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْعَلُونَها قَبْلَ الخَوْفِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِها في الأمْنِ والخَوْفِ؛ والسَّعَةِ؛ والضِّيقِ؛ سَفَرًا أوْ حَضَرًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ﴾؛ مُظْهِرًا لِما كانَ الأصْلُ فِيهِ الإضْمارَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ قَدْرِها؛ بِما لِلْعَبْدِ فِيها مِنَ الوَصْلَةِ بِمَعْبُودِهِ؛ ﴿كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا﴾؛ أيْ: هي - مَعَ كَوْنِها فَرْضًا - جامِعَةٌ عَلى اللَّهِ جَمْعًا لا يُقارِنُها فِيهِ غَيْرُها؛ ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ أيْ: وهي - مَعَ كَوْنِها مَحْدُودَةً - مَضْبُوطَةٌ بِأوْقاتٍ مَشْهُورَةٍ؛ فَلا يَجُوزُ إخْراجُها عَنْها؛ في أمْنٍ؛ ولا خَوْفِ فَوْتٍ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ مادَّةُ ”وقَتَ“؛ لِلْأبْدانِ بِما تُسَبِّبُ مِنَ الأرْزاقِ؛ ولِلْقُلُوبِ بِما تَجْلِبُ مِنَ المَعارِفِ؛ والأنْوارِ.

4:104Page 95

وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.

ولَمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ أنَّ آياتِ الجِهادِ في هَذِهِ السُّورَةِ مُعَلِّمَةٌ لِلْحَذِرِ؛ خَوْفَ الضَّرَرِ؛ مُرْشِدَةٌ إلى إتْقانِ المَكائِدِ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الخَطَرِ؛ (p-٣٨٦)وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِمُتابَعَةِ النَّفْسِ؛ والمُبالَغَةِ فِيهِ؛ وهو مَظِنَّةٌ لِلتَّوانِي في أمْرِ الجِهادِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُنَبِّهًا عَلى الجِدِّ في أمْرِهِ؛ وأنَّهُ لَمْ يَدَعْ في الصَّلاةِ؛ ولا غَيْرِها؛ ما يَشْغَلُ عَنْهُ؛ عاطِفًا عَلى نَحْوِ: ”فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ“؛ أوْ عَلى: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] -: ﴿ولا تَهِنُوا﴾؛ أيْ: تَضْعُفُوا؛ وتَتَوانَوْا بِالِاشْتِغالِ بِذِكْرٍ؛ ولا صَلاةٍ؛ فَقَدْ يَسَّرْتُ ذَلِكَ لَكم تَيْسِيرًا لا يَعُوقُ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ الجِهادِ؛ ﴿فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾؛ أيْ: طَلَبِهِمْ بِالِاجْتِهادِ؛ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والقِيامِ بِالأُمُورِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ لَكم ألَمٌ؛ ومَشَقَّةٌ بِالجِهادِ؛ مِنَ القَتْلِ وما دُونَهُ؛ ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لِأنَّهم يَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَكُمْ؛ فَلا يَكُونُنَّ عَلى باطِلِهِمْ أصْبَرَ مِنكم عَلى حَقِّكم.

ولَمّا بَيَّنَ ما يَكُونُ مانِعًا لَهم مِنَ الوَهْنِ دُونَهُمْ؛ لِأنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمْ؛ بَيَّنَ ما يَحْمِلُهم عَلى الإقْدامِ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرْجُونَ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ ﴿ما لا يَرْجُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ النَّصْرِ؛ والعَزْمِ؛ والكَرَمِ؛ واللُّطْفِ؛ لِأنَّكم تُقاتِلُونَ فِيهِ؛ وهم يُقاتِلُونَ في الشَّيْطانِ؛ وهَذا لِكُلِّ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ؛ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في جِهادِ الكُفّارِ؛ أوْ لا. (p-٣٨٧)ولَمّا كانَ العِلْمُ مَبْنى كُلِّ خَيْرٍ؛ وكانَتِ الحِكْمَةُ الَّتِي هي نِهايَةُ العِلْمِ؛ وغايَةُ القُدْرَةِ؛ مَجْمَعَ الصِّفاتِ العُلا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الآمِرُ لَكم بِهَذِهِ الأوامِرِ؛ وهو المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ؛ فَهو لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ بالِغَ الحُسْنِ؛ مُصْلِحًا لِلدِّينِ؛ والدُّنْيا؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَهو يُتْقِنُ لِمَن يَأْمُرُهُ الأحْوالَ؛ ويُسَدِّدُهُ في المَقالِ؛ والفِعالِ؛ فَمَن عَلِمَ مِنهُ خَيْرًا أرادَهُ ورَقّاهُ في دَرَجِ السَّعادَةِ؛ ومَن عَلِمَ مِنهُ شَرًّا كادَهُ؛ فَنَكَّسَ مَبْدَأهُ ومَعادَهُ.

4:105Page 95

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

ولَمّا كانَ أوَّلُ هَذِهِ القِصَصِ التَّعْجِيبَ مِن حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ في ضَلالِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ ثُمَّ التَّعْجِيبَ مِن إيمانِهِمْ بِالجِبْتِ؛ والطّاغُوتِ؛ ثُمَّ التَّعْجِيبَ مِن حالِ مَنِ ادَّعى الإيمانَ بِهَذا الكِتابِ؛ مَعَ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ ثُمَّ رَضِيَ بِحُكْمِ غَيْرِهِ؛ وساقَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أُصُولَ ذَلِكَ؛ وفُرُوعَهُ؛ ونَصَبَ الأدِلَّةَ؛ حَتّى عَلَتْ عَلى الفَرْقَدَيْنِ؛ وانْتَشَرَ ضِياؤُها عَلى جَمِيعِ الخافِقَيْنِ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِمُجاهَدَةِ المُبْطِلِينَ بِالحُجَّةِ؛ والسَّيْفِ؛ وسَوَّرَ ذَلِكَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ ناسَبَ - أتَمَّ مُناسَبَةٍ - الإخْبارَ بِأنَّهُ أنْزَلَ هَذا الكِتابَ بِالحَقِّ؛ وبَيَّنَ فائِدَتَهُ الَّتِي عَدَلَ عَنْها المُنافِقُونَ في اسْتِحْكامِ غَيْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي تَتَقاصَرُ دُونَها كُلُّ عَظَمَةٍ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ وأنْتَ أكْمَلُ الخَلْقِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ؛ الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِما يُطابِقُهُ الواقِعُ (p-٣٨٨)﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ لِأنَّ دَعْوَتَكَ عامَّةٌ؛ فَلا أضَلَّ مِمَّنْ عَدَلَ عَنْ حُكْمِكَ؛ وابْتَغى خَيْرًا مِن غَيْرِ كِتابِكَ؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَرَّفَكَهُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الشّامِلَةُ؛ والعِلْمُ الكامِلُ؛ فَإنْ كانَ قَدْ بَيَّنَ لَكَ شَيْئًا غايَةَ البَيانِ فافْعَلْهُ؛ وإلّا فانْتَظِرْ مِنهُ البَيانَ؛ ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في إتْمامِ ما بَقِيَ مِن أخْبارِهِمْ؛ وكَشَفَ ما بَطَنَ مِن أسْرارِهِمْ؛ وبَيانِ عَلاماتِهِمْ؛ لِيُعْرَفُوا؛ ويَجْتَنِبَها المُؤْمِنُونَ لِئَلّا يُوسَمُوا بِمَيْسَمِهِمْ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ خَفَّفَ عَلَيْهِ ﷺ بِأنْ شَرَعَ لَهُ القَناعَةَ في الحُكْمِ بِالظّاهِرِ؛ وعَدَمَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقْبِ عَنْ سَرائِرِهِمْ؛ بِالدَّفْعِ عَنْ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّ أمْرَهُ كانَ مُشْكِلًا؛ فَإنَّهُ سَرَقَ دِرْعًا؛ وأوْدَعَها عِنْدَ يَهُودِيٍّ؛ فَوُجِدَتْ عِنْدَهُ؛ فادَّعى أنَّ طُعْمَةَ أوْدَعَها عِنْدَهُ؛ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَلى طُعْمَةَ؛ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الآيَةَ؛ فَأرادَ (تَعالى) إنْزالَهُ في هَذِهِ النّازِلَةِ؛ وغَيْرِها؛ مِمّا يُرِيدُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في المَقامِ الخَضِرِيِّ مِنَ الحُكْمِ بِما في نَفْسِ الأمْرِ؛ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ إذْ كانَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ - كَما نَقَلَهُ شَيْخُنا قاضِي الشّافِعِيَّةِ بِمِصْرَ؛ أبُو الفَضْلِ أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ (تَعالى) -؛ (p-٣٨٩)فِي الإصابَةِ في أسْماءِ الصَّحابَةِ؛ أنَّ الخَضِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَبِيٌّ؛ وكانَ نَبِيُّنا ﷺ قَدْ أُعْطِيَ مِثْلَ جَمِيعِ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَعَ ما اخْتُصَّ بِهِ دُونَهم - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ؛ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ والبَرَكاتِ -؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ما عُلِمَ تَقْدِيرُهُ؛ مِن نَحْوِ: ”فاحْكم بِما نُرِيكَ مِن بِحارِ العُلُومِ الَّتِي أوْدَعْناها هَذا الكِتابَ“ -: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِمْ؛ مِن طُعْمَةَ وغَيْرِهِ؛ ﴿خَصِيمًا﴾؛ أيْ: مُخاصِمًا لِمَن يُخاصِمُهُمْ؛

4:106Page 96

وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦

And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

وأتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ؛ والغِنى المُطْلَقُ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ وهَذا الِاسْتِغْفارُ لا عَنْ ذَنْبٍ؛ إذْ هو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ مَعْصُومٌ مِنهُ؛ ولَكِنْ عَنْ مَقامٍ عالٍ تامٍّ؛ لِلِارْتِقاءِ إلى أعْلى مِنهُ وأتَمَّ؛ وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]؛ مِن وجْهٍ مُسْتَقْصٍ مُبَيَّنٍ بَيانًا شافِيًا؛ وسَمّى بَنِي أُبَيْرِقٍ ”بِشْرًا“؛ و”بُشَيْرًا“؛ و”مُبَشِّرًا“؛ ولَمْ يَذْكُرْ طُعْمَةَ؛ واللَّهَ (p-٣٩٠)- سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ؛ قالَ: عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ؛ وبُشَيْرٌ؛ ومُبَشِّرٌ؛ فَكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا؛ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ يَنْحِلُهُ بَعْضَ العَرَبِ؛ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا؛ فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ؛ قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَةٍ؛ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ؛ والإسْلامِ؛ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ؛ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ؛ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ؛ وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ؛ دِرْعٌ وسَيْفٌ؛ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ؛ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ؛ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ؛ فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ؛ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ إنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ؛ فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا؛ وذُهِبَ بِطَعامِنا؛ وسِلاحِنا؛ قالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدّارِ؛ فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ (p-٣٩١)اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ؛ قالَ: وكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ -؛ فَلَمّا سَمِعَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟! فَواللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ؛ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ؛ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ؛ فَما أنْتَ بِصاحِبِها؛ فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها؛ فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ؛ قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُهُ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”سَآمُرُ في ذَلِكَ“؛ فَلَمّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أسِيرُ بْنُ عُرْوَةَ؛ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ؛ فاجْتَمَعَ في ذَلِكَ أُناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ؛ وعَمَّهُ؛ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا؛ أهْلِ إسْلامٍ؛ وصَلاحٍ؛ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ ولا ثَبْتٍ؛ قالَ (p-٣٩٢)قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ؛ فَقالَ: ”عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ؛ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ ثَبْتٍ؛ وبَيِّنَةٍ؟!“؛ قالَ: فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]؛ إلى: ﴿خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] بَنِي أُبَيْرِقٍ؛ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ؛ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ؛ فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ؛ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سُمَيَّةَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] "؛ ورَوى الحَدِيثَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ؛ وزادَ: إنَّ حَسّانًا قالَ في نُزُولِهِ عِنْدَها أبْياتًا؛ فَطَرَدَتْهُ؛ فَلَحِقَ بِالطّائِفِ؛ فَدَخَلَ بَيْتًا لِيَسْرِقَ مِنهُ؛ فَوَقَعَ عَلَيْهِ فَماتَ؛ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: واللَّهِ ما يُفارِقُ مُحَمَّدًا مِن أصْحابِهِ أحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ».

4:107Page 96

وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.

(p-٣٩٣)ولَمّا نَهاهُ عَنِ الخِصامِ لِمُطْلَقِ الخائِنِ؛ وهو مَن وقَعَتْ مِنهُ خِيانَةٌ ما؛ أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ المُجادَلَةِ عَمَّنْ تَعَمَّدَ الخِيانَةَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولا تُجادِلْ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ ما؛ ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ مِنهم تَعَمُّدٌ أنْ يَخُونُوا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ بِأنْ يُوقِعُوها في الهَلَكَةِ؛ بِالعِصْيانِ فِيما ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ؛ والتَّعْبِيرُ بِالجَمْعِ - مَعَ أنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ واحِدٌ - لِلتَّعْمِيمِ؛ وتَهْدِيدِ مَن أعانَهُ مِن قَوْمِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى أنَّ الخِيانَةَ لا تَقَعُ إلّا مُكَرَّرَةً؛ فَإنَّهُ يَعْزِمُ عَلَيْها أوَّلًا؛ ثُمَّ يَفْعَلُها؛ فَأدْنى لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَدْ خانَ مِن نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ؛ قالَ الإمامُ ما مَعْناهُ أنَّ التَّهْدِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ عَظِيمٌ جِدًّا؛ وذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عاتَبَ خَيْرَ الخَلْقِ عِنْدَهُ؛ وأكْرَمَهم لَدَيْهِ؛ هَذِهِ المُعاتَبَةَ؛ وما فَعَلَ إلّا الحَقَّ في الظّاهِرِ؛ فَكَيْفَ بِمَن يَعْلَمُ الباطِنَ ويُساعِدُ أهْلَ الباطِلِ؟ فَكَيْفَ إنْ كانَ بِغَيْرِهِمْ؟ ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى أنَّ مَن خانَ غَيْرَهُ كانَ مُبالِغًا في الخِيانَةِ بِالعَزْمِ وخِيانَةِ الغَيْرِ؛ المُسْتَلْزِمَةِ لِخِيانَةِ النَّفْسِ؛ فَلِذا خُتِمَتْ بِالتَّعْلِيلِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجَلِيلَ؛ العَظِيمَ؛ ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿لا يُحِبُّ﴾؛ أيْ: لا يُكْرِمُ؛ ﴿مَن كانَ (p-٣٩٤)خَوّانًا أثِيمًا﴾؛ بِصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ - عَلى أنَّ مَراتِبَ المُبالِغِينَ في الخِيانَةِ مُتَفاوِتَةٌ -؛ وفِيهِ مَعَ هَذا اسْتِعْطافٌ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخِيانَةُ مَرَّةً واحِدَةً؛ وقَدَّمَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ لِأنَّ فِيهِ دَفْعًا لِلضُّرِّ عَنِ البَرِيءِ؛ وجَلْبًا لِلنَّفْعِ إلَيْهِ؛

4:108Page 96

يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.

ثُمَّ أتْبَعَهُ بِعَيْبِ هَذا الخائِنِ؛ وقِلَّةِ تَأمُّلِهِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ المُجادَلَةَ عَنْهُ قَلِيلَةُ الجَدْوى؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُعَجِّبًا مِنهم بِما هو كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ -: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الخَوَنَةُ: طُعْمَةُ؛ ومَن مالَأهُ؛ وهو يَعْلَمُ باطِنَ أمْرِهِ؛ ﴿مِنَ النّاسِ﴾؛ حَياءً مِنهُمْ؛ وخَوْفًا مِن أنْ يَضُرُّوهم لِمُشاهَدَتِهِمْ لَهم وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ؛ كالبَهائِمِ؛ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ ويُوجِدُونَ الخُفْيَةَ بِعَدَمِ الخِيانَةِ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ أظْهَرُ مِنهُ؛ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ؛ ﴿مَعَهُمْ﴾؛ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِن نَكالِهِمْ؛ فالِاسْتِخْفاءُ مِنهُ لا يَكُونُ إلّا بِتَرْكِ الخِيانَةِ؛ ومَحْضِ الإخْلاصِ؛ فَواسَوْأتاهُ مِن أغْلَبِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ والأحْوالِ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ: يُرَتِّبُونَ لَيْلًا؛ عَلى طَرِيقِ الإمْعانِ في الفِكْرِ؛ والإتْقانِ لِلرَّأْيِ؛ ﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾؛ أيْ: مِنَ البَهْتِ؛ والحَلِفِ عَلَيْهِ؛ فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ؛ ولا يَخافُونَ؛ لِاسْتِيلاءِ الجَهْلِ والغَفْلَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وعَدَمِ إيمانِهِمْ بِالغَيْبِ. (p-٣٩٥)ولَمّا أثْبَتَ عِلْمَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا؛ مِن حالِهِمْ؛ عَمَّمَ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ؛ لِأنَّهُ الواحِدُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿بِما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِن هَذا؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿مُحِيطًا﴾؛ أيْ: عِلْمًا وقُدْرَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском