Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:164–171
4:164Page 104
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤
And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.
ولَمّا تَمَّ ما اقْتَضاهُ مَقامُ النُّبُوَّةِ؛ وكانَ فِيهِمْ رُسُلٌ؛ وكانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ غَيْرُ شَأْنِ الأنْبِياءِ في الوَحْيِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ - مِن مَعْنى ”أوْحَيْنا“ -: ”أرْسَلْنا مَن شِئْنا مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَصْناهم عَلَيْكَ هُنا؛ إلى مَن شِئْنا مِنَ النّاسِ -: ﴿ورُسُلا﴾؛ أيْ: غَيْرَ هَؤُلاءِ؛ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾؛ أيْ: تَلَوْنا ذِكْرَهُمْ؛ ﴿عَلَيْكَ﴾؛ ولَمّا كانَ القَصُّ عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ الماضِي؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: إلى الآنَ. (p-٥٠٧)ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ النَّبِيِّ؛ والرَّسُولِ؛ في الوَحْيِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ؛ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿مُوسى تَكْلِيمًا﴾؛ أيْ: عَلى التَّدَرُّجِ؛ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ بِحَسَبِ المَصالِحِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ؛ فَلا فارِقَ في الوَحْيِ بَيْنَ ما كانَ بِواسِطَةٍ؛ وبَيْنَ ما كانَ بِلا واسِطَةٍ؛ والمَعْنى أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ إنَّما تَتَوَقَّفُونَ عَنِ الإيمانِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ تَثَبُّتًا؛ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِنَ الكَرامَةِ؛ لَمْ تُؤْمِنُوا بِإبْراهِيمَ؛ وإسْحاقَ؛ ويَعْقُوبَ؛ والأسْباطِ؛ وهارُونَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّهُ خُصَّ بِالتَّكْلِيمِ دُونَهُمْ؛ فَلِمَ جَعَلْتُمُ الإتْيانَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَرْطًا في الإيمانِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ دُونَ بَعْضٍ؟ وإنْ جَعَلْتُمُ الشَّرْطَ الإتْيانَ بِالكِتابِ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ مُدَّعِينَ أنَّهُ كانَ لَهُ ذَلِكَ؛ دُونَ التَّكْلِيمِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِمّا جُعِلَ لَهُ؛ كانَ ذَلِكَ - عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ تَنَزُّلًا - تَحَكُّمًا؛ وتَرْجِيحًا مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؛ عَلى أنَّ التَّوْراةَ أيْضًا - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ - كَهَذا القُرْآنِ في إنْزالِها مُنَجَّمَةً؛ عَلى حَسَبِ الوَقائِعِ؛ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ“تَكْلِيمًا”؛ ولَمْ يُكْتَبْ مِنها جُمْلَةً إلّا اللَّوْحانِ اللَّذانِ وُضِعا في تابُوتِ الشَّهادَةِ؛ كَما أُنْزِلَ بَعْضُ سُوَرِ القُرْآنِ جُمْلَةً؛ كَسُورَةِ“الأنْعامِ”؛ ولَيْسَ في نُزُولِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِما مِن جَبَلِ الطُّورِ مَكْتُوبَيْنِ دَلِيلٌ (p-٥٠٨)عَلى نُزُولِهِما مِنَ السَّماءِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن نُصُوصِها؛ أصْرَحُها أنَّهُ (تَعالى) حَرَّمَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ في السَّبْتِ؛ عَقِبَ إخْراجِهِمْ مِنَ البَحْرِ؛ عِنْدَ إنْزالِ المَنِّ - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الثّانِي مِنهُما - ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ يُفْعَلُ بِالعاصِي فِيهِ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ؛ بِدَلِيلِ ما في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها؛ في قِصَّةِ التِّيهِ: (ومَكَثَ بَنُو إسْرائِيلَ في البَرِّيَّةِ؛ ووَجَدُوا رَجُلًا يَحْتَطِبُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ؛ فَقَدَّمَهُ الَّذِينَ وجَدُوهُ يَحْتَطِبُ إلى مُوسى؛ وهارُونَ؛ وإلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ وحَبَسُوهُ في السِّجْنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إلى مُوسى كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ؛ فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: يُقْتَلُ هَذا الرَّجُلُ؛ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ خارِجًا مِنَ العَسْكَرِ؛ ورَجَمَهُ الجَماعَةُ كُلُّها بِالحِجارَةِ؛ وماتَ - كَما أمَرَ الرَّبُّ مُوسى)؛ ومِنها أنَّهُ أمَرَهم - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الثّانِي - بِنَصْبِ قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ ويَسْمَعُ مُوسى الكَلامَ مِنها؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ أمَرَهم - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الرّابِعِ - بِالزِّيادَةِ فِيها؛ ومِنها أنَّهُ كَتَبَ لَهُ الألْواحَ في الطُّورِ: اللَّوْحَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرَهُما غَضَبًا مِنَ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ؛ ثُمَّ لَوْحَيْنِ عِوَضًا عَنْهُما؛ ثُمَّ لَمّا نُصِبَتْ قُبَّةُ الزَّمانِ صارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يُكَلِّمُهُ مِنها؛ وغالِبُ أحْكامِهِمْ إنَّما شُرِعَتْ بِالكَلامِ الَّذِي كانَ في قُبَّةِ الزَّمانِ - كَما هو في غايَةِ الوُضُوحِ في التَّوْراةِ؛ ومِنها ما قالَ في أواخِرِ السِّفْرِ الخامِسِ؛ وهو آخِرُها: فَلَمّا أكْمَلَ مُوسى كِتابَ آياتِ هَذِهِ التَّوْراةِ في السِّفْرِ؛ وفَرَغَ مِنها؛ أمَرَ مُوسى الأحْبارَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ تابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ؛ وقالَ لَهُمْ: خُذُوا سِفْرَ هَذِهِ السُّنَنِ واجْعَلُوهُ (p-٥٠٩)فِي جَوْفِ تابُوتِ عَهْدِ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ في جانِبٍ مِن جَوانِبِهِ؛ لِيَكُونَ هُناكَ شاهِدًا؛ لِأنِّي قَدْ عَرَفْتُ جَفاءَكُمْ؛ وقَساوَةَ قُلُوبِكُمْ؛ وما تَصِيرُونَ إلَيْهِ؛ وكَيْفَ لا يَكُونُ ذَلِكَ وقَدْ أغْضَبْتُمُ الرَّبَّ؛ وأنا حَيٌّ مَعَكُمْ؟ فَمِن بَعْدِ مَوْتِي أحْرى أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ؛ فَلْيَجْتَمِعْ إلَيَّ أشْياخُ أسْباطِكُمْ؛ وكُتّابُكُمْ؛ فَأتْلُوَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأقْوالَ؛ ولِأُشْهِدَ عَلَيْهِمُ السَّماءَ والأرْضَ؛ لِأنَّكم مُفْسِدُونَ مِن بَعْدِ وفاتِي؛ تَحِيدُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي آمُرُكم بِهِ؛ شَرٌّ شَدِيدٌ في آخِرِ الأيّامِ إذا عَمِلْتُمُ السَّيِّئاتِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ وأغْضَبْتُمُوهُ بِأعْمالِ أيْدِيكُمْ؛ وقالَ مُوسى - بَيْنَ يَدَيْ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ -: أنْصِتِي أيَّتُها السَّماءُ فَأتَكَلَّمَ؛ ولْتَسْمَعِ الأرْضُ النُّطْقَ مِن فِيَّ - وقالَ كَلامًا كَثِيرًا في ذَمِّهِمْ؛ أذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ في“المائِدَةِ”؛ عِنْدَ
﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]؛ ثُمَّ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ: أسْخَطُونِي مَعَ الغُرَباءِ بِأوْثانِهِمْ؛ وأغْضَبُونِي حِينَ ذَبَحُوا لِلشَّياطِينِ - ومَضى يَتَكَلَّمُ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ الَّذِي هو مِن أحْسَنِ التَّوْراةِ؛ إلى أنْ قالَ: فَلَمّا أكْمَلَ مُوسى هَذِهِ الآياتِ كُلَّها لِبَنِي إسْرائِيلَ قالَ لَهُمْ: أقْبِلُوا بِقُلُوبِكم إلى هَذِهِ الأقْوالِ؛ ثُمَّ قالَ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى ذَلِكَ اليَوْمَ؛ وقالَ: (p-٥١٠)اصْعَدْ إلى جَبَلِ العِبْرانِيِّينَ؛ هَذا جَبَلُ نابُو الَّذِي في أرْضِ مُوابٍ؛ حِيالَ إيرِيحا؛ وانْظُرْ إلى أرْضِ كَنْعانَ الَّتِي أُعْطِي بَنِي إسْرائِيلَ مِيراثًا) - وذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ كَلامًا طَوِيلًا؛ فِيها كُلِّها لِمَن يَتَأمَّلُها كَثِيرٌ مِمّا هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ؛ بَلْ صَرِيحٌ؛ وفي قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما هو صَرِيحٌ في أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِما كانَ مُنَجَّمًا - كَما مَضى عَنْهُما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في“البَقَرَةِ”؛ ويَأْتِي؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ في ذِكْرِ الأحْبارِ؛ في“الأعْرافِ”؛ وفي قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في سُورَةِ“هُودِ"؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ وقَدِ ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِنُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوَّلِ أُولِي العَزْمِ؛ وأصْحابِ الشَّرائِعِ وُجُودًا؛ وهو مِن أوائِلِ الأنْبِياءِ؛ وزَمانُهُ في القِدَمِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ ثُمَّ ثَنّى بِثانِيهِمْ في الوُجُودِ؛ وهو إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ ذَكَرَ أوْلادَهُ عَلى تَرْتِيبِهِمْ؛ والأسْباطُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِمْ أوْلادُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْفُسُهُمْ؛ وقَبائِلُهُمْ؛ ويَكُونَ المَعْنى حِينَئِذٍ: وأنْبِياءِ الأسْباطِ؛ ويَكُونَ مِمّا اسْتُعْمِلَ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ ويَكُونَ شامِلًا لِجَمِيعِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ مَن دَخَلَ مِنهم في العُمُومِ؛ فَبَدْأهم بِآخِرِهِمْ بَعْثًا؛ (p-٥١١)وهُوَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِي هو أحَدُ نَبِيَّيْ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِأحَدِ أصْحابِ الكُتُبِ مِنهُمْ؛ وهو جَدُّهُ المَشْهُورُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ فَإنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: يا ابْنَ داوُدَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِأوَّلِ نَبِيَّيْ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ الَّذِي آخِرُ آجُرٍ تُبْنى عَلى الإسْلامِ؛ فانْتَقَلَهُ المُنْتَمُونَ إلى أتْباعِهِ؛ ووَسَّطَ أخاهُ هارُونَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَيْنَ اثْنَيْنِ مِن أهْلِ البَلاءِ؛ أيُّوبَ؛ ويُونُسَ؛ واثْنَيْنِ مِن أهْلِ المُلْكِ - وأحَدُهم صاحِبُ كِتابٍ - وهُما سُلَيْمانُ وداوُدُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا فارِقَ في كَيْفِيَّةِ الإيحاءِ نُجُومًا إلى الأنْبِياءِ؛ بَيْنَ مُتَقَدِّمِهِمْ؛ ومُتَأخِّرِهِمْ؛ سَواءٌ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ وسَواءٌ مِنهم مَن أُوتِيَ المُلْكَ؛ ومَن لَمْ يُؤْتَهُ؛ ومَن أتى بِكِتابٍ؛ ومَن لَمْ يَأْتِ؛ ومِن لَطائِفِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ المَخْصُوصِينَ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ الأُولى؛ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في العُمُومِ؛ أحَدَ عَشَرَ أسْماءً؛ الأسْباطُ أحَدُها؛ والمَشْهُورُ بِالكُتُبِ والصُّحُفِ مِنهم ثَلاثَةٌ: إبْراهِيمُ؛ وعِيسى؛ وداوُدُ؛ وقَدْ وقَعَ كُلٌّ مِنهم سادِسًا لِصاحِبِهِ؛ وهو العَدُّ الَّذِي كانَ فِيهِ الخَلْقُ؛ فَلَعَلَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ العَجَلَةَ؛ فَكَما أنَّهُ لَمْ يَعْجَلْ في إنْشاءِ الخَلْقِ؛ فَكَذَلِكَ (p-٥١٢)لَمْ يَعْجَلْ بِإنْزالِ الكُتُبِ الَّتِي بِها قِوامُهُمْ؛ وبَقاؤُهُمْ؛ دُفْعَةً؛ بَلْ أنْزَلَها مُنَجَّمَةً؛ تَبَعًا لِمَصالِحِهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لِدَعائِمِهِمْ؛ ومِن لَطائِفِهِ أنَّهُ (تَعالى) بَدَأ المَذْكُورِينَ؛ وخَتَمَهم بِاثْنَيْنِ مِن أُولِي العَزْمِ؛ اشْتَرَكا في أنَّ كُلًّا مِنهُما أهْلَكَ مَن عانَدَهُ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بِالإغْراءِ؛ تَرْهِيبًا لِهَؤُلاءِ المُلْبِسِينَ عَلى أهْلِ الإسْلامِ بِالباطِلِ؛ المُدَّعِينَ أنَّهم أتْباعٌ؛ ووَسَّطَ بَيْنَهم وبَيْنَ بَقِيَّةِ المُسَمَّيْنِ عُمُومَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ؛ ولَعَلَّهُ آخِرُ الرُّسُلِ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ كُلَّ مَن عُطِفُوا عَلَيْهِ مُرْسَلٌ؛ ولِأنَّ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ قَبْلَ رُتْبَةِ الرِّسالَةِ؛ بِمَعْنى أنَّها أعَمُّ مِنها.
ولَمّا سَرَدَ أسْماءَ مَن دَخَلَ في العُمُومِ بَدَأهم بِأشْرَفِهِمْ؛ ثُمَّ بِالأقْرَبِ إلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ فالأقْرَبِ؛ مِنَ المُرَتَّبِينَ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ الوُجُودِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ سَنَّ بِهِ في الوَحْيِ سُنَّةَ آبائِهِ؛ وإخْوانِهِمْ؛ وذُرِّيّاتِهِمْ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
4:165Page 104
رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥
[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
ولَمّا كانَ مُعْظَمُ رِسالَةِ نَبِيِّنا ﷺ بِشارَةً ونِذارَةً؛ قالَ - مُبَيِّنًا أنَّهم مِثْلُهُ في ذَلِكَ؛ كَما كانُوا قَبْلَهُ في الوَحْيِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإرْسالِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ جَمْعُ الخَلْقِ بِالبِشارَةِ؛ والنِّذارَةِ -: ﴿رُسُلا﴾؛ أيْ: جَعَلْناهم رُسُلًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”رُسُلًا“؛ الماضِي؛ وأنْ يَكُونَ حالًا؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ﴾؛ أيْ: لِيَنْتَفِيَ أنْ يُوجَدَ؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: نَوْعُ مَن فِيهِ قُوَّةُ النَّوْسِ. (p-٥١٣)ولَمّا كانَتِ الحُجَّةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العُذْرِ؛ ولَوْ كانَ مَرْدُودًا؛ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾؛ أيْ: واجِبَةُ القَبُولِ عَلى المَلِكِ؛ الَّذِي اخْتُصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ في ألّا يُعَذِّبَ عُصاتَهُمْ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ لِجَمِيعِ الزَّمانِ المُتَعَقِّبِ لِلْإرْسالِ؛ أسْقَطَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ﴾؛ أيْ: انْتَفى ذَلِكَ انْتِفاءً مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ إرْسالِ ﴿الرُّسُلِ﴾؛ وتَبْلِيغِهِمْ لِلنّاسِ؛ وذَلِكَ عَلى أنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَتِهِ (تَعالى) إنَّما يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ؛ وأمّا نَفْسُ المَعْرِفَةِ؛ والنَّظَرِ؛ والتَّوْحِيدِ؛ فَطَرِيقُها العَقْلُ؛ فالمَعْرِفَةُ مُتَلَقّاةٌ مِنَ العَقْلِ؛ والوُجُوبُ مُتَلَقًّى مِنَ الشَّرْعِ؛ والنَّقْلِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ رُبَّما امْتَنَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - أخْذٌ؛ بِحُجَّةٍ أوْ غَيْرِها؛ قالَ - مُزِيلًا لِذَلِكَ -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ فَهو قادِرٌ عَلى ما طَلَبُوهُ؛ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ؛ وهم غَيْرُ مُعْجِزِينَ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَواضِعِها؛ فَلِذَلِكَ رَتَّبَ أُمُورًا لا يَكُونُ مَعَها لِأحَدٍ حُجَّةٌ؛ ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ لا يُجِيبُ المُتَعَنِّتَ.
4:166Page 104
لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦
But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.
(p-٥١٤)ولَمّا لَمْ يُبْقِ - سُبْحانَهُ - لَهم شُبْهَةً؛ واسْتَمَرُّوا عَلى عِنادِهِمْ؛ أشارَ (تَعالى) إلى ما تَقْدِيرُهُ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ لَكَ عِنْدَ اتِّضاحِ الأمْرِ؛ فَقالَ: ﴿لَكِنِ﴾؛ أيْ: ومَعَ ما قامَ مِنَ البَراهِينِ عَلى صِدْقِكَ؛ وكَوْنِ كِتابِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم لا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ؛ لَكِنْ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿يَشْهَدُ﴾؛ أيْ: لَكَ؛ ﴿بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: مِن هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ؛ الَّذِي قَدْ أخْرَسَ الفُصَحاءَ؛ وأبْكَمَ البُلَغاءَ؛ وفِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ الصّادِقَةُ لِما عِنْدَهُمْ؛ وهم يُرِيدُونَ الإضْلالَ عَنْها؛ فَشَهادَتُهُ بِبَلاغَتِهِ؛ وحِكْمَتِهِ بِصِدْقِ الآتِي بِهِ؛ هي شَهادَةُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ قائِلُهُ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾؛ أيْ: عالِمًا بِإنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المُعْجِزِ؛ مَعَ كَثْرَةِ المُعارِضِ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ؛ ولا يَقْدِرُ؛ عَلى إحْداثِ شَيْءٍ فِيهِ مِن تَغْيِيرٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ؛ ولا مُعارَضَةٍ؛ ﴿والمَلائِكَةُ﴾؛ أيْضًا؛ ﴿يَشْهَدُونَ﴾؛ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا حُضُورًا لِإنْزالِهِ؛ وأُمَناءَ عَلى مَن كانَ مِنهم عَلى يَدِهِ لِيُبْلِغَهُ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]؛ وهَذا خِطابٌ لِلْعِبادِ؛ عَلى حَسَبِ ما يَعْرِفُونَ. (p-٥١٥)ولَمّا كانَ رُبَّما أفْهَمَ نَقْصًا؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: وكَفى بِشَهادَتِهِ في ذَلِكَ شَهادَةً عَنْ شَهادَةِ غَيْرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أنْزَلَهُ - سُبْحانَهُ - شاهِدًا بِشَهادَتِهِ؛ ناطِقًا بِها؛ لِإعْجازِهِ بِنَظْمِهِ؛ وبِما فِيهِ مِن عِلْمِهِ مِنَ الحِكَمِ؛ والأحْكامِ؛ ومُوافَقَةِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ؛ فَشَهادَتُهُ بِذَلِكَ هي شَهادَةُ اللَّهِ؛ وهي لَعَمْرِي لا تَحْتاجُ إلى شَهادَةِ أحَدٍ غَيْرِهِ.
4:167Page 104
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧
Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أقامَ الأدِلَّةَ عَلى صِحَّتِهِ بِالمُعْجِزاتِ؛ فَصارَ كَأنَّهُ شَهِدَ بِحَقِيقَتِهِ؛ كانَ أنْفَعُ الأشْياءِ إتْباعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ مَن جَحَدَهُ في نَفْسِهِ؛ وصَدَّ عَنْهُ غَيْرَهُ؛ زَجْرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ؛ وتَقْبِيحًا لِما أبْدى مِن ضَلالِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِصِدْقِهِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن شاهِدِ العَقْلِ؛ وقاطِعِ النَّقْلِ؛ مِنَ اليَهُودِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ بِأنْفُسِهِمْ؛ وبِإضْلالِ غَيْرِهِمْ بِما يُلْقُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ؛ مِن مِثْلِ هَذِهِ؛ وقَوْلِهِمْ - كَذِبًا -: إنَّ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا تُنْسَخُ؛ وقَوْلِهِمْ: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن أبْناءِ هارُونَ؛ وداوُدَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾؛ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى مَقْصُودِهِمْ؛ في حَسَدِهِ؛ ومَنعِ (p-٥١٦)ما يُرادُ مِن إعْلائِهِ؛ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ أيْ: لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مُبْطِلٌ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مُحِقٌّ؛ ثُمَّ يَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلى مِثْلِ باطِلِهِ؛ فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُرْجى لَهُمُ الرُّجُوعُ إلى الطَّرِيقِ النّافِعِ؛ لا سِيَّما إنْ ضُمَّ إلى ذَلِكَ الحَسَدُ؛ لِأنَّ داءَ الحَسَدِ أدْوَأُ داءٍ؛
4:168Page 104
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨
Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,
ثُمَّ عَلَّلَ إغْراقَهم في الضَّلالِ بِإضْلالِهِ لَهُمْ؛ لِتَمادِيهِمْ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ نَقِيصَةُ النَّفْسِ مِنَ الظُّلْمِ؛ بِقَوْلِهِ - وعِيدًا لَهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما عِنْدَهم مِن نُورِ العَقْلِ؛ ﴿وظَلَمُوا﴾؛ أيْ: فَعَلُوا لِحَسَدِهِمْ فِعْلَ الماشِي في الظَّلامِ؛ بِإعْراضِهِمْ وإضْلالِهِمْ غَيْرَهُمْ؛ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِجَلالِهِ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِظُلْمِهِمْ؛ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾؛ أيْ: لِتَضْيِيعِهِمْ ما آتاهم مِن نُورِ العَقْلِ؛ ومُنابَذَتِهِمْ؛
4:169Page 104
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩
Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.
ثُمَّ تَهَكَّمَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: بِما تَجَهَّمُوا مَن ظَلَمُوهُ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنَّهُ يُسْكِنُهم إيّاها؛ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ أيْ: لِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ - مَعَ ما لَهم مِنَ العُقُولِ - أمْرًا عَجِيبًا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ مِن كُفْرِهِمْ؛ وضَلالِهِمْ؛ وعَذابِهِمْ؛ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
4:170Page 104
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠
O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.
ولَمّا وضَحَ بِالحِجاجِ مَعَهُمُ الحَقُّ؛ واسْتَبانَ بِمَحْوِ شَبَهِهِمْ كُلِّها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ الرُّشْدُ؛ وأوْضَحَ فَسادَ طُرُقِهِمْ؛ وأبْلَغَ في وعِيدِهِمْ؛ أنْتَجَ (p-٥١٧)ذَلِكَ صِدْقَ الرَّسُولِ؛ وحَقِيقَةَ ما يَقُولُ: فَأذْعَنَتِ النُّفُوسُ؛ فَكانَ أنْسَبُ الأشْياءِ أنْ عَمَّمَ - سُبْحانَهُ - في الخِطابِ؛ لِما وجَبَ مِنَ إتْباعِهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ؛ عِنْدَ بَيانِ السَّبِيلِ؛ ونُهُوضِ الدَّلِيلِ؛ فَقالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في الرُّسُلِيَّةِ؛ الَّذِي كانَ يَنْتَظِرُهُ أهْلُ الكِتابِ لِرَفْعِ الِارْتِيابِ؛ مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ وسَتَنْظُرُونَ الوَقائِعَ فَتُطَبِّقُونَها عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأخْبارِ؛ كائِنًا ذَلِكَ الحَقُّ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكُمْ؛ فَإنِ اتَّبَعْتُمْ رَسُولَهُ قَبِلْتُمْ إحْسانَهُ؛ فَتَمَّتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْكُمْ؛ ولِهَذا سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَآمِنُوا﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ تَوَعُّدًا لَهم -: ”إنْ تُؤْمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرانِكُمْ؛ أوْ تُجَدِّدُوا كُفْرًا؛ يَكُنِ الكُفْرانُ شَرًّا لَكُمْ؛ أيْ: خاصًّا ذَلِكَ الشَّرُّ بِكُمْ؛ ولا يَضُرُّهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؛ ولا يُنْقِصُهُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا؛ كَما أنَّ الإيمانَ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْئًا؛ ولا زادَ في مُلْكِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ لَهُ الغِنى المُطْلَقَ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الكامِلَ العَظَمَةِ؛ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ فَإنَّهُ مِن إقامَةِ العِلَّةِ مَقامَ المَعْلُولِ؛ ولَمْ يُؤَكِّدْ بِتَكْرِيرِ ”ما“؛ وإنْ كانَ الخِطابُ مَعَ المُضْطَرِبِينَ؛ لِأنَّ (p-٥١٨)قِيامَ الأدِلَّةِ أوْصَلَ إلى حَدٍّ مِنَ الوُضُوحِ؛ بِشَهادَةِ اللَّهِ؛ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ فَصارَ المَدْلُولُ بِهِ كالمَحْسُوسِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ؛ ولَهُ عَبِيدٌ غَيْرُكم لا يَعْصُونَهُ؛ وهو قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِإسْقاطِ ما أرادَ مِنَ السَّماءِ؛ وخَسْفِ ما أرادَ مِنَ الأرْضِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ“؛ وكانَ تَنْعِيمُ المُؤالِفِ؛ وتَعْذِيبُ المُخالِفِ؛ وتَلَقِّي النَّصِيحَةِ بِالقَبُولِ دائِرًا عَلى العِلْمِ؛ وعَلى الحِكْمَةِ؛ الَّتِي هي نَتِيجَةُ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الِاخْتِصاصُ التّامُّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ مَعَ أنَّ لَهُ جَمِيعَ المُلْكِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: فَلا يَسَعُ ذا لُبٍّ أنْ يَعْدِلَ عَمّا أخْبَرَ بِهِ؛ مِن أنَّ أمْرَ هَذا الرَّسُولِ حَقٌّ؛ إذْ هو لَمْ يُخْبِرْ بِهِ إلّا عَنْ تَمامِ العِلْمِ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ عاصٍ؛ ولا مُطِيعٌ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَلا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُضَيِّعَ شَيْئًا مِن أوامِرِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَضَعْها إلّا عَلى كَمالِ الأحْكامِ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُحِلَّ بِمُخالِفِهِ أيَّ انْتِقامٍ؛ ويُثِيبَ مَن أطاعَهُ بِكُلِّ إنْعامٍ.
4:171Page 105
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١
O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
ولَمّا اقْتَضى السِّياقُ الأكْمَلُ فِيما سَبَقَ إتْمامَ أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - (p-٥١٩)إذْ كانَ الكَلامُ في بَيانِ عَظِيمِ جُرْأتِهِمْ وجَفائِهِمْ؛ وكانَ ما فَعَلُوا مَعَهُ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ؛ وكانَ كُلٌّ مِن أعْدائِهِ؛ وأحْبابِهِ؛ قَدْ ضَلَّ في أمْرِهِ؛ وغَلا في شَأْنِهِ اليَهُودُ بِخَفْضِهِ؛ والنَّصارى بِرَفْعِهِ؛ اقْتَضى قانُونُ العِلْمِ والحِكْمَةِ؛ المُشارِ إلَيْهِما بِخِتامِ الآيَةِ السّالِفَةِ؛ بَيانَ ما هو الحَقُّ مِن شَأْنِهِ؛ ودُعاءَ الفَرِيقَيْنِ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: لا تُفَرِّطُوا في أمْرِهِ؛ فَتُجاوِزُوا بِسَبَبِهِ حُدُودَ الشَّرْعِ؛ وقَوانِينَ العَقْلِ؛ ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ شَيْئًا مِنَ القَوْلِ؛ ﴿إلا الحَقَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ فَمَن قالَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ؛ فَقَدْ أغْرَقَ في الباطِلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما وقَفَتْ أُمُّهُ لِلدَّوامِ عَلى الطّاعاتِ؛ ولا ظَهَرَتْ عَلَيْها عَجائِبُ الكَراماتِ؛ ولا تَكَلَّمَ هو في المَهْدِ؛ ولا ظَهَرَتْ عَلى لِسانِهِ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ؛ ولا قَدَرَ عَلى إحْياءِ المَوْتى؛ وذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) العَلِيمَ الحَكِيمَ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِ مَن لا يُحِبُّهُ؛ وذَلِكَ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ؛ فَهو كَذِبٌ عَلى اللَّهِ؛ بَعِيدٌ عَنْ تَنْزِيهِهِ؛ ومَن قالَ: إنَّهُ اللَّهُ؛ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَهو أبْطَلُ وأبْطَلُ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ حادِثًا؛ ولَما احْتاجَ إلى الطَّعامِ؛ والشَّرابِ؛ وما يَنْشَأُ عَنْهُما؛ ولا قَدِرَ أحَدٌ عَلى أذاهُ؛ ولَثَبَتَتِ الحاجَةُ إلى الصّاحِبَةِ لِلْإلَهِ؛ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلْإلَهِيَّةِ؛ وذَلِكَ أبْطَلُ الباطِلِ.
ولَمّا ادَّعى اليَهُودُ أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ والنَّصارى أنَّهُ إلَهٌ؛ حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المَسِيحُ﴾؛ أيْ: المُبارَكُ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنَّ يَمْسَحَهُ الإمامُ (p-٥٢٠)بِدُهْنِ القُدْسِ؛ لِما فِيهِ مِن صَلاحِيَةِ الإمامَةِ؛ وهو أهْلٌ أيْضًا لِأنْ يَمْسَحَ النّاسَ ويُطَهِّرَهُمْ؛ لِما لَهُ مِنَ الكَرامَةِ؛ ولَمّا ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِوَصْفِهِ الأشْهَرِ؛ وكانَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِيسى﴾؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ اتَّصَلَ بِها اتِّصالَ الأوْلادِ بِأُمَّهاتِهِمْ؛ لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ لِلْبُنُوَّةِ إلى غَيْرِها؛ ولَيْسَ هو اللَّهَ؛ ولا ابْنَ اللَّهِ - كَما زَعَمَ النَّصارى - ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾؛ لا أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ - كَما كَذَبَ اليَهُودُ.
ولَمّا كانَ تَكَوُّنُهُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ ذَكَرٍ؛ جُعِلَ نَفْسَ الكَلِمَةِ؛ فَقالَ: ﴿وكَلِمَتُهُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ بِها مِن غَيْرِ تَسَبُّبٍ عَنْ أبٍ؛ بَلْ كَوْنًا خارِقًا لِلْعَوائِدِ؛ ﴿ألْقاها﴾؛ أيْ: أوْصَلَها عَلى عُلُوِّ أمْرِهِ؛ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ إيصالًا سَرِيعًا؛ ﴿إلى مَرْيَمَ﴾؛ وحَصَّلَها فِيها؛ وزادَهُ تَشْرِيفًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ورُوحٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمَةٌ؛ نَفَخَها؛ فِيما تَكَوَّنَ في مَرْيَمَ مِنَ الجَسَدِ الَّذِي قامَ بِالكَلِمَةِ؛ لا بِمادَّةٍ مِن ذَكَرٍ؛ والرُّوحُ هو النَّفْخُ؛ في لِسانِ العَرَبِ؛ وهو كالرِّيحِ؛ إلّا أنَّهُ أقْوى؛ بِما لَهُ مِنَ الواوِ؛ والحَرَكَةِ المُجانِسَةِ لَها؛ ولِغَلَبَةِ الرُّوحِ عَلَيْهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى؛ إذا أرادَ؛ وأكْمَلَ شَرَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ جِبْرائِيلُ هو النّافِخَ؛ وإذا وُصِفَ شَيْءٌ بِغايَةِ الطِّهارَةِ قِيلَ: ”رُوحٌ“؛ لا سِيَّما إنْ كانَ بِهِ حَياةٌ في دِينٍ؛ أوْ بَدَنٍ. (p-٥٢١)ولَمّا أفْصَحَ بِهَذا الحَقِّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وغَيْرِهِ عامَّةً؛ مِن غَيْرِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ؛ ولا تُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ؛ ولا تَكْفُرُوا بِبَعْضٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ حَقًّا هو الكُفْرُ الكامِلُ - كَما مَرَّ.
ولَمّا أمَرَهم بِإثْباتِ الحَقِّ؛ نَهاهم عَنِ التَّلَبُّسِ بِالباطِلِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿ثَلاثَةٌ﴾؛ أيْ: اسْتَمِرُّوا أيُّها اليَهُودُ عَلى التَّكْذِيبِ بِما يَقُولُ فِيهِ النَّصارى؛ ولا تَقُولُوا: إنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِن أبٍ وأُمٍّ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ - المُقْتَضِي لِلتَّثْلِيثِ؛ وارْجِعُوا أيُّها النَّصارى عَنِ التَّثْلِيثِ الَّذِي تُرِيدُونَ بِهِ أنَّ الإلَهَ بِثَلاثَةٍ؛ وإنْ ضَمَمْتُمْ إلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بَدِيهِيُّ البُطْلانِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ نَهى كُلًّا عَنِ التَّثْلِيثِ؛ وإنْ كانَ المَرادانِ بِهِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ وإنَّما العَدْلُ فِيهِ أنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ؛ فَهُما اثْنانِ لا غَيْرُ؛ وهو عَبْدُ اللَّهِ؛ ورَسُولُهُ؛ وكَلِمَتُهُ؛ ورُوحٌ مِنهُ.
ولَمّا نَهاهم عَنْ ذَلِكَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ؛ صَرَّحَ بِهِ في مادَّتِهِ؛ مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿انْتَهُوا﴾؛ أيْ: عَنِ التَّثْلِيثِ الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلى اللَّهِ بِسَبَبِهِ؛ وعَنْ كُلِّ كُفْرٍ؛ وقَدْ أرْشَدَ سِياقُ التَّهْدِيدِ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”إنْ تَنْتَهُوا يَكُنْ الِانْتِهاءُ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾“.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ؛ كَما تَضَمَّنَ قَوْلُهُمْ؛ حَصَرَ القَوْلَ فِيهِ - سُبْحانَهُ - في ضِدِّ ذَلِكَ؛ كَما فَعَلَ في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: (p-٥٢٢)﴿إنَّما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ولَمّا كانَ النِّزاعُ إنَّما هو في الوَحْدانِيَّةِ؛ مِن حَيْثُ الإلَهِيَّةُ؛ لا مِن حَيْثُ الذّاتُ؛ قالَ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: لا تَعَدُّدَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
ولَمّا كانَ المَقامُ عَظِيمًا؛ زادَ في تَقْدِيرِهِ؛ فَنَزَّهَهُ عَمّا قالُوهُ؛ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ؛ وبَعُدَ بُعْدًا عَظِيمًا؛ وعَلا عُلُوًّا كَبِيرًا؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ؛ ﴿يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾؛ أيْ: كَما قُلْتُمْ أيُّها النَّصارى؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الحاجَةَ؛ ويَقْتَضِي التَّرْكِيبَ والمُجانَسَةَ؛ فَلا يَكُونُ واحِدًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ وأكَّدَ لِأنَّ المَقامَ لَهُ؛ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ: خَلْقًا؛ ومِلْكًا؛ ومُلْكًا؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَحْتاجَ إلى شَيْءٍ مِنهُما؛ ولا إلى شَيْءٍ مُتَحَيِّزٍ فِيهِما؛ ولا يَصِحُّ بِوَجْهٍ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما يَمْلِكُهُ المالِكُ جُزْءًا مِنهُ؛ ووَلَدًا لَهُ؛ وعِيسى وأُمُّهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن ذَلِكَ؛ وكُلٌّ مِنهُما مُحْتاجٌ إلى ما في الوُجُودِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ الَّذِي دَبَّرَهُما وما فِيهِما؛ لِأنَّ الأرْضَ في السَّماءِ؛ وكُلُّ سَماءٍ في الَّتِي فَوْقَها؛ والسّابِعَةُ في الكُرْسِيِّ؛ والكُرْسِيُّ في العَرْشِ؛ وهو ذُو العَرْشِ العَظِيمِ؛ لا نِزاعَ في ذَلِكَ؛ وذَلِكَ هو وظِيفَةُ الوَكِيلِ (p-٥٢٣)بِالحَقِيقَةِ؛ لِيَكْفِيَ مَن وكَّلَهُ كُلَّ ما يُهِمُّهُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وهو الوَكِيلُ فِيهِما؛ وفي كُلِّ ما فِيهِما؛ في تَدْبِيرِ مَصالِحِكُمْ؛ فَبَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿وكِيلا﴾؛ أيْ: يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولا يَحْتاجُ هو إلى شَيْءٍ؛ وإلّا لَمّا كانَ كافِيًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences