Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:47–59

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:47–59

4:47Page 86

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.

ولَمّا بَكَّتَهم عَلى فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ وصَرَّحَ بِلَعْنِهِمْ؛ خَوَّفَهم إظْهارَ ذَلِكَ في الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ؛ فَقالَ - مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ إقْبالَ الغَضَبِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ﴾؛ مُنادِيًا لَهم مِن مَحَلِّ البُعْدِ؛ ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ ولَمْ يُسْنِدِ الإيتاءَ إلَيْهِ؛ تَحْقِيرًا لَهُمْ؛ ولَمْ يَكْتَفِ بِنَصِيبٍ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يَكْفِي في العِلْمِ (p-٢٩٥)بِالمُصادَقَةِ إلّا الجَمِيعُ؛ ﴿آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: تَدْرِيجًا؛ كَما نَزَّلْنا التَّوْراةَ كَذَلِكَ؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ في إعْجازِهِ؛ وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ؛ ودَقائِقِ العُلُومِ؛ مِمّا عِنْدَكُمْ؛ وغَيْرِهِ؛ عَلى رَشاقَتِهِ وإيجازِهِ؛ وأعْلَمَ بِعِنادِهِمْ؛ وحَسَدِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾؛ مِن حَيْثُ أنَّهم لَهُ مُسْتَحْضِرُونَ؛ وبِهِ في حَدِّ ذاتِهِ مُقِرُّونَ.

ولَمّا أمَرَهُمْ؛ وقَطَعَ حُجَّتَهُمْ؛ حَذَّرَهُمْ؛ فَقالَ - مُخَفِّفًا عَنْهم بِالإشارَةِ بِحَرْفِ الجَرِّ إلى أنَّهُ مَتى وقَعَ مِنهم إيمانٌ؛ في زَمَنٍ مِمّا قَبْلَ الطَّمْسِ؛ أخَّرَهُ عَنْهم -: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ﴾؛ أيْ: نَمْحُوَ؛ ﴿وُجُوهًا﴾؛ فَإنَّ الطَّمْسَ في اللُّغَةِ: المَحْوُ؛ وهو يَصْدُقُ بِتَغْيِيرِ بَعْضِ الكَيْفِيّاتِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَنَرُدَّها﴾؛ فالتَّقْدِيرُ: ”مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ أثَرَ وُجُوهٍ؛ بِأنْ نَرُدَّها“؛ ﴿عَلى أدْبارِها﴾؛ أيْ: بِأنْ نَجْعَلَ ما إلى جِهَةِ القُبُلِ مِنَ الرَّأْسِ؛ إلى جِهَةِ الدُّبُرِ؛ وما إلى الدُّبُرِ إلى جِهَةِ القُبُلِ؛ مَعَ إبْقاءِ صُورَةِ الوَجْهِ عَلى ما هي عَلَيْهِ؛ أوْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّدِّ عَلى الدُّبُرِ النَّقْلُ مِن حالٍ إلى ما دُونَها مِن ضِدِّها؛ بِجَعْلِها عَلى حالِ القَفا؛ لَيْسَ فِيها مَعْلَمٌ؛ مِن فَمٍ ولا غَيْرِهِ؛ لِيَكُونَ المَعْنِيُّ بِالطَّمْسِ مَسْحَ ما في الوَجْهِ مِنَ المَعانِي؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ: ”نَطْمِسُ“: نَمْسَحُها؛ فَنُسَوِّيها؛ فَلا يُرى فِيها عَيْنٌ؛ ولا أنْفٌ؛ ولا فَمٌ؛ ولا شَيْءٌ مِمّا يُرى في الوَجْهِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]؛ المَطْمُوسُ العَيْنِ: الَّذِي (p-٢٩٦)لَيْسَ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شَقٌّ؛ ويُقالُ: ”طَمَسْتُ الكِتابَ؛ والأثَرَ“؛ فَلا يُرى مِنهُ شَيْءٌ؛ ويَكُونُ الوَجْهُ في هَذا التَّقْدِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ خَوَّفَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ الطَّمْسِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”نَرُدَّها“ -: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾؛ أيْ: نُبْعِدَهم جِدًّا عَنْ صُورَةِ البَشَرِ؛ بِأنْ نُقَلِّبَ وُجُوهَهُمْ؛ أوْ جَمِيعَ ذَواتِهِمْ؛ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ؛ ﴿كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾؛ إذْ قُلْنا لَهُمْ: ”كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ“؛ ويَكُونُ الوَجْهُ في هَذا التَّقْدِيرِ الأخِيرِ عِبارَةً عَنِ الجُمْلَةِ؛ فَهو إذَنْ مِمّا اسْتُعْمِلَ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الوُجَهاءِ؛ فَيَكُونَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ اسْتِخْدامًا؛ ويَكُونَ المُرادُ بِالرَّدِّ عَلى الأدْبارِ جَعَلَهم أدْنِياءَ صَغَرَةً؛ مِنَ الأسافِلِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا غَرِيبًا ومَقْدُورًا عَجِيبًا؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ كانَ أمْرُ اللَّهِ فِيهِمْ بِذَلِكَ - كَما عَلِمْتُمْ - نافِذًا“؛ أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ؛ وأنَّ وُجُوهَ مَقْدُوراتِهِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتَهُ -: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: حُكْمُهُ؛ وقَضاؤُهُ؛ ومُرادُهُ في كُلِّ شَيْءٍ شاءَ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَهُ العَظَمَةَ الَّتِي لا حَدَّ لَها؛ والكِبْرِياءَ الَّتِي تُعْيِي الأوْصافَ دُونَها؛ ﴿مَفْعُولا﴾؛ أيْ: كائِنًا حَتْمًا؛ لا تَخَلُّفَ (p-٢٩٧)لَهُ أصْلًا؛ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ؛ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ وقَدْ آمَنَ بَعْضُهم فَلَمْ يَصِحَّ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم إيمانٌ.

4:48Page 86

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.

ولَمّا كانُوا مَعَ ارْتِكابِهِمُ العَظائِمَ يَقُولُونَ: ”سَيُغْفَرُ لَنا“؛ وكانَ امْتِثالُهم لِتَحْرِيفِ أحْبارِهِمْ؛ ورُهْبانِهِمْ؛ شِرْكًا بِاللَّهِ - كَما قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ قالَ - مُعَلِّلًا لِتَحْقِيقِ وعِيدِهِمْ؛ مُعْلِمًا أنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن تَحْرِيفِهِمْ أدّاهم إلى الشِّرْكِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ؛ إلى المَوْتِ؛ سَواءٌ كانَ المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ أمْ لا؛ وزادَ ذَلِكَ حُسْنًا أنَّهُ في سِياقِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]

ولَمّا أخْبَرَ بِعَدْلِهِ؛ أخْبَرَ بِفَضْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾؛ الأمْرِ الكَبِيرِ العَظِيمِ؛ مِن كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً؛ أوْ كَبِيرَةً؛ سَواءٌ تابَ فاعِلُها؛ أوْ لا؛ ورَهَّبَ بِقَوْلِهِ - إعْلامًا بِأنَّهُ مُخْتارٌ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ -: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ﴾؛ أيْ: يُوجَدْ مِنهُ شِرْكٌ في الحالِ؛ أوِ المَآلِ؛ وأمّا الماضِي فَجَبَّتْهُ التَّوْبَةُ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ (p-٢٩٨)دُونَهُ؛ ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾؛ أيْ: تَعَمَّدَ كَذِبًا؛ ﴿إثْمًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا في نَفْسِهِ؛ مِن جِهَةِ عِظَمِهِ أنَّهُ قَدْ مَلَأ أقْطارَ نَفْسِهِ؛ وقَلْبِهِ؛ ورُوحِهِ؛ وبَدَنِهِ؛ مُظْهِرًا لِلْغَيْرِ أنَّهُ إثْمٌ؛ فَهو في نَفْسِهِ مُنادٍ بِأنَّهُ باطِلٌ مُصِرٌّ؛ فَلَمْ يَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا؛ فَلَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ العَفْوَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ قادِحٌ في المَلِكِ؛ وإنَّما طَوى مُقَدِّمَةَ الضَّلالِ؛ وذَكَرَ مُقَدِّمَةَ الِافْتِراءِ - لِكَوْنِ السِّياقِ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ضَلالُهم عَلى عِلْمٍ مِنهُمْ؛ وتَعَمُّدٍ وعِنادٍ؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي عَنِ العَرَبِ -؛ وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ اسْتِكْفافٌ؛ مَعَ اسْتِعْطافٍ؛ واسْتِجْلابٍ؛ في اسْتِرْهابٍ.

4:49Page 86

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

ولَمّا كانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادِينَ بِهَذِهِ الآياتِ مِن أهْلِ الكِتابِ أضَلُّ النّاسِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم أهْدى النّاسِ؛ عَجِبَ مِنهُمْ؛ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ افْتِرائِهِمْ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأبْعَدَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَيْسَ لَهُمْ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ فَإنَّ إبْعادَ غَيْرِهِمْ (p-٢٩٩)فِي المَيْلِ مُصَحِّحٌ لِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم بِالباطِلِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقَدَّمَ وغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ: ”لَيْسَ لَهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ؛ وظَلَمُوا“؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العِلْمِ التّامِّ؛ والقُدْرَةِ الشّامِلَةِ؛ والحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ والعَدْلِ السَّوِيِّ؛ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ؛ وبِخَلْقِ مَعانِي الخَيْرِ الظّاهِرَةِ فِيهِ؛ لِتَنْشَأ عَنْها الأعْمالُ الصّالِحَةُ؛ فَإذا زَكّى أحَدًا مِن أصْفِيائِهِ بِشَيْءٍ؛ كالنُّبُوَّةِ؛ كانَ لَهُ أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ؛ حَمْلًا عَلى ما يَنْفَعُ النّاسَ بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمْ؛ أوْ يُدَسِّيهِمْ؛ لا ﴿يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾؛ أيْ: مِقْدارَ ما في شِقِّ النَّواةِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ المَفْتُولِ؛ أيْ: قَلِيلًا؛ ولا كَثِيرًا؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّونَ؛ وهو الحَكَمُ العَدْلُ؛ الغَنِيُّ عَنِ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ.

4:50Page 86

ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠

Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ التَّزْكِيَةَ إنَّما هي إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ والعِلْمِ الشّامِلِ؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا لا نِزاعَ فِيهِ؛ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ؛ وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كَلامُهُ؛ بِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ في حالَتَيِ الإطْنابِ؛ والإيجازِ؛ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ؛ فَزادَ في تَوْبِيخِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَجِّبًا لِرَسُولِهِ ﷺ (p-٣٠٠)مِن وقاحَتِهِمْ؛ واجْتِرائِهِمْ عَلى مَن يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ؛ ويَقْدِرُ عَلى مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ؛ مُبَيِّنًا أنَّهُ ﷺ في الحَضْرَةِ؛ بَعْدَ بَيانِ بُعْدِهِمْ -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ خَوْفٍ مِنهم لِذَلِكَ عاقِبَةً؛ ﴿وكَفى﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَفى؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِهَذا الكَذِبِ؛ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: واضِحًا في نَفْسِهِ؛ ومُنادِيًا عَلَيْها بِالبُطْلانِ.

4:51Page 86

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

ولَمّا عَجِبَ مِن كَذِبِهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وكانَ الأصْلُ: إلَيْهِمْ؛ ولَكِنَّهُ قالَ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ؛ والتَّوْبِيخِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ كُفْرَهم عِنادٌ؛ لِكَوْنِهِ عَنْ عِلْمٍ -: ﴿إلى الَّذِينَ﴾؛ وعَبَّرَ بِـ ”إلى“؛ دَلالَةً عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الحَضْراتِ الشَّرِيفَةِ؛ ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو الكِتابُ في الحَقِيقَةِ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ﴾؛ وهو الصَّنَمُ؛ والكاهِنُ؛ والسّاحِرُ؛ والَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ؛ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ﴿والطّاغُوتِ﴾؛ وهو اللّاتُ؛ والعُزّى؛ والكاهِنُ؛ والشَّيْطانُ؛ وكُلُّ رَأْسِ ضَلالٍ؛ والأصْنامُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي تَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ وهي مِمّا نُهِيَ عَنْهُ في كِتابِهِمْ - وأصْلُهُ ومَدارُهُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ عُدْوانًا؛ وهو واحِدٌ؛ وقَدْ يَكُونُ جَمْعًا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] -؛ والحالُ أنَّ أقَلَّ نَصِيبٍ مِنَ الكِتابِ كافٍ في النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ؛ وتَكْفِيرِ فاعِلِهِ. (p-٣٠١)ولَمّا دَلَّ عَلى ضَلالِهِمْ؛ دَلَّ عَلى إضْلالِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ دَلالَةً عَلى عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ -: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ ودَلَّ بِالتَّعْبِيرِ بِالإشارَةِ؛ دُونَ الخِطابِ؛ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ حَتّى في غَيْبَتِهِمْ؛ حَيْثُ لا حامِلَ لَهم عَلى القَوْلِ إلّا مَحْضُ الكُفْرِ؛ فَقالَ: ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةُ العابِدُونَ لِلْأصْنامِ؛ ﴿أهْدى﴾؛ أيْ: أقْوَمُ في الهِدايَةِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةِ؛ فَيُفْهَمُ ذَمُّهم بِالتَّفْضِيلِ عَلى الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَ؛ ومَن فَوْقَهم مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ مَعَ أنَّ في كِتابِهِمْ - مِن إبْطالِ الشِّرْكِ؛ وهَدْمِهِ؛ وعَيْبِ مُدانِيهِ؛ وذَمِّهِ؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ - تَأْكِيدًا أكِيدًا؛ وأمْرًا عَظِيمًا شَدِيدًا.

4:52Page 87

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢

Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.

ولَمّا أنْتَجَ ذَلِكَ خِزْيَهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنِ الحَضْراتِ الرَّبّانِيَّةِ؛ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: طَرَدَهم بِجَمِيعِ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ طَرْدًا هم جَدِيرُونَ بِأنْ يُخْتَصُّوا بِهِ؛ ولَمّا كانَ قَصْدُهم بِهَذا القَوْلِ مُناصَرَةَ المُشْرِكِينَ لَهُمْ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَنالُوا بِذَلِكَ اللَّعْنِ الذُّلَّ والصَّغارَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا؛ وكَرَّرَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ؛ إشْعارًا لِتَناهِي الكُفْرِ؛ (p-٣٠٢)الَّذِي هو أعْظَمُ المَعاصِي؛ بِتَناهِي الغَضَبِ.

4:53Page 87

أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”كَذَلِكَ كانَ مِن إلْزامِهِمُ الذُّلَّ؛ والصَّغارَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ﴾؛ أيْ: لَيْسَ؛ ﴿لَهم نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: واحِدٌ مِنَ الأنْصِباءِ؛ ﴿مِنَ المُلْكِ فَإذًا﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم إذا كانَ لَهم أدْنى نَصِيبٍ مِنهُ؛ ﴿لا يُؤْتُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ آمَنُوا؛ ﴿نَقِيرًا﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا؛ ولا الآخِرَةِ؛ مِن هُدًى ولا مِن غَيْرِهِ؛ و”النَّقِيرُ“: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ؛ قِيلَ: غايَةٌ في القِلَّةِ؛ فَهو كِنايَةٌ عَنِ العَدَمِ؛ فَهو بَيانٌ لِأنَّهم لِإفْراطِ بُخْلِهِمْ لا يَصْلُحُونَ إلّا لِما هم فِيهِ مِنَ الذُّلِّ؛ فَكَيْفَ بِدَرَجَةِ المُلْكِ؟ لِأنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ؛

4:54Page 87

أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤

Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.

﴿أمْ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ ما مِنَ المُلْكِ؛ بَلْ ذُلُّهم لازِمٌ؛ وصَغارُهم أبَدًا كائِنٌ؛ دائِمٌ؛ فَهم ﴿يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي جَمَعَ فَضائِلَ النّاسِ كُلِّهِمْ؛ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ؛ وزادَ عَلَيْهِمْ ما شاءَ اللَّهُ؛ أوِ العَرَبَ الَّذِينَ لا ناسَ (p-٣٠٣)الآنَ غَيْرُهُمْ؛ لِأنّا فَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ - بِأنْ يَتَمَنَّوْا دَوامَ ذُلِّهِمْ؛ كَما دامَ لَهم هُمْ؛ ودَلَّ عَلى نِهايَةِ حَسَدِهِمْ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ حَسَدُوهم لِما رَأوْا مِن إقْبالِ جَدِّهِمْ؛ وظُهُورِ سَعْدِهِمْ؛ وأنَّهم سادَةُ النّاسِ؛ وقادَةُ أهْلِ النَّدى والبَأْسِ:

؎إنَّ العَرانِينَ تَلْقاها مُحَسَّدَةً ∗∗∗ ولَنْ تَرى لِلِئامِ النّاسِ حُسّادا

وقَدْ آتاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَمِيعَ أنْواعِ المُلْكِ؛ فَإنَّهُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ مَعًا؛ وهو لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما لَهم مِن غايَةِ الجُودِ؛ والكَرَمِ؛ والرَّحْمَةِ؛ والشَّفَقَةِ؛ والشَّفاعَةِ؛ والبِرِّ؛ واللُّطْفِ؛ الَّتِي كُلٌّ مِنها سَبَبٌ لِلِانْقِيادِ؛ وذَلِكَ مَعَ ما لَهم بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن تَمامِ الوَصْلَةِ؛ ومُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ المُلُوكِ؛ ومُلْكٌ عَلى البَواطِنِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ العُلَماءِ.

ولَمّا ذَمَّهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - أوَّلًا بِالجَهْلِ؛ ومَدْحِ النَّفْسِ؛ تَشَبُّعًا بِما لَمْ يُعْطُوا؛ وذَلِكَ سَبَبٌ لِجَمِيعِ النَّقائِصِ؛ وثانِيًا بِأعْظَمَ مِنهُ: مَنعِ الحَقِّ مِن أهْلِهِ بُخْلًا؛ وثالِثًا بِأعْظَمَ مِنهُما: تَمَنِّي ألّا يَصِلَ إلى أحَدٍ نِعْمَةٌ؛ وإنْ كانَتْ لا تَنْقُصُهُمْ؛ فَحازُوا بِذَلِكَ أعْلى خِلالِ الذَّمِّ؛ وكانَتِ (p-٣٠٤)المَساوِي تَضَعُ؛ والمَحاسِنُ تَرْفَعُ؛ تَسَبَّبَ عَنْ هَذا تَوَقُّعُ السّامِعِ لِإعْلاءِ العَرَبِ؛ وإدامَةِ ذُلِّ اليَهُودِ؛ ومَوْتِهِمْ بِحَسَدِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَقَدْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا؛ وتَعَقَّبَهُ أنّا آتَيْناهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّوْصِيفِ الَّذِي شارَكُوهم بِهِ في اسْتِحْقاقِ الفَضائِلِ؛ فَقالَ: ﴿آتَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أعْلَمْناكم في كِتابِكم أنّا أقْسَمْنا لَهُ أنّا نُعِزُّ ذُرِّيَّتَهُ؛ ونَهْدِيهِمْ؛ ونَجْعَلُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ حالًّا عَلى جَمِيعِ حُدُودِ إخْوَتِهِ؛ ويَدَهُ في جَمِيعِ النّاسِ؛ ويَدَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ؛ ويَدَ كُلٍّ بِهِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كِتابَ إلّا هُوَ؛ لِما لَهُ مِنَ الحِفْظِ والفَضْلِ؛ بِالإعْجازِ والفَصْلِ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: النُّبُوَّةَ الَّتِي ثَمَرَتُها العَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ المُحَرَّرِ المُحْكَمِ؛ ﴿وآتَيْناهُمْ﴾؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: ضَخْمًا؛ واسِعًا؛ باقِيًا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ؛

4:55Page 87

فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥

And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ آلِ إبْراهِيمَ؛ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾؛ وهم أغْلَبُ العَرَبِ؛ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾؛ أيْ: أعْرَضَ بِنَفْسِهِ؛ وصَدَّ غَيْرَهُ؛ كَبَنِي إسْرائِيلَ؛ وبَعْضِ العَرَبِ.

ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ مِنَ السِّياقِ أنَّ الطّاعِنَ فِيهِ مَيِّتٌ بِحَسَدِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَضُرَّهُ بِأمْرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ لِبَيانِ أمْرِهِمْ في الآخِرَةِ: ”فَحَكَمْنا أنْ تُسَعَّرَ بِهِمُ النّارُ؛ بَعْدَ الذُّلِّ في هَذِهِ الدّارِ؛ والهَوانِ والصَّغارِ“؛ عَطَفَ (p-٣٠٥)عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾؛ أيْ: تَوَقُّدًا؛ والتِهابًا في غايَةِ الإحْراقِ؛ والعُسْرِ؛ والإسْراعِ إلى الأذى؛ وفي آيَةِ الطّاغُوتِ أنَّهم سَمَحُوا بِبَدَلِ الدِّينِ - وهو لا أعَزَّ مِنهُ عِنْدَ الإنْسانِ - في شَهادَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ بِالهِدايَةِ؛ وفي آيَةِ المُلْكِ الإيماءُ إلى أنَّهم في الحَضِيضِ مِنَ الشُّحِّ بِالخَسِيسِ الفانِي؛ وفي آيَةِ الحَسَدِ أنَّهُ لَمْ يَكْفِهِمُ التَّوَطُّنُ في حَضِيضِ الشُّحِّ بِما أُوتُوا؛ مَعَ الغِنى؛ حَتّى سَفَلُوا عَنْهُ إلى أدْنى مِن ذَلِكَ بِالحَسَدِ لِمَن آتاهُ اللَّهُ ما لا يَنْقُصُهم.

4:56Page 87

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.

ولَمّا أثْبَتَ لِمَن صَدَّ عَنْهُ النّارَ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما أظْهَرَتْهُ عُقُولُهم بِسَبَبِها؛ ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِوَعِيدٍ ثابِتٍ؛ وإنْ طالَ مَعَهُ الإمْهالُ؛ ﴿نارًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ النّارُ - عَلى ما نَعْهَدُهُ - مُفْنِيَةً؛ ماحِقَةً؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - رَدًّا لِذَلِكَ -: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾؛ أيْ: صارَتْ بِحَرِّها إلى حالَةِ اللَّحْمِ النَّضِيجِ؛ الَّذِي أدْرَكَ أنْ يُؤْكَلَ؛ فَصارَتْ كاللَّحْمِ المَيِّتِ الَّذِي يَكُونُ في الجُرْحِ؛ فَلا يُحِسُّ بِالألَمِ؛ ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلْنا لَهُمْ؛ ﴿جُلُودًا غَيْرَها﴾؛ أيْ: غَيْرَ النَّضِيجَةِ؛ بَدَلًا مِنها؛ بِأنْ أعَدْناها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ تَسْلِيطِ النّارِ عَلَيْها؛ (p-٣٠٦)كَما إذا صُغْتَ مِن خاتَمٍ خاتَمًا عَلى غَيْرِ هَيْئَتِهِ؛ فَإنَّهُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الفِضَّةَ واحِدَةٌ؛ وهو غَيْرُهُ لِأنَّ الهَيْئَةَ مُتَغايِرَةٌ؛ وهَكَذا الجِلْدُ الثّانِي؛ مُغايِرٌ لِلنَّضِيجِ في الهَيْئَةِ؛ ﴿لِيَذُوقُوا﴾؛ أيْ: أصْحابُ الجُلُودِ المَقْصُودُونَ بِالعَذابِ؛ ﴿العَذابَ﴾؛ أيْ: لِيَدُومَ لَهم تَجَدُّدُ ذَوْقِهِ؛ فَتُجَدَّدُ لَهم مَشاهَدَةُ الإعادَةِ بَعْدَ البِلى كُلَّ وقْتٍ؛ كَما كانُوا يُجَدِّدُونَ التَّكْذِيبَ بِذَلِكَ كُلَّ وقْتٍ؛ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يُعِدْ مِنهم ما وهي لَأدّاهُ وهْيُهُ إلى البِلى؛ ولَوْ بَلِيَ مِنهم شَيْءٌ لَبَلُوا كُلُّهُمْ؛ فانْقَطَعَ عَذابُهم.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ؛ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يُتْقِنُ صُنْعَهُ؛ فَجُعِلَ عَذابُهم عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّ عَزائِمَهم كانَتْ عَلى دَوامِهِمْ عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ ما بَقُوا.

4:57Page 87

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

ولَمّا ذَكَرَ التَّرْهِيبَ بِعِقابِ الكافِرِينَ؛ أتْبَعَهُ التَّرْغِيبَ بِثَوابِ المُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ﴿وعَمِلُوا﴾؛ بَيانًا لِصِدْقِهِمْ فِيهِ؛ ﴿الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ورُبَّما أفْهَمَ التَّنْفِيسُ لَهم بِالسِّينِ؛ دُونَ ”سَوْفَ“ - كَما في الكافِرِينَ -؛ أنَّهم أقْصَرُ الأُمَمِ (p-٣٠٧)مُدَّةً؛ أوْ أنَّهم أقْصَرُهم أعْمارًا؛ إراحَةً لَهم مِن دارِ الكَدَرِ؛ إلى مَحَلِّ الصَّفاءِ؛ وأنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ جَمِيعِ الفِرَقِ النّاجِيَةِ مِن أهْلِ المَوْقِفِ؛ ﴿جَنّاتٍ﴾؛ أيْ: بَساتِينَ؛ ووَصَفَها بِما يُدِيمُ بَهْجَتَها؛ ويُعَظِّمُ نَضْرَتَها؛ وزَهْرَتَها؛ فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: إنَّ أرْضَها في غايَةِ الرِّيِّ؛ كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها صالِحٌ لِأنْ يَجْرِيَ مِنهُ نَهْرٌ.

ولَمّا ذَكَرَ قِيامَها؛ وما بِهِ دَوامُها؛ أتْبَعَهُ ما تَهْواهُ النُّفُوسُ مِنَ اسْتِمْرارِ الإقامَةِ بِها؛ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ١٢٢]؛ ولَمّا وصَفَ حُسْنَ الدّارِ؛ ذَكَرَ حُسْنَ الجارِ؛ فَقالَ: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ﴾؛ والمُطَّرِدُ في وصْفِ جَمْعِ القِلَّةِ لِمَن يَعْقِلُ الألِفُ والتّاءُ؛ فَعَدَلَ هُنا عَنْ ذَلِكَ إلى الوَحْدَةِ لِإفْهامِ أنَّهُنَّ لِشِدَّةِ المُوافَقَةِ في الطُّهْرِ كَذاتٍ واحِدَةٍ؛ فَقِيلَ: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾؛ أيْ: مُتَكَرِّرٌ طُهْرُها؛ لا تُوجَدُ وقْتًا ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَتِ الجِنانُ في الدُّنْيا لا تَحْسُنُ إلّا بِتَمَكُّنِ الشَّمْسِ مِنها؛ وكانَتِ الشَّمْسُ تَنْسَخُ الظِّلَّ فَتَخْرُجُ إلى التَّحَوُّلِ إلى مَكانٍ آخَرَ؛ ورُبَّما آذى حَرُّها؛ أمَّنَ مِن ذَلِكَ فِيها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ونُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: فِيها؛ ﴿ظِلا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ظَلِيلا﴾ (p-٣٠٨)؛ أيْ: مُتَّصِلًا؛ لا فُرَجَ فِيهِ؛ مُنْبَسِطًا لا ضِيقَ مَعَهُ دائِمًا؛ لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ يَوْمًا ما؛ ولا حَرَّ فِيهِ؛ ولا بَرْدَ؛ بَلْ هو في غايَةِ الِاعْتِدالِ.

4:58Page 87

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨

Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.

ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالإحْسانِ والعَدْلِ في النِّساءِ؛ واليَتامى؛ في الإرْثِ وغَيْرِهِ؛ وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدِّماءِ؛ والأمْوالِ؛ والأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ وذِكْرُ خِيانَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وما أحَلَّ بِهِمْ لِذَلِكَ مِنَ العِقابِ؛ وذِكْرُ أنَّهُ آتى هَذِهِ الأُمَّةَ المُلْكَ المُقْتَضِيَ لِلْحُكْمِ؛ وآتاهُمُ الحِكْمَةَ بَعْدَ جَهْلِهِمْ؛ وضَعْفِهِمْ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذِ خِطابِهِ؛ بَعْدَما وعَدَهم عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ مِن كَرِيمِ ثَوابِهِ؛ بِما خَتَمَهُ بِالظِّلِّ المَوْعُودِ عَلى العَدْلِ؛ في حَدِيثِ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ“؛» فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾؛ أيْ: أيَّتُها الأُمَّةُ؛ ﴿أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ خِيانَةٍ ما؛ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ في كِتْمانِ ما عِنْدَهُمْ؛ والإخْبارِ بِغَيْرِهِ؛ و”الأمانَةُ“: كُلُّ ما وجَبَ لِغَيْرِكَ عَلَيْكَ.

ولَمّا أمَرَ بِما يَحِقُّ لِلْإنْسانِ في نَفْسِهِ؛ أمَرَ بِما يَحِقُّ لَهُ في مُعامَلَةِ غَيْرِهِ؛ (p-٣٠٩)وحَقَّقَ لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَرُومُونَهُ مِن أمْرِ المُلْكِ؛ بِقَوْلِهِ - بِأداةِ القَطْعِ؛ عاطِفًا شَيْئَيْنِ عَلى شَيْئَيْنِ -: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ﴾؛ وبَيَّنَ عُمُومَ مُلْكِهِمْ لِسائِرِ الأُمَمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ النّاسِ﴾؛ وبَيَّنَ المَأْمُورَ بِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾؛ أيْ: السَّواءِ؛ بِأنْ تَأْمُرُوا مَن وجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِأدائِهِ إلى مَن هو لَهُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الصّالِحاتِ المُوجِبَةِ لِحُسْنِ المَقِيلِ في الظِّلِّ الظَّلِيلِ؛ أخَرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظَلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ...“؛» الحَدِيثَ.

ولَمّا أخْبَرَهم بِأمْرِهِ زادَهم رَغْبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ مُعَبِّرًا أيْضًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ﴿نِعِمّا﴾؛ أيْ: نِعْمَ شَيْئًا عَظِيمًا؛ ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾؛ وحَثَّهم عَلى المُبادَرَةِ إلى حُسْنِ الِامْتِثالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ مُكَرِّرًا لِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ؛ لِيَجْتَهِدُوا في التَّرَقِّي في طَهارَةِ الأخْلاقِ إلى حَدٍّ لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُمْ؛ ولَمّا كانَ الرَّقِيبُ في الأماناتِ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ مِن يَدِ سَمْعٍ وعِلْمٍ؛ قالَ: ﴿كانَ﴾؛ أيْ: ولَمْ يَزَلْ؛ ولا يَزالُ؛ (p-٣١٠)﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: بالِغَ السَّمْعِ لِكُلِّ ما يَقُولُونَهُ؛ جَوابًا لِأمْرِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿بَصِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ البَصَرِ؛ والعِلْمِ بِكُلِّ ما يَفْعَلُونَهُ في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ مِنَ امْتِثالٍ وغَيْرِهِ.

4:59Page 87

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩

O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِالعَدْلِ؛ ورَغَّبَ فِيهِ؛ ورَهَّبَ مِن تَرْكِهِ؛ أمَرَ بِطاعَةِ المُتَنَصِّبِينَ لِذَلِكَ؛ الحامِلَةِ لَهم عَلى الرِّفْقِ بِهِمْ؛ والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ وبَدَأ بِما هو العُمْدَةُ في الحَمْلِ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿أطِيعُوا﴾؛ أيْ: بِمُوافَقَةِ الأمْرِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمُ الإيمانَ؛ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ في كِتابِهِ؛ مُسْتَحْضِرِينَ ما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ وعِظَمِ رُتْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ بِإعادَةِ العامِلِ؛ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فِيما حَدَّهُ لَكم في سُنَّتِهِ عَنِ اللَّهِ؛ وبَيَّنَهُ مِن كِتابِهِ؛ لِأنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ؛ ولِهَذا عَبَّرَ بِهِ؛ دُونَ النَّبِيِّ؛ ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: الحُكّامَ؛ فَإنَّ طاعَتَهم - فِيما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً - كَما أُشِيرَ إلى ذَلِكَ بِعَدَمِ إعادَةِ العامِلِ - مِن طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وطاعَتَهُ مِن طاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والعُلَماءُ مِن أُولِي الأمْرِ أيْضًا؛ وهُمُ العامِلُونَ؛ فَإنَّهم يَأْمُرُونَ بِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ.

(p-٣١١)ولَمّا أبانَ هَذا الحُكْمُ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ؛ أتْبَعَها القِياسَ؛ فَسَبَّبَ عَمّا تَقْدِيرُهُ: ”هَذا في الأُمُورِ البَيِّنَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ والَّتِي وقَعَ الإجْماعُ عَلَيْها“؛ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾؛ أيْ: لِإلْباسِهِ؛ فاخْتَلَفَتْ فِيهِ آراؤُكُمْ؛ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ بِالتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بِما شَرَعَهُ لَكم مِنَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ؛ لِيَفْتَحَ لَكم ما أُغْلِقَ مِنهُ؛ ويَهْدِيَكم إلى الحَقِّ مِنهُ؛ ﴿والرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩]؛ أيْ: الكامِلِ الرِّسالَةِ؛ بِالبَحْثِ عَنْ آثارِ رِسالَتِهِ؛ مِن نَصٍّ في ذَلِكَ بِعَيْنِهِ؛ أوْ أُولِي قِياسٍ؛ ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَرْتِيبِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ؛ عَلى ما هو فِيها؛ وعَلى إبْطالِ ما سِواها؛ وعُلِمَ مِن إفْرادِهِ (تَعالى)؛ وجَمْعِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أعْلامِ أُمَّتِهِ؛ أنَّ الأدَبَ تَوْحِيدُ اللَّهِ؛ حَتّى في مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ؛ وأكَّدَ البَيانَ لِدَعْوى الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ:﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: دائِمِينَ عَلى الإيمانِ؛ بِتَجْدِيدِهِ في كُلِّ أوانٍ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ الحامِلِ عَلى الطّاعَةِ؛ الحاجِزِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى عَظَمَةِ هَذا الأمْرِ؛ وعَمِيمِ نَفْعِهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُخَصِّصًا رَسُولَهُ ﷺ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: وغَيْرُهُ شَرٌّ؛ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾؛ أيْ: عاقِبَةً؛ أوْ (p-٣١٢)تَرْجِيعًا؛ ورَدًّا مِن رَدِّكم إلى ما يَقْتَضِيهِ قَوِيمُ العَقْلِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةٍ لِآثارِ الرِّسالَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ فَإنَّ في الأحْكامِ ما لا يَسْتَقِلُّ العَقْلُ بِإدْراكِهِ؛ إلّا بِمَعُونَةِ الشَّرْعِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ قالَ: ”نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:“ أطِيعُوا اللَّهَ "؛ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ؛ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ؛ يَعْنِي فَأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا في النّارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском