Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:6–13

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:6–13

4:6Page 77

وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allāh as Accountant.

ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ البَذْلِ لِلسُّفَهاءِ؛ أيْتامًا كانُوا؛ أوْ غَيْرَهُمْ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ دائِمًا؛ بَلْ ما دامَ السَّفَهُ قائِمًا؛ فَمَسَّتِ الحاجَةُ إلى التَّعْرِيفِ بِمَن يُعْطى؛ ومَن يُمْنَعُ؛ وكَيْفَ يُفْعَلُ عِنْدَ الدَّفْعِ؛ ولَمّا كانَ السَّفَهُ أمْرًا (p-١٩٧)باطِنًا لا يُعْرَفُ إلّا بِالتَّصَرُّفِ؛ ولا سِيَّما في المالِ؛ بَدَأ - سُبْحانَهُ - بِتَعْلِيمِ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ فَقالَ - مُصَرِّحًا بِالأيْتامِ؛ اهْتِمامًا بِأمْرِهِمْ -: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾؛ أيْ: اخْتَبِرُوهم في أمْرِ الرُّشْدِ في الدِّينِ؛ والمالِ؛ في مُدَّةِ مُراهَقَتِهِمْ؛ واجْعَلُوا ذَلِكَ دَأْبَكُمْ؛ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ أيْ: وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ بِالِاحْتِلامِ؛ أوِ السِّنِّ؛ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمْتُمْ عِلْمًا أنْتُمْ في عَظِيمِ تَيَقُّنِهِ؛ كَأنَّكم تُبْصِرُونَهُ عَلى وجْهٍ تُحِبُّونَهُ؛ وتَطِيبُ أنْفُسُكم بِهِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: عِنْدَ بُلُوغِهِ؛ ﴿رُشْدًا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ؛ ونَكَّرَهُ لِأنَّ وُجُودَ كَمالِ الرُّشْدِ في أحَدٍ يَعِزُّ وُقُوعُهُ؛ ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: لِزَوالِ الحاجَةِ إلى الحَجَرِ؛ بِخَوْفِ التَّبْذِيرِ؛ وأضافَها إلَيْهِمْ بَعْدَ إضافَتِها أوَّلًا إلى المُعْطِينَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّها إلّا مَن يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيها.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى نَقائِصَ؛ مِنها الطَّمَعُ وعَدَمُ الشِّبَعِ؛ لا سِيَّما إذا خالَطَ؛ لا سِيَّما إنْ حَصَلَ لَهُ إذْنٌ ما؛ أدَّبَهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوها﴾؛ أيْ: بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقْكم لِذَلِكَ؛ بِالعَمَلِ فِيها ﴿إسْرافًا﴾؛ أيْ: مُسْرِفِينَ؛ بِالخُرُوجِ عَنِ القَصْدِ في التَّصَرُّفِ؛ ووَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وإغْفالِ العَدْلِ؛ والشَّفَقَةِ؛ ﴿وبِدارًا﴾؛ أيْ: مُبادِرِينَ؛ ﴿أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: فَيَأْخُذُوها مِنكم عِنْدَ كِبَرِهِمْ؛ فَيَفُوتَكم الِانْتِفاعُ بِها؛ وكَأنَّهُ عَطَفَ (p-١٩٨)بِالواوِ الدّالَّةِ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ؛ وتَمامِهِ؛ إشارَةً إلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما يَعْجِزُ عَنْهُ الإنْسانُ المَجْبُولُ عَلى النُّقْصانِ؛ مِمّا يُجْرى في الأفْعالِ مُجْرى الوَسْوَسَةِ في الأقْوالِ؛ ”ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ“؛ ولَمّا أشْعَرَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ الكُلِّ؛ بِأنَّ لَهم في الأكْلِ في الجُمْلَةِ عِلَّةً مَقْبُولَةً؛ أفْصَحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ أيُّها الأوْلِياءُ؛ ﴿غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أيْ: يَطْلُبِ العِفَّةَ؛ ويُوجِدْها؛ ويُظْهِرْها؛ عَنِ الأكْلِ مِنها جُمْلَةً؛ فَيَعِفَّ عَنْهُ بِما بَسَطَ اللَّهُ لَهُ مِن رِزْقِهِ؛ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾؛ وهو يَتَعَهَّدُ مالَ اليَتِيمِ لِإصْلاحِهِ؛ ولَمّا كانَ يُخْشى مِنَ امْتِناعِهِ مِنَ الأكْلِ مِنهُ التَّفْرِيطُ فِيهِ؛ بِالِاشْتِغالِ بِما يُهِمُّهُ في نَفْسِهِ؛ أخْرَجَ الكَلامَ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالأكْلِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ -: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: بِقَدْرِ أُجْرَةِ سَعْيِهِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ الأمانَ إلى الرُّشْدِ؛ بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ أمَرَ بِالحَزْمِ - كَما في الطَّبَرانِيِّ الأوْسَطِ؛ عَنْ أنَسٍ: ”احْتَرِسُوا مِنَ النّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ“ - فَقالَ: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: اليَتامى؛ ﴿أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي كانَتْ تَحْتَ أيْدِيكُمْ؛ لِعَجْزِهِمْ عَنْ حِفْظِها؛ ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (p-١٩٩)؛ أيْ: احْتِياطًا؛ لِأنَّ الأحْوالَ تَتَبَدَّلُ؛ والرُّشْدَ يَتَفاوَتُ؛ فالإشْهادُ أقْطَعُ لِلشَّرِّ؛ وأنْفَعُ في كُلِّ أمْرٍ؛ والأمْرُ بِالإشْهادِ أزْجَرُ لِلْوَلِيِّ عَنِ الخِيانَةِ؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ عِنْدَ الخِصامِ إلّا بِبَيِّنَةٍ؛ عَفَّ غايَةَ العِفَّةِ؛ واحْتَرَزَ غايَةَ الِاحْتِرازِ.

ولَمّا كانَتِ الأمْوالُ مَظِنَّةً لِمَيْلِ النُّفُوسِ؛ وكانَ الحُبُّ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ؛ والقُدْرَةُ الباهِرَةُ؛ والعَظَمَةُ الَّتِي لا مِثْلَ لَها؛ والباءُ في مِثْلِ هَذا تَأْكِيدٌ؛ لِأنَّ ما قُرِنَتْ بِهِ هو الفاعِلُ؛ حَقِيقَةً؛ لا مَجازًا؛ كَما إذا أُمِرْنا بِالفِعْلِ؛ مَثَلًا؛ ﴿حَسِيبًا﴾؛ أيْ: مُحاسِبًا؛ بَلِيغًا في الحِسابِ؛ فَهو أبْلَغُ؛ تَحْذِيرًا لَهُمْ؛ ولِلْأيْتامِ؛ مِنَ الخِيانَةِ؛ والتَّعَدِّي؛ ومَدِّ العَيْنِ إلى حَقِّ الغَيْرِ.

4:7Page 78

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

ولَمّا ذَكَرَ أمْوالَ اليَتامى؛ عَلى حَسَبِ ما دَعَتْ إلَيْهِ الحاجَةُ؛ واقْتَضاهُ التَّناسُبُ؛ إلى أنَّ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ كانَ كَأنَّ سائِلًا سَألَ: مِن أيْنَ تَكُونُ أمْوالُهُمْ؟ فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلرِّجالِ﴾؛ أيْ: الذُّكُورِ مِن أوْلادِ المَيِّتِ؛ وأقْرِبائِهِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ الذُّكُورِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ؛ ويَخُصُّونَ الإرْثَ بِما عَمَّرَ الدِّيارَ؛ فَنَبَّهَ (p-٢٠٠)- سُبْحانَهُ - عَلى أنَّ العِلَّةَ النُّطْفَةُ؛ ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ مَعْلُومٌ؛ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ ولَمّا كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ؛ قالَ: ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾؛ ولِقَصْدِ التَّصْرِيحِ؛ لِلتَّأْكِيدِ؛ قالَ - مَوْضِعَ ”مِمّا تَرَكُوا“ -: ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَهُنَّ؛ وبَيْنَ الرِّجالِ؛ في القُرْبِ الَّذِي هو سَبَبُ الإرْثِ؛ ثُمَّ زادَ الأمْرَ تَأْكِيدًا؛ وتَصْرِيحًا؛ بِقَوْلِهِ - إبْدالًا مِمّا قَبْلَهُ؛ بِتَكْرِيرِ العامِلِ -: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾؛ ثُمَّ عَرَّفَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَتْمِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِلِاعْتِناءِ بِهِ بِقَطْعِهِ عَنِ الأوَّلِ؛ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ بِتَقْدِيرِ: ”أعْنِي“ -: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ: مُقَدَّرًا؛ واجِبًا؛ مُبَيَّنًا؛ وهَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ؛ بَيَّنَتْها آيَةُ المَوارِيثِ؛ وبِالآيَةِ عُلِمَ أنَّها خاصَّةٌ بِالعَصَباتِ؛ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالفَرْضِ؛ لِأنَّ الإجْماعُ - كَما نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ عَنِ الرّازِيِّ - عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِذَوِي الأرْحامِ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ.

4:8Page 78

وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of it [i.e., the estate] and speak to them words of appropriate kindness.

ولَمّا بَيَّنَ المَفْرُوضَ؛ أتْبَعَهُ المَندُوبَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾؛ أيْ: مِمَّنْ لا يَرِثُ؛ صِغارًا؛ أوْ كِبارًا؛ ﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾؛ أيْ: قُرَباءَ؛ أوْ غُرَباءَ؛ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾؛ أيْ: المَتْرُوكِ؛ (p-٢٠١)وهُوَ أمْرُ نَدْبٍ؛ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ؛ وقَرِينَةُ صَرْفِهِ عَنِ الوُجُوبِ تَرْكُ التَّحْدِيدِ؛ ﴿وقُولُوا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ الإعْطاءِ؛ ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ أيْ: حَسَنًا؛ سائِغًا في الشَّرْعِ؛ مَقْبُولًا؛ تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهم.

4:9Page 78

وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.

ولَمّا أعادَ الوَصِيَّةَ بِاليَتامى مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ وخَتَمَ بِالأمْرِ بِإلانَةِ القَوْلِ؛ وكانَ لِلتَّصْوِيرِ في التَّأْثِيرِ في النَّفْسِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ؛ أعادَ الوَصِيَّةَ بِهِمْ؛ لِضَعْفِهِمْ؛ مُصَوِّرًا لِحالِهِمْ؛ مُبَيِّنًا أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ هو الصَّوابُ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ولْيَخْشَ﴾؛ أيْ: يُوَقِعِ الخَشْيَةَ عَلى ذُرِّيَّةِ غَيْرِهِمْ؛ ﴿الَّذِينَ﴾ وذَكَرَ لَهم حالًا؛ هو جَدِيرٌ بِإيقاعِ الخَشْيَةِ في قُلُوبِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾؛ أيْ: شارَفُوا التَّرْكَ؛ بِمَوْتٍ؛ أوْ هَرَمٍ؛ وصَوَّرَ حالَهُمْ؛ وحَقَّقَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ أوْ عَجْزِهِمُ العَجْزَ الَّذِي هو كَمَوْتِهِمْ؛ ﴿ذُرِّيَّةً﴾؛ أيْ: أوْلادًا؛ مِن ذُكُورٍ؛ أوْ إناثٍ؛ ﴿ضِعافًا﴾؛ أيْ: لِصِغَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: جَوْرَ الجائِرِينَ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّصَوُّرِ في أنْفُسِهِمْ خَوْفُهم عَلى ذُرِّيَّةِ غَيْرِهِمْ؛ كَما يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ؛ سَواءٌ كانُوا أوْصِياءَ؛ أوْ أوْلِياءَ؛ أوْ أجانِبَ؛ وكانَ هَذا الخَوْفُ رُبَّما أدّاهم في قَصْدِ نَفْعِهِمْ إلى جَوْرٍ عَلى غَيْرِهِمْ؛ أمَرَ بِما (p-٢٠٢)يَحْفَظُهم عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَتَّقُوا﴾؛ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إرْشادًا إلى اسْتِحْضارِ جَمِيعِ عَظَمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: فَلْيَعْدِلُوا في أمْرِهِمْ؛ لِيُقَيِّضَ اللَّهُ لَهم مَن يَعْدِلُ في ذُرِّيَّتِهِمْ؛ وإلّا أوْشَكَ أنْ يُسَلِّطَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يَجُورُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿ولْيَقُولُوا﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾؛ أيْ: عَدْلًا؛ قاصِدًا صَوابًا؛ لِيَدُلَّ هَذا الظّاهِرُ عَلى صَلاحِ ما ائْتَمَرَهُ مِنَ الباطِنِ؛

4:10Page 78

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze [i.e., Hellfire].

ولَمّا طالَ التَّحْذِيرُ؛ والزَّجْرُ؛ والتَّهْوِيلُ؛ في شَأْنِ اليَتامى؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْجَبَ النَّفْرَةَ مِن مُخالَطَتِهِمْ رَأْسًا؛ فَتَضِيعُ مَصالِحُهُمْ؛ وصَلَ بِذَلِكَ ما بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِالظّالِمِ؛ في سِياقٍ مُوجِبٍ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ؛ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما كانَ قَدْ رَسَخَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِأمْوالِهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الأكْلُ أعْظَمَ مَقاصِدِ الإنْسانِ؛ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأغْراضِ؛ فَقالَ: ﴿يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ أيْ: أكْلًا هو في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَهو كَفِعْلِ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما زادَهُ تَأْكِيدًا؛ بِالتَّحْذِيرِ في سِياقِ الحَصْرِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ﴾؛ أيْ: في الحالِ؛ وصَوَّرَ الأكْلَ وحَقَّقَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ نارًا﴾؛ أيْ (p-٢٠٣)تَحْرِقُ المَعانِيَ الباطِنِيَّةَ؛ الَّتِي تَكُونُ بِها قِوامَ الإنْسانِيَّةِ؛ وبَيَّنَ أنَّها عَلى حَقِيقَتِها في الدُّنْيا؛ ولَكِنّا لا نُحِسُّها الآنَ؛ لِأنَّها غَيْرُ النّارِ المَعْهُودَةِ في الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ - مُكَرِّرًا التَّحْذِيرَ؛ مُبَيِّنًا - بِقِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ - أنَّهم يُلْجَؤُونَ إلَيْها إلْجاءً يُصَيِّرُهم كَأنَّهم يُدْخِلُونَها بِأنْفُسِهِمْ -: ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ - بِوَعِيدِ حَتْمٍ؛ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿سَعِيرًا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ هو نِهايَةٌ في العَظَمَةِ؛ وذَلِكَ هو مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ؛ أيْ: يُلْجِئُهم إلى صَلْيِها مُلْجِئٌ قاهِرٌ؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَوْعِ دِفاعٍ لَهُ.

4:11Page 78

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١

Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.1 And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,2 after any bequest he [may have] made or debt.3 Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ؛ تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى بَيانِ مَقادِيرِ الِاسْتِحْقاقِ بِالإرْثِ لِكُلِّ واحِدٍ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ؛ والنِّساءِ؛ مِن غَيْرِ تَقْيِيدِ يَتِيمٍ؛ فاقْتَضَتِ البَلاغَةُ بَيانَ أُصُولِ جَمِيعِ المَوارِيثِ؛ وشِفاءَ العَلِيلِ؛ بِإيضاحِ أمْرِها؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ؛ مُؤَكِّدًا لِما أمَرَ بِهِ مِنها؛ غايَةَ التَّأْكِيدِ؛ مُشِيرًا إلى عَظَمَةِ هَذا العِلْمِ؛ بِالتَّقَدُّمِ في الإيصاءِ في أوَّلِ آياتِهِ؛ والتَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلالِ في آخِرِها؛ ورَغَّبَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ نِصْفُ العِلْمِ؛ وحَذَّرَ مِن إضاعَتِهِ بِأنَّهُ أوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنَ الأُمَّةِ -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ (p-٢٠٤)العَظْمَةِ الكامِلَةِ؛ والحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ وبَدَأ بِالأوْلادِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الإنْسانِ بِهِمْ أشَدُّ؛ فَقالَ: ﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾؛ أيْ: إذا ماتَ مُوَرِّثُهم.

ولَمّا كانَ هَذا مُجْمَلًا؛ كانَ بِحَيْثُ يُطْلَبُ تَفْسِيرُهُ؛ فَقالَ - جَوابًا لِذَلِكَ؛ بادِئًا بِالأشْرَفِ بَيانًا؛ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْدِيمِ؛ وجَعْلِهِ أصْلًا - والتَّفْصِيلُ: ﴿لِلذَّكَرِ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ إذا كانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الإناثِ؛ ولَمْ يَمْنَعْهُ مانِعٌ مِن قَتْلٍ؛ ولا مُخالَفَةِ دِينٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أيْ: نَصِيبٌ؛ مِن شَأْنِهِ أنْ يُغْنِيَ؛ ويُسْعِدَ؛ وهو الثُّلُثانِ؛ إذا انْفَرَدَتا؛ فَلِلْواحِدَةِ مَعَهُ الثُّلُثُ؛ فَأثْبَتَ - سُبْحانَهُ - لِلْإناثِ حَظًّا؛ تَغْلِيظًا لَهم في مَنعِهِنَّ مُطْلَقًا؛ ونَقْصَهُنَّ عَنْ نَصِيبِ الرِّجالِ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّهم أصابُوا في نَفْسِ الحُكْمِ؛ بِإنْزالِهِنَّ عَنْ دَرَجَةِ الرِّجالِ.

ولَمّا بانَ سَهْمُ الذَّكَرِ؛ مَعَ الأُنْثى؛ بِعِبارَةِ النَّصِّ؛ وأشْعَرَ ذَلِكَ بِأنْ لَهُنَّ إرْثًا في الجُمْلَةِ؛ وعِنْدَ الِاجْتِماعِ مَعَ الذَّكَرِ؛ وفُهِمَ بِحَسَبِ إشارَةِ النَّصِّ - وهي ما ثَبَتَ بِنَظْمِهِ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ ولا سَبَقَ لَهُ النَّصُّ - حُكْمُ الأُنْثَيَيْنِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُما ذَكَرٌ؛ وهو أنَّ لَهُما الثُّلُثَيْنِ؛ وكانَ ذَلِكَ أيْضًا مُفْهِمًا لِأنَّ الواحِدَةَ إذا كانَ لَها مَعَ الأخِ الثُّلُثُ؛ كانَ لَها ذَلِكَ مَعَ الأُخْتِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ذَكَرٌ مِن بابِ الأوْلى؛ (p-٢٠٥)فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُنَّ إذا كُنَّ ثَلاثًا؛ أوْ أكْثَرَ؛ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ؛ اسْتَغْرَقْنَ التَّرِكَةَ؛ وإنْ كانَتْ واحِدَةً؛ لَيْسَ مَعَها ذَكَرٌ؛ لَمْ تَزِدْ عَلى الثُّلُثِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ – بِقَوْلِهِ - مُبَيِّنًا إرْثَهُنَّ حالَ الِانْفِرادِ -: ﴿فَإنْ كُنَّ﴾؛ أيْ: الوارِثاتُ؛ ﴿نِساءً﴾؛ أيْ: إناثًا؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُحْمَلُ عَلى أقَلِّ الجَمْعِ؛ وهو اثْنَتانِ؛ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ حَقَّقَ؛ ونَفى هَذا الِاحْتِمالَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ أيْ: لا ذَكَرَ مَعَهُنَّ؛ ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾؛ أيْ: المَيِّتُ؛ لا أزْيَدَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ؛ ﴿وإنْ كانَتْ﴾؛ أيْ: الوارِثَةُ؛ ﴿واحِدَةً﴾؛ أيْ: مُنْفَرِدَةً؛ لَيْسَ مَعَها غَيْرُها؛ ﴿فَلَها النِّصْفُ﴾؛ أيْ: فَقَطْ؛ ولَمّا قَدَّمَ الإيصاءَ بِالأوْلادِ لِضَعْفِهِمْ؛ إذا كانُوا صِغارًا؛ وكانَ الوالِدُ أقْرَبَ النّاسِ إلى الوَلَدِ؛ وأحَقَّهم بِصِلَتِهِ؛ وأشَدَّهُمُ اتِّصالًا بِهِ أتْبَعَهُ حُكْمَهُ؛ فَقالَ: ﴿ولأبَوَيْهِ﴾؛ أيْ: المَيِّتِ؛ ثُمَّ فَصَّلَ بَعْدَ أنْ أجْمَلَ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ آكَدَ؛ ويَكُونَ سامِعُهُ إلَيْهِ أشْوَقَ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا بِتَكْرِيرِ العامِلِ -: ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾؛ أيْ: أبِيهِ؛ وأُمِّهِ؛ اللَّذَيْنِ ثُنِّيا بِـ ”أبَوَيْنِ“؛ (p-٢٠٦)﴿السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿إنْ كانَ لَهُ﴾؛ أيْ: المَيِّتِ؛ ﴿ولَدٌ﴾؛ أيْ: ذَكَرٌ؛ فَإنْ كانَتْ أُنْثى؛ أخَذَ الأبُ السُّدُسَ فَرْضًا؛ والباقِي بَعْدَ الفُرُوضِ؛ حَقَّ عُصُوبَةٍ.

ولَمّا بَيَّنَ حُكْمَهُما مَعَ الأوْلادِ؛ تَلاهُ بِحالَةِ فَقْدِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ﴾؛ أيْ: ذَكَرٌ؛ ولا أُنْثى؛ ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ﴾؛ أيْ: فَقَطْ؛ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾؛ أيْ: ولِلْأبِ الباقِي؛ لِأنَّ الفَرْضَ أنَّهُ لا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُما؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”هَذا مَعَ فَقْدِ الإخْوَةِ أيْضًا“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾؛ أيْ: اثْنانِ فَصاعِدًا؛ ذُكُورًا؛ أوْ لا؛ مَعَ فَقْدِ الأوْلادِ؛ ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾؛ أيْ: لِأنَّ الإخْوَةَ يُنْقِصُونَها عَنِ الثُّلُثِ إلَيْهِ؛ والباقِي لِلْأبِ؛ ولا شَيْءَ لَهُمْ؛ وأمّا الأُخْتُ الواحِدَةُ؛ فَإنَّها لا تُنْقِصُها إلى السُّدُسِ؛ سَواءٌ كانَتْ وارِثَةً؛ أوْ لا؛ وكَذا الأخُ إذا كانَ واحِدًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا كُلَّهُ بَعْدَ إخْراجِ الوَصِيَّةِ؛ والدَّيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَبَقَ فِيهِ حَقُّ المَيِّتِ؛ الَّذِي جَمَعَ المالَ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها﴾؛ أيْ: كَما مَندُوبٌ لِكُلِّ مَيِّتٍ؛ وقَدَّمَها في الوَضْعِ عَلى ما هو مُقَدَّمٌ عَلَيْها في الشَّرْعِ؛ بَعْثًا عَلى أدائِها؛ لِأنَّ أنْفُسَ الوَرَثَةِ تَشِحُّ بِها؛ لِكَوْنِها مِثْلَ مُشارَكَتِهِمْ في الإرْثِ؛ لِأنَّها بِلا عِوَضٍ؛ ﴿أوْ دَيْنٍ﴾؛ أيْ: إنْ كانَ (p-٢٠٧)عَلَيْهِ دَيْنٌ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَرى أنَّ بَعْضَ أقْرِبائِهِ مِن أُصُولِهِ؛ أوْ فُصُولِهِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ أنْفَعُ لَهُ؛ فَأحَبَّ تَفْضِيلَهُ؛ فَتَعَدّى هَذِهِ الحُدُودَ؛ لِما رَآهُ؛ وكانَ ما رَآهُ خِلافَ الحَقِّ في الحالِ؛ أوْ في المَآلِ؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) هو المُسْتَأْثِرَ بِعِلْمِ ذَلِكَ؛ ولِهَذا قالَ ﷺ: «”أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما؛ عَسى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما“؛» الحَدِيثَ؛ لِأنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ؛ يُقَلِّبُها كَيْفَ شاءَ؛ قالَ (تَعالى) حاثًّا عَلى لُزُومِ ما حَدَّهُ؛ مُؤَكِّدًا بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ - كَما هو الشَّأْنُ في كُلِّ اعْتِراضٍ - لِأنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مُخالِفَةٌ لِما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ؛ وهي عَلى وُجُوهٍ؛ لا تُدْرَكُ عِلَلُها: ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ فَصَّلْنا لَكم إرْثَهم عَلى ما ذَكَرْنا؛ ﴿لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا إحاطَةَ لَكم في عِلْمٍ؛ ولا قُدْرَةٍ؛ فَلَوْ وُكِلَ الأمْرُ في القِسْمَةِ إلَيْكم لَما وضَعْتُمُ الأُمُورَ في أحْكَمِ مَواضِعِها.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الإرْثَ عَلى ما حَدَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُؤَكِّدًا لَهُ بِلَفْظِ الوَصِيَّةِ؛ وزادَهُ تَأْكِيدًا بِما جَعَلَهُ اعْتِراضًا بَيْنَ الإيصاءِ؛ وبَيْنَ ”فَرِيضَةٍ“؛ بَيَّنَ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ الحَتْمِ؛ الَّذِي مَن تَرَكَهُ عَصى؛ فَقالَ - ذاكِرًا مَصْدَرًا (p-٢٠٨)مَأْخُوذًا مِن مَعْنى الكَلامِ -: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ثُمَّ زادَهم حَثًّا عَلى ذَلِكَ ورَغْبَةً فِيهِ؛ بِقَوْلِهِ - تَعْلِيلًا لِفَرِيضَتِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا؛ وعَلى هَذا الوَجْهِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ولا يَزالُ؛ لِأنَّ وُجُودَهُ لا يَتَفاوَتُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ لِأنَّهُ لا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمانٌ؛ ولا يَحْوِيهِ مَكانٌ؛ لِأنَّهُ خالِقُهُما؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِالعَواقِبِ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: فَوَضَعَ لَكم هَذِهِ الأحْكامَ؛ عَلى غايَةِ الإحْكامِ؛ في جَلْبِ المَنافِعِ لَكُمْ؛ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكُمْ؛ ورَتَّبَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - أحْسَنَ تَرْتِيبٍ؛ فَإنَّ الوارِثَ يَتَّصِلُ بِالمَيِّتِ تارَةً بِواسِطَةٍ؛ وهو الكَلالَةُ؛ وأُخْرى بِلا واسِطَةٍ؛ وهَذا تارَةً يَكُونُ بِنَسَبٍ؛ وتارَةً بِصِهْرٍ ونَسَبٍ؛ فَقَدَّمَ ما هو بِلا واسِطَةٍ؛ لِشِدَّةٍ قُرْبِهِ؛ وبَدَأ مِنهُ بِالنَّسَبِ؛ لِقُوَّتِهِ؛ وبَدَأ مِنهم بِالوَلَدِ؛ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ.

4:12Page 79

۞ وَلَكُمۡ نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٞ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡنَۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّكُمۡ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَكُمۡ وَلَدٞ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكۡتُمۚ مِّنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ تُوصُونَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۗ وَإِن كَانَ رَجُلٞ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمۡرَأَةٞ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوۡ أُخۡتٞ فَلِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُۚ فَإِن كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمۡ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصَىٰ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍ غَيۡرَ مُضَآرّٖۚ وَصِيَّةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٞ ١٢

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for them [i.e., the wives] is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third,1 after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused].2 [This is] an ordinance from Allāh, and Allāh is Knowing and Forbearing.

ولَمّا كانَ الإرْثُ بِالمُصاهَرَةِ أضْعَفَ مِنَ الإرْثِ بِالقَرابَةِ؛ ذَكَرَهُ بَعْدَهُ؛ وقَدَّمَهُ عَلى الإرْثِ بِقَرابَةِ الأُخُوَّةِ؛ تَعْرِيفًا بِالِاهْتِمامِ بِهِ؛ ولِأنَّهُ بِلا واسِطَةٍ؛ وقَدَّمَ مِنهُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّهُ أفْضَلُ؛ فَقالَ: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾؛ وبَيَّنَ شَرْطَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ أوْ مِن غَيْرِكُمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ الحُكْمَ عَلى التَّقْدِيرِ الآخَرِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾؛ أيْ: وارِثٌ؛ وإنْ سَفَلَ؛ سَواءٌ كانَ ابْنًا؛ أوْ بِنْتًا؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾؛ أيْ: (p-٢٠٩)تَرَكَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ؛ ويُغَسِّلُها الزَّوْجُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أضافَها إلَيْهِ بِاسْمِ الزَّوْجِيَّةِ؛ والأصْلُ الحَقِيقَةُ؛ ولا يَضُرُّ حُرْمَةَ جِماعِها بَعْدَ المَوْتِ؛ وحِلُّ نِكاحِ أُخْتِها؛ وأرْبَعٍ سِواها؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِفَقْدِ المُقْتَضِي؛ أوِ المانِعِ؛ وهو الحَياةُ؛ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ عَلَقَةَ النِّكاحِ المُبِيحِ لِلْغُسْلِ - كَما لَمْ يَمْنَعْها لِأجْلِ العِدَّةِ لَوْ كانَ الفِراقُ بِالطَّلاقِ -؛ ثُمَّ كَرَّرَ حُكْمَ الوَصِيَّةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها﴾؛ أيْ: الأزْواجُ؛ أوْ بَعْضُهُنَّ؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَ إشارَةً إلى أنَّ الوَصِيَّةَ أمْرٌ عَظِيمٌ؛ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضَرًا في الذِّهْنِ؛ غَيْرَ مَغْفُولٍ عَنْهُ؛ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ ﴿أوْ دَيْنٍ﴾

ولَمّا بَيَّنَ إرْثَ الرَّجُلِ؛ أتْبَعَهُ إرْثَها؛ فَقالَ - مُعْلِمًا أنَّهُ عَلى النِّصْفِ مِمّا لِلزَّوْجِ - كَما مَضى في الأوْلادِ -: ﴿ولَهُنَّ﴾؛ أيْ: عَدَدًا كُنَّ؛ أوْ لا؛ ﴿الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾؛ أيْ: يَشْتَرِكْنَ فِيهِ؛ عَلى السَّواءِ؛ إنْ كُنَّ عَدَدًا؛ وتَنْفَرِدُ بِهِ الواحِدَةُ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُها؛ ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ القِسْمِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾؛ أيْ: (p-٢١٠)وارِثٌ؛ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾؛ كَما تَقَدَّمَ في الرُّبُعِ؛ ثُمَّ كَرَّرَ الخُرُوجَ عَنْ حَقِّ المُوَرِّثِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾

ولَمّا فَرَغَ مِن قِسْمَيْ ما اتَّصَلَ بِالمَيِّتِ بِلا واسِطَةٍ؛ أتْبَعَهُ الثّالِثَ؛ وهو ما اتَّصَلَ بِواسِطَةٍ؛ ولَمّا كانَ قِسْمَيْنِ - لِأنَّهُ تارَةً يَتَّصِلُ مِن جِهَةِ الأُمِّ فَقَطْ؛ وهُمُ الأخْيافُ؛ أُمُّهم واحِدَةٌ وآباؤُهم شَتّى؛ وتارَةً مِن جِهَةِ الأبِ فَقَطْ؛ وهُمُ العِلّاتُ؛ أبُوهم واحِدٌ وأُمَّهاتُهم شَتّى؛ وتارَةً مِن جِهَةِ الأبَوَيْنِ؛ وهُمُ الأعْيانُ - وكانَتْ قَرابَةُ الأُخُوَّةِ أضْعَفَ مِن قَرابَةِ البُنُوَّةِ؛ أكَّدَها بِما يَقْتَضِيهِ حالُها؛ فَجَعَلَها في قِصَّتَيْنِ؛ ذَكَرَ إحْداهُما هُنا؛ إدْخالًا لَها في حُكْمِ الوَصِيَّةِ المَفْرُوضَةِ؛ وخَتَمَ بِالأُخْرى السُّورَةَ؛ لِأنَّ الخِتامَ مِن مَظِنّاتِ الِاهْتِمامِ.

ولَمّا كانَتْ قَرابَةُ الأُمُّ أضْعَفَ مِن قَرابَةِ الأبِ؛ قَدَّمَها هُنا؛ دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها؛ وأنَّ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن حِرْمانِ الإناثِ خَطَأٌ؛ وجَوْرٌ عَنْ مِنهاجِ العَدْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ﴾؛ أيْ: وُجِدَ؛ ﴿رَجُلٌ يُورَثُ﴾؛ أيْ: مَن وُرِثَ حالَ كَوْنِهِ؛ ﴿كَلالَةً﴾؛ أيْ: ذا حالَةٍ لا ولَدَ لَهُ فِيها؛ ولا والِدَ؛ أوْ يَكُونُ ”يُورَثُ“؛ مِن ”أُورِثَ“؛ بِمَعْنى أنَّ إرْثَ الوارِثِ بِواسِطَةِ مَن ماتَ كَذَلِكَ؛ لا هو ولَدٌ لِلْمَيِّتِ؛ ولا والِدٌ؛ (p-٢١١)ووارِثُهُ أيْضًا كَلالَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِوالِدٍ؛ ولا ولَدٍ؛ فالمُوَرِّثُ كَلالَةُ وارِثِهِ؛ والوارِثُ كَلالَةُ مُوَرِّثِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ”رَجُلٌ كَلالَةٌ“؛ و”امْرَأةٌ كَلالَةٌ“؛ و”قَوْمٌ كَلالَةٌ“؛ لا يُثَنّى؛ ولا يُجْمَعُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ كَـ ”الدَّلالَةُ“؛ و”الوَكالَةُ“؛ وهو بِمَعْنى ”الكَلالُ“؛ وهو ذَهابُ القُوَّةِ مِنَ الإعْياءِ؛ وقَدْ تُطْلَقُ الكَلالَةُ عَلى القَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوَلَدِ؛ والوالِدِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: ما ورِثَ المَجْدَ عَنْ كَلالَةٍ؛ ﴿أوْ﴾؛ وُجِدَتْ؛ ﴿امْرَأةٌ﴾؛ أيْ: تُورَثُ كَذَلِكَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُورَثُ“؛ صِفَةً؛ و”كَلالَةً“؛ خَبَرَ ”كانَ“؛ ﴿ولَهُ﴾؛ أيْ: لِلْمَذْكُورِ؛ وهو المَوْرُوثُ؛ عَلى أيِّ الحالَتَيْنِ كانَ؛ ولَمّا كانَ الإدْلاءُ بِمَحْضِ الأُنُوثَةِ يَسْتَوِي بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى؛ لِضَعْفِها؛ قالَ ﴿أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾؛ أيْ: مِنَ الأُمِّ - بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ؛ وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ؛ وسَعْدِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾؛ أيْ: مِن تَرِكَتِهِ؛ مِن غَيْرِ فَضْلٍ لِلذَّكَرِ عَلى الأُنْثى.

ولَمّا أفْهَمُ ذَلِكَ - أيْ: بِتَحْوِيلِ العِبارَةِ المَذْكُورَةِ؛ مِن أنْ يُقالَ: ”فَلَهُ السُّدُسُ“ - أنَّهُما إنْ كانا مَعًا كانَ لَهُما الثُّلُثُ؛ وكانَ ذَلِكَ قَدْ يُفْهَمُ أنَّهُ (p-٢١٢)إنْ زادَ وارِثُهُ زادَ الإرْثُ عَنِ الثُّلُثِ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانُوا﴾؛ أيْ: ما أفْهَمَهُ ”أخٌ أوْ أُخْتٌ“؛ مِنَ الوُرّاثِ مِنهُمْ؛ ﴿أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾؛ أيْ: واحِدٍ؛ كَيْفَ كانُوا؛ ﴿فَهم شُرَكاءُ﴾؛ أيْ: بِالسَّوِيَّةِ؛ ﴿فِي الثُّلُثِ﴾؛ أيْ: المُجْتَمِعِ مِنَ السُّدُسَيْنِ؛ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَ أنَّهُما بَيْنَهُما؛ لا يُزادُونَ عَلى ذَلِكَ شَيْئًا؛ ثُمَّ كَرَّرَ الحَثَّ عَلى مَصْلَحَةِ المَيِّتِ؛ بَيانًا لِلِاهْتِمامِ بِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾

ولَمّا كانَ المَيِّتُ قَدْ يُضارُّ ورَثَتُهُ؛ أوْ بَعْضُهُمْ؛ بِشَيْءٍ يُخْرِجُهُ عَنْهُمْ؛ ظاهِرًا أوْ باطِنًا؛ كَأنْ يُقِرَّ بِمالِهِ لِأجْنَبِيٍّ؛ أوْ بِدَيْنٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ أوْ بِدَيْنٍ كانَ لَهُ؛ بِأنَّهُ اسْتَوْفاهُ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُضارٍّ﴾؛ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى ذَلِكَ أوَّلَ القِصَّةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: والإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مَصْدَرًا - لِيُوصِيَكم -: ﴿وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِجَمِيعِ ما في الآياتِ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِاكْتِنافِ الوَصِيَّةِ بِأوَّلِها؛ وآخِرِها؛ وهو دُونَ الفَرِيضَةِ في حَقِّ الأوْلادِ؛ لِأنَّ حَقَّهم آكَدُ.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الأُصُولَ؛ وفَصَلَ النِّزاعَ؛ وكانَ ذَلِكَ خِلافَ مَأْلُوفِهِمْ؛ (p-٢١٣)وكانَ الفِطامُ عَنِ المَأْلُوفِ في الذِّرْوَةِ مِنَ المَشَقَّةِ؛ اقْتَضى الحالُ الوَعْظَ بِالتَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ فَخَتَمَ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ مِنَ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ولِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ الوَصِيَّةِ كَرَّرَ هَذا الِاسْمَ الأعْظَمَ في جَمِيعِ القِصَّةِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ مَن خالَفَ؛ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ؛ نِيَّةٍ أوْ غَيْرِها؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ فَهو مِن شَأْنِهِ ألّا يُعاجِلَ بِالعُقُوبَةِ؛ فَلا يُغْتَرَّ بِإمْهالِهِ؛ فَإنَّهُ إذا أخَذَ بَعْدَ طُولِ الأناةِ لَمْ يُفْلِتْ؛ فاحْذَرُوا غَضَبَ الحَلِيمِ؛ وفي الوَصْفَيْنِ مَعَ التَّهْدِيدِ اسْتِجْلابٌ لِلتَّوْبَةِ.

4:13Page 79

تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٣

These are the limits [set by] Allāh, and whoever obeys Allāh and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

ولَمّا كانَ فَطْمُ أنْفُسِهِمْ عَنْ مَنعِ الأطْفالِ؛ والنِّساءِ؛ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ؛ لِمُرُونِهِمْ عَلَيْهِ؛ بِمُرُورِ الدُّهُورِ الطَّوِيلَةِ عَلى إطْباقِهِمْ عَلى فِعْلِهِ؛ واسْتِحْسانِهِمْ لَهُ؛ أتْبَعَهُ - سُبْحانَهُ - التَّرْغِيبَ؛ والتَّرْهِيبَ؛ لِئَلّا يُغْتَرَّ بِوَصْفِ الحَلِيمِ؛ فَقالَ - مُعَظِّمًا لِلْأمْرِ بِأداةِ البُعْدِ؛ ومُشِيرًا إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المَوارِيثِ؛ والنِّساءِ؛ واليَتامى؛ وغَيْرِهِ -: ﴿تِلْكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الحُدُودُ الجَلِيلَةُ النَّفْعِ؛ العَظِيمَةُ الجَدْوى؛ المَذْكُورَةُ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ بَلْ مِن أوَّلِ القُرْآنِ؛ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ فَمَن راعاها - ولَوْ لَمْ يَقْصِدْ (p-٢١٤)طاعَتَهُ؛ بَلْ رَفْعًا لِنَفْسِهِ عَنْ دَناءَةِ الإخْلادِ إلى الفانِي؛ ومَعَرَّةِ الِاسْتِئْثارِ عَلى الضَّعِيفِ؛ المُنْبِئِ عَنِ البُخْلِ؛ وسُفُولِ الهِمَّةِ - نالَ خَيْرًا كَبِيرًا؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجُرَّهُ ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُطِيعُ اللَّهَ؛ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾؛ الحائِزَ لِصِفَتَيِ الجَلالِ؛ والإكْرامِ؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ طاعاتِهِ؛ هَذِهِ وغَيْرِها؛ بِالإقْبالِ عَلَيْها؛ وتَرْكِ ما سِواها لِأجْلِهِ - سُبْحانَهُ -؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ”مَن“؛ عامٌّ؛ ووُقُوعُهُ عُقَيْبَ هَذِهِ التَّكالِيفِ الخاصَّةِ لا يُخَصِّصُهُ”.

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ بِكُلِّيَّتِهِ إلى الخَبَرِ؛ التَفَتَ إلَيْهِ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ - عَلى قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ بِالنُّونِ - فَقالَ:“نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ"؛ أيْ: بَساتِينَ؛ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالياءِ عَظِيمَةٌ أيْضًا؛ لِبِنائِها عَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ وإنْ كانَتْ هَذِهِ أشَدَّ تَنْشِيطًا بِلَذَّةِ الِالتِفاتِ؛ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: لِأنَّ أرْضَها مَعْدِنُ المِياهِ؛ فَفي أيِّ مَوْضِعٍ أرَدْتَ جَرى نَهْرٌ؛ فَهي لا تَزالُ يانِعَةً غَضَّةً؛ وجَمَعَ الفائِزِينَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ تَبْشِيرًا بِكَثْرَةِ الواقِفِ عِنْدَ هَذِهِ الحُدُودِ؛ ولِأنَّ مُنادَمَةَ الإخْوانِ مِن أعْلى نَعِيمِ الجِنانِ. (p-٢١٥)ولَمّا كانَ اخْتِصاصُهم بِالإرْثِ عَنِ النِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ مِنَ الفَوْزِ عِنْدَهُمْ؛ بَلْ لَمْ يَكُنِ الفَوْزُ العَظِيمُ عِنْدَهم إلّا الِاحْتِواءَ عَلى الأمْوالِ؛ وبُلُوغَ ما في البالِ مِنها مِنَ الآمالِ؛ قالَ (تَعالى) - مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ -: ﴿وذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي المَرْتَبَةِ؛ مِنَ الطّاعَةِ المَندُوبِ إلَيْها؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ مِنَ الِاحْتِواءِ عَلى ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؛ وهَذا أنْسَبُ شَيْءٍ لِتَقْدِيمِ التَّرْغِيبِ؛ لِتَسْمَحَ نُفُوسُهم بِتَرْكِ ما كانُوا فِيهِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ والتَّبْشِيرِ لَهُ ﷺ بِأنَّها مُطِيعَةٌ راشِدَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском