Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:123–130

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:123–130

4:123Page 98

لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣

It [i.e., Paradise] is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allāh a protector or a helper.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَمّا أعَدَّ لَهُمْ؛ ولِمَن أضَلَّهُمْ؛ مِنَ العِقابِ؛ وعَمّا أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ؛ وكانُوا يُمَنُّونَ أنْفُسَهُمُ الأمانِيَّ الفارِغَةَ؛ مِن أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ في التَّلاعُبِ بِالدِّينِ؛ لا في الدُّنْيا؛ ولا في الآخِرَةِ؛ ويُشَجِّعُهم عَلى ذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ؛ ويَدَّعُونَ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ لا يُؤاخِذُهم بِشَيْءٍ؛ ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ أوْ مَن شُفِّعُوا فِيهِ؛ ونَحْوَ هَذِهِ التَّكاذِيبِ؛ مِمّا يُطْمِعُونَ بِهِ مَن والاهم بِأنَّهم يُنْجُونَهُ؛ وكانَ (p-٤١٠)المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]؛ ونَحْوَ ذَلِكَ - كَما قالَ العاصِي بْنُ وائِلٍ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ - وقَدْ تَقاضاهُ دَيْنًا كانَ لَهُ عَلَيْهِ -: دَعْنِي إلى تِلْكَ الدّارِ فَأقْضِيَكَ مِمّا لِي فِيها؛ فَواللَّهِ لا تَكُونُ أنْتَ وصاحِبُكَ فِيها آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي؛ ولا أعْظَمَ حَظًّا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ [مريم: ٧٧]؛ الآياتِ مِن آخِرِ ”مَرْيَمَ“؛ ويَقُولُ لَهم أهْلُ الكِتابِ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ (تَعالى) - رادًّا عَلى الفَرِيقَيْنِ -: ﴿لَيْسَ﴾؛ أيْ: ما وعَدَهُ اللَّهُ؛ وأوْعَدَهُ؛ ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها العَرَبُ؛ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّتِي يُمَنِّيكم جَمِيعًا بِها الشَّيْطانُ.

ولَمّا كانَتْ أمانِيُّهم أنَّهم لا يُجازَوْنَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ؛ لا مَحالَةَ؛ قَوْلَهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالمَصائِبِ؛ مِنَ الأمْراضِ وغَيْرِها؛ عاجِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ؛ وآجِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرُّ؛ وما أحْسَنَ إيلاؤُها لِتَمْنِيَةِ الشَّيْطانِ؛ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ”يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ“! فَيَكُونَ الكَلامُ وافِيًا بِكَشْفِ عَوارِ شَياطِينِ الجِنِّ؛ ثُمَّ الإنْسِ؛ في غُرُورِهِمْ لِمَن خَفَّ مَعَهُمْ؛ مُؤْيِسًا لِمَن قَبِلَ مِنهُمْ؛ وما أبْدَعَ خِتامَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا (p-٤١١)يَجِدْ لَهُ﴾ ! ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ قاصِرًا عَنْ مَوْلاهُ؛ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا؛ يَفْعَلُ مَعَهُ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في وقْتٍ ما؛ وما أشَدَّ التِئامَها بِخِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنهُمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] ! إشارَةً إلى أنَّ مَقْصُودَ المُنافِقِينَ مِن مُشايَعَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ ومُتابَعَتِهِمْ؛ إنَّما هو الوِلايَةُ والنُّصْرَةُ؛ وأنَّهم قَدْ ضَيَّعُوا مُنْيَتَهُمْ؛ فاسْتَنْصَرُوا بِمَن لا نُصْرَةَ لَهُ؛ وتَرَكُوا مَن لَيْسَتِ النُّصْرَةُ إلّا لَهُ.

4:124Page 98

وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

ولَمّا أبْدى جَزاءَ المُسِيءِ؛ تَحْذِيرًا؛ أوْلاهُ أجْرَ المُحْسِنِ؛ تَبْشِيرًا؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ﴾؛ وخَفَّفَ (تَعالى) عَنْ عِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحاتِ﴾؛ ولَمّا عَمَّمَ بِذِكْرِ مَن صَرَّحَ بِما اقْتَضَتْهُ؛ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾؛ وقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ﴾؛ لِيَكُونَ بِناؤُهُ الأعْمالَ عَلى أساسِ الإيمانِ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ وبَنى فِعْلَ الدُّخُولِ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ وأبِي جَعْفَرٍ؛ وأبِي بَكْرٍ؛ عَنْ عاصِمٍ؛ ورَوْحٌ؛ عَنْ يَعْقُوبَ؛ ولِلْفاعِلِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْسُ الفِعْلِ؛ لا كَوْنُهُ مِن فاعِلٍ مُعَيَّنٍ؛ وإنْ كانَتْ قِراءَةُ الأوَّلِينَ أكْثَرَ فائِدَةً: ”يُدْخَلُونَ“؛ أيْ: يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ؛ ﴿الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: المَوْصُوفَةَ؛ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾؛ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الخَلاصُ (p-٤١٢)مِنهُ؛ لا بِقَيْدِ فاعِلٍ مُعَيَّنٍ؛ ﴿نَقِيرًا﴾؛ أيْ: لا يَظْلِمُ اللَّهُ المُطِيعَ مِنهم بِنَقْصِ شَيْءٍ ما؛ ولا العاصِيَ بِزِيادَةِ شَيْءٍ ما؛ و”النَّقِيرُ“: ما في ظَهْرِ النَّواةِ مِن تِلْكَ الوَقْبَةِ الصَّغِيرَةِ جِدًّا؛ كُنِّيَ بِها عَنِ العَدَمِ؛ وهَذا عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ؛ وإلّا فاللَّهُ (تَعالى) لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ فَإنَّ مِلْكَهُ ومُلْكَهُ عامٌّ؛ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ ظُلْمٌ؛ كَيْفَما فَعَلَ.

4:125Page 98

وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥

And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.

ولَمّا كَشَفَ - سُبْحانَهُ - زُورَهُمْ؛ وبَيَّنَ فُجُورَهُمْ؛ أنْكَرُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أحْسَنَ دِينًا مِمَّنِ اتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ؛ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ؛ زَعْمًا تَقَدَّمَ كَشْفَ عَوارِهِ؛ وهَتْكُ أسْتارِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن أحْسَنُ دائِنًا؛ ومُجازِيًا؛ وحاكِمًا مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى؟!“ -: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهم أحْسَنُوا في دِينِهِمْ؛ ومَن أحْسَنُ دِينًا مِنهُمْ؟!“؛ لَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ؛ وتَعْلِيمًا لِما يَفْعَلُ المُؤْمِنُ؛ وحَثًّا عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿مِمَّنْ أسْلَمَ﴾؛ أيْ: أعْطى؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الإخْلاصَ الَّذِي هو أشْرَفُ الأشْياءِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالوَجْهِ الَّذِي هو أشْرَفُ الأعْضاءِ؛ فَقالَ: ﴿وجْهَهُ﴾؛ أيْ: قِيادَهُ؛ أيْ: الجِهَةَ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إلَيْها بِوَجْهِهِ - أيْ: قَصْدِهِ كُلِّهِ؛ المُلازِمِ لِلْإسْلامِ نَفْسِهِ - كُلَّها؛ ﴿لِلَّهِ﴾ فَلا حَرَكَةَ لَهُ ولا سَكْنَةَ إلّا فِيما يَرْضاهُ؛ لِكَوْنِهِ الواحِدَ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ فَهو حَصْرٌ بِغَيْرِ صِيغَةِ الحَصْرِ؛ فَأفادَ فَسادَ طَرِيقِ مَن (p-٤١٣)لَفَتَ وجْهَهُ نَحْوَ سِواهُ؛ بِاسْتِعانَةٍ أوْ غَيْرِها؛ ولا سِيَّما المُعْتَزِلَةَ؛ الَّذِينَ يَرَوْنَ الطّاعَةَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ ويَرَوْنَ أنَّها مُوجِبَةٌ لِثَوابِهِمْ؛ والمَعْصِيَةَ كَذَلِكَ؛ وأنَّها مُوجِبَةٌ لِعِقابِهِمْ؛ فَهم في الحَقِيقَةِ لا يَرْجُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ ولا يَخافُونَ غَيْرَها؛ وأهْلُ السُّنَّةِ فَوَّضُوا التَّدْبِيرَ والتَّكْوِينَ والخَلْقَ إلى الحَقِّ؛ فَهُمُ المُسْلِمُونَ.

ولَمّا عَبَّرَ (تَعالى) عَنْ كَمالِ الِاعْتِقادِ بِالماضِي؛ شَرَطَ فِيهِ الدَّوامَ؛ والأعْمالَ الظّاهِرَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُحْسِنٌ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنٌ؛ مُراقِبٌ؛ لا غَفْلَةَ عِنْدَهُ أصْلًا؛ بَلِ الإحْسانُ صِفَةٌ لَهُ راسِخَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ؛ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ أصْلًا وفَرْعًا؛ مَعَ التَّرْغِيبِ بِالمَدْحِ الكامِلِ لِمُتَّبِعِهِ؛ وإفْهامِ الذَّمِّ الكامِلِ لِغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا يَنْتَظِمُ مَنَ كانَ عَلى دِينِ أيِّ نَبِيٍّ كانَ؛ قَبْلَ نَسْخِهِ؛ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ﴾؛ أيْ: بِجُهْدٍ مِنهُ؛ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ الَّذِي اشْتُهِرَ عِنْدَ جَمِيعِ الطَّوائِفِ أنَّهُ ما دَعا إلّا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وحْدَهُ؛ وتَبَرَّأ مِمّا سِواهُ؛ مِن فَلَكٍ؛ وكَوْكَبٍ؛ وصَنَمٍ؛ وطَبِيعَةٍ؛ وغَيْرِها؛ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ المُتَّبِعِ ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: لَيِّنًا؛ سَهْلًا؛ مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ؛ و”المِلَّةُ“: ما دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى؛ بِمُساعَدَةِ العَقْلِ السَّلِيمِ؛ مِن كَمالِ الإسْلامِ بِالتَّوْحِيدِ. (p-٤١٤)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - تَرْغِيبًا في هَذا الِاتِّباعِ -: ”فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِلَّةَ إبْراهِيمَ أحْسَنَ المِلَلِ؛ وخَلَقَهُ يَوْمَ خَلَقَهُ حَنِيفًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ أخْذَ مَن هو مُعِينٌ بِذَلِكَ؛ مُجْتَهِدٌ فِيهِ؛ ﴿إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾؛ لِكَوْنِهِ كانَ حَنِيفًا؛ وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ اخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تَشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ؛ مِن تَرْدِيدِ الرُّسُلِ بِالوَحْيِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ؛ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ؛ وإظْهارِ الخَوارِقِ عَلَيْهِ؛ وعَلى آلِهِ؛ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْطافِ؛ وأظْهَرَ اسْمَهُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ؛ احْتِراسًا مِنَ الإبْهامِ؛ وإعْلاءً لِقَدْرِهِ؛ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ.

4:126Page 98

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.

ولَمّا أخْبَرَ بِمَن يُحِبُّهُ؛ ومَن يُبْغِضُهُ؛ وبِما يُرْضِيهِ؛ وما يُغْضِبُهُ؛ وكانَ رُبَّما تُوُهِّمَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِ لِغَيْرِ ما أُخِذَ؛ وجَعْلِهِ لِغَيْرِ ما جُعِلَ؛ أوْ تَعَنَّتَ بِذَلِكَ مُتَعَنِّتٌ؛ فَظَنَّ أنَّ في الكَلامِ دَخَلًا بِنَوْعِ احْتِياجٍ إلى المَحالَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ قالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: والحالُ أنْ لِلْمُخْتَصِّ بِالوَحْدانِيَّةِ - فَلا كُفُؤَ لَهُ - ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُنافِقِينَ؛ والمُشْرِكِينَ؛ أكَّدَ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومِن غَيْرِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ التّامُّ المُلْكِ؛ العَظِيمُ المِلْكِ؛ فَلا يُعْطِي إلّا مَن تابَعَ أوْلِياءَهُ؛ وجانَبَ أعْداءَهُ؛ ولا يَخْتارُ إلّا مَن عَلِمَهُ خِيارًا؛ (p-٤١٥)وهُوَ مَعَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ؛ مِن إقْرارٍ وتَبْدِيلٍ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ ومِن غَيْرِهِما؛ ﴿مُحِيطًا﴾؛ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ فَمَهْما زادَ؛ كانَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِلْمُطِيعِ والعاصِي؛ لا يَخْفى عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهُمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

4:127Page 98

وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧

And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ رَتَّبَ هَذا الكِتابَ عَلى أنَّهُ يَذْكُرُ أحْكامًا مِنَ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ ثُمَّ يُفَصِّلُها بِوَعْدٍ ووَعِيدٍ؛ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ؛ ويَنْظِمُها بِدَلائِلِ كِبْرِيائِهِ؛ وجَلالِهِ؛ وعَظِيمِ بِرِّهِ؛ وكَمالِهِ؛ ثُمَّ يَعُودُ إلى بَيانِ الأحْكامِ عَلى أبْدَعِ نِظامٍ؛ لِأنَّ إلْقاءَ المُرادِ في ذَلِكَ القالَبِ أقْرَبُ إلى القَبُولِ؛ والنَّظْمَ كَذَلِكَ أجْدَرُ بِالتَّأْثِيرِ في القُلُوبِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ لا تَنْقادُ لَهُ النُّفُوسُ؛ إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِبِشارَةٍ ونِذارَةٍ؛ وذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ إلّا عِنْدَ القَطْعِ بِغايَةِ الكَمالِ لِمَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ المَقالُ؛ ولا يَنْتَقِلُ مَعَ ذَلِكَ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ إلّا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَ آخِرِ كُلِّ نَوْعٍ؛ وأوَّلِ ما بَعْدَهُ؛ بِكَمالِ التَّعَلُّقِ؛ لَفْظًا ومَعْنًى؛ وفَعَلَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ السُّورَةِ؛ في أحْكامِ العَدْلِ؛ الَّذِي بَدَأ السُّورَةَ بِهِ؛ في المُواصَلَةِ الَّتِي مَبْناها النِّكاحُ؛ والإرْثُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا اتَّصَلَ بِهِ - كَما بَيَّنَ -؛ إلى أنْ خَتَمَ هُنا بِالإسْلامِ؛ المُثْمِرِ لِقَبُولِ ذَلِكَ (p-٤١٦)كُلِّهِ؛ وعَظْمَةِ المَلِكِ المُوجِبَةِ لِتَمامِ الإسْلامِ؛ وقامَتِ البَراهِينُ؛ وسَطَعَتِ الحُجَجُ؛ وكانَ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ السُّورَةِ العَدْلُ في الضُّعَفاءِ مِنَ الأيْتامِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في المِيراثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ تَوْرِيثُ النِّساءِ والأطْفالِ - ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا -؛ مِمّا أبَتْهُ نُفُوسُهُمْ؛ وأُشْرِبَتْ بُغْضَهُ قُلُوبُهُمْ؛ وكانَ التَّفْرِيقُ في إثْباتِ ما هَذا سَبِيلُهُ أنْجَعَ؛ وإلْقاؤُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا في قَوالِبِ البَلاغَةِ أنْفَعُ؛ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي قَبْلَها؛ أيْ: لَهُ ما ذُكِرَ؛ فَلا مَساغَ لِلِاعْتِراضِ عَلَيْهِ؛ والحالَ أنَّهم يَسْألُونَكَ؛ طَلَبًا لِأنْ تَتَفَتّى عَلَيْهِمْ بِالجَوابِ في بَعْضِ ما أعْطى مِن مِلْكِهِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ؛ ﴿فِي النِّساءِ﴾؛ طَمَعًا في الِاسْتِئْثارِ عَلَيْهِنَّ بِالمالِ؛ وغَيْرِهِ؛ مُحْتَجِّينَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المالُ إلّا لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ والحالُ أنَّهم قَدْ عَبَدُوا مِن دُونِهِ إناثًا؛ وجَعَلُوا لَها مِمّا خَوَّلَهم فِيهِ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي مَلَّكَهم لَهُ بِضَعْفٍ؛ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا؛ فَلا تَعْجَبْ مِن حالِ مَن كَرَّرَ الِاسْتِفْتاءَ - الَّذِي لا يَكُونُ في العُرْفِ غالِبًا إلّا فِيما فِيهِ اعْتِراضٌ - في إناثٍ أحْياءٍ؛ وأطْفالٍ ذُكُورٍ؛ وأعْطاهُمُ المَلِكُ التّامُّ المُلْكِ؛ العَظِيمُ المِلْكِ بَعْضَ ما يُرِيدُ؛ ولَمْ يَعْتَرِضْ عَلى نَفْسِهِ؛ حَيْثُ أعْطى إناثًا (p-٤١٧)لا حَياةَ لَها؛ ولا مَنفَعَةَ؛ مِمّا في يَدِهِ؛ ومِلْكُهُ في الحَقِيقَةِ لِغَيْرِهِ؛ ولَمْ يَأْذَنْ فِيهِ المالِكُ ما لا يَنْتَفِعُ بِهِ المُعْطِي.

ولَمّا كانَ المَقامُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِفْتاءِ مُحْتاجًا إلى زِيادَةِ الِاعْتِناءِ؛ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ آمِرًا؛ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ مُنَبِّهًا عَلى اسْتِحْضارِ ما ذُكِرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ؛ ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: الآنَ لِأنْ تَقُومُوا لَهُنَّ بِالقِسْطِ؛ ﴿وما﴾؛ أيْ: مَعَ ما ﴿يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: تُجَدَّدُ فِيكم تِلاوَتُهُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ سَيْفًا قاطِعًا؛ وحُكْمًا ماضِيًا جامِعًا؛ ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ أيْ: فِيما سَبَقَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾؛ أيْ: في شَأْنِ اليَتامى مِن هَذا الصِّنْفِ؛ ﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ التَّوَقُّفِ في ذَلِكَ؛ وتَكْرِيرِ الِاسْتِفْتاءِ عَنْهُ؛ ﴿ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أيْ: ما فُرِضَ مِنَ المِيراثِ وسائِرِ الحُقُوقِ فَرْضًا؛ وهو في غايَةِ اللُّزُومِ؛ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ﴾؛ أيْ: في أنْ؛ أوْ عَنْ أنْ؛ ﴿تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ لِجَمالِهِنَّ؛ أوْ لِدَمامَتِهِنَّ؛ و؛ يُفْتِيكم فِي؛ المُسْتَضْعَفِينَ؛ أيْ: المَوْجُودِ ضَعْفُهُمْ؛ والمَطْلُوبِ إضْعافُهم بِمَنعِهِمْ حُقُوقَهُمْ؛ ﴿مِنَ الوِلْدانِ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فِي أنْ تَقُومُوا لَهم بِالقِسْطِ - أيْ: في مِيراثِهِمْ؛ وسائِرِ حُقُوقِهِمْ - ولا تُحَقِّرُوهم لِصِغَرِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ تَقُومُوا﴾؛ أيْ: تَفْعَلُوا فِيهِ مِنَ القُوَّةِ؛ والمُبادَرَةِ؛ فِعْلَ القائِمِ المُنَشَّطِ؛ ﴿لِلْيَتامى﴾ (p-٤١٨)مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ؛ ﴿بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما تَفْعَلُوا في ذَلِكَ مِن شَرٍّ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا؛ وعَلَيْكم قَدِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - تَرْغِيبًا -: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ أوْ في غَيْرِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: فَهو جَدِيرٌ - وهو أكْرَمُ الأكْرَمِينَ وأحْكَمُ الحاكِمِينَ - بِأنْ يُعْطِيَ فاعِلَهُ عَلى حَسَبِ كَرَمِهِ؛ وعُلُوِّ قَدْرِهِ؛ فَتَطِيبُوا نَفْسًا؛ وتَقَرُّوا عَيْنًا؛ رَوى البُخارِيُّ في الشَّرِكَةِ؛ والنِّكاحِ؛ ومُسْلِمٌ في آخِرِ الكِتابِ؛ وأبُو داوُدَ؛ والنِّسائِيُّ في النِّكاحِ؛ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] إلى؛ رُباعَ؛ قالَتْ: ”يا ابْنَ أُخْتِي؛ هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها؛ تُشارِكُهُ في مالِهِ؛ فَيُعْجِبُهُ مالُها؛ وجَمالُها؛ فَيُرِيدُ ولِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها؛ فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ؛ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّداقِ؛ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ“؛ قالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: ”ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٤١٩)بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -:“ويَسْتَفْتُونَكَ”؛ إلى:“وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ”.

والَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ: الآيَةُ الأُولى الَّتِي قالَ فِيها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -:“وقَوْلُ اللَّهِ (تَعالى) في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ هي رَغْبَةُ أحَدِكم يَتِيمَتَهُ - وقالَ مُسْلِمٌ: عَنْ يَتِيمَتِهِ - الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ؛ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ؛ والجِمالِ؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجِمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ؛ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ”؛ زادَ مُسْلِمٌ:“إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ”؛ وقالَ البُخارِيُّ في النِّكاحِ: فَكَما يَتْرُكُونَها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها فَلَيْسَ لَهم أنْ يَنْكِحُوها إذا رَغِبُوا فِيها؛ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَها؛ ويُعْطُوها حَقَّها الأوْفى في الصَّداقِ؛ وفي البُخارِيِّ (p-٤٢٠)ومُسْلِمٍ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ عُرْوَةَ أيْضًا: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾؛ الآيَةُ؛ قالَتْ:“هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ هو ولِيُّها ووارِثُها؛ فَأشْرَكَتْهُ - وقالَ مُسْلِمٌ: لَعَلَّها أنْ تَكُونَ قَدْ شَرَكَتْهُ -؛ في مالِهِ؛ حَتّى في العِذْقِ؛ فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها؛ ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرَكَتْهُ؛ فَيَعْضُلُها؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ”؛ وفي رِوايَةِ مُسْلِمٍ:“نَزَلَتْ في الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ اليَتِيمَةُ وهو ولِيُّها؛ ووارِثُها؛ ولَها مالٌ؛ ولَيْسَ لَها أحَدٌ يُخاصِمُ دُونَها؛ فَلا يَنْحِكُها لِمالِها؛ فَيَضُرُّ بِها ويُسِيءُ صُحْبَتَها؛ فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]؛ يَقُولُ: ما حَلَلْتُ لَكُمْ؛ ودَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِها”؛ وفي رِوايَةٍ لَهُ ولِلْبُخارِيِّ؛ في النِّكاحِ:“فَيَرْغَبُ عَنْها أنْ يَتَزَوَّجَها؛ ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها غَيْرَهُ؛ فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ - وقالَ البُخارِيُّ: فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ في مالِهِ -؛ فَيَعْضُلُها؛ ولا يَتَزَوَّجُها؛ ولا يُزَوِّجُها"؛ زادَ البُخارِيُّ: فَنَهاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ؛ وحاصِلُ ذَلِكَ ما نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ (p-٤٢١)تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ فَيُلَقِي عَلَيْها ثَوْبَهُ؛ فَإذا فَعَلَ بِها ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَتَزَوَّجَها أبَدًا؛ فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً وهَواها؛ تَزَوَّجَها؛ وأكَلَ مالَها؛ وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً مَنعَها الرِّجالَ حَتّى تَمُوتَ؛ فَإذا ماتَتْ ورِثَها.

وما أنْسَبَ ذِكْرَ هَذا الحُكْمِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ المَراجِعُ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ إذْعانِ بَعْضِ النُّفُوسِ لَهُ؛ عَقِبَ آيَةِ الإسْلامِ؛ الَّذِي مَعْناهُ الِانْقِيادُ؛ والخُضُوعُ؛ والإحْسانُ؛ الَّذِي صارَ في العُرْفِ أكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ لِلْإعْطاءِ؛ والتَّآلُفِ؛ والعَطْفِ؛ لا سِيَّما لِلضَّعِيفِ؛ وذِكْرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ أتَمَّ ما ابْتَلاهُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ مِنَ الكَلِماتِ؛ ووَفّى بِها مِن غَيْرِ مُراجَعَةٍ؛ ولا تَلَعْثُمٍ؛ وأنَّهُ كانَ حَنِيفًا مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ؛ تَعْنِيفًا لِمَن قامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ العَقْلِ؛ وأتاهُ صَرِيحُ النَّقْلِ؛ وهو يُراجِعُ! وإذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؛ مَعَ قَوْلِهِ فِيما قَبْلُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]؛ لاحَتْ لَكَ أيْضًا مُناسَبَةٌ بَدِيعَةٌ.

4:128Page 99

وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

ولَمّا صارُوا يُعْطُونَ اليَتامى أمْوالَهُمْ؛ وصارُوا يَتَزَوَّجُونَ ذَواتِ الأمْوالِ مِنهُنَّ؛ ويُضاجِرُونَ بَعْضَهُنَّ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ (تَعالى) بِالإفْتاءِ في أحْوالِ المُشاقَقَةِ بَيْنَ الأزْواجِ؛ فَقالَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ﴾؛ أيْ: واحِدَةٌ؛ أوْ عَلى ضَرائِرَ؛ ولَمّا كانَ ظَنُّ المَكْرُوهِ مَخُوفًا؛ قالَ: ﴿خافَتْ﴾؛ أيْ: تَوَقَّعَتْ؛ (p-٤٢٢)وظَنَّتْ بِما يَظْهَرُ لَها مِنَ القَرائِنِ؛ ﴿مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾؛ أيْ: تَرَفُّعًا؛ بِما تَرى مِنَ اسْتِهانَتِهِ لَها بِمَنعِ حُقُوقِها؛ أوْ إساءَةِ صُحْبَتِها؛ ﴿أوْ إعْراضًا﴾؛ عَنْها بِقَلْبِهِ؛ بِألّا تَرى مِن مُحادَثَتِهِ؛ ومُؤانَسَتِهِ؛ ومُجامَعَتِهِ؛ ما كانَتْ تَرى قَبْلَ ذَلِكَ؛ تَخْشى أنْ يَجُرَّ إلى الفِراقِ؛ وإنْ كانَ مُتَكَلِّفًا لِمُلاطَفَتِها؛ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ ﴿فَلا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ومَيْلَ؛ ”عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا“؛ أيْ: يُوقِعَ الزَّوْجانِ؛ ﴿بَيْنَهُما﴾؛ تَصالُحًا؛ ومُصالَحَةً؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وعَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِضَمِّ الياءِ؛ وإسْكانِ الصّادِ؛ وكَسْرِ اللّامِ؛ التَّقْدِيرُ: ”إصْلاحًا“؛ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ المَأْمُورُ بِهِ يَحْصُلُ بِأقَلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصُّلْحِ بَنى المَصْدَرَ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ؛ فَقالَ - مُجَرِّدًا لَهُ -: ﴿صُلْحًا﴾؛ بِأنْ تَلِينَ هي بِتَرْكِ بَعْضِ المَهْرِ؛ أوْ بَعْضِ القَسْمِ؛ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ وأنْ يَلِينَ لَها هو بِإحْسانِ العِشْرَةِ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَفارَقا عَلى وجْهِ العَدْلِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والصُّلْحُ﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ كُلٍّ مِنهُما حَقَّهُ؛ أوْ بَعْضَ حَقِّهِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: مِنَ المُفارَقَةِ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الجُمْلَةُ المَطْوِيَّةُ؛ لِأنَّ الصُّلْحَ مَبْناهُ الإحْسانُ الكامِلُ بِالرِّضا مِنَ الجانِبَيْنِ؛ والمُفارَقَةَ مَبْناها العَدْلُ الَّذِي يَلْزَمُهُ في الأغْلَبِ غَيْظُ أحَدِهِما؛ وإنْ كانَتْ مُشارِكَةً لِلصُّلْحِ في الخَيْرِ؛ لَكِنَّها مَفْضُولَةٌ؛ وتَخْصِيصُ المُفارَقَةِ بِالطَّيِّ لِأنَّ مَبْنى السُّورَةِ عَلى المُواصَلَةِ. (p-٤٢٣)ولَمّا كانَ مَنشَأُ التَّشاجُرِ المانِعِ مِنَ الصُّلْحِ شَكاسَةً في الطِّباعِ؛ صَوَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ فَقالَ - اعْتِراضًا بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ؛ لِلْحَثِّ عَلى الجُودِ؛ بانِيًا الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا المُحْضَرَ لا يَرْضى أحَدٌ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ -: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ﴾؛ أيْ: النّاظِرَةُ إلى نَفاسَتِها عُجْبًا؛ ﴿الشُّحَّ﴾؛ أيْ: الحِرْصَ؛ وسُوءَ الخُلُقِ؛ وقِلَّةَ الخَيْرِ؛ والنَّكَدَ؛ والبُخْلَ بِالمَوْجُودِ؛ وكُلُّهُ يَرْجِعُ إلى سُوءِ الخُلُقِ؛ والطَّبْعِ الرَّدِيءِ؛ واعْوِجاجِ الفِطْرَةِ الأُولى؛ الَّذِي كَنّى عَنْهُ بِالإحْضارِ المُلازِمِ؛ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ؛ إلّا بِجِهادٍ كَبِيرٍ؛ يَنالُهُ بِهِ الأجْرُ الكَثِيرُ.

ولَمّا كانَ هَذا خُلُقًا رَدِيئًا لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَهُ؛ والمَعْنى: أحْضَرَها إيّاهُ مُحَضِرٌ؛ فَصارَ مُلازِمًا لَها؛ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ في قَهْرِها عَلَيْهِ؛ بِتَذْكِيرِ ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن حُسْنِ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ شَحَحْتُمْ فَإنَّهُ أعْلَمُ بِما في الشُّحِّ مِن مُوجِباتِ الذَّمِّ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُحْسِنُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا الإحْسانَ بِالإقامَةِ عَلى نِكاحِكُمْ؛ وما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ؛ وإنْ كُنْتُمْ كارِهِينَ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا التَّقْوى؛ بِمُجانَبَةِ كُلِّ ما يُؤْذِي نَوْعَ أذًى؛ إشارَةً إلى أنَّ الشَّحِيحَ لا مُحْسِنٌ؛ ولا مُتَّقٍ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: وهو الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ (p-٤٢٤)﴿كانَ﴾؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ شُحٍّ وإحْسانٍ؛ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ بِهِ؛ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ؛ فَهو مُجازِيكم عَلَيْهِ أحْسَنَ جَزاءٍ.

4:129Page 99

وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ الوُقُوفَ عَلى الحَقِّ - فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ - وإنْ كانَتِ المَرْأةُ واحِدَةً - مُتَعَسِّرٌ؛ أتْبَعَهُ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الجَمْعِ أعْسَرُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ -: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾؛ أيْ: تُوجِدُوا مِن أنْفُسِكم طَواعِيَةً بالِغَةً دائِمَةً؛ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ حَيْفٍ أصْلًا؛ ﴿بَيْنَ النِّساءِ﴾؛ في جَمِيعِ ما يَجِبُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ عَلَيْكم مِنَ الحُقُوقِ؛ ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أيْ: عَلى فِعْلِ ذَلِكَ؛ وهَذا مَعَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ [النساء: ٣]؛ كالمُخْتِمِ لِلِاخْتِصارِ عَلى واحِدَةٍ.

ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِألّا يَخْلُوَ نِكاحُ العَدَدِ عَنْ مَيْلٍ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا﴾؛ أيْ: فَإنْ كانَ لا بُدَّ لَكم مِنَ العَدَدِ؛ أوْ فَإنْ وقَعَ المَيْلُ والزَّوْجَةُ واحِدَةٌ؛ فَلا ﴿تَمِيلُوا﴾؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ المَيْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلى تَرْكِهِ؛ فَلَمْ يُكَلَّفْ بِهِ؛ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ المَيْلِ﴾؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَتَذَرُوها﴾؛ أيْ: المَرْأةَ؛ ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾؛ أيْ: بَيْنَ النِّكاحِ والعُزُوبَةِ؛ والزَّواجِ والِانْفِرادِ.

ولَمّا كانَ المَيْلُ الكَثِيرُ مَقْدُورًا عَلى تَرْكِهِ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ (p-٤٢٥)مِلْتُمْ كُلَّ المَيْلِ؛ مَعَ إبْقاءِ العِصْمَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ مُنْتَقِمًا حَسِيبًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: بِأنْ تُوجِدُوا الإصْلاحَ بِالعَدْلِ في القَسْمِ؛ والتَّقْوى في تَرْكِ الجَوْرِ؛ عَلى تَجَدُّدِ الأوْقاتِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: مَحّاءً لِلذُّنُوبِ؛ بَلِيغَ الإكْرامِ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَكم مُطْلَقَ المَيْلِ؛ ويُسْبِغَ عَلَيْكم مَلابِسَ الإنْعامِ.

4:130Page 99

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠

But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.

ولَمّا كانَ مِنَ الإصْلاحِ المُعاشَرَةُ بِالمَعْرُوفِ؛ ذَكَرَ قَسِيمَهُ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾؛ أيْ: يَفْتَرِقْ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِن صاحِبِهِ؛ ﴿يُغْنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿كُلا﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ أيْ: يَجْعَلْهُ غَنِيًّا؛ هَذِهِ بِرَجُلٍ؛ وهَذا بِامْرَأةٍ؛ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن لُطْفِهِ؛ وبَيَّنَ مَنشَأ هَذا الغِنى؛ فَقالَ: ﴿مِن سَعَتِهِ﴾؛ أيْ: مِن شُمُولِ قُدْرَتِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ صِفَةِ كَمالٍ؛ ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي في النُّفُوسِ؛ لِإحْضارِها الشُّحَّ؛ كَرَّرَ اسْمَهُ الأعْظَمَ الجامِعَ؛ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿واسِعًا﴾؛ أيْ: مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أقْوَمِ مَحالِّها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском