Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:109–122

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:109–122

4:109Page 96

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

ولَمّا وبَّخَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلى جَهْلِهِمْ؛ حَذَّرَ مِن مُناصَرَتِهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا أنَّها لا تُجْدِيهِمْ شَيْئًا؛ مُخَوِّفًا لَهم جِدًّا بِالمُواجَهَةِ بِمِثْلِ هَذا التَّنْبِيهِ؛ والخِطابِ؛ ثُمَّ الإشارَةِ بَعْدُ -: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾؛ وزادَ في التَّرْهِيبِ؛ لِلتَّعْيِينِ بِما هو مِنَ الجَدَلِ؛ الَّذِي هو أشَدُّ الخُصُومَةِ - مِن ”جَدْلُ الحَبْلِ“؛ الَّذِي هو شِدَّةُ فَتْلِهِ - وإظْهارِهِ في صِيغَةِ المُفاعَلَةِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِأنَّ المُرادَ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ التَّهْدِيدُ -: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾؛ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِما جُعِلَ لَكم مِنَ الأسْبابِ.

ولَمّا حَذَّرَهُمْ؛ وبَّخَهم عَلى قِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ؛ وزِيادَةً في التَّحْذِيرِ بِأنَّ مُجادَلَتَهم هَذِهِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الحُكُومَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقالَ: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ كُلُّهُ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: حِينَ تَنْقَطِعُ الأسْبابُ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ ولا يَفْتَرِقُ الحالُ في هَذا بَيْنَ أنْ تَكُونَ ”ها“؛ مِن ”ها أنْتُمْ“؛ لِلتَّنْبِيهِ؛ أوْ بَدَلًا عَنْ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ - عَلى ما تَقَدَّمَ -؛ فَإنَّ مَعْنى الإنْكارِ هُنا واضِحٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ. (p-٣٩٦)ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المَحاسِنِ كَفُّ الإنْسانِ عَمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أوَّلِها - مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ مُنَبِّهًا عَلى قُبْحِ المُجادَلَةِ عَنْهُمْ؛ بِقُصُورِ عِلْمِ الخَلائِقِ - قَوْلَهُ: ﴿أمْ مَن يَكُونُ﴾؛ أيْ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾؛ أيْ: يَعْلَمُ مِنهم ما يَعْلَمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنْ يُحْصِيَ أعْمالَهُمْ؛ فَلا يَغِيبَ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ؛ لِيُجادِلَ اللَّهَ عَنْهُمْ؛ فَيَثْبُتَ لَهم ما فارَقُوهُ؛ ويَنْفِيَ عَنْهم ما لَمْ يُلابِسُوهُ؛ ويَرْعاهم ويَحْفَظَهم مِمّا يَأْتِيهِمْ بِهِ القَدَرُ مِنَ الضَّرَرِ والكَدَرِ.

4:110Page 96

وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.

ولَمّا نَهى عَنْ نُصْرَةِ الخائِنِ؛ وحَذَّرَ مِنها؛ نَدَبَ إلى التَّوْبَةِ مِن كُلِّ سُوءٍ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن يُصِرَّ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المُجادَلَةِ يَجِدِ اللَّهَ عَلِيمًا حَكِيمًا“ -: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أيْ: قَبِيحًا؛ مُتَعَدِّيًا يَسُوءُ غَيْرَهُ شَرْعًا؛ عَمْدًا - كَما فَعَلَ طُعْمَةُ - أوْ غَيْرَ عُمَدٍ؛ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾؛ بِما لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ؛ شِرْكًا كانَ أوْ غَيْرَهُ؛ أوْ بِالرِّضا لَها بِما غَيْرُهُ أعْلى مِنهُ؛ ولَمْ يَسَمِّهِ بِالسُّوءِ لِأنَّهُ لا يَقْصِدُ نَفْسَهُ بِما يَضُرُّها في الحاضِرِ؛ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبْ مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ غُفْرانَهُ بِالتَّوْبَةِ؛ بِشُرُوطِها؛ ﴿يَجِدِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: مُمْحِيًا لِلزَّلّاتِ؛ (p-٣٩٧)﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: مُبالِغًا في إكْرامِ مَن يُقْبِلُ إلَيْهِ: «”مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا؛ ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ باعًا؛ ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً“؛» رَوى إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؛ وأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها.

4:111Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١

And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.

ولَمّا نَدَبَ إلى التَّوْبَةِ؛ ورَغَّبَ فِيها؛ بَيَّنَ أنَّ ضَرَرَ إثْمِهِ لا يَتَعَدّى نَفْسَهُ؛ حَثًّا عَلى التَّوْبَةِ؛ وتَهْيِيجًا إلَيْها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ مِن مَحَبَّةِ نَفْعِ نَفْسِهِ؛ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْها؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾؛ أيَّ إثْمٍ كانَ؛ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّ وبالَهُ راجِعٌ عَلَيْهِ؛ إذِ اللَّهُ لَهُ بِالمِرْصادِ؛ فَهو مُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ؛ لا مَحالَةَ؛ غَيْرَ حامِلٍ لِشَيْءٍ مِن إثْمِهِ عَلى غَيْرِهِ؛ كَما أنَّهُ غَيْرُ حامِلٍ لِشَيْءٍ مِن إثْمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ؛ و”الكَسْبُ“: فِعْلُ ما يَجُرُّ نَفْعًا؛ أوْ يَدْفَعُ ضُرًّا.

ولَمّا كانَ هَذا لا يَكُونُ إلّا مَعَ العِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كَمالُ الإحاطَةِ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ بِدَقِيقِ ذَلِكَ؛ وجَلِيلِهِ؛ فَلا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنهُ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَلا يُجازِيهِ إلّا بِمِقْدارِ ذَنْبِهِ؛ وإذا أرادَ شَيْئًا وضَعَهُ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ؛ فَلا يُمْكِنُ غَيْرَهُ شَيْءٌ مِن نَقْضِهِ.

4:112Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

(p-٣٩٨)ولَمّا ذَكَرَ ما يَخُصُّ الإنْسانَ مِن إثْمِهِ؛ أتْبَعَهُ ما يُعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾؛ أيْ: ذَنْبًا غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لَهُ؛ ﴿أوْ إثْمًا﴾؛ أيْ: ذَنْبًا تَعَمَّدَهُ؛ ولَمّا كانَ البُهْتانُ شَدِيدًا جِدًّا؛ قَلَّ مَن يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ؛ أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾؛ أيْ: يَنْسُبُهُ إلى مَن لَمْ يَعْمَلْهُ - كَما فَعَلَ طُعْمَةُ بِاليَهُودِيِّ؛ وابْنُ أُبَيٍّ بِالصِّدِّيقَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها -؛ وعَظَّمَ جُرْمَ فاعِلِ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿بُهْتانًا﴾؛ أيْ: خَطَرَ كَذِبٍ؛ يَبْهَتُ المَرْمِيَّ بِهِ لِعِظَمِهِ؛ وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما يَلْحَقُ الرّامِي في الدُّنْيا مِنَ الذَّمِّ؛ ﴿وإثْمًا﴾؛ أيْ: ذَنْبًا كَبِيرًا؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ يُعاقَبُ بِهِ في الآخِرَةِ؛ وإنَّما كانَ مُبِينًا لِمَعْرِفَتِهِ بِخِيانَةِ نَفْسِهِ؛ وبَراءَةِ المَرْمِيِّ بِهِ؛ ولِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أجْرى عادَتَهُ الجَمِيلَةَ؛ أنْ يُظْهِرَ بَراءَةَ المَقْذُوفِ بِهِ يَوْمًا ما؛ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ؛ ولَوْ لِبَعْضِ النّاسِ.

4:113Page 96

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣

And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.

ولَمّا وعَظَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ النّازِلَةِ؛ وحَذَّرَ؛ ونَهى؛ وأمَرَ؛ بَيَّنَ نِعْمَتَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ في عِصْمَتِهِ عَمّا أرادُوهُ مِن مُجادَلَتِهِ عَنِ الخائِنِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ (p-٣٩٩)﴿عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: بِإنْزالِ الكِتابِ؛ ﴿ورَحْمَتُهُ﴾؛ أيْ: بِإعْلاءِ أمْرِكَ؛ وعِصْمَتِكَ مِن كُلِّ ذِي كَيْدٍ؛ وحِفْظِكَ في أصْحابِكَ الَّذِينَ أتَوْا يُجادِلُونَ عَنِ ابْنِ عَمِّهِمْ؛ سارِقِ الدِّرْعِ؛ في التَّمَسُّكِ بِالظّاهِرِ؛ وعَدَمِ قَصْدِ العِنادِ؛ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: فِرْقَةٌ فِيها أهْلِيَّةُ الِاسْتِدارَةِ والتَّخَلُّقِ؛ لا تَزالُ تَتَخَلَّقُ فَتُفَيِّلُ الآراءَ؛ وتَقَلِّبُ الأُمُورَ؛ وتُدِيرُ الأفْكارَ في تَرْتِيبِ ما تُرِيدُ؛ ﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُوكَ في ذَلِكَ؛ بِالحُكْمِ بِبَراءَةِ طُعْمَةَ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ حَفِظَكَ في أصْحابِكَ فَما هَمُّوا بِذَلِكَ؛ وإنَّما قَصَدُوا المُدافَعَةَ عَنْ صاحِبِهِمْ بِما لَمْ يَتَحَقَّقُوهُ؛ ولَوْ هَمُّوا لَما أضَلُّوكَ؛ ﴿وما يُضِلُّونَ﴾؛ أيْ: عَلى حالَةٍ مِن حالاتِ هَذا الهَمِّ؛ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾؛ إذْ وبالُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وما يَضُرُّونَكَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ في ضُرِّكَ حالًا ولا مالًا بِإضْلالٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ وهو وعْدٌ بِدَوامِ العِصْمَةِ في الظّاهِرِ؛ والباطِنِ؛ كَآيَةِ ”المائِدَةِ“؛ أيْضًا؛ وإنْ كانَتْ هَذِهِ بِسِياقِها ظاهِرَةً في الباطِنِ؛ وتِلْكَ ظاهِرَةً في الظّاهِرِ؛ ﴿وأنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْكَ﴾؛ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ عِصْمَةً لِأُمَّتِكَ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ أوَّلَ القِصَّةِ الإشارَةُ إلى كَمالِهِ؛ وجَمْعِهِ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾ (p-٤٠٠)؛ أيْ: الفَهْمَ لِجَمِيعِ مَقاصِدِ الكِتابِ؛ فَتَكُونُ أفْعالُكَ وأفْعالُ مَن تابَعَكَ فِيهِ عَلى أتَمِّ الأحْوالِ؛ فَتَظْفَرُوا بِتَحْقِيقِ العِلْمِ؛ وإتْقانِ العَمَلِ؛ وعَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنَ المُشْكِلاتِ؛ وغَيْرِها؛ غَيْبًا وشَهادَةً؛ مِن أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُتَوَحِّدِ بِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا تَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ؛ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الفَضائِلِ.

4:114Page 97

۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.

ولَمّا كانَ قَوْمُ طُعْمَةَ قَدْ ناجَوُا النَّبِيَّ ﷺ في الدَّفْعِ عَنْهُ؛ نَبَّهَهم - سُبْحانَهُ - وغَيْرَهم عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ بِهِ التَّناجِي؛ ويَحْسُنُ فِيهِ التَّفاؤُلُ والتَّجاذُبُ؛ عَلى وجْهٍ ناهٍ عَنْ غَيْرِهِ أشَدَّ نَهْيٍ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾؛ أيْ: نَجْوى جَمِيعِ المُناجِينَ؛ ﴿إلا مَن﴾؛ أيْ: نَجْوى مَن؛ ﴿أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾؛ ولَمّا خَصَّ الصَّدَقَةَ لِعِزَّةِ المالِ في ذَلِكَ الحالِ؛ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾؛ أيِّ مَعْرُوفٍ كانَ؛ مِمّا يُبِيحُهُ الشَّرْعُ؛ مِن صَدَقَةٍ وغَيْرِها.

ولَمّا كانَ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ أمْرًا جَلِيلًا؛ نَبَّهَ عَلى عِظَمِهِ بِتَخْصِيصِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ فَقَدْ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ غَيْرَ المُسْتَثْنى مِنَ التَّناجِي لا خَيْرَ فِيهِ؛ وكُلُّ ما انْتَفى عَنْهُ الخَيْرُ كانَ مُجْتَنَبًا - كَما رَوى أحْمَدُ؛ والطَّبَرانِيُّ؛ في الكَبِيرِ؛ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ؛ وهَذا لَفْظُهُ؛ (p-٤٠١)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «”أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ:“إنَّما الأُمُورُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ رُشْدُهُ فاتَّبِعْهُ؛ وأمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ غَيُّهُ فاجْتَنِبْهُ؛ وأمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إلى عالِمِهِ”».

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ:“فَمَن أمَرَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَنَجْواهُ خَيْرٌ؛ ولَهُ عَلَيْها أجْرٌ"؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ؛ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَكُونُ لَهُ رُوحٌ إلّا بِالنِّيَّةِ؛ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ مِن أعْمالِ الظّاهِرِ؛ رِعايَةُ أحْوالِ القَلْبِ في إخْلاصِ النِّيَّةِ؛ وتَصْفِيَةِ الدّاعِيَةِ عَنْ الِالتِفاتِ إلى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ؛ فَإنْ كانَ رِياءً انْقَلَبَتْ؛ فَصارَتْ مِن أعْظَمِ المَفاسِدِ.

4:115Page 97

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

ولَمّا رَتَّبَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الثَّوابَ العَظِيمَ عَلى المُوافَقَةِ؛ رَتَّبَ العِقابَ الشَّدِيدَ عَلى المُخالَفَةِ والمُشاقَقَةِ؛ ووَكَلَ المُخالِفَ إلى نَفْسِهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في الرُّسُلِيَّةِ؛ فَيَكُونَ بِقَلْبِهِ؛ أوْ شَيْءٍ مِن فِعْلِهِ؛ في جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتِهِ؛ عَلى وجْهِ المُقاهَرَةِ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ رَحْمَةً مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِتَقْيِيدِ الوَعِيدِ بِالِاسْتِمْرارِ؛ وأظْهَرَ القافَ؛ إشارَةً إلى تَعْلِيقِهِ بِالمُجاهَرَةِ؛ ولِأنَّ السِّياقَ لِأهْلِ الأوْثانِ؛ وهم مُجاهِرُونَ؛ وقَدْ جاهَرَ سارِقَ الدِّرْعَيْنِ؛ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الآيَةِ؛ في آخِرِ قِصَّتِهِ؛ كَما مَضى. (p-٤٠٢)ولَمّا كانَ في سِياقِ تَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ؛ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً قَبْلَ الإيحاءِ بِها؛ لا في سِياقِ المِلَّةِ المَعْلُومَةِ بِالعَقْلِ؛ أتى بِـ ”مِن“؛ تَقْيِيدًا لِلتَّهْدِيدِ بِما بَعْدَ الإعْلامِ بِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما﴾؛ ولَوْ حُذِفَتْ لَفُهِمَ اخْتِصاصُ الوَعِيدِ بِمَنِ اسْتَغْرَقَ زَمانَ البُعْدِ بِالمُشاقَقَةِ؛ ولَمّا كانَ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ قالَ: ﴿تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾؛ أيْ: الدَّلِيلُ؛ الَّذِي هو سَبَبُهُ؛ ولَمّا كانَ المُخالِفُ لِلْإجْماعِ لا يَكْفُرُ؛ إلّا بِمُنابَذَةِ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ؛ عَبَّرَ بَعْدَ التَّبَيُّنِ بِالِاتِّباعِ؛ فَقالَ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم صِفَةً راسِخَةً؛ والمُرادُ الطَّرِيقُ المَعْنَوِيُّ - وجْهُ الشَّبَهِ الحَرَكَةُ البَدَنِيَّةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ في الحِسِّيِّ؛ والنَّفْسانِيَّةِ في مُقَدِّماتِ الدَّلِيلِ المُوصِلِ إلى المَطْلُوبِ في المَعْنَوِيِّ -؛ ﴿نُوَلِّهِ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿ما تَوَلّى﴾؛ أيْ: نَكِلُهُ إلى ما اخْتارَ لِنَفْسِهِ؛ وعالَجَ فِيهِ فِطْرَتَهُ الأُولى؛ خِذْلانًا مِنّا لَهُ؛ ﴿ونُصْلِهِ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ؛ ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: تَلْقاهُ بِالكَراهَةِ؛ والغِلْظَةِ؛ والعُبُوسَةِ؛ كَما تَجَهَّمَ أوْلِياءَنا؛ وشاقَقَهم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَهُوَ صائِرٌ إلَيْها؛ لا مَحالَةَ“؛ بَيَّنَ حالَها في ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾؛ وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُتَوَعَّدُ إلّا عَلى مُخالَفَةِ الحَقِّ؛ وكَذا حَدِيثُ: «”لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي (p-٤٠٣)قائِمَةً بِأمْرِ اللَّهِ - وفي رِوايَةٍ: ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ - حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ“؛» رَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - ثَوْبانُ؛ والمُغِيرَةُ؛ وجابِرُ بْنُ سَمُرَةَ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ ومُعاوِيَةُ؛ وأنَسٌ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ بَعْضُ أحادِيثِهِمْ في الصَّحِيحَيْنِ؛ وبَعْضُها في السُّنَنِ؛ وبَعْضُها في المَسانِيدِ؛ وبَعْضُها في المَعاجِيمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ووَجْهُ الدَّلالَةِ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي شَهِدَ لَها النَّبِيُّ ﷺ بِالحَقِّ؛ في جُمْلَةِ أهْلِ الإجْماعِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُوَفِّقُ.

4:116Page 97

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.

ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ؛ بَعْدَ بَيانِ الهُدى؛ هم أهْلُ الكِتابِ؛ ومَن أضَلُّوهُ مِنَ المُنافِقِينَ؛ بِما ألْقَوْهُ إلَيْهِمْ مِنَ الشُّبَهِ؛ فَرَدُّوهم إلى ظَلامِ الشِّرْكِ والشَّكِّ؛ بَعْدَ أنْ بَهَرَتْ أبْصارَهم أشِعَّةُ التَّوْحِيدِ؛ حَسُنَ إيلاؤُهُ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُعَلِّلًا؛ تَعْظِيمًا لِأهْلِ الإسْلامِ؛ وحَثًّا عَلى لُزُومِ هَدْيِهِمْ؛ وذَمًّا لِمَن نابَذَهُمْ؛ وتَوَعُّدًا لَهُ؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن خَرَقَ إجْماعَ المُسْلِمِينَ صارَ حُكْمُهُ حُكْمَ المُشْرِكِينَ؛ فَكَيْفَ بِمَن نابَذَ المُرْسَلِينَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الأحَدَ المُطْلَقَ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أيْ: وُقُوعَ الشِّرْكِ بِهِ؛ مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ؛ وبِأيِّ شَيْءٍ كانَ؛ لِأنَّ مَن قَدَحَ في المَلِكِ اسْتَحَقَّ البَوارَ والهَلْكَ؛ وسارِقُ الدِّرْعِ أحَقُّ النّاسِ بِذَلِكَ؛ ﴿ويَغْفِرُ ما﴾؛ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ هو ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لِلشَّناعَةِ (p-٤٠٤)مَوْضِعًا - كَما هو شَأْنُ مَن ألْقى السَّلَمَ؛ ودَخَلَ في رِبْقَةِ العُبُودِيَّةِ؛ ثُمَّ غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ فَقَصَّرَ في بَعْضِ أنْواعِ الخِدْمَةِ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى نُفُوذِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ مَن أشْرَكَ بِهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا مُبِينًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ﴾؛ أيْ: يُوقِعْ هَذا الفِعْلَ القَذِرَ جِدًّا؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ مِن ماضٍ؛ أوْ حالٍ؛ أوِ اسْتِقْبالٍ؛ مُداوِمًا عَلى تَجْدِيدِهِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا نِزاعَ في تَفَرُّدِهِ بِالعَظَمَهِ؛ لِأنَّهُ لا خَفاءَ في ذَلِكَ عِنْدَ أحَدٍ؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾؛ أيْ: ذَهَبَ عَنِ السَّنَنِ المُوصِلِ؛ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ لا تُمْكِنُ سَلامَةُ مُرْتَكِبِهِ؛ وطَوى مُقَدِّمَةَ الِافْتِراءِ؛ الَّذِي هو تَعَمُّدُ الكَذِبِ؛ وذَكَرَ مُقَدِّمَةَ الضَّلالِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ السِّياقِ لِلْعَرَبِ؛ أهْلِ الأوْثانِ؛ والجَهْلُ فِيهِمْ فاشٍ؛ بِخِلافِ ما مَضى لِأهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّ كُفْرَهم عَنْ عِلْمٍ؛ فَهو تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ.

4:117Page 97

إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,

ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ هُمُ المَقْصُودِينَ بِالذّاتِ بِهَذِهِ الآياتِ؛ وكانَ أكْثَرُهم أهْلَ أوْثانٍ؛ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ قَوْلَهُ - مُعَلِّلًا لِأنَّ الشِّرْكَ ضَلالٌ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ”ما“؛ ﴿يَدْعُونَ﴾؛ وما أنْسَبَ التَّعْبِيرَ لِعُبّادِ الأوْثانِ عَنِ العِبادَةِ بِالدُّعاءِ؛ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لا يُدْعى في الضَّرُوراتِ فَيَسْمَعُ؛ فَعابِدُهُ أجْهَلُ الجَهَلَةِ؛ ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ - سُبْحانَهُ (p-٤٠٥)وتَعالى -؛ لِأنَّهُ تَحْتَ قَهْرِهِ؛ قالَ - مُحْتَقِرًا لِما عَبَدُوهُ -: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: وهو الرَّحْمَنُ؛ ولَمّا كانَتْ مَعْبُوداتُهم أوْثانًا مُتَكَثِّرَةً؛ وكُلُّ كَثْرَةٍ تَلْزَمُها الفُرْقَةُ؛ والحاجَةُ؛ والضَّعْفُ؛ مَعَ أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بَعْضَها بِأسْماءِ الإناثِ؛ مِنَ اللّاتِ؛ والعُزّى؛ ويَقُولُونَ في الكُلِّ: إنَّها بَناتُ اللَّهِ؛ ويَقُولُونَ عَنْ كُلِّ صَنَمٍ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ؛ قالَ: ﴿إلا إناثًا﴾؛ أيْ: فَجَعَلُوا أنْفُسَهم لِلْإناثِ عُبّادًا؛ وهم يَأْنَفُونَ مِن أنْ يَكُنَّ لَهم أوْلادًا؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ: ”إناثًا“؛ يَعْنِي المَواتَ؛ حَجَرًا؛ أوْ مَدَرًا؛ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ هَذا مَعَ أنَّ مادَّةَ ”أنَثَ“؛ و”وثَنَ“؛ يَلْزَمُها في نَفْسِها الكَثْرَةُ والرَّخاوَةُ؛ والفُرْقَةُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) بَسْطُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“؛ وأنَّ هَذا القَصْرَ قَلْبُ قَصْرٍ؛ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها آلِهَةٌ؛ ومَعْنى الحَصْرِ: ”ما هي إلّا غَيْرُ آلِهَةٍ؛ لِما لَها مِنَ النَّقْصِ؛ ﴿وإنْ يَدْعُونَ﴾؛ أيْ: يَعْبُدُونَ في الحَقِيقَةِ؛ ﴿إلا شَيْطانًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ هو الآمِرُ لَهم بِذَلِكَ؛ المُزَيِّنُ لَهُمْ؛ ﴿مَرِيدًا﴾؛ أيْ: عاتِيًا؛ صُلْبًا؛ عاصِيًا؛ مُلازِمًا لِلْعِصْيانِ؛ مُجَرَّدًا مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ مُحْتَرِقًا بِأفْعالِ الشَّرِّ؛ بَعِيدًا مِن كُلِّ أمْنٍ؛ مِن:“شاطَ”؛ و“شَطَنَ”؛ و“مَرَدَ”؛ بِفَتْحِ عَيْنِهِ؛ وضَمِّها؛ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ“فَعِيلٌ”؛ الَّتِي هي لِلْمُبالَغَةِ؛ في سِياقِ ذَمِّهِمْ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم تَعَبَّدُوا لِما لا إلْباسَ في شَرارَتِهِ؛ لِأنَّهُ شَرٌّ كُلُّهُ؛ بِخِلافِ ما في سُورَةِ“الصّافّاتِ"؛ فَإنَّ سِياقَهُ يَقْتَضِي (p-٤٠٦)عَدَمَ المُبالَغَةِ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛

4:118Page 97

لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨

Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: أبْعَدَهُ المَلِكُ الأعْلى؛ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ فَبَعُدَ فاحْتَرَقَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقالَ - إصْرارًا عَلى العَداوَةِ بِالحَسَدِ -: وعِزَّتِكَ لِأجْتَهِدَنَّ في إبْعادِ غَيْرِي كَما أبْعَدْتَنِي“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ﴾؛ أيْ: واللَّهِ لَأجْتَهِدَنَّ في أنْ آخُذَ؛ ﴿مِن عِبادِكَ﴾؛ الَّذِينَ هم تَحْتَ قَهْرِكَ؛ ولا يَخْرُجُونَ عَنْ مُرادِكَ؛ ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ: جُزْءًا أنْتَ قَدَّرْتَهُ لِي؛

4:119Page 97

وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.

﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ طَرِيقِكَ السَّوِيِّ؛ بِما سَلَّطْتَنِي بِهِ مِنَ الوَساوِسِ؛ وتَزْيِينِ الأباطِيلِ؛ ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ؛ مِن عَدَمِ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن طُولِ الأعْمالِ؛ وبُلُوغِ الآمالِ مِنَ الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ بِالرَّحْمَةِ؛ والعَفْوِ؛ والإحْسانِ؛ ونَحْوِهِ مِمّا هو سَبَبٌ لِلتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ؛ ﴿ولآمُرَنَّهُمْ﴾

ولَمّا كانَ قَدْ عَلِمَ مِمّا طُبِعُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ؛ والحُظُوظِ الَّتِي هَيَّأتْهم لِطاعَتِهِ؛ وكانَتْ طاعَتُهُ في الفَسادِ؛ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ؛ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾؛ أيْ: يُقَطِّعُنَّ تَقْطِيعًا كَثِيرًا؛ ﴿آذانَ الأنْعامِ﴾؛ ويُشَقِّقُونَها؛ عَلامَةً عَلى ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ الكامِلَةُ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ بِأنْواعِ التَّغْيِيرِ؛ مِن تَغْيِيرِ الفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ؛ إلى ما دُونَ ذَلِكَ مِن فَقْءِ عَيْنِ الحامِي؛ (p-٤٠٧)ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وهو إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ بِالتَّقْرِيبِ لِلْأصْنامِ؛ مِنَ السّائِبَةِ؛ وما مَعَها؛ المُشارِ إلى إبْطالِهِ في أوَّلِ ”المائِدَةِ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]؛ المُصَرَّحِ بِهِ في آخِرِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]؛ ويَكُونُ التَّغْيِيرُ بِالوَشْمِ؛ والوَشْرِ؛ ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما خالَفَ الدِّينَ؛ فَإنَّ الفِطْرَةَ الأُولى داعِيَةٌ إلى خِلافِ ذَلِكَ؛ حَتّى أدْخَلُوا فِيهِ تَشْبِيهَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ في التَّخَنُّثِ؛ وما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ؛ في تَشْبِيهِ النِّساءِ بِالرِّجالِ؛ في السَّحْقِ؛ وما نَحا فِيهِ نَحْوَهُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ خَسِرَ مَن تابَعَهُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ صارَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُعَمِّمًا - قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفْ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ تَغْيِيرَ الفِطْرَةِ الأُولى؛ فَيَأْخُذْ؛ ﴿الشَّيْطانَ ولِيًّا﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَلْزُومًا لِمُحادَّةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وكانَ ما هو أدْنى مِن رُتْبَتِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ؛ بَعَّضَ؛ لِيُفْهَمَ الِاسْتِغْراقُ مِن بابِ الأوْلى؛ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِكُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ؛ ﴿فَقَدْ خَسِرَ﴾؛ بِاتِّخاذِهِ ذَلِكَ؛ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الشِّرْكِ؛ ﴿خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: في غايَةِ الظُّهُورِ؛ والرَّداءَةِ؛ بِما تُعْطِيهِ صِيغَةُ الـ ”فُعْلانِ“؛ لِأنَّهُ تَوَلّى مَن لا خَيْرَ عِنْدَهُ؛

4:120Page 97

يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠

He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعِدُهُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ يُخَيِّلَ إلَيْهِمْ بِما يَصِلُ إلى قُلُوبِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ؛ في شَيْءٍ مِنَ الأباطِيلِ؛ أنَّهُ قَرِيبُ الحُصُولِ؛ وأنَّهُ (p-٤٠٨)لا دَرَكَ في تَحْصِيلِهِ؛ وأنَّهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ كانَ في فَواتِهِ ضَرَرٌ؛ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ؛ فَيَضِيعُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانُ؛ ويَرْتَكِبُونَ فِيهِ ما لا يَحِلُّ مِنَ الأهْوالِ؛ والهَوانِ؛ ﴿ويُمَنِّيهِمْ﴾؛ أيْ: يُزَيِّنُ لَهم تَعْلِيقَ الآمالِ بِما لا يَتَأتّى حُصُولُهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾؛ أيْ: والحالَةُ أنَّهُ ما ﴿يَعِدُهُمْ﴾؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ النَّفْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقُ؛ البَعِيدُ عَنِ الخَيْرِ؛ ﴿إلا غُرُورًا﴾؛ أيْ: تَزْيِينًا بِالباطِلِ؛ خِداعًا؛ ومَكْرًا؛ وتَلْبِيسًا؛ إظْهارًا لِما لا حَقِيقَةَ لَهُ - أوْ لَهُ حَقِيقَةٌ سَيِّئَةٌ - في أبْهى الحَقائِقِ؛ وأشْرَفِها؛ وألَذِّها إلى النَّفْسِ؛ وأشْهاها إلى الطَّبْعِ؛ فَإنَّ مادَّةَ ”غَرَّ“؛ و”رَغَّ“؛ تَدُورُ عَلى الشَّرَفِ؛ والحُسْنِ؛ ورَفاهَةِ العَيْشِ؛ فالغُرُورُ إزالَةُ ذَلِكَ.

4:121Page 97

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

ولَمّا أثْبَتَ لَهم ذَلِكَ؛ أنْتَجَ بِلا شَكٍّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: تَتَجَهَّمُهُمْ؛ وتَتَّقِدُ عَلَيْهِمْ بِما اتَّخَذُوا مَن خُلِقَ مِنها ولِيًّا؛ ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾؛ أيْ: مَوْضِعًا؛ ما يَمِيلُونَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنَ المَيْلِ.

4:122Page 98

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.

ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْكافِرِينَ؛ تَرْهِيبًا؛ أتْبَعَهُ ما لِغَيْرِهِمْ؛ تَرْغِيبًا؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ (p-٤٠٩)وقَرَّبَ وبَعَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: لِرَيِّ أرْضِها؛ فَحَيْثُما أُجْرِيَ مِنها نَهْرٌ جَرى.

ولَمّا كانَ الِانْزِعاجُ عَنْ مُطْلَقِ الوَطَنِ - ولَوْ لِحاجَةٍ تَعْرِضُ - شَدِيدًا؛ فَكَيْفَ بِهَذا؟! قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ ولَمّا كانَ الخُلُودُ يُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ المُكْثِ الطَّوِيلِ؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا إلى آخِرَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ الواقِعَ يُطابِقُهُ؛ وهو يُطابِقُ الواقِعَ؛ فَقالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ أيْ: يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ؛ وقَدْ بَرَزَ وعْدُهُ بِذَلِكَ؛ ومَن أحَقُّ مِنَ اللَّهِ وعْدًا؛ وأخْبَرَ بِهِ خَبَرًا صادِقًا؛ يُطابِقُ الواقِعَ؛ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿قِيلا﴾؛ وأكْثَرَ مِنَ التَّأْكِيدِ هُنا؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ وعْدِ الشَّيْطانِ؛ ووَعْدُ الشَّيْطانِ مُوافِقٌ لِلْهَوى الَّذِي طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ؛ فَلا تَنْصَرِفُ عَنْهُ إلّا بِعُسْرٍ شَدِيدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском