Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:30–36
4:30Page 83
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
ثُمَّ قالَ - تَرْهِيبًا مِن مُواقَعَةِ الضَّلالِ -: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: المَنهِيَّ عَنْهُ مِنَ القَتْلِ؛ وغَيْرِهِ؛ العَظِيمِ الإبْعادِ عَنْ حَضَراتِ الإلَهِ؛ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وعَطْفُهُ لِلْوَصْفِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى تَناهِي كُلٍّ مِنهُما؛ هَذا مَعَ ما أفْهَمَهُ صِفَةُ الـ ”فُعْلانِ“؛ مِنَ المُبالَغَةِ؛ فَكانَ المُرادُ العَدُوَّ الشَّدِيدَ المُفْرِطَ المُتَجاوِزَ (p-٢٦١)لِلْحُدُودِ؛ النّاشِئَ عَنِ العَهْدِ؛ وتَناهِي الظُّلْمِ الَّذِي لا شائِبَةَ فِيهِ لِلْحَقِّ؛ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾؛ أيْ: نُدْخِلُهُ إيّاها؛ بِوَعِيدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ طالَ إمْهالُهُ؛ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي تُوُعِّدُ بِهِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ؛ والجَمالُ؛ ﴿يَسِيرًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ لا يُنْقِصُهُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا؛ ولا يَمْنَعُ مِنهُ مانِعٌ.
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
ولَمّا بَيَّنَ (تَعالى) ما لِفاعِلِ ذَلِكَ؛ تَحْذِيرًا؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ جُمْلَةٌ مِنَ الكَبائِرِ؛ أتْبَعَهُ ما لِلْمُنْتَهِي؛ تَبْشِيرًا؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا لِلْفاعِلِ فَما لِلْمُجْتَنِبِ؟ فَقالَ - عَلى وجْهٍ عامٍّ -: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾؛ أيْ: تُجْهِدُوا أنْفُسَكم بِالقَصْدِ الصّالِحِ؛ في أنْ تَتْرُكُوا تَرْكًا عَظِيمًا؛ وتُباعِدُوا؛ ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أيْ: مِن أكْلِ المالِ؛ والقَتْلِ بِالباطِلِ؛ والزِّنا؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ؛ رَوى البَزّارُ: قالَ الهَيْثَمِيُّ - ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ -: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ؛ فَقالَ: ”ما بَيْنَ أوَّلِ سُورَةِ“النِّساءِ”؛ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ“؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وكُلُّ ذَنْبٍ عَظَّمَ الشَّرْعُ الوَعِيدَ عَلَيْهِ بِالعَذابِ؛ وشَدَّدَهُ؛ أوْ عَظَّمَ ضَرَرَهُ في الخَمْسِ الضَّرُورِيَّةِ - حِفْظِ الدِّينِ؛ والنَّفْسِ والنَّسَبِ؛ والعَقْلِ؛ والمالِ - فَهو كَبِيرَةٌ؛ وما عَداهُ صَغِيرَةٌ؛ ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي دُونَ الكَبائِرِ؛ كُلَّها؛ فَإنِ ارْتَكَبْتُمْ (p-٢٦٢)شَيْئًا مِنَ الكَبائِرِ؛ وأتَيْتُمْ بِالمُكَفِّراتِ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ والجُمُعَةِ؛ وصَوْمِ رَمَضانَ؛ والحَجِّ؛ أوْ فَرَّطْتُمْ في شَيْءٍ مِنها؛ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ أتاكم بِالمَرَضِ؛ كَفَّرَ ذَلِكَ المَأْتِيُّ بِهِ الصَّغائِرَ؛ ولَمْ يُقاوِمْ تِلْكَ الكَبِيرَةَ؛ فَلَمْ يُكَفِّرْ جَمِيعَ السَّيِّئاتِ؛ لِعَدَمِ إتْيانِهِ عَلى تِلْكَ الكَبِيرَةِ؛ ﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾؛ أيْ: يَجْمَعُ الشَّرَفَ؛ والعَمَلَ؛ والجُودَ؛ وكُلَّ مَعْنًى حَسَنٍ؛ ومَن فاتَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ؛ ولَمْ يُدْخِلْهُ هَذا المُدْخَلَ؛ ويَكْفِي في انْتِفائِهِ حُصُولُ القَصاصِ في وقْتٍ ما؛ وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: المُسْلِمُونَ كُلُّهم في الجَنَّةِ - لِهَذِهِ الآيَةِ؛ وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «”ادَّخَرْتُ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي“؛» فاللَّهُ (تَعالى) يَغْفِرُ ما دُونُ الكَبائِرِ؛ فالنَّبِيُّ ﷺ يَشْفَعُ في الكَبائِرِ؛ فَأيُّ ذَنْبٍ عَلى المُسْلِمِينَ؟! ذَكَرَهُ عَنْهُ الأصْبَهانِيُّ؛ وهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ؛ والتِّرْمِذِيُّ؛ وغَيْرُهُما؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
4:32Page 83
وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢
And do not wish for that by which Allāh has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of1 what they have earned. And ask Allāh of His bounty. Indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
ولَمّا نَهى عَنِ القَتْلِ؛ وعَنِ الأكْلِ بِالباطِلِ بِالفِعْلِ؛ وهُما مِن أعْمالِ الجَوارِحِ؛ لِيَصِيرَ الظّاهِرُ طاهِرًا عَنِ المَعاصِي الوَخِيمَةِ؛ نَهى عَنِ التَّمَنِّي؛ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الأكْلِ؛ لِيَكُونَ نَهْيًا عَنِ الأكْلِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ فَإنَّ التَّمَنِّيَ قَدْ يَكُونُ حَسَدًا؛ وهو المَنهِيُّ عَنْهُ هُنا؛ كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ؛ وهو حَرامٌ؛ والرِّضا بِالحَرامِ؛ والتَّمَنِّي عَلى هَذا (p-٢٦٣)الوَجْهِ يَجُرُّ إلى الأكْلِ؛ والأكْلُ يَعُودُ إلى القَتْلِ؛ فَإنَّ مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ؛ والنَّهْيُ هُنا لِلتَّحْرِيمِ؛ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾؛ أيْ: تُتابِعُوا أنْفُسَكم في ذَلِكَ؛ ﴿ما فَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ فَلا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ المالِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: في الإرْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن جَمِيعِ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ كالذَّكاءِ التّامِّ؛ والحَدْسِ الكامِلِ؛ وزِيادَةِ المَعارِفِ بِالكَمِّيَّةِ؛ والكَيْفِيَّةِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ؛ كالعِفَّةِ؛ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنَ الجُمُودِ؛ والفُجُورِ؛ والشَّجاعَةِ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ؛ والجُبْنِ؛ والسَّخاءِ الَّذِي هو وسَطٌ بَيْنَ الإسْرافِ؛ والبُخْلِ؛ وكاسْتِعْمالِ هَذِهِ القُوى عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي؛ وهو العَدالَةُ؛ أوِ الفَضائِلِ البَدَنِيَّةِ؛ كالصِّحَّةِ؛ والجَمالِ؛ والعُمْرِ الطَّوِيلِ؛ مَعَ اللَّذَّةِ؛ والبَهْجَةِ؛ أوِ الفَضائِلِ الخارِجِيَّةِ؛ مِثْلِ كَثْرَةِ الأوْلادِ الصُّلَحاءِ؛ وكَثْرَةِ العَشائِرِ؛ والأصْدِقاءِ؛ والأعْوانِ؛ والرِّئاسَةِ التّامَّةِ؛ ونَفاذِ القَوْلِ؛ وكَوْنِهِ مَحْبُوبًا لِلنّاسِ؛ حَسَنَ الذِّكْرِ فِيهِمْ؛ فَهَذِهِ مَجامِعُ السَّعاداتِ؛ وبَعْضُها نَظَرِيَّةٌ لا مَدْخَلَ لِلْكَسْبِ فِيها؛ وبَعْضُها كَسْبِيَّةٌ؛ ومَتى تَأمَّلَ العاقِلُ في ذَلِكَ؛ وجَدَهُ مَحْضَ عَطاءٍ مِنَ اللَّهِ؛ فَمَن (p-٢٦٤)شاهَدَ غَيْرَهُ أرْفَعَ مِنهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ؛ تَألَّمَ قَلْبُهُ؛ وكانَتْ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما أنْ يَتَمَنّى حُصُولَ مِثْلِ تِلْكَ السَّعادَةِ لَهُ؛ والأُخْرى أنْ يَتَمَنّى زَوالَها عَنْ صاحِبِها؛ وهَذا هو الحَسَدُ المَذْمُومُ؛ لِأنَّهُ كالِاعْتِراضِ عَلى اللَّهِ؛ الَّذِي قَسَمَ هَذِهِ القِسْمَةَ؛ فَإنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ أحَقُّ مِنهُ فَقَدْ فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ بابَ الكُفْرِ؛ واسْتَجْلَبَ ظُلُماتِ البِدْعَةِ؛ ومَحا نُورَ الإيمانِ؛ فَإنَّ اللَّهَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ؛ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ وكَما أنَّ الحَسَدَ سَبَبُ الفَسادِ في الدِّينِ؛ فَهو سَبَبُ الفَسادِ في الدُّنْيا؛ فَعَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَرْضى بِما قُسِمَ لَهُ؛ عِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ؛ ولَوْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَسَدَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ صادِرَةٌ عَنْ حُكْمِهِ؛ وتَدْبِيرِهِ؛ وعِلْمِهِ بِأحْوالِ العِبادِ فِيما يُصْلِحُهُمْ؛ ويُفْسِدُهم.
وأمّا تَمَنِّي المِثْلِ؛ فَإنْ كانَ دِينِيًّا كانَ حَسَنًا؛ كَما قالَ ﷺ: «”لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ“؛» وإنْ كانَ دُنْيَوِيًّا فَمِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ؛ ومِنهم مَن قالَ - وهُمُ المُحَقِّقُونَ -: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ؛ ومَضَرَّةً في الدُّنْيا؛ كَقِصَّةِ قارُونَ؛ قالَ مَعْنى ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ (p-٢٦٥)ولَمّا نَهى - سُبْحانَهُ - عَنْ ذَلِكَ؛ عَلَّلَهُ بِما يُنَبِّهُ عَلى السَّعْيِ في الِاسْتِرْزاقِ؛ والإجْمالِ في الطَّلَبِ؛ كَما قالَ ﷺ فِيما رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ؛ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ؛ والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها؛ وتَمَنّى عَلى اللَّهِ“؛» وكَما قالَ ﷺ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ؛ وفي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ؛ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ ولا تَعْجِزْ؛ وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا؛ ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ؛ فَإنَّ“لَوْ”تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ“؛» فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَنالُ أحَدٌ جَمِيعَ ما يُؤَمِّلُ -: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: قَدْ فُرِغَ مِن تَقْدِيرِهِ؛ فَهو بِحَيْثُ لا يَزِيدُ؛ ولا يَنْقُصُ؛ وبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ يَنْبَغِي الطَّلَبُ؛ والعَمَلُ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ؛ فَقالَ: ﴿مِمّا اكْتَسَبُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمْ؛ وأتْعَبُوها في كَسْبِهِ؛ مِن أُمُورِ الدّارَيْنِ؛ مِنَ الثَّوابِ وأسْبابِهِ مِنَ الطّاعاتِ؛ ومِنَ المِيراثِ؛ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ؛ والأرْباحِ؛ «”جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ (p-٢٦٦)ظِلِّ رُمْحِي“؛» «”لَرَزَقَكم كَما يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِماصًا؛ وتَرُوحُ بِطانًا“؛» ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾؛ أيْ: وكَذَلِكَ فالتَّمَنِّي حِينَئِذٍ غَيْرُ نافِعٍ؛ فالِاشْتِغالُ بِهِ مُجَرَّدُ عَناءٍ.
ولَمّا أشارَ بِالتَّبْعِيضِ إلى أنَّ الحُصُولَ بِتَقْدِيرِهِ؛ لا بِالكَسْبِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا؛ فَإنَّهُ تارَةً يُنْجِحُهُ؛ وتارَةً يُخَيِّبُهُ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فاكْتَسِبُوا؛ ولا تَعْجِزُوا فَتَطْلُبُوا بِالتَّمَنِّي“؛ أمَرَ بِالإقْبالِ - في الغِنى وكُلِّ شَيْءٍ - عَلَيْهِ؛ إشارَةً إلى تَحْرِيكِ السَّبَبِ؛ مَعَ الإجْمالِ في الطَّلَبِ؛ فَقالَ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَظَمَتُهُ - لا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ؛ وإنْ جَلَّ؛ قالَ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: مِن خَزائِنِهِ الَّتِي لا تَنْفَدُ؛ ولا يَقْضِيها شَيْءٌ؛ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عَدَمِ التَّعْيِينِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ سَبَبَ الفَسادِ؛ بَلْ يَكُونُ الطَّلَبُ لِما هو لَهُ صَلاحٌ؛ وأحْسَنُ الدُّعاءِ المَأْثُورِ؛ وأحْسَنُهُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ (p-٢٦٧)بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ مَقالِيدُ كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: فَكانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا؛ فَإنَّ كَمالَ العِلْمِ يَسْتَلْزِمُ شُمُولَ القُدْرَةِ - كَما سَيَبِينُ - إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) - في سُورَةِ ”طـه“؛ والمَعْنى أنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِعِلْمِهِ ما يُصْلِحُكُمْ؛ فاسْألُوهُ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ما يَنْفَعُكُمْ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما يُصْلِحُ كُلَّ عَبْدٍ؛ وما يُفْسِدُهُ؛
4:33Page 83
وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣
And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.
وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو مِن جُمْلَةِ العِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ﴾؛ أيْ: مِنَ القَبِيلَتَيْنِ؛ صِغارًا كانُوا أوْ كِبارًا؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُضاهى؛ ﴿مَوالِيَ﴾؛ أيْ: حَكَمْنا بِأنَّهم هُمُ الأوْلِياءُ؛ أيْ: الأنْصارُ؛ والأقْرِباءُ؛ لِأجْلِ الإرْثِ؛ هُمُ الَّذِينَ يَلُونَ المالَ؛ ويَرِثُونَهُ؛ سَواءٌ كانُوا عُصْبَةً خاصَّةً؛ وهُمُ الوُرّاثُ؛ أوْ عُصْبَةً عامَّةً؛ وهُمُ المُسْلِمُونَ.
ولَمّا كانَ الِاهْتِمامُ بِتَوْرِيثِ الصِّغارِ أكْثَرَ قالَ: ﴿مِمّا﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ ما؛ ﴿تَرَكَ﴾؛ أيْ: خَلْفَهُ؛ ﴿الوالِدانِ﴾؛ أيْ: لَكُمْ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يَشْمَلُ حَقَّيِ الأصْلِ والفَرْعِ؛ فَقالَ: ﴿والأقْرَبُونَ﴾؛ أيْ: إلَيْكُمْ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾؛ أيْ: وما تَرَكَ الَّذِينَ؛ ﴿عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِمّا تَرَكَهُ مَن تُدَلُّونَ إلَيْهِ بِنَسَبٍ؛ أوْ سَبَبٍ؛ بِالحِلْفِ؛ أوِ الوَلاءِ؛ أوِ الصِّهْرِ؛ وذَكَرَ اليَمِينَ لِأنَّ العَهْدَ يَكُونُ مَعَ (p-٢٦٨)المُصافَحَةِ بِها؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَآتُوهُمْ﴾؛ أيْ: المَوالِيَ؛ وإنْ كانُوا صِغارًا؛ أوْ إناثًا؛ عَلى ما بَيَّنْتُ لَكم في آيَةِ المَوارِيثِ السّابِقَةِ؛ واتْرُكُوا كُلَّ ما خالَفَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ نُسِخَ بِها؛ ﴿نَصِيبَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي فَرَضْناهُ لَهم مِنَ الإرْثِ؛ مُوفَرًا؛ غَيْرَ مَنقُوصٍ؛ ولا تَظُنُّوا أنَّ غَيْرَهم أوْلى مِنهُمْ؛ أوْ مُساوٍ لَهُمْ؛ ثُمَّ رَهَّبَ مِنَ المُخالَفَةِ؛ وأكَّدَ الأمْرَ؛ وعْدًا ووَعِيدًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾؛ أيْ: فَهو يَعْلَمُ الوَلِيَّ مِن غَيْرِهِ؛ والخائِنَ مِن غَيْرِهِ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في الإخْفاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ؛ ولا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: ”إنّا لَمْ نَفْعَلْ سِوى ما قَصَدْتُمْ مِن إعْطاءِ المالِ لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ؛ وأنْتُمْ كُنْتُمْ غَيْرَ مُنْزِلِيهِ حَقَّ مَنازِلِهِ؛ لِغَيْبَتِكم عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ؛ وغَيْبَتِها عَنْكُمْ؛ فَإنّا لَمْ نُخْرِجْ شَيْئًا مِنهُ لِغَيْرِ المَوالِي -؛ أيْ: الأنْصارِ - إمّا بِالقَرابَةِ؛ أوْ بِالمُعاقَدَةِ بِالوَلاءِ؛ أوِ المُصاهَرَةِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ لِمَن يَحْمِي بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ أوِ البَعِيدَةِ الآثِلَةِ إلى القُرْبِ؛ وأمّا التَّفْضِيلُ في الأنْصِباءِ فَأمْرٌ اسْتَأْثَرْنا بِعِلْمِ مُسْتَحِقِّيهِ؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ“مَوالِيَ”: ورَثَةً؛“والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ”: (p-٢٦٩)كانَ المُهاجِرُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرِيُّ الأنْصارِيَّ؛ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾؛ نَسَخَتْ“؛ ثُمَّ قالَ: ”والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ“؛ مِنَ النَّصْرِ؛ والرِّفادَةِ؛ والنَّصِيحَةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ؛ ويُوصِي لَهُ".
4:34Page 84
ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا ٣٤
Men are in charge of women1 by [right of] what Allāh has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allāh would have them guard.2 But those [wives] from whom you fear arrogance3 - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them [lightly].4 But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allāh is ever Exalted and Grand.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وجْهَ اسْتِحْقاقِ بَعْضِ المُفَضَّلِينَ؛ فَقالَ - جَوابًا لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لِلرِّجالِ فُضِّلُوا؟ - ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾؛ أيْ: قِيامَ الوُلاةِ؛ ﴿عَلى النِّساءِ﴾؛ في التَّأْدِيبِ؛ والتَّعْلِيمِ؛ وكُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ؛ وبَيَّنَ سَبَبَيْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ والكَمالُ الَّذِي لا يُدانى؛ هِبَةً مِنهُ؛ وفَضْلًا؛ مِن غَيْرِ تَكَسُّبٍ؛ ﴿بَعْضَهُمْ﴾؛ وهُمُ الرِّجالُ؛ في العَقْلِ؛ والقُوَّةِ؛ والشَّجاعَةِ؛ ولِهَذا كانَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ؛ والوُلاةُ؛ والإمامَةُ الكُبْرى؛ والوِلايَةُ في النِّكاحِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ مِن كُلِّ أمْرٍ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ قُوَّةٍ في البَدَنِ؛ والعَقْلِ؛ والدِّينِ؛ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ يَعْنِي النِّساءَ؛ فَقالَ لِلرِّجالِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١]؛ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] (p-٢٧٠)ولَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ المَوْهِبِيَّ أتْبَعَهُ الكَسْبِيَّ؛ فَقالَ: ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾؛ أيْ: مِنَ المُهُورِ؛ والكُسى؛ وغَيْرِها؛ ﴿مِن أمْوالِهِمْ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِنَّ؛ فَصارَتِ الزِّيادَةُ في أحَدِ الجانِبَيْنِ مُقابَلَةً بِالزِّيادَةِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ.
ولَمّا بانَ بِذَلِكَ فَضْلُهُمْ؛ فَأذْعَنَتِ النَّفْسُ لِما فُضِّلُوا بِهِ في الإرْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نِكاحِهِمْ لِلنِّساءِ؛ والحَثِّ عَلى العَدْلِ فِيهِنَّ؛ حَسُنَ بَيانُ ما يَلْزَمُ الزَّوْجاتِ مِن حُقُوقِهِمْ؛ وتَأْدِيبِ مَن جَحَدَتِ الحَقَّ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا لِما يَلْزَمُهُنَّ مِن حُقُوقِهِمْ؛ عَمّا ذَكَرَ مِن فَضْلِهِمْ -: ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾؛ أيْ: مُخْلِصاتٌ في طاعَةِ الأزْواجِ؛ ولِذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ؛ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أيْ: لِحُقُوقِ الأزْواجِ؛ مِنَ الأنْفُسِ؛ والبُيُوتِ؛ والأمْوالِ؛ في غَيْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ؛ ﴿بِما﴾؛ أيْ: بِالأمْرِ الَّذِي؛ ﴿حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ بِهِ غَيْبَتَهُمْ؛ بِفِعْلِهِ فِيهِ فِعْلَ مَن يَحْفَظُ؛ مِنَ التَّرْغِيبِ في طاعَتِهِمْ فِيما يُرْضِي اللَّهَ؛ والتَّرْهِيبِ مِن عِصْيانِهِمْ بِما يُسْخِطُهُ؛ ورَعْيِ الحُدُودِ الَّتِي أشارَ إلَيْها - سُبْحانَهُ - مِن ”البَقَرَةِ“؛ وشَرَحَتْها سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ولَمّا عَرَّفَ بِالصّالِحاتِ لِاسْتِحْقاقِ الإنْفاقِ في اللَّوازِمِ؛ أتْبَعَهُ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ؛ فَقالَ: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ أيْ: تَرَفُّعَهُنَّ عَلَيْكم عَنِ (p-٢٧١)الرُّتْبَةِ الَّتِي أقامَهُنَّ اللَّهُ بِها؛ وعِصْيانَهُنَّ لَكم فِيما جَعَلَ اللَّهُ لَكم مِنَ الحَقِّ؛ وأصْلُ النُّشُوزِ: الِانْزِعاجُ في ارْتِفاعٍ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: دَلالاتُ النُّشُوزِ قَدْ تَكُونُ قَوْلًا؛ وقَدْ تَكُونُ فِعْلًا؛ فالقَوْلُ مِثْلُ أنْ كانَتْ تُلَبِّيهِ إذا دَعاها؛ وتَخْضَعُ لَهُ بِالقَوْلِ إذا خاطَبَها؛ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ؛ والفِعْلُ مِثْلُ أنْ كانَتْ تَقُومُ لَهُ إذا دَخَلَ إلَيْها؛ أوْ كانَتْ تُسارِعُ إلى أمْرِهِ؛ وتُبادِرُ إلى فِراشِهِ بِاسْتِبْشارٍ إذا التَمَسَها؛ ثُمَّ إذا تَغَيَّرَتْ فَحِينَئِذٍ ظُنَّ نُشُوزُها؛ ومُقْدِماتُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ؛ ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾؛ أيْ: ذَكِّرُوهُنَّ مِن أمْرِ اللَّهِ؛ بِما يُصَدِعُ قُلُوبَهُنَّ؛ ويُرَقِّقُها؛ ويُخِيفُهُنَّ مِن جَلالِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ الوَعْظُ مُوجِبًا لِتَحَقُّقِ الطّاعَةِ؛ أوِ المَعْصِيَةِ؛ قالَ: ﴿واهْجُرُوهُنَّ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ يَرْجِعْنَ بِالوَعْظِ؛ ﴿فِي المَضاجِعِ﴾؛ أيْ: الَّتِي كُنْتُمْ تَبِيتُونَ مَعَهُنَّ فِيها؛ مِنَ البَيْتِ؛ وفي ضِمْنِ الهَجْرِ امْتِناعُهُ مِن كَلامِها؛ قالَ الشّافِعِيُّ: ولا يَزِيدُ في هِجْرَةِ الكَلامِ عَلى ثَلاثٍ؛ ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أيْ: إنْ أصْرَرْنَ؛ ضَرْبَ تَأْدِيبٍ؛ غَيْرَ مُبَرِّحٍ؛ وهو ما لا يَكْسِرُ عَظْمًا؛ ولا يَشِينُ عُضْوًا؛ ويَكُونُ مُفَرَّقًا عَلى بَدَنِها؛ ولا يُوالِي بِهِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ ويَتَّقِي الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ مَجْمَعُ المَحاسِنِ؛ ويَكُونُ دُونَ الأرْبَعِينَ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: الضَّرْبُ مُباحٌ؛ وتَرْكُهُ أفْضَلُ؛ ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾؛ أيْ: بِشَيْءٍ مِنَ الوَعْظِ؛ (p-٢٧٢)والهَجْرِ في مَوْضِعِ المَبِيتِ مِنَ البَيْتِ؛ أوِ الضَّرْبِ؛ ﴿فَلا تَبْغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا؛ ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا إلى الأذى؛ عَلى ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ؛ مِن تَوْبِيخٍ عَلى ما سَلَفَ نَحْوُهُ؛ بِما لَكَمَ عَلَيْهِنَّ مِنَ العُلُوِّ؛ بَلِ اغْفِرُوا لَهُنَّ ما سَلَفَ؛ ولا يَحْمِلَنَّكم ما مَنَحَكُمُ اللَّهُ مِنَ العُلُوِّ عَلى المُناقَشَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَهُ مِنَ الكَمالِ؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾؛ أيْ: لَهُ العُلُوُّ والكِبَرُ؛ عَلى الِإطْلاقِ؛ بِكَمالِ القُدْرَةِ؛ ونُفُوذِ المَشِيئَةِ؛ فَهو لا يُحِبُّ الباغِيَ؛ ولا يُقِرُّهُ عَلى بَغْيِهِ؛ وقُدْرَتُهُ عَلَيْكم أعْظَمُ مِن قُدْرَتِكم عَلَيْهِنَّ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ يَعْفُو عَمَّنْ عَصاهُ؛ وإنْ مَلَأ الأرْضَ خَطايا؛ إذا أطاعَهُ؛ ولا يُؤاخِذُهُ بِشَيْءٍ مِمّا فَرَّطَ في حَقِّهِ؛ بَلْ يُبَدِّلُ سَيِّئاتِهِ حَسَناتٍ؛ فَلَوْ أخَذَكم بِذُنُوبِكم أهْلَكَكُمْ؛ فَتَخَلَّقُوا بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ مِن صِفاتِهِ؛ لِتَنالُوا جَلِيلَ هِباتِهِ؛ وخافُوا سَطْواتِهِ؛ واحْذَرُوا عُقُوبَتَهُ؛ بِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ والكِبَرِ.
4:35Page 84
وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥
And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allāh will cause it between them. Indeed, Allāh is ever Knowing and Aware.
ولَمّا بَيَّنَ حالَ الوِفاقِ؛ وما خالَطَهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي يَقُومُ بِإصْلاحِها الزَّوْجُ؛ أتْبَعَهُ حالَ المُبايَنَةِ والشِّقاقِ؛ المُحْوِجِ إلى مَن يُنْصِفُ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُتَّقُونَ القادِرُونَ عَلى الإصْلاحِ؛ مِنَ الوُلاةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾؛ أيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ المَفْهُومَيْنِ مِنَ السِّياقِ؛ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في شِقٍّ غَيْرِ الشِّقِّ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ؛ (p-٢٧٣)ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا وأحَدُهُما عَلى باطِلٍ؛ وأضافَ الشِّقاقَ إلى البَيْنِ؛ لِيُفِيدَ أنَّ هَذا العَمَلَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الخَوْفِ مِن شِقاقٍ خاصٍّ؛ وهو أنْ يَكُونَ البَيْنُ المُضافُ إلَيْهِما - وهو الَّذِي يُمَيِّزُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآخَرِ - لا تُمْكِنُ في العادَةِ إزالَتُهُ؛ لِيَكُونا شَيْئًا واحِدًا؛ كَما كانا لا بَيْنَ لَهُما؛ وذَلِكَ بِظَنِّ أنَّهُ لا صَلاحَ في اجْتِماعِهِما؛ ﴿فابْعَثُوا﴾؛ أيْ: إلَيْهِما؛ لِلْإصْلاحِ بَيْنَهُما؛ بِإنْصافِ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ؛ ﴿حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾؛ أيْ: الزَّوْجِ؛ ﴿وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾؛ أيْ: الزَّوْجَةِ؛ هَذا أكْمَلُ لِأنَّ أهْلَهُما أقْرَبُ إلى إزالَةِ أسْبابِ الشِّقاقِ مِن بَيْنِهِما؛ لِأنَّهم أجْدَرُ بِالِاطِّلاعِ عَلى بَواطِنِ أُمُورِهِما؛ وعَلى حَقائِقِ أحْوالِهِما؛ والزَّوْجانِ أقْرَبُ إلى إطْلاعِهِما إنْ كانا قَرِيبَيْنِ عَلى ضَمائِرِهِما؛ وأقْرَبُ إلى إخْفاءِ ذَلِكَ عَنِ الأجانِبِ؛ وفائِدَةُ الحَكَمَيْنِ أنْ يَخْلُوَ كُلٌّ مِنهُما بِصاحِبِهِ؛ ويَسْتَكْشِفَ حَقِيقَةَ الحالِ؛ لِيَعْرِفَ وجْهَ الصَّلاحِ.
ثُمَّ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: وماذا عَسى أنْ يُضِيفا؟ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يُرِيدا﴾؛ أيْ: الحَكَمانِ؛ ﴿إصْلاحًا﴾؛ أيْ: بَيْنَهُما؛ وكَأنَّهُ نَكَّرَهُ لِأنَّ الإخْلاصَ؛ ووُجُودَ الكَمالِ؛ قَلِيلٌ؛ ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِعِلْمِ الغَيْبِ؛ والشَّهادَةِ؛ ﴿بَيْنِهِما﴾؛ أيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ لِأنَّ صَلاحَ النِّيَّةِ أكْبَرُ مُعِينٍ (p-٢٧٤)عَلى بُلُوغِ المَقاصِدِ؛ وهَذا دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِاللَّهِ؛ وأنَّ الأسْبابَ إنَّما هي مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ يَسْعَدُ بِها مَن يُباشِرُها؛ ويَعْتَمِدُ عَلى اللَّهِ دُونَها؛ ويَشْقى بِها مَن يَجْعَلُها مَحَطَّ قَصْدِهِ؛ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْها.
ولَمّا كانَ المُصْلِحُ قَدْ يُظَنُّ مُفْسِدًا لِصَدْعِهِ بِمَرِّ الحَقِّ مِن غَيْرِ مُداراةٍ؛ والمُفْسِدُ قَدْ يُعَدُّ مُصْلِحًا لِما يُرى مِنهُ مِنَ المُداهَنَةِ؛ والمُراءاةِ؛ والمَكْرِ؛ فَيَظُنُّ مَن يُخْلِفُ الوَعْدَ بِالتَّوْفِيقِ غَيْرَ ما في نَفْسِ الأمْرِ؛ قالَ (تَعالى) - مُزِيلًا لِهَذا الوَهْمِ؛ مُرَغِّبًا؛ ومُرَهِّبًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا؛ عَلى ما يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ؛ وإنْ غابَ عَنْ غَيْرِهِ؛ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خَفِيٌّ؛ ولا يَغِيبُ عَنْهُ خَبِيءٌ؛ فَصارَتْ هَذِهِ الآياتُ كَفِيلَةً بِغالِبِ أحْوالِ النِّكاحِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الطَّلاقَ عِنْدَما ذَكَرَ الشِّقاقَ؛ لِتَقَدُّمِهِ في ”البَقَرَةِ“؛ ولِأنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ والتَّوادِّ؛ دُونَ التَّفاصُلِ والتَّرادِّ؛ كَما قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ؛ ولِهَذا - أيْ: لِبِناءِ السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ والِائْتِلافِ؛ دُونَ التَّفاصُلِ؛ والِاخْتِلافِ - خَصَّتْ مِن حُكْمِ تَشاجُرِ الزَّوْجَيْنِ بِالإعْلامِ بِصُورَةِ الإصْلاحِ؛ والعَدالَةِ؛ إبْقاءً لِذَلِكَ التَّواصُلِ؛ فَلَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ (p-٢٧٥)لِيُناسِبَ هَذا؛ فَلَمْ يَقَعْ لَهُ هُنا ذِكْرٌ؛ ولا إيماءٌ؛ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]؛ انْتَهى.
4:36Page 84
۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦
Worship Allāh and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side,1 the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allāh does not like those who are self-deluding and boastful,
ولَمّا كَثُرَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ الوَصايا؛ مِن أوَّلِها إلى هُنا؛ بِنَتِيجَةِ التَّقْوى - العَدْلِ والفَضْلِ؛ والتَّرْغِيبِ في نَوالِهِ؛ والتَّرْهِيبِ مِن نَكالِهِ - إلى أنْ خَتَمَ ذَلِكَ بِإرْشادِ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ بِالحُسْنى؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِما هو في الذِّرْوَةِ مِن حُسْنِ الخِتامِ؛ مِن صِفَتَيِ العِلْمِ والخَبْرِ؛ وكانَ ذَلِكَ في مَعْنى ما خُتِمَ بِهِ الآيَةُ الآمِرَةُ بِالتَّقْوى؛ مِنَ الوَصْفِ بِالرَّقِيبِ؛ اقْتَضى ذَلِكَ تَكْرِيرَ التَّذْكِيرِ بِالتَّقْوى؛ الَّتِي افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالأمْرِ بِها؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ - حَتْمًا -: فاتَّقُوهُ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - أوْ عَلى نَحْوِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]؛ أوْ عَلى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] - الخُلُقَ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ المَبْثُوثِينَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ؛ وهو العِبادَةُ الخالِصَةُ الَّتِي هي الإحْسانُ في مُعامَلَةِ الخالِقِ؛ وأتْبَعَها الإحْسانَ في مُعامَلَةِ الخَلائِقِ؛ فَقالَ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: أطِيعُوا الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ؛ طاعَةً مَحْضَةً؛ مِن غَيْرِ شائِبَةِ خِلافٍ؛ مَعَ الذُّلِّ والِانْكِسارِ؛ لِأنَّ مِلاكَ ذَلِكَ كُلِّهِ التَّعَبُّدُ بِامْتِثالِ الأوامِرِ؛ واجْتِنابِ الزَّواجِرِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - غَنِيًّا؛ لَمْ يَقْبَلْ إلّا الخالِصَ؛ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما أفْهَمَهُ (p-٢٧٦)ما قَبْلَهُ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
ولَمّا أمَرَ لِلْواحِدِ الحَقِيقِيِّ بِما يَنْبَغِي لَهُ؛ وكانَ لِذَلِكَ دَرَجَتانِ: أُولاهُما الإيمانُ؛ وأعْلاهُما الإحْسانُ؛ فَصارَ المَأْمُورُ بِذَلِكَ مَخْلِصًا في عِبادَتِهِ؛ أمَرَهُ بِالإحْسانِ في خِلافَتِهِ؛ وبَدَأ بِأوْلى النّاسِ بِذَلِكَ؛ وهو مَن جَعْلَهُ سَبَبًا لِإيجادِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَرْضى لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا دَرَجَةَ الإحْسانِ؛ وإلى أنَّ مَن أخْلَصَ لَهُ أغْناهُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلا يَزالُ مُنْعِمًا عَلى مَن عَداهُ -: ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾؛ أيْ: وأحْسِنُوا بِهِما؛ ﴿إحْسانًا﴾؛ وكَفى دَلالَةً عَلى تَعْظِيمِ أمْرِهِما جَعْلُ بِرِّهِما قَرِينَ الأمْرِ بِتَوْحِيدِهِ - سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى الصِّلَةِ؛ لا سِيَّما لِذِي الرَّحِمِ؛ قالَ - مُفَصِّلًا لِما ذُكِرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ -: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾؛ لِتَأكُّدِ حَقِّهِمْ؛ بِمَزِيدِ قُرْبِهِمْ؛ ولِاقْتِضاءِ هَذِهِ السُّورَةِ مَزِيدَ الحَثِّ عَلى التَّعاطُفِ؛ أعادَ الجارَّ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ مَن تَجِبُ مُراعاتُهُ لِلَّهِ؛ أوْ لِمَعْنًى تَفْسُدُ بِالإخْلالِ بِهِ ذاتُ البَيْنِ؛ وبَدَأ بِما لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ إذا صَحَّ تَبِعَهُ غَيْرُهُ؛ فَقالَ: ﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾؛ أيْ: وإنْ لَمْ تَكُنْ رَحِمُهم مَعْرُوفَةً؛ وخَصَّهم لِضَعْفِهِمْ؛ وقَدَّمَ اليَتِيمَ لِأنَّهُ أضْعَفُ؛ لِأنَّهُ لِصِغَرِهِ يَضْعُفُ عَنْ دَفْعِ حاجَتِهِ؛ ورَفْعِها إلى غَيْرِهِ؛ ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾؛ أيْ: لِأنَّ لَهُ حَقَّيْنِ؛ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ (p-٢٧٧)؛ أيْ: الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ؛ لِلْبَلْوى بِعِشْرَتِهِ؛ خَوْفًا مِن بالِغِ مَضَرَّتِهِ: «”اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن جارِ السُّوءِ؛ في دارِ المُقامَةِ؛ فَإنَّ جارَ البادِيَةِ يَتَحَوَّلُ“؛» ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾؛ أيْ: المُلاصِقِ؛ المُخالِطِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِامْتِدادِ العِشْرَةِ؛ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: المُسافِرِ؛ لِغُرْبَتِهِ؛ وقِلَّةِ ناصِرِهِ؛ ووَحْشَتِهِ؛ ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ العَبِيدِ؛ والإماءِ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الإحْسانَ إلَيْهِمْ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ؛ آخِرُ ما تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةُ؛ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم.
ولَمّا ذَكَرَ الإحْسانَ؛ الَّذِي عِمادُهُ التَّواضُعُ والكَرَمُ؛ خَتَمَ الآيَةَ - تَرْغِيبًا فِيهِ؛ وتَحْذِيرًا مِن مَنعِهِ؛ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِهِ - بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ ﴿لا يُحِبُّ﴾؛ أيْ: لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ؛ مَعَ ﴿مَن كانَ مُخْتالا﴾؛ أيْ: مُتَكَبِّرًا؛ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ؛ مُتَزَيِّنًا بِحِلْيَتِهِ؛ مُرائِيًا بِما آتاهُ اللَّهُ (تَعالى) مِن فَضْلِهِ؛ عَلى وجْهِ العَظَمَةِ؛ واحْتِقارِ الغَيْرِ؛ يَأْنَفُ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ أقارِبُهُ الفُقَراءُ؛ ويُقْذِرُ جِيرانَهُ إذا كانُوا ضُعَفاءَ؛ فَلا يُحْسِنُ إلَيْهِمْ؛ لِئَلّا يُلِمُّوا بِهِ فَيُعَيَّرَ بِهِمْ.
ولَمّا كانَ المُخْتالُ رُبَّما أحْسَنَ رِياءً؛ قالَ - مُعْلِمًا أنَّهُ لا يَقْبَلُ إلّا الخالِصَ -: ﴿فَخُورًا﴾؛ مُبالِغًا في التَّمَدُّحِ بِالخِصالِ؛ يَأْنَفُ مِن عِشْرَةِ الفُقَراءِ؛ (p-٢٧٨)وفِي ذَلِكَ أتَمُّ تَرْهِيبٍ مِنَ الخُلُقِ المانِعِ مِنَ الإحْسانِ؛ وهو الِاخْتِيالُ عَلى عِبادِ اللَّهِ؛ والِافْتِخارُ عَلَيْهِمُ؛ ازْدِراءً بِهِمْ؛ فَإنَّهُ لا مُقْتَضى لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الكُلَّ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ والفَضْلُ نِعْمَةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ يَجِبُ شُكْرُها بِالتَّواضُعِ؛ لِتَدُومَ؛ ويُحْذَرُ كُفْرُها بِالفَخارِ؛ خَوْفًا مِن أنْ تَزُولَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences