Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:75–83

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:75–83

4:75Page 90

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ لِهَذا الأجْرِ الكَثِيرِ مِمَّنْ لا يُخْلِفُ المِيعادَ“؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنّا لا نُعْطِي المِيراثَ إلّا لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ ويَذُبُّ عَنِ الجارِ؛ ويَمْنَعُ الحَوْزَةَ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ؛ مُلْهِبًا لَهُمْ؛ ومُهَيِّجًا؛ ومُبَكِّتًا لِلْقاعِدِينَ؛ ومُوَبِّخًا -: ﴿وما﴾؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ مِن دُنْيا أوْ آخِرَةٍ؛ حالَ كَوْنِكم ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: تُجَدِّدُونَ القِتالَ في كُلِّ وقْتٍ؛ لا تَمَلُّونَهُ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ المَلِكِ؛ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ؛ والغِنى المُطْلَقُ؛ وبِسَبَبِ خَلاصِ؛ ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أيْ: المَطْلُوبِ مِنَ الكُفّارِ ضَعْفُهم حَتّى صارَ مَوْجُودًا؛ ويَجُوزُ - وهو أقْعَدُ - أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا (p-٣٢٨)عَلى الِاخْتِصاصِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن أجَلِّ ما في سَبِيلِ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ الإنْكاءُ مِن هَذا ما لِمَن كانَ رَجاءُ نَفْعِهِ أعْظَمَ؛ ثُمَّ ما لِمَن يَكُونُ العارُ بِهِ أقْوى وأحْكَمَ؛ رَتَّبَهم هَذا التَّرْتِيبَ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ الَّذِينَ حَبَسَهُمُ الكُفّارُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وكانُوا يُعَذِّبُونَهم ويَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ؛ وكُلٌّ مِنهُما كافٍ في بَعْثِ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ؛ والمَكارِمِ؛ عَلى القِتالِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِما يُهَيِّجُ إلى نَصْرِهِمْ؛ ويَحُثُّ عَلى غِياثِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: لا يَفْتُرُونَ؛ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِإخْراجِنا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ؛ ﴿أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾؛ ثُمَّ وصَفُوها بِالحامِلِ عَلى هَذا الدُّعاءِ؛ فَقالُوا: ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾؛ أيْ: بِما تُيَسِّرُهُ لَنا مِنَ الأسْبابِ؛ ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾؛ أيْ: مِن أُمُورِكَ العَجِيبَةِ في الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ يَتَوَلّى مَصالِحَنا؛ ولَمّا كانَ الوَلِيُّ قَدْ لا يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ النَّصْرِ؛ قالُوا: ﴿واجْعَلْ لَنا﴾؛ ولَمّا كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَأْتِيَهم خَوارِقُ كَرَّرُوا قَوْلَهُمْ: ﴿مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ النَّصْرِ؛ إلى حَدٍّ تَعَجَّبَ مِنهُ المُعْتادُونَ لِلْخَوارِقِ؛ فَكانَ بِهَذا الكَلامِ كَأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قالَ: قَدْ جَعَلْتُ لَكُمُ (p-٣٢٩)الحَظَّ الأوْفَرَ مِنَ المِيراثِ؛ فَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِي؛ شُكْرًا لِنِعْمَتِي؛ وأيْنَ ما تَدَّعُونَ مِنَ الحَمِيَّةِ والحِمايَةِ؟ ما لَكُمَ لا تُقاتِلُونَ في نَصْرِ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ؛ لِتَحَقُّقِ حِمايَتِكم لِلذِّمارِ ومَنعِكم لِلْحَوْزَةِ؛ وذَبِّكم عَنِ الجارِ؟!

4:76Page 90

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

ولَمّا أخْبَرَ عَنِ افْتِقارِهِمْ إلى الأنْصارِ؛ وتَظَلُّمِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِلتَّرْغِيبِ في الجِهادِ -: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: صَدَقُوا في دَعْواهُمُ الإيمانَ؛ ﴿يُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمْ؛ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ أصْلًا؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ قاصِدِينَ وجْهَهُ بِحِمايَةِ الذِّمارِ وغَيْرِهِ؛ وأمّا مَن لَمْ يُصَدِّقْ دَعْواهُ بِهَذا فَما آمَنَ؛ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ ﴿فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾؛ فَلا ولِيَّ لَهُمْ؛ ولا ناصِرَ.

ولَمّا كانَ الطّاغُوتُ الشَّيْطانَ؛ أوْ مَن زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ؛ وكانَ كُلُّ مَن عَصى اللَّهَ مِنهُ؛ ومِمَّنْ أغْواهُ؛ حَقِيرًا؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ الجُرْأةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو رَأْسُ العُصاةِ؛ ﴿كانَ﴾؛ جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿ضَعِيفًا﴾

4:77Page 90

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

ولَمّا عَرَّفَهم هَذِهِ المَفاوِزَ الأُخْرَوِيَّةَ والمَفاخِرَ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ وخَتَمَ بِما (p-٣٣٠)يُنْهِضُ الجَبانَ؛ ويُقَوِّي الجَنانَ؛ ورَغَّبَهم بِما شَوَّقَ إلَيْهِ مِن نَعِيمِ الجِنانِ؛ عَجِبَ مِن حالِ مَن تَوانى بَعْدَ ذَلِكَ واسْتَكانَ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُقْبِلًا بِالخِطابِ عَلى أعْبَدِ خَلْقِهِ؛ وأطْوَعِهِمْ لِأمْرِهِ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّهم بِمَحَلِّ بُعْدٍ عَنْ حَضْرَتِهِ؛ تَنْهِيضًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: إنّا نُرِيدُ أنْ نَبْسُطَ أيْدِيَنا إلى الكُفّارِ بِالقِتالِ؛ لِأنَّ امْتِحانَنا بِهِمْ قَدْ طالَ؛ ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ: ولا تَبْسُطُوها إلَيْهِمْ؛ فَإنّا لَمْ نَأْمُرْ بِهَذا؛ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: صِلَةً بِالخالِقِ؛ واسْتِنْصارًا عَلى المُشاقِقِ؛ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾؛ مُنَمّاةً لِلْمالِ؛ وطُهْرَةً لِلْأخْلاقِ؛ وصِلَةً لِلْخَلائِقِ؛ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾؛ أيْ: الَّذِي طَلَبُوهُ؛ وهم يُؤْمَرُونَ بِالصَّفْحِ؛ كِتابَةً لا تَنْفَكُّ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: ناسٌ تَلْزَمُ عَنْ فِعْلِهِمُ الفُرْقَةُ؛ فَأحَبُّوا هَذا الكَتْبَ بِأنَّهُمْ؛ ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم مِثْلُهُمْ؛ أنْ يَضُرُّوهُمْ؛ والحالُ أنَّهُ يَقْبُحُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا أجْرَأ مِنهُمْ؛ وهم ناسٌ مِثْلُهُمْ؛ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مِثْلَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ؛ الَّذِي هو القادِرُ؛ لا غَيْرُهُ. (p-٣٣١)ولَمّا كانَ كَفُّهم عَنِ القِتالِ شَدِيدًا؛ يُوجِبُ لِمَن يَراهُ مِنهم أنْ يَظُنَّ بِهِمْ مِنَ الجُبْنِ ما يَتَرَدَّدُ بِهِ في المُوازَنَةِ بَيْنَ خَوْفِهِمْ مِنَ النّاسِ؛ وخَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ؛ فَقالَ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ أيْ: أوْ كانَتْ خَشْيَتُهم لَهم عِنْدَ النّاظِرِ لَهم أشَدَّ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ فَقَدْ أفادَ هَذا أنَّ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ لَيْسَ بِأقَلَّ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ جَزْمًا؛ بَلْ إمّا مِثْلُهُ أوْ أشَدُّ مِنهُ؛ وقَدْ يَكُونُ الإبْهامُ لِتَفاوُتٍ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ؛ فَيَكُونُ خَوْفُهم مِنهُ في وقْتٍ مُتَساوِيًا؛ وفي آخَرَ أزْيَدَ؛ فَهو مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كَراهَتِهِمُ القِتالَ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وتَمَنِّيهِمْ لِتَأْخِيرِهِ إلى وقْتٍ ما.

وأيَّدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظَّنِّ بِقَوْلِهِ ما هو كالتَّعْلِيلِ لِلْكَراهَةِ: ﴿وقالُوا﴾؛ جَزَعًا مِنَ المَوْتِ؛ أوِ المَتاعِبِ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ -؛ أوِ اعْتِراضًا - إنْ كانُوا مُنافِقِينَ -؛ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ما يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ القَرِيبُ مِنّا؛ ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾؛ أيْ: ونَحْنُ الضُّعَفاءُ؛ ﴿لَوْلا﴾؛ أيْ: هَلّا؛ ﴿أخَّرْتَنا﴾؛ أيْ: عَنِ الأمْرِ بِالقِتالِ؛ ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾؛ أيْ: لِنَأْخُذَ راحَةً مِمّا كُنّا فِيهِ مِنَ الجُهْدِ مِنَ الكُفّارِ بِمَكَّةَ.

وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ؛ والمِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ الكِنْدِيَّ؛ وقُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ؛ وسَعْدَ بْنَ (p-٣٣٢)أبِي وقاصٍّ؛ وجَماعَةً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أذًى كَثِيرًا قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا؛ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ؛ فَإنَّهم قَدْ آذَوْنا؛ فَيَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كُفُّوا أيْدِيَكُمْ؛ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ؛ وأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ وآتُوا الزَّكاةَ“؛ فَلَمّا هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ؛ وأمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقِتالِ المُشْرِكِينَ؛ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ؛» حَكاهُ البَغَوِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ؛ وحَكاهُ الواحِدِيُّ عَنْهُ؛ بِنَحْوِهِ؛ ورَوى بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ؛ وأصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كُنّا في عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ؛ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً؛ فَقالَ: ”إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ؛ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ“؛ فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ (تَعالى) إلى المَدِينَةِ؛ أمَرَهُ بِالقِتالِ؛ فَكَفُّوا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ الآيَةَ؛» وهَذا يُفْهِمُ أنَّ نِسْبَةَ القَوْلِ إلَيْهِمْ إنَّما هي حالُهم في التَّأخُّرِ عَنِ المُبادَرَةِ إلى القِتالِ؛ حالَ مَن يَقُولُ ذَلِكَ؛ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ إلْهابُهم إلى القِتالِ؛ وتَهْيِيجُهُمْ؛ لَيْسَ غَيْرُ.

ولَمّا عَجِبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهُمْ؛ إنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ كانَ كَأنَّهُ قالَ: ”فَما أقُولُ لَهُمْ؟“؛ أمَرَهُ بِوَعْظِهِمْ؛ وتَضْلِيلِ عُقُولِهِمْ؛ وتَفْيِيلِ آرائِهِمْ؛ (p-٣٣٣)بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ مَدَّ في آجالِكم إلى أنْ تَمَلُّوا الحَياةَ؛ فَإنَّ كُلَّ مُنْقَطِعٍ قَلِيلٌ؛ مَعَ أنَّ نَعِيمَها غَيْرُ مُحَقَّقِ الحُصُولِ؛ وإنْ حَصَلَ كانَ مُنَغَّصًا بِالكَدُوراتِ؛ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾؛ أيْ: لِأنَّها لا يَفْنى نَعِيمُها؛ مَعَ أنَّهُ مُحَقَّقٌ ولا كَدَرَ فِيهِ؛ وهي شَرٌّ مِنَ الدُّنْيا لِمَن لَمْ يَتَّقِ؛ لِأنَّ عَذابَها طَوِيلٌ؛ لا يَزُولُ؛ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾؛ أيْ: لا في دُنْياكُمْ؛ بِأنْ تَنْقُصَ آجالُكم بِقِتالِكُمْ؛ ولا أرْزاقُكم بِاشْتِغالِكُمْ؛ ولا في آخِرَتِكُمْ؛ بِأنْ يَضِيعَ شَيْءٌ مِن ثَوابِكم عَلى ما تَنالُونَهُ مِنَ المَشَقَّةِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حَكِيمٌ؛ لا يَضَعُ شَيْئًا في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ؛ فَما لَكم تَقُولُونَ قَوْلَ المُتَّهَمِ: لِمَ فَعَلْتَ؟ أتَخْشَوْنَ الظُّلْمَ في إيجابِ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ؛ وفي نَقْصِ الرِّزْقِ والعُمْرِ؟ أتَخْشَوْنَ الظُّلْمَ في إيجابِ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ؛ وفي نَقْصِ الرِّزْقِ والعُمْرِ؟ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؛ بَلْ هو - مَعَ أنَّ سُنَّتَهُ العَدْلُ؛ ولَهُ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ - يُحْسِنُ ويُعْطِي مَن تَقَبَّلَ إحْسانَهُ أتَمَّ الفَضْلِ.

4:78Page 90

أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

ولَمّا زَهَّدَهم في دارِ المَتاعِبِ والأكْدارِ عَلى تَقْدِيرِ طُولِ البَقاءِ؛ (p-٣٣٤)وكانُوا كَأنَّهم يَرْجُونَ بِتَرْكِ القِتالِ الخُلُودَ؛ أوْ تَأْخِيرَ مَوْتٍ يُسَبِّبُهُ القِتالُ؛ نَبَّهَهم عَلى ما يَتَحَقَّقُونَ؛ مِن أنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ لا بُدَّ مِن وُرُودِهِ؛ في الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ؛ وإنِ امْتَنَعَ الإنْسانُ مِنهُ في الحُصُونِ؛ أوْ رَمى نَفْسَهُ في المَتالِفِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَكِّتًا مَن قالَ ذَلِكَ؛ مُؤَكِّدًا بِـ ”ما“؛ النّافِيَةِ لِنَقِيضِ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن يُنْكِرُ المَوْتَ بِغَيْرِ القِتالِ؛ مُجِيبًا بِحاقِّ الجَوابِ؛ بَعْدَما أوْرَدَ الجَوابَ الأوَّلَ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ -: ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾؛ أيُّها النّاسُ؛ كُلُّكُمْ؛ مُطِيعُكُمْ؛ وعاصِيكُمْ؛ ﴿يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: فَإنَّهُ طالِبٌ؛ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ؛ ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾؛ أيْ: حُصُونٍ؛ بُرْجٍ داخِلَ بُرْجٍ؛ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم في بُرْجٍ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ جَمْعًا ناسَبَ التَّشْدِيدَ المُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ فِي: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾؛ أيْ: مُطَوَّلَةٍ؛ كُلُّ واحِدٍ مِنها شاهِقٌ في الهَواءِ؛ مَنِيعٌ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مَطْلِيٌّ بِالشَّيْدِ؛ أيْ: بِالجَصِّ؛ فَلا خَلَلَ فِيهِ أصْلًا؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالتَّشَيُّدِ مُجَرَّدُ الإتْقانِ؛ يَعْنِي أنَّها مُبالَغٌ في تَحْصِينِها - لِأنَّ السِّياقَ أيْضًا يَقْتَضِيهِ؛ فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فَلَأنْ يَكُونَ في الجِهادِ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ في غَيْرِهِ. (p-٣٣٥)ثُمَّ عَطَفَ ما بَقِيَ مِن أقْوالِهِمْ عَلى ما سَلَفَ مِنها؛ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ﴾ [النساء: ٧٧]؛ إلى آخِرِهِ؛ وإنْ كانَ هَذا النّاسُ مِنهم غَيْرَ الأوَّلِينَ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّ الحَذَرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ حالًا لَهُمْ؛ مُبَكِّتًا بِهِ لِمَن تَوانى في أمْرِهِ؛ مُؤْذِنًا بِالِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إعْراضًا عَنْ خِطابِهِمْ بِبَعْضِ غَضَبٍ؛ لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الإخْلالِ بِتَعْظِيمِهِمْ لِلَّهِ (تَعالى) الإخْلالَ بِالأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ؛ الَّذِي أرْسَلَهُ لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ إنْ ﴿تُصِبْهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْضَ المَدْعُوِّينَ مِنَ الأُمَّةِ؛ وهم مَن كانَ في قَلْبِهِ مَرَضٌ؛ ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ يُعْجِبُهُمْ؛ ويَحْسُنُ وقْعُهُ عِنْدَهُمْ؛ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ؛ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ لا دَخْلَ لَكَ فِيها؛ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾؛ أيْ: حالَةٌ تَسُوؤُهُمْ؛ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ؛ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ حُلُولِكَ في هَذا البَلَدِ؛ تَطَيُّرًا بِكَ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا فادِحًا؛ ولِلْفُؤادِ مُحْرِقًا؛ وقادِحًا؛ سَهَّلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنَ السَّيِّئَةِ؛ والحَسَنَةِ؛ في الحَقِيقَةِ؛ دُنْيَوِيَّةً كانَتْ أوْ أُخْرَوِيَّةً؛ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولا شَيْءَ لِغَيْرِهِ؛ وذَلِكَ - كَما قالُوا - «لَمّا ماتَ أبُو أُمامَةَ؛ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ؛ نَقِيبُ بَنِي النَّجّارِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - عِنْدَما هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ؛ (p-٣٣٦)فَقالَ النَّبِيَّ ﷺ كَما في السِّيرَةِ -: ”بِئْسَ المَيِّتُ أبُو أُمامَةَ لِيَهُودِ ومُنافِقِي العَرَبِ! يَقُولُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ؛ ولا أمْلِكُ لِنَفْسِي ولا لِصاحِبِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“؛» ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا مَعْرِفَةُ أنَّهم أخْطَؤُوا في ذَلِكَ؛ فاسْتَحَقُّوا الإنْكارَ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ -: ”فَما“؛ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ”لِهؤلاءِ“؛ وكَأنَّهُ قالَ: ﴿القَوْمِ﴾؛ الَّذِي هو دالٌّ عَلى القِيامِ؛ والكِفايَةِ؛ إمّا تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ وإمّا نِسْبَةً لَهم إلى قُوَّةِ الأبْدانِ؛ وضَعْفِ المَكانِ؛ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾؛ لا يَقْرُبُونَ مِن أنْ يَفْهَمُوا؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ أيْ: يُلْقِي إلَيْهِمْ أصْلًا فَهْمًا جَيِّدًا.

4:79Page 90

مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩

What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2

ولَمّا أجابَهم بِما هو الحَقُّ إيجادًا؛ عَلَّمَهم ما هو الأدَبُ؛ لِمُلاحَظَةِ السَّبَبِ؛ فَقالَ – مُسْتَأْنِفًا -: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾؛ أيْ: نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؛ أوْ أُخْرَوِيَّةٍ؛ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إيجادًا وفَضْلًا؛ والإيمانُ أحْسَنُ الحَسَناتِ؛ قالَ الإمامُ: إنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]؛ المُرادُ بِهِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ.

﴿وما أصابَكَ﴾؛ وأنْتَ خَيْرُ الخَلْقِ؛ ﴿مِن سَيِّئَةٍ﴾؛ أيْ: بَلاءٍ؛ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِها؛ فَغَيْرُكَ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ (p-٣٣٧)ولَمّا اقْتَضى قَوْلُهم إنْكارَ رِسالَتِهِ ﷺ؛ إلّا إنْ فَعَلَ كُلَّ خارِقٍ؛ وأخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّهُ مُسْتَوٍ مَعَ الخَلْقِ في القُدْرَةِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخْبِرًا بِما اخْتَصَّهُ بِهِ عَنْهم -: ﴿وأرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: مُخْتَصِّينَ لَكَ بِعَظَمَتِنا؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿رَسُولا﴾؛ أيْ: تَفْعَلُ ما عَلى الرُّسُلِ مِنَ البَلاغِ؛ ونَحْوِهِ؛ وقَدِ اجْتَهَدْتَ في البَلاغِ والنَّصِيحَةِ؛ ولَمْ نَجْعَلْكَ إلَهًا تَأْتِي بِما يُطْلَبُ مِنكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ؛ فَإنْ أنْكَرُوا رِسالَتَكَ فاللَّهُ يَشْهَدُ بِنَصْبِ المُعْجِزاتِ؛ والآياتِ البَيِّناتِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ لَكَ بِالرِّسالَةِ؛ والبَلاغِ؛

4:80Page 91

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠

He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

ولَمّا نَفى عِلَلَهم في التَّخَلُّفِ عَنْ طاعَتِهِ؛ إلى أنْ خَتَمَ بِالشَّهادَةِ بِرِسالَتِهِ؛ قالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ عَلى وجْهٍ عامٍّ يُسَكِّنُ قَلْبَهُ؛ ويُخَفِّفُ مِن دَوامِ عِصْيانِهِمْ لَهُ؛ دالًّا عَلى عِصْمَتِهِ في جَمِيعِ حَرَكاتِهِ؛ وسَكَناتِهِ -: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: كَما هو مُقْتَضى حالِهِ؛ ﴿فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾؛ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ لِأنَّهُ داعٍ إلَيْهِ؛ وهو لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ إنَّما يُخْبَرُ بِما يُوحِيهِ إلَيْهِ؛ ﴿ومَن تَوَلّى﴾؛ أيْ: عَنْ طاعَتِهِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّما عَصى اللَّهَ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عالِمٌ بِهِ؛ وقادِرٌ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ أرادَ لَرَدَّهُ؛ ولَوْ شاءَ لَأهْلَكَهُ بِطُغْيانِهِ؛ فاتْرُكْهُ وذاكَ“؛ (p-٣٣٨)عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ إنَّما أرْسَلْناكَ داعِيًا.

4:81Page 91

وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَحْفَظَ مَن أطاعَهُ؛ ومَن عَصاهُ؛ لِيَبْلُغَ ذَلِكَ مَن أرْسَلَهُ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أشارَ لَهُ إلى الإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ لا يُحِيطُ بِذَلِكَ عِلْمًا؛ وإنِ اجْتَهَدَ؛ شَرَعَ يُخْبِرُهُ بِبَعْضِ ما يُخْفُونَهُ؛ فَقالَ حاكِيًا لِبَعْضِ أقْوالِهِمْ؛ مُبَيِّنًا لِنِفاقِهِمْ فِيهِ؛ وخِداعِهِمْ؛ ﴿ويَقُولُونَ﴾؛ أيْ: إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ مِن أمْرِنا؛ وهم بِحَضْرَتِكَ؛ ﴿طاعَةٌ﴾؛ أيْ: كُلُّ طاعَةٍ مِنّا لَكَ دائِمًا؛ نَحْنُ ثابِتُونَ عَلى ذَلِكَ؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ؛ بِالتَّعْمِيمِ؛ ﴿فَإذا بَرَزُوا﴾؛ أيْ: خَرَجُوا؛ ﴿مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾؛ هم في غايَةِ التَّمَرُّدِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: قَدَّرَتْ؛ وزَوَّرَتْ عَلى غايَةٍ مِنَ التَّقْدِيرِ؛ والتَّحْرِيرِ؛ مَعَ الِاسْتِدارَةِ؛ والتَّقابُلِ؛ كَفِعْلِ مَن يُدَبِّرُ الأُمُورَ؛ ويُحْكِمُها؛ ويُتْقِنُها لَيْلًا؛ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أيْ: تَجَدُّدَ قَوْلِهِ لَكَ في كُلِّ حِينٍ؛ مِنَ الطّاعَةِ الَّتِي أظْهَرُوها؛ أوْ غَيْرَ قَوْلِكَ الَّذِي بَلَّغْتَهُ لَهُمْ؛ وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو؛ وحَمْزَةُ التّاءَ بَعْدَ تَسْكِينِها؛ اسْتِثْقالًا لِتَوالِي الحَرَكاتِ في الطّاءِ؛ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ؛ والطّاءُ تَزِيدُ بِالإطْباقِ؛ فَحَسُنَ إدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ؛ وأظْهَرَ الباقُونَ؛ والإدْغامُ أوْفَقُ لِحالِهِمْ؛ والإظْهارُ أوْفَقُ لِما (p-٣٣٩)فُصِحَ مِن مَحالِّهِمْ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مِن عادَتِهِ إثْباتُ الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُ تَخْلِيدَها بِالكِتابَةِ؛ أجْرى الأمْرَ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ تَبْيِيتَهُ؛ كُلَّما فَعَلُوهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ لِيُقْرِيَهم إيّاهُ يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ؛ ويُقِيمُ بِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عاداتُهُمْ؛ أوْ يُوحِيَ بِهِ إلَيْكَ فَيَفْضَحَهم بِكِتابَتِهِ؛ وتِلاوَتِهِ مَدى الدَّهْرِ؛ فَلا يَظُنُّوا أنَّ تَبْيِيتَهم يُغْنِيهِمْ شَيْئًا.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ كِفايَتُهُ ﷺ هَذا المُهِمَّ؛ قالَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّهم بِذَلِكَ لا يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ ﴿وتَوَكَّلْ﴾؛ أيْ: في شَأْنِهِمْ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ؛ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿وكِيلا﴾؛ فَسَتَنْظُرُ كَيْفَ تَكُونُ العاقِبَةُ في أمْرِكَ وأمْرِهِمْ.

4:82Page 91

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢

Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.

ولَمّا كانَ سَبَبُ إبْطانِهِمْ خِلافَ ما يُظْهِرُونَهُ اعْتِقادَ أنَّهُ ﷺ رَئِيسٌ؛ لا يَعْلَمُ إلّا ما أظْهَرُوهُ؛ لا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ - عَلى وجْهِ الإنْكارِ - إرْشادَهم (p-٣٤٠)إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى رِسالَتِهِ؛ بِما يُزِيحُ الشَّكَّ؛ ويُوَضِّحُ الأمْرَ؛ وهو تَدَبُّرُ هَذا القُرْآنِ المُتَناسِبِ المَعانِي؛ المُعْجِزِ المَبانِي؛ الفائِتِ لِقُوى المَخالِيقِ؛ المُظْهِرِ لِخَفاياهُمْ؛ عَلى اجْتِهادِهِمْ في إخْفائِها؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - دالًّا عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في القُرْآنِ؛ والِاسْتِخْراجِ لِلْمَعانِي مِنهُ -: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَأمَّلُونَ؛ يُقالُ: ”تَدَبَّرْتَ الشَّيْءَ“؛ إذا تَفَكَّرْتَ في عاقِبَتِهِ؛ وآخِرِ أمْرِهِ؛ ﴿القُرْآنَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ ما يُرادُ عِلْمُهُ مِن تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ؛ عَلى نِظامٍ لا يَخْتَلُّ؛ ونَهْجٍ لا يُمَلُّ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ تَعَلُّمِ مَعانِي القُرْآنِ؛ وفَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ إلّا ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ومَنعِ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى ما يُسَوِّغُهُ لِسانُ العَرَبِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُخْبِرْ بِأسْرارِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - كَما زَعَمَ الكُفّارُ -؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: في المَعْنى؛ بِالتَّناقُضِ؛ والتَّخَلُّفِ عَنِ الصِّدْقِ في الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ؛ أوْ بَعْضِها؛ وفي النَّظْمِ؛ بِالتَّفاوُتِ في الإعْجازِ؛ فَإذا عَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ؛ حَفِظُوا سَرائِرَهم كَما يَحْفَظُونَ عَلانِيّاتِهِمْ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالطّاعَةِ مُسْتَوٍ عِنْدَ السِّرِّ والعَلَنِ؛ والتَّقَيُّدَ بِالكَثِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ عاجِزٌ عَنِ (p-٣٤١)التَّحَرُّزِ مِنَ النَّقْصِ العَظِيمِ بِنَفْسِهِ؛ وإفْهامُهُ - عِنْدَ اسْتِثْناءِ نَقِيضِ التّالِي - وُجُودَ الِاخْتِلافِ اليَسِيرِ فِيهِ؛ تَدْفَعُهُ الصَّرائِحُ.

4:83Page 91

وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣

And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالنَّفْرِ إلى الجِهادِ؛ عَلى الحَزْمِ والحَذَرِ؛ وأوْلاهُ الإخْبارَ بِأنَّ مِنَ النّاسِ المُغَرِّرَ؛ والمُخَذِّلَ؛ تَصْرِيحًا بِالثّانِي؛ وتَلْوِيحًا إلى الأوَّلِ؛ وحَذَّرَ مِنهُما؛ ومِن غَيْرِهِما؛ إلى أنْ خَتَمَ بِأمْرِ الماكِرِينَ؛ وبِأنَّ القُرْآنَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ؛ ذَكَرَ أيْضًا المُخَذِّلِينَ والمُغَرِّرِينَ؛ عَلى وجْهٍ أصْرَحَ مِنَ الأوَّلِ؛ مُبَيِّنًا ما كانَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإذا جاءَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المُزَلْزِلِينَ؛ ﴿أمْرٌ مِنَ الأمْنِ﴾؛ مِن غَيْرِ ثَبْتٍ؛ ﴿أوِ الخَوْفِ﴾؛ كَذَلِكَ؛ ﴿أذاعُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإذاعَةَ؛ لِما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ المَفاسِدِ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِهِ؛ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِنهم بِصِدْقِهِ مِن كَذِبِهِ؛ وحَقِّهِ مِن باطِلِهِ؛ ومُتَفَقِّهِ مِن مُخْتَلَفِهِ؛ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ البالِغُ لِأهْلِ الإسْلامِ؛ أقَلُّهُ قَلْبُ الحَقائِقِ؛ قالَ في القامُوسِ: ”أذاعَهُ“؛ و”بِهِ“: أفْشاهُ؛ ونادى بِهِ في النّاسِ؛ وذَلِكَ كَما قالُوا في أمْرِ الأمْنِ؛ حِينَ انْهَزَمَ أهْلُ الشِّرْكِ بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَتَرَكُوا المَرْكَزَ الَّذِي وضَعَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وخالَفُوا أمْرَهُ؛ وأمْرَ أمِيرِهِمْ؛ فَكانَ سَبَبَ كَرَّةِ المُشْرِكِينَ؛ وهَزِيمَةِ المُؤْمِنِينَ؛ وفي أمْرِ الخَوْفِ؛ حِينَ صاحَ الشَّيْطانُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؛ فَصَدَّقُوهُ؛ وأذاعَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ وانْهَزَمُوا؛ وأرادُوا الِاسْتِجارَةَ بِالكُفّارِ مِن أبِي سُفْيانَ؛ (p-٣٤٢)وأبِي عامِرٍ؛ وكَذا ما أشاعُوهُ عِنْدَ الخُرُوجِ إلى ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ؛ مِن أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَهم ما لا يُحْصى كَثْرَةً؛ وأنَّهم إنْ لَقُوهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإرْجافِ؛ إلى أنْ صارَتِ المَدِينَةُ تَفُورُ بِالشَّرِّ فَوَرانَ المِرْجَلِ؛ حَتّى أحْجَمُوا كُلُّهم - أوْ إلّا أقَلَّهم - حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ“؛» فاسْتَجابُوا حِينَئِذٍ؛ وأكْسَبَهم هَذا القَوْلُ شَجاعَةً؛ وأنالَهم طُمَأْنِينَةً؛ فَرَجَعُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ؛ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ؛ كَما وعَدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ورَسُولُهُ ﷺ إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا؛ فَكَذَبَ ظَنُّهُمْ؛ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ؛ وفي هَذا إرْشادٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِما يَكْذِبُ مِن أخْبارِهِمْ هَذِهِ الَّتِي يُشِيعُونَها؛ ويَخْتَلِفُ؛ وأنَّ ما كانَ مِن غَيْرِهِ (تَعالى) فَمُخْتَلِفٌ - وإنْ تَحَرّى فِيهِ مُتَشَبِّهٌ - وإنْ جَلَّ عَقْلُهُ وتَناهى نُبْلُهُ؛ إلّا إنِ اسْتَنَدَ عَقْلُهُ إلى ما ورَدَ عَنِ العالِمِ بِالعَواقِبِ؛ المُحِيطِ بِالكَوائِنِ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ -؛ وإلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ؛ وأنَّ تَقْلِيدَ القاصِرِ لِلْعالِمِ واجِبٌ؛ وأنَّ الِاسْتِنْباطَ واجِبٌ عَلى العُلَماءِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ (p-٣٤٣)رَأْسُ العُلَماءِ؛ وإلى ذَلِكَ يُومِئُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي لا نَصَّ فِيهِ؛ مِن قَبْلِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: نَفْسِهِ - إنْ كانَ مَوْجُودًا -؛ وأخْبارِهِ - إنْ كانَ مَفْقُودًا -؛ ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: المُتَأهِّلِينَ لِأنْ يَأْمُرُوا ويَنْهَوْا؛ مِنَ الأُمَراءِ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ مِنَ العُلَماءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿لَعَلِمَهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ؛ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهَلْ هو مِمّا يُذاعُ؛ أوْ لا؛ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾؛ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِفِطْنَتِهِمْ؛ وتَجْرِبَتِهِمْ؛ كَما يَسْتَخْرِجُ الإنْباطُ المِياهَ؛ ومَنافِعَ الأرْضِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الرَّسُولِ؛ وأُولِي الأمْرِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ ورَحْمَتُهُ بِالرَّسُولِ؛ ووُرّاثِ عِلْمِهِ؛ لاسْتُبِيحَتْ بِإشاعاتِهِمْ هَذِهِ بَيْضَةُ الدِّينِ؛ واضْمَحَلَّتْ أُمُورُ المُسْلِمِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُتَّسِمُونَ بِالإسْلامِ؛ بِإنْزالِ الكِتابِ؛ وتَقْوِيمِ العُقُولِ؛ ﴿ورَحْمَتُهُ﴾؛ بِإرْسالِ الرَّسُولِ؛ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾؛ أيْ: المَطْرُودَ المُحْتَرِقَ؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ فَإنَّهم لا يَتَّبِعُونَهُ حِفْظًا مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ بِما وهَبَهم مِن صَحِيحِ العَقْلِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ رَسُولٍ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَواضِعِ المُسْتَعْصِيَةِ عَلى الأفْهامِ؛ بِدُونِ تَوْقِيفٍ عَلى المُرادِ بِالفَضْلِ؛ إلّا عِنْدَ مَن آتاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عِلْمًا بِالمُناسَباتِ؛ وفَهْمًا ثاقِبًا بِالمُرادِ بِالسِّياقاتِ؛ وفِطْنَةً بِالأحْوالِ والمَقاماتِ؛ (p-٣٤٤)تُقَرِّبُ مِنَ الكَشْفِ؛ وذَلِكَ أنَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ حُكْمِ المُسْتَثْنى لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ؛ وهو هُنا مَن وُجِدَ عَلَيْهِمُ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ؛ فاهْتَدَوْا؛ ومُخالَفَةُ المُسْتَثْنى لَهم تَكُونُ بِأحَدِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ كُلٌّ مِنها فاسِدٌ؛ إمّا بِأنْ يُعْدَمُوا الفَضْلَ فَيَتَّبِعُوهُ؛ ويَلْزَمَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الضّالُّ أقَلَّ مِنَ المُهْتَدِي؛ وهو خِلافُ المُشاهَدِ؛ أوْ بِأنْ يُعْدَمُوهُ فَلا يَتَّبِعُوهُ؛ فَيَكُونُوا مُهْتَدِينَ مِن غَيْرِ فَضْلٍ؛ أوْ بِأنْ يُوجَدَ عَلَيْهِمُ الفَضْلُ فَيَتَّبِعُوهُ؛ فَيَكُونُوا ضالِّينَ مَعَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ؛ اللَّذَيْنِ كانا سَبَبًا في امْتِناعِ الضَّلالِ عَنِ المُخاطَبِينَ؛ فَيَكُونانِ تارَةً مانِعَيْنِ؛ وتارَةً غَيْرَ مانِعَيْنِ؛ فَلَمْ يُفِيدا إذَنْ؛ مَعَ أنَّهُ أيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الضّالُّ أقَلَّ مِنَ المُهْتَدِي؛ فَإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ الإرْسالُ؛ وضَحَ المَعْنى؛ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”ولَوْلا إرْسالُ الرَّسُولِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ؛ فَإنَّهم لا يَتَّبِعُونَهُ مِن غَيْرِ إرْشادِ الرَّسُولِ؛ بَلْ بِهِدايَةٍ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وفَضْلٍ؛ بِلا واسِطَةٍ؛ كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ؛ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ؛ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ“؛ والدَّلِيلُ عَلى هَذا المُقَدَّرِ أنَّ السِّياقَ لِرَدِّ الأشْياءِ كُلِّها إلى الرَّسُولِ ﷺ؛ والمَنعِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ بِشَيْءٍ دُونَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском