Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:172–176

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:172–176

4:172Page 105

لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

ولَمّا كانَ الوَكِيلُ مَن يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ؛ ويَفْعَلُ ما يَعْجِزُ عَنْهُ المُوَكِّلُ؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَدَّعِي القُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ إلّا بِاللَّهِ؛ وكانَ يَحْتاجُ إلى النَّوْمِ؛ وإلى الأكْلِ؛ والشُّرْبِ؛ وإلى ما يَسْتَلْزِمانِهِ؛ صَحَّ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ - دالًّا عَلى ذَلِكَ -: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبَ ويُرِيدَ أنْ يَمْتَنِعَ؛ ويَأْبى؛ ويَسْتَحْيِيَ؛ ويَأْنَفَ؛ ويَسْتَكْبِرَ؛ ﴿المَسِيحُ﴾؛ أيْ: الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّةَ؛ وأنِفُوا لَهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ؛ لِكَوْنِهِ خُلِقَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ ولِكَوْنِهِ أيْضًا يُخْبِرُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ؛ ويُحْيِي بَعْضَ الأمْواتِ؛ ويَأْتِي بِخَوارِقِ العاداتِ؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: مِن أنْ؛ ﴿يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ؛ فَإنَّهُ مِن جِنْسِ البَشَرِ في الجُمْلَةِ؛ وإنْ كانَ خَلْقُهُ خارِقًا لِعادَةِ البَشَرِ؛ ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أعْجَبُ خَلْقًا مِنهُ؛ في كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى؛ (p-٥٢٤)ولا ما يُجانِسُ عُنْصُرَ البَشَرِ؛ فَكانُوا لِذَلِكَ أعْجَبَ خَلْقًا مِن آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْضًا؛ وهم لا يَسْتَنْكِفُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْ يَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْرِيبُ مُقْتَضِيًا في الأغْلَبِ لِلِاسْتِحْقاقِ؛ وكانَ صِفَةً عامَّةً لِلْمَلائِكَةِ؛ قالَ: ﴿المُقَرَّبُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم في حَضْرَةِ القُدْسِ؛ فَهم أجْدَرُ بِعِلْمِ المُغَيَّباتِ؛ وإظْهارِ الكَراماتِ؛ وجِبْرائِيلُ الَّذِي هو أحَدُهم كانَ سَبَبًا في حَياةِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقَدِ ادَّعى بَعْضُ النّاسِ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ أيْضًا؛ وبِهَذا طاحَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ؛ بِأنَّ العادَةَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بَعْدَ تَسْلِيمِ مُدَعّاهُمْ؛ لَكِنْ في الخَلْقِ لا في المَخْلُوقِ.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ خُلَّصِ عِبادِهِ بِالتَّشَرُّفِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ أخْبَرَ عَمَّنْ يَأْبى ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُهَدِّدًا؛ مُحَذِّرًا؛ مُوعِدًا -: ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ﴾؛ أيْ: مِنَ المَوْجُوداتِ كُلِّهِمْ؛ ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِنْكافُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الِامْتِناعِ؛ لا كِبْرًا؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِلْمُرادِ مِن مَعْناهُ هُنا -: ﴿ويَسْتَكْبِرْ﴾؛ أيْ: يَطْلُبِ الكِبْرَ عَنْ ذَلِكَ؛ ويُوجِدْهُ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ الِامْتِناعِ لا يَسْتَلْزِمُهُ؛ ولَمّا كانَ الحَشْرُ عامًّا لِلْمُسْتَكْبِرِ وغَيْرِهِ؛ كانَ الضَّمِيرُ في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾؛ عائِدًا عَلى العِبادِ؛ المُشارِ إلَيْهِمْ؛ بِـ ”عَبْدًا“؛ و”عِبادَتِهِ“؛ ولا يُسْتَحْسَنُ عَوْدُهُ عَلى ”مَن“؛ لِأنَّ التَّفْصِيلَ يَأْباهُ؛ والتَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ: ”فَسَيُذِلُّهُمْ؛ لِأنَّهُ سَيَحْشُرُ العِبادَ (p-٥٢٥)﴿إلَيْهِ جَمِيعًا﴾“؛ أيْ: المُسْتَكْبِرِينَ وغَيْرَهُمْ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ لِأنَّ الكُلَّ يَمُوتُونَ؛ ومَن ماتَ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا قَطْعًا؛ ومَن كانَ مَقْدُورًا عَلى ابْتِدائِهِ وإفْنائِهِ؛ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى إعادَتِهِ أوْلى؛ و”الحَشْرُ“: الجَمْعُ بِكُرْهٍ.

4:173Page 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allāh any protector or helper.

ولَمّا عَمَّ بِالحَشْرِ المُسْتَكْبِرِينَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ جاءَ التَّفْصِيلُ إلى القِسْمَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أذْعَنُوا لِلَّهِ (تَعالى)؛ وخَضَعُوا لَهُ؛ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ تَصْدِيقًا لِإقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي جَرَتِ العاداتُ بَيْنَكم أنْ يُعْطَوْها؛ وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ لا يَسْتَحِقُّونَها؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) هو الَّذِي وفَّقَهم لَها؛ فَهي فَضْلٌ مِنهُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما قُضِيَتْ بِهِ العاداتُ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: شَيْئًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ؛ لِأنَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ؛ ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: طَلَبُوا كُلًّا مِنَ الإباءِ؛ والكِبْرِ؛ ﴿فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾؛ أيْ: بِما وجَدُوا مِن لَذاذَةِ التَّرَفُّعِ؛ والكِبْرِ؛ وآلَمُوا بِذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ؛ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: حالًا؛ ولا مَآلًا؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا يَصْنَعُ مَعَهم ما يَصْنَعُ القَرِيبُ؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ بَعِيدًا؛ وفي هَذا أتَمُّ زاجِرٍ عَمّا قَصَدَهُ المُنافِقُونَ مِن مُوالاةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وأعْظَمُ نافٍ لِما مَنَّوْهم إيّاهُ مِمّا لَهُمْ؛ وزَعَمُوا مِنَ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ؛ المُقْتَضِيَةِ أنْ يُقَرِّبُوا (p-٥٢٦)مَن شاؤُوا؛ ويُبْعِدُوا مَن شاؤُوا؛ وهو مِن أنْسَبِ الأشْياءِ لِخِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنهُمْ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]

4:174Page 105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1

ولَمّا أزاحَ شُبَهَ جَمِيعِ المُخالِفِينَ مِن سائِرِ الفِرَقِ: اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ والمُنافِقِينَ؛ وأقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ وأقامَ الأدِلَّةَ القاطِعَةَ عَلى حَشْرِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ فَثَبَتَ أنَّهم كُلُّهم عَبِيدُهُ؛ عَمَّ في الإرْشادِ؛ لُطْفًا مِنهُ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم.

ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَرَحَ صَدْرًا بِقَواطِعِ الأدِلَّةِ بِكَلامٍ وجِيزٍ؛ جامِعٍ؛ قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ﴾؛ أيْ: حُجَّةٌ نَيِّرَةٌ؛ واضِحَةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِلْيَقِينِ التّامِّ؛ وهو رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِإرْسالِ الَّذِي لَمْ تَرَوْا قَطُّ إحْسانًا إلّا مِنهُ.

ولَمّا كانَ القُرْآنْ صِفَةَ الرَّحْمَنِ؛ أتى بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ والقُدْرَةِ؛ والعِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ عَلى الرَّسُولِ المَوْصُوفِ؛ مُنْتَهِيًا ﴿إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: واضِحًا في نَفْسِهِ؛ مُوَضِّحًا لِغَيْرِهِ؛ وهو هَذا القُرْآنُ الجامِعُ بِإعْجازِهِ؛ وحُسْنِ بَيانِهِ؛ بَيْنَ تَحْقِيقِ النَّقْلِ؛ وتَبْصِيرِ العَقْلِ؛ فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنَ المَدْعُوِّينَ بِهِ نَوْعُ عُذْرٍ؛ والحاصِلُ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا خَلَقَ لِلْآدَمِيِّ عَقْلًا؛ وأسْكَنَهُ نُورًا لا يَضِلُّ؛ ولا يَمِيلُ؛ مَهْما جُرِّدَ؛ (p-٥٢٧)ولَكِنَّهُ - سُبْحانَهُ - حَفَّهُ بِالشَّهَواتِ؛ والحُظُوظِ؛ والمَلَلِ؛ والفُتُورِ؛ فَكانَ في أغْلَبِ أحْوالِهِ قاصِرًا؛ إلّا الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومَن ألْحَقَهُ - سُبْحانَهُ - بِهِمْ؛ أنْزَلَ كُتُبَهُ بِذَلِكَ العَقْلِ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ عائِقٍ؛ وأمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا عُقُولَهم تابِعَةً لَهُ؛ مُنْقادَةً بِهِ؛ لِأنَّها مَشُوبَةٌ؛ وهو مُجَرَّدٌ؛ لا شَوْبَ فِيهِ بِوَجْهٍ.

4:175Page 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥

So those who believe in Allāh and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

ولَمّا أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الرَّسُولِ الأصْفى؛ والنَّبِيِّ الأهْدى؛ المَجْبُولِ عَلى هَذا العَقْلِ الأقْوَمِ الأجْلى؛ والكِتابِ الأتَمِّ الأوْفى؛ الجارِي عَلى هَذا القانُونِ الأعْلى؛ الوافِي تَعْبِيرُهُ؛ الوَجِيزِ بِأحْكامِ الأُولى والأُخْرى؛ الكَفِيلِ سِياقُهُ وتَرْتِيبُ آياتِهِ بِوُضُوحِ الأدِلَّةِ؛ وظُهُورِ الحُجَجِ؛ أخَذَ يُقَسِّمُ المُنْذَرِينَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّضَحَ أنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ في ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ وأفْعالِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ وأسْمائِهِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قاطِعُ البُرْهانِ؛ ﴿واعْتَصَمُوا بِهِ﴾؛ أيْ: جَعَلُوهُ عِصامًا لَهم في الفَرائِضِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ يَرْبِطُهُمْ؛ ويَضْبِطُهم عَنْ أنْ يَضِلُّوا بَعْدَ الهُدى؛ ويَرْجِعُوا مِنَ الِاسْتِبْصارِ إلى العَمى؛ لِأنَّ العِصامَ هو الرّابِطُ لِلْوِعاءِ أنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِ؛ وصِيغَةُ الِافْتِعال تَدُلُّ عَلى الِاجْتِهادِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ داعِيَةٌ إلى الإهْمالِ؛ المُنْتِجِ لِلضَّلالِ؛ ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ولَعَلَّ السِّينَ ذُكِرَتْ لِتُفِيدَ (p-٥٢٨)- مَعَ تَحْقِيقِ الوَعْدِ - الحَثَّ عَلى المُثابَرَةِ؛ والمُداوَمَةَ؛ عَلى العَمَلِ؛ إشارَةً إلى عِزَّةِ ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنهُ﴾؛ أيْ: ثَوابٍ عَظِيمٍ؛ هو بِرَحْمَتِهِ لَهُمْ؛ لا بِشَيْءٍ اسْتَوْجَبُوهُ؛ وأشارَ إلى البِرِّ؛ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهُمْ؛ لَوْ كانَتْ لَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَضْلٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ؛ يَعْلَمُونَ أنَّهُ زِيادَةٌ؛ لا سَبَبَ لَهم فِيها؛ ﴿ويَهْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿إلَيْهِ صِراطًا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ واضِحًا جِدًّا؛ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾؛ أيْ: هو مُرْشِدُ قَوْمِهِ؛ كَأنَّهُ طالِبٌ لِتَقْوِيمِ نَفْسِهِ؛ فَهو يُوصِلُهُمْ؛ لا مَحالَةَ؛ إلى وعْدِهِ بِما يَحْفَظُهم في سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ؛ يَسْتَجْلِي أنْوارَ عالَمِ القُدْسِ في أرْواحِهِمْ؛ وتَوْفِيقِهِمْ لِاتِّباعِ ما هَدَتْ إلَيْهِ مِن أمْرِ الفَرائِضِ؛ وغَيْرِها؛ فَقَدْ أتى - كَما تَرى – بِـ ”أمّا“؛ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّقْسِيمِ؛ لا مَحالَةَ؛ وأتى بِأحَدِ القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ ووَصَفَهم بِالِاعْتِصامِ بِاللَّهِ؛ في النُّصْرَةِ؛ وقَبُولِ جَمِيعِ أحْكامِهِ؛ في الفَرائِضِ وغَيْرِها؛ وافَقَتْ أهَوِيَتَهم أوْ خالَفَتْها؛ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ والَوْا غَيْرَهُمْ؛ وبِالكافِرِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وتَرَكَ القِسْمَ الآخَرَ؛ وهو قِسْمُ المُسْتَنْكِفِينَ؛ والمُسْتَكْبِرِينَ؛ ووَضَعَ مَوْضِعَهُ حُكْمًا مِن أحْكامِ الفَرائِضِ المُفْتَتَحِ بِها السُّورَةُ؛ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِها مِن غَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ بَلْ بِكَمالِ الِاتِّصالِ؛ فَقالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَكْرِيرَ السُّؤالِ (p-٥٢٩)عَنِ النِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ بَعْدَ شافِي المَقالِ؛ مُبَيِّنًا أنَّهُ قَدْ هَدى في ذَلِكَ كُلِّهِ أقْوَمَ طَرِيقٍ -:

4:176Page 106

يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ١٧٦

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allāh gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females.1 Allāh makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allāh is Knowing of all things.

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أيْ: يَسْألُونَكَ أنْ تُفْتِيَهُمْ؛ أيْ: أنْ تُبَيِّنَ لَهم بِما عِنْدَكَ مِنَ الكَرَمِ؛ والجُودِ؛ والسَّخاءِ؛ ما انْغَلَقَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ؛ وانْبَهَمَ لَدَيْهِمْ سِرُّهُ؛ مِن حُكْمِ الكَلالَةِ؛ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ المَوارِيثِ؛ قالَ - إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكِلْ أمْرَها إلى غَيْرِهِ -: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾؛ وهو مَن لا ولَدَ لَهُ؛ ولا والِدَ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ”بَراءَةٌ“؛ وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ: اخْتَلَفَ أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في الكَلالَةِ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو ما عَدا الوالِدَ؛ وقالَ عُمَرُ: ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ؛ ثُمَّ قالَ عُمَرُ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أُخالِفَ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أيْ: وهو مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ؛ أوْ حالَ كَوْنِهِ ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلَ؛ سَواءٌ كانَ ذَكَرًا؛ أوْ أُنْثى؛ عِنْدَ إرْثِ النِّصْفِ؛ ولَيْسَ لَهُ أيْضًا والِدٌ؛ فَإنْ كانَ لَهُ أحَدُهُما لَمْ يُسَمَّ ”كَلالَةً“؛ وقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ولَيْسا بِأوَّلِ حُكْمَيْنِ بُيِّنَ أحَدُهُما بِالكِتابِ؛ والآخَرُ بِالسُّنَّةِ؛ وهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «”ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها؛ فَما بَقِيَ فَلِأوْلى عُصْبَةٍ ذَكَرٍ؛ والأبُ أوْلى مِنَ الأخِ“؛» (p-٥٣٠)و؛ الحالُ أنَّهُ؛ لَهُ أُخْتٌ؛ أيْ: واحِدَةٌ؛ مِن أبٍ؛ شَقِيقَةً كانَتْ أوْ لا؛ لِأنَّهُ سَيَأْتِي أنَّ أخاها يَعْصِبُها؛ فَلَوْ كانَ ولَدَ أُمٍّ لَمْ يَعْصِبْ؛ ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهُوَ﴾؛ أيْ: وهَذا الأخُ المَيِّتُ؛ ﴿يَرِثُها﴾؛ أيْ: إنْ ماتَتْ هي وبَقِيَ هُوَ؛ جَمِيعَ مالِها؛ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾؛ أيْ: ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى - كَما مَرَّ في عَكْسِهِ؛ هَذا إنْ أُرِيدَ بِالإرْثِ جَمِيعُ المالِ؛ وإلّا فَهو يَرِثُ مَعَ الأُنْثى؛ كَما أنَّها هي أيْضًا تَرِثُ مَعَ الأُنْثى - كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا - دُونَ النِّصْفِ.

ولَمّا بَيَّنَ الأمْرَ عِنْدَ الِانْفِرادِ أتْبَعَهُ بَيانَهُ عِنْدَ الِاجْتِماعِ؛ وقَدَّمَ أقَلَّهُ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَتا﴾؛ أيْ: الوارِثَتانِ؛ بِبَيانِ السِّياقِ لَهُما؛ وإرْشادِهِ إلَيْهِما؛ ولَمّا أضْمَرَ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ وكانَ الخَبَرُ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ: ”صالِحَتَيْنِ“؛ أوْ: ”صَغِيرَتَيْنِ“؛ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ - كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا - مُطْلَقُ العَدَدِ عَلى أيِّ وصْفٍ اتَّفَقَ؛ فَقالَ: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾؛ أيْ: مِنَ الأخَواتِ لِلْأبِ؛ شَقِيقَتَيْنِ كانَتا أوْ لا؛ ﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾؛ فَإنْ كانَتْ شَقِيقَتَيْنِ كانَ لِكُلٍّ مِنهُما ثُلُثٌ؛ وإنِ اخْتَلَفَتا كانَ لِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ؛ ولِلَّتِي لِلْأبِ فَقَطِ السُّدُسُ؛ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ.

ولَمّا بَيَّنَ أقَلَّ الِاجْتِماعِ أتْبَعَهُ ما فَوْقَهُ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ كانُوا﴾؛ أيْ: (p-٥٣١)الوارِثُ؛ ﴿إخْوَةً﴾؛ أيْ: مُخْتَلِطِينَ؛ ﴿رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ وقَدْ أنْهى - سُبْحانَهُ - ما أرادَ مِن بَيانِ إرْثِ الإخْوَةِ لِأبٍ؛ فَتَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعُ أحْوالِ ما أرادَ مِنَ الإرْثِ؛ وهو عَلى وجازَتِهِ كَما تَرى - يَحْتَمِلُ مُجَلَّداتٍ؛ واللَّهُ الهادِي؛ ووَضْعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا - كَما تَقَدَّمَ - إشارَةٌ مِنهُ إلى أنَّ مَن أبى تَوْرِيثَ النِّساءِ والصِّغارِ؛ الَّذِي تَكَرَّرَ الِاسْتِفْتاءُ عَنْهُ؛ فَقَدِ اسْتَنْكَفَ عَنْ عِبادَتِهِ؛ واسْتَكْبَرَ؛ وإنْ آمَنَ بِجَمِيعِ ما عَداهُ مِنَ الأحْكامِ؛ ومَنِ اسْتَنْكَفَ عَنْ حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ فَذاكَ هو الكافِرُ حَقًّا؛ كَما أنَّ مَن آمَنَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ وكَفَرَ بِبَعْضٍ؛ فَهو الكافِرُ حَقًّا؛ وهَذا مُرادُ شَياطِينِ أهْلِ الكِتابِ العارِفِينَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأحْكامِ؛ الحاسِدِينَ لَكم عَلَيْها؛ المُرِيدِينَ لِضَلالِكم عَنْها؛ لِتُشارِكُوهم في الشَّقاءِ الَّذِي وقَعَ لَهُمْ؛ لَمّا بَدَّلُوا الأحْكامَ؛ المُشارِ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ آياتِ المِيراثِ؛ وما تَبِعَها مِن أحْوالِ النِّكاحِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ ثُمَّ المُصَرَّحِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥]؛ ولِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي (p-٥٣٢)أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: ولَمْ يَكِلْكم في هَذا البَيانِ إلى بَيانِ غَيْرِهِ؛ وقالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا -: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ ﴿تَضِلُّوا واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: فَقَدْ بَيَّنَ لَكم بِعِلْمِهِ ما يُصْلِحُكم بَيانُهُ؛ مَحْيًا ومَماتًا؛ دُنْيا وأُخْرى؛ حَتّى جَعَلَكم عَلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ؛ لا يَزِيغُ عَنْها مِنكم إلّا هالِكٌ؛ والحاصِلُ أنَّ تَأْخِيرَ هَذِهِ الآيَةِ إلى هُنا لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ تَفْرِيقَ القَوْلِ فِيما تَأْباهُ النُّفُوسُ؛ وإلْقاءَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ بِاللُّطْفِ والتَّدْرِيجِ؛ أدْعى لِقَبُولِهِ؛ ولِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ الفَرائِضِ؛ بِجَعْلِ الكَلامِ فِيها في جَمِيعِ السُّورَةِ؛ أوَّلِها؛ وأثْنائِها؛ وآخِرِها؛ والتَّخْوِيفِ مِن أنْ يَكُونَ حالُهم كَحالِ المُنافِقِينَ في إضْلالِ أهْلِ الكِتابِ لَهُمْ؛ بِإلْقاءِ الشُّبْهَةِ؛ وأخْذِهِمْ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي تَهْواهُ نُفُوسُهُمْ؛ ومَضَتْ عَلَيْهِ أوائِلُهُمْ؛ وأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ؛ والتَّرْهِيبِ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في الإيمانِ بِبَعْضٍ؛ والكُفْرِ بِبَعْضٍ؛ فَيُؤَدِّيهِمْ ذَلِكَ إلى إكْمالِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَتَجَزَّأُ؛ بَلْ مَن كَفَرَ بِشَيْءٍ مِنهُ كَفَرَ بِهِ جَمِيعِهِ؛ ومِن هُنا ظَهَرَتْ مُناسَبَةُ آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ لِأوَّلِها؛ لِأنَّ أوَّلَها مُشِيرٌ إلى أنَّ النّاسَ كُلَّهم كَشَيْءٍ واحِدٍ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَهُمْ؛ إلّا فِيما شَرَعَهُ اللَّهُ؛ وآخِرُها مُشِيرٌ إلى ذَلِكَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ النِّساءِ؛ (p-٥٣٣)والرِّجالِ؛ في مُطْلَقِ التَّوْرِيثِ؛ بِقُرْبِ الأرْحامِ؛ وإنِ اخْتَلَفَتِ الأنْصِباءُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها؛ وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً؛ وسَوّى بَيْنَهم فِيما أرادَ مِنَ الأحْكامِ؛ فَإنَّهُ مَنِ اسْتَكْبَرَ - ولَوْ عَنْ حُكْمٍ مِن أحْكامِهِ - فَسَيُجازِيهِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ ولا يَجِدُ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ناصِرًا؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حالِهِ“؛ وما أشَدَّ مُناسَبَةَ خِتامِها بِإحاطَةِ العِلْمِ؛ لِما دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُها؛ مِن تَمامِ القُدْرَةِ! فَكانَ آخِرُها دَلِيلًا عَلى أوَّلِها؛ لِأنَّ تَمامَ العِلْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِشُمُولِ القُدْرَةِ؛ قالَ الإمامُ: وهَذانِ الوَصْفانِ هُما اللَّذانِ بِهِما ثَبَتَتِ الرُّبُوبِيَّةُ؛ والإلَهِيَّةُ؛ والجَلالُ؛ والعِزَّةُ؛ وبِهِما يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لِلْأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ مُنْقادًا لِكُلِّ التَّكالِيفِ؛ انْتَهى؛ ولِخِتامِ أوَّلِ آيَةٍ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]؛ أيْ: وهو بِكُلِّ شَيْءٍ مِن أحْوالِكُمْ؛ وغَيْرِها؛ عَلِيمٌ؛ فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وإنْ دَقَّ؛ فَلْيَشْتَدَّ حَذَرُكم مِنهُ؛ ومُراقَبَتُكم لَهُ؛ وذَلِكَ أشَدُّ شَيْءٍ مُناسَبَةً لِأوَّلِ ”المائِدَةِ“؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ بِالصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ؛ والمَآبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском