Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:92–100
4:92Page 93
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢
And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.
ولَمّا بَيَّنَ أقْسامَهُمْ؛ بَيانًا ظَهَرَ مِنهُ أنَّ أحْوالَهم مُلْبِسَةٌ؛ وأمَرَ بِقِتالِهِمْ؛ مَعَ الِاجْتِهادِ في تَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ؛ وكانَ رُبَّما قُتِلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِسَبَبِ الإلْباسِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - المُرادِ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ مُخْرِجًا لَهُ في صُورَةِ النَّفْيِ المُؤَكِّدِ بِالكَوْنِ؛ لِتَغْلِيظِ الزَّجْرِ عَنْهُ؛ لِما لِلنُّفُوسِ عِنْدَ الحُظُوظِ مِنَ الدَّواعِي إلى القَتْلِ -: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾؛ أيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ ﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: في حالٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿إلا خَطَأً﴾؛ أيْ: في حالَةِ الخَطَإ؛ بِألّا يَقْصِدَ القَتْلَ؛ أوْ لا يَقْصِدَ الشَّخْصَ؛ أوْ يَقْصِدَهُ (p-٣٦١)بِما لا يُقْصَدُ بِهِ زَهُوقُ الرُّوحِ؛ أوْ لا يَقْصِدَ ما هو مَمْنُوعٌ مِنهُ؛ كَمَن يَرْمِي إلى صَفِّ الكُفّارِ وفِيهِمْ مُسْلِمٌ؛ أوْ بِأنْ يَكُونَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ؛ فَإنَّ القَتْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِحَرامٍ؛ وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في أقْسامِ المُنافِقِينَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي التَّثَبُّتُ؛ والتَّحَرِّي في جَمِيعِ أمْرِ القَتْلِ؛ مَتى احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ القاتِلُ مُؤْمِنًا؛ احْتِمالًا لا تَقْضِي العادَةُ بِقُرْبِهِ؛ فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ بَيانُ حُكْمِ الخَطَإ؛ ولامُ الِاخْتِصاصِ قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما لا مانِعَ مِنهُ: «”فَإنَّما هي لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ“؛» وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِيُفِيدَ بِإيجابِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ غايَةَ الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِ المُؤْمِنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هَذا جَزاءَ ما هو لَهُ؛ فَما الظَّنُّ بِما لَيْسَ لَهُ؟! فَقالَ (تَعالى): ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾؛ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا؛ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالوَصْفِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وإنْ أُلْزِمَ بِهِ في الظّاهِرِ؛ ﴿خَطَأً﴾؛ ولَمّا كانَ الخَطَأُ مَرْفُوعًا عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ يُظَنُّ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلى المُخْطِئِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ في القَتْلِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ؛ لِأنَّ الأمْرَ فِيها خَطِرٌ جِدًّا؛ فَقالَ - مُغْلِظًا عَلَيْهِ؛ حَثًّا عَلى زِيادَةِ النَّظَرِ؛ والتَّحَرِّي عِنْدَ فِعْلِ ما قَدْ يَقْتُلُ -: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ﴾؛ أيْ: نَفْسٍ - عَبَّرَ بِها عَنْها لِأنَّها لا تَعِيشُ بِدُونِها - (p-٣٦٢)كامِلَةِ الرِّقِّ؛ ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾؛ ولَوْ بِبَيْعِ الدّارِ؛ أوِ البَساتِينِ؛ سَلِيمَةٍ عَمّا يُخِلُّ بِالعَمَلِ؛ وقَدَّمَ التَّحْرِيرَ هُنا حَثًّا عَلى رَتْقِ ما خُرِقَ مِن حِجابِ العَبْدِ؛ وإيجابُ ذَلِكَ في الخَطَإ إيجابٌ لَهُ في العَمْدِ؛ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ وكَأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ في العَمْدِ لِأنَّهُ تَخْفِيفٌ في الجُمْلَةِ؛ والسِّياقُ لِلتَّغْلِيظِ؛ ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أيْ: مُؤَدّاةٌ بِيُسْرٍ؛ وسُهُولَةٍ؛ ﴿إلى أهْلِهِ﴾؛ أيْ: ورَثَتِهِ؛ يَقْتَسِمُونَها كَما يُقَسَّمُ المِيراثُ؛ ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾؛ أيْ: يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ في كُلِّ حالٍ؛ إلّا في حالِ تَصَدُّقِهِمْ بِالعَفْوِ عَنِ القاتِلِ؛ بِإبْرائِهِ مِنَ الدِّيَةِ؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ؛ وعَبَّرَ بِالصَّدَقَةِ تَرْغِيبًا؛ ﴿فَإنْ كانَ﴾؛ أيْ: المَقْتُولُ؛ ﴿مِن قَوْمٍ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ مَنعَةٌ؛ ﴿عَدُوٍّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مُحارِبِينَ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلى القاتِلِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّحَرِّي في جَوْدَةِ إسْلامِها؛ وقَدْ أسْقَطَ هَذا حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الكَفّارَةِ؛ بِسُكْناهُ في دارِ الحَرْبِ؛ الَّتِي هي دارُ الإباحَةِ؛ أوْ وُقُوعِهِ في صَفِّهِمْ؛ ولِعَدِّهِ في عِدادِهِمْ؛ قالَ: ”مِن“؛ ومَعْناهُ - كَما قالَ الشّافِعِيُّ؛ وغَيْرُهُ؛ تَبَعًا لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: في ”وإنْ كانَ“؛ أيْ: المَقْتُولُ؛ ”مِن قَوْمٍ“؛ أيْ: كَفَرَةٍ أيْضًا؛ عَدُوٍّ لَكُمْ؛ ”بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ“؛ وهو كافِرٌ مِثْلُهُمْ؛ ”فَدِيَةٌ“؛ أيْ: فالواجِبُ فِيهِ - كالواجِبِ (p-٣٦٣)فِي المُؤْمِنِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ - ”دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ“؛ عَلى حَسَبِ دِينِهِ؛ إنْ كانَ كِتابِيًّا فَثُلُثُ دِيَةِ المُسْلِمِ؛ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا فَثُلُثا عُشْرِها؛ ”وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ“؛ وكَأنَّهُ قَدَّمَ الدِّيَةَ هُنا إشارَةً إلى المُبادَرَةِ بِها؛ حِفْظًا لِلْعَهْدِ؛ ولِتَأْكِيدِ أمْرِ التَّحْرِيرِ بِكَوْنِهِ خِتامًا؛ كَما كانَ افْتِتاحًا؛ حَثًّا عَلى الوَفاءِ بِهِ؛ لِأنَّهُ أمانَةٌ؛ لا طالِبَ لَهُ إلّا اللَّهُ؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ: إنَّ سِرَّ ذَلِكَ أنَّ إيجابَهُ في المُؤْمِنِ أوْلى مِنَ الدِّيَةِ؛ وبِالعَكْسِ هَهُنا؛ انْتَهى.
وكانَ سِرُّهُ النَّظَرُ إلى خَيْرِ الدِّينِ في المُؤْمِنِ؛ وإلى حِفْظِ العَهْدِ في الكافِرِ؛ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾؛ أيْ: الرَّقَبَةَ؛ ولا ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها؛ ﴿فَصِيامُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ؛ ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾؛ حَتّى لَوْ أفْطَرَ يَوْمًا واحِدًا بِغَيْرِ حَيْضٍ؛ أوْ نِفاسٍ؛ وجَبَ الِاسْتِئْنافُ؛ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عادًّا لِلْخَطَإ - بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاللّامِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ مُباحٌ - ذَنْبًا؛ تَغْلِيظًا لِلْحَثِّ عَلى مَزِيدِ الِاحْتِياطِ: ﴿تَوْبَةً﴾؛ أيْ: أوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْكم لِأجْلِ قَبُولِ التَّوْبَةِ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ.
ولَمّا كانَ الكَفّاراتُ مِنَ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ بِمَكانٍ؛ رَغَّبَ فِيها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِخَتْمِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ (p-٣٦٤)﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِما يُصْلِحُكم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ وبِما يَقَعُ خَطَأً في نَفْسِ الأمْرِ؛ أوْ عَمْدًا؛ فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِنَصْبِ الأحْكامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ في نَصْبِهِ الزَّواجِرَ بِالكَفّاراتِ؛ وغَيْرِها؛ فالزَمُوا أوامِرَهُ؛ وباعِدُوا زَواجِرَهُ؛ لِتَفُوزُوا بِالعِلْمِ؛ والحِكْمَةِ.
4:93Page 93
وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣
But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.
ولَمّا ساقَ (تَعالى) الخَطَأ مَساقَ ما هو لِلْفاعِلِ؛ مُنَفِّرًا عَنْهُ هَذا التَّنْفِيرَ؛ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ أنْ يَذْكُرَ ما لَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ؛ إذْ كانَ ضَبْطُ النَّفْسِ بَعْدَ إرْسالِها شَدِيدًا؛ فَرُبَّما سَهَّلَتْ قَتْلَ مَن تَحَقَّقَ إسْلامُهُ إحْنَةٌ؛ وجَرَّتْ إلَيْهِ ضَغِينَةٌ؛ وقَوَّتِ الشُّبَهَ فِيهِ شِدَّةُ شَكِيمَةٍ؛ ولَعَمْرِي إنَّ الحَمْلَ عَلى الكَفِّ بَعْدَ الإرْسالِ أصْعَبُ مِنَ الحَمْلِ عَلى الإقْدامِ؛ وإنَّما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن جَرَّبَ النُّفُوسَ حالَ الإشْرافِ عَلى الظَّفَرِ؛ واللَّذاذَةِ بِالِانْتِقامِ مَعَ القُوى؛ والقُدْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾؛ ولَعَلَّهُ أشارَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ إلى دَوامِ العَزْمِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأجْلِ الإيمانِ؛ وهو لا يَكُونُ إلّا كُفْرًا؛ وتَرَكَ الكَلامَ مُحْتَمِلًا زِيادَةَ تَنْفِيرٍ مِن قَتْلِ المُسْلِمِ؛ ﴿مُتَعَمِّدًا﴾؛ أيْ: وأمّا الخَطَأُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ في المُؤْمِنِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿فَجَزاؤُهُ﴾؛ أيْ: عَلى ذَلِكَ؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: تَتَلَقّاهُ بِحالَةٍ كَرِيهَةٍ جِدًّا؛ كَما تَجَهَّمَ المَقْتُولَ؛ (p-٣٦٥)﴿خالِدًا فِيها﴾؛ أيْ: ماكِثًا إلى ما لا آخِرَ لَهُ؛ ﴿وغَضِبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾؛ أيْ: وأبْعَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ؛ ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: لا تَبْلُغُ مَعْرِفَتَهُ عُقُولُكُمْ؛ وإنْ عُمِّمَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ الَّذِي خَصَّها ما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ لا آيَةُ ”الفُرْقانِ“؛ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ.
4:94Page 93
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤
O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذا المَنعِ الشَّدِيدِ مِن قَتْلِ العَمْدِ؛ وما في قَتْلِ الخَطَإ مِنَ المُؤاخَذَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّثَبُّتِ؛ وكانَ الأمْرُ قَدْ بَرَزَ بِالقِتالِ؛ والقَتْلِ في الجِهادِ؛ ومُؤَكَّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ؛ وكانَ رُبَّما التَبَسَ الحالُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ التَّصْرِيحَ بِالأمْرِ بِالتَّثَبُّتِ؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا نَفْعَلُ بَيْنَ أمْرَيِ الإقْدامِ؛ والإحْجامِ؟ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ؛ والتَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ الَّذِي هو لِأدْنى الأسْنانِ؛ إلى أنَّ الرّاسِخِينَ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ في التَّأْدِيبِ؛ وما أحْسَنَ التِفاتَهُ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]؛ إشارَةً مِنهُ (تَعالى) إلى أنَّهم يَتَأثَّرُونَ مِن تَحْرِيضِهِ ﷺ؛ (p-٣٦٦)ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ؛ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ”إذا“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا ضَرَبْتُمْ﴾؛ أيْ: سافَرْتُمْ؛ وسِرْتُمْ في الأرْضِ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ لِأجْلِ وجْهِهِ خالِصًا؛ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أيْ: اطْلُبُوا بِالتَّأنِّي؛ والتَّثَبُّتِ؛ بَيانَ الأُمُورِ؛ والثَّباتَ في تَلَبُّسِها؛ والتَّوَقُّفَ الشَّدِيدِ عِنْدَ مَنالِها؛ وذَلِكَ بِتَمَيُّزِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ وانْكِشافِ لَبْسِها غايَةَ الِانْكِشافِ؛ ولا تُقْدِمُوا إلّا عَلى ما بانَ لَكُمْ؛ ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ قَوْلًا؛ فَضْلًا عَمّا هو أعْلى مِنهُ؛ ﴿لِمَن ألْقى﴾؛ أيْ: كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾؛ أيْ: بادَرَ بِأنْ حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ؛ مُلْقِيًا قِيادَهُ؛ ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: بَلْ مُتَعَوِّذٌ؛ لِتَقْتُلُوهُ.
ولَمّا كانَ اتِّباعُ الشَّهَواتِ عِنْدَ العَرَبِ في غايَةِ الذَّمِّ؛ قالَ - مُوَبِّخًا؛ مُنَفِّرًا عَنْ مِثْلِ هَذا؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ”تَقُولُوا“ - ﴿تَبْتَغُونَ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم تَطْلُبُونَ طَلَبًا حَثِيثًا؛ بِقَتْلِهِ؛ ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِأخْذِ ما مَعَهُ مِنَ الحُطامِ الفانِي؛ والعَرَضِ الزّائِلِ؛ أوْ بِإدْراكِ ثَأْرٍ كانَ لَكم قِبَلَهُ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في آخِرِ كِتابِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: ”﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ قالَ: (p-٣٦٧)كانَ رَجُلٌ في غَنِيمَةٍ لَهُ؛ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ؛ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وأخَذُوا غَنِيمَتَهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في ذَلِكَ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾“؛ ورَواهُ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وزادَ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾؛ تُخْفُونَ إيمانَكُمْ؛ وأنْتُمْ مَعَ المُشْرِكِينَ؛ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ وأظْهَرَ الإسْلامَ؛ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ﴿مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾؛ أيْ: يُغْنِيكم بِها عَمّا تَطْلُبُونَ مِنَ العَرَضِ؛ مَعَ طِيبِها؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ مِن أصْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ هَذا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ؛ بِجَعْلِكم إيّاهُ بَعِيدًا عَنِ الإسْلامِ؛ ﴿كُنْتُمْ﴾؛ وبَعَّضَ زَمانَ القَتْلِ - كَما هو الواقِعُ - بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَما نَطَقْتُمْ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ؛ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ ألْقى في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ قَبُولَ ما أظْهَرْتُمُ؛ امْتِثالًا لِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِذَلِكَ؛ فَقَوّى أمْرَ الإيمانِ في قُلُوبِكم قَلِيلًا قَلِيلًا؛ (p-٣٦٨)حَتّى صِرْتُمْ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الرُّسُوخِ في الدِّينِ؛ والشُّهْرَةِ بِهِ؛ والعِزِّ؛ ولَوْ شاءَ لَقَسّى قُلُوبَكُمْ؛ وسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ؛ فَقَتَلُوكُمْ؛ فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَعَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الدِّينِ مِنَ القَبُولِ ما فَعَلَ بِكُمْ؛ وهو مَعْنى ما سَبَّبَ عَنِ الوَعْظِ مِن قَوْلِهِ - تَأْكِيدًا لِما مَضى؛ إعْلامًا بِفَظاعَةِ أمْرِ القَتْلِ -: ”فَتَبَيَّنُوا“؛ أيْ: الأُمُورَ؛ وتَثَبَّتُوا فِيها حَتّى تَنْجَلِيَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ - مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُخْتَصَّ بِأنَّهُ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ؛ ﴿كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أيْ: يَعْلَمُ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ؛ عَنْ تَبْيِينٍ؛ وغَيْرِهِ؛ فاحْذَرُوهُ بِحِفْظِ بَواطِنِكُمْ؛ وظَواهِرِكم.
4:95Page 94
لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥
Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -
ولَمّا ناسَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما قَبْلَها مِن آيَةِ القَتْلِ العَمْدِ؛ والتَفَتَتْ إلى: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]؛ وإلى آيَةِ التَّحِيَّةِ؛ فاشْتَدَّ اعْتِناقُها لَهُما؛ وعُلِمَ بِها أنَّ في الضَّرْبِ في سَبِيلِ اللَّهِ هَذا الخَطَرَ؛ فَكانَ رُبَّما فُتِّرَ عَنْهُ؛ بَيَّنَ فَضْلَهُ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ”فَحِينَئِذٍ نَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ لِنَسْلَمَ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الجِهادِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ لِيُفِيدَ التَّصْرِيحَ بِتَفْضِيلِ المُؤْمِنِ المُجاهِدِ عَلى المُؤْمِنِ القاعِدِ؛ لِئَلّا يَخُصَّهُ أحَدٌ بِالكافِرِ الجاحِدِ.
ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن عَذَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِرَحْمَتِهِ؛ اسْتَثْناهُمْ؛ (p-٣٦٩)فَقالَ - واصِفًا لِلْقاعِدِينَ؛ أوْ مُسْتَثْنِيًا مِنهم -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ أيْ: المانِعِ؛ أوِ العائِقِ عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ مِن عِوَجٍ؛ أوْ مَرَضٍ؛ أوْ عَمًى؛ ونَحْوِهِ؛ وبِهَذا بانَ أنَّ الكَلامَ في المُهاجِرِينَ؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْلى عَلَيْهِ: ”لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ“؛ فَجاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ وهو يُمِلُّها عَلَيَّ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ واللَّهِ لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ - وكانَ أعْمى -؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى رَسُولِهِ؛ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ فَثَقُلَتْ عَلَيَّ؛ حَتّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ فَخِذِي؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾» وأخْرَجَهُ في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ الآيَةُ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ادْعُ لِي زَيْدًا؛ ولْيَجِئْ بِاللَّوْحِ؛ والدَّواةِ؛ والكَتِفِ“؛ ثُمَّ قالَ: ”اكْتُبْ“؛» فَذَكَرَهُ؛ وحَدِيثُ زَيْدٍ أخْرَجَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ؛ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ؛ وفي رِوايَةِ أبِي داوُدَ: قالَ: «كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَخِذِي؛ فَما وجَدْتُ شَيْئًا أثْقَلَ مِن فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَقالَ لِي: ”اكْتُبْ“؛ (p-٣٧٠)فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ إلى آخِرِها؛ فَقامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وكانَ رَجُلًا أعْمى - لَمّا سَمِعَ فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟ فَلَمّا قَضى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ ووَجَدْتُ مِن ثِقْلِها في المَرَّةِ الثّانِيَةِ كَما وجَدْتُ في المَرَّةِ الأُولى؛ فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”اقْرَأْ يا زَيْدُ“؛ فَقَرَأْتُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ فَقالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ الآيَةَ كُلَّها؛ قالَ زَيْدٌ: أنْزَلَها اللَّهُ وحْدَها؛ فَألْحَقْتُها؛ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِكَأنِي أنْظُرُ إلى مُلْحَقِها عِنْدَ صَدْعٍ في كَتِفٍ؛» ورَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ؛ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ؛ وفِيهِ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ دامَ بَصَرَهُ؛ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ؛ وفَرَّغَ سَمْعَهُ وقَلْبَهُ؛ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ».
ولَمّا ذَكَرَ القاعِدَ أتْبَعَهُ قَسِيمَهُ؛ المُجاهِدَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي مَن سَلَكَهُ وصَلَ إلى رَحْمَتِهِ؛ ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ نَفْيُ المُساواةِ سَبَبًا لِتَرَقُّبِ كُلٍّ مِنَ الحِزْبَيْنِ الأفْضَلِيَّةَ؛ لِأنَّ القاعِدَ؛ وإنْ فاتَهُ الجِهادُ؛ فَقَدْ تَخَلَّفَ الغازِيَ في أهْلِهِ؛ إذْ يُحْيِي الدِّينَ بِالِاشْتِغالِ بِالعِلْمِ؛ ونَحْوِهِ؛ قالَ (p-٣٧١)- مُسْتَأْنِفًا -: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿المُجاهِدِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المالُ في أوَّلِ الأمْرِ ضَيِّقًا؛ قالَ - مُقَدِّمًا لِلْمالِ -: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: جِهادًا كائِنًا بِالفِعْلِ؛ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾؛ أيْ: عَنْ ذَلِكَ؛ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ؛ بِكَوْنِهِمْ في دارِ الهِجْرَةِ؛ ﴿دَرَجَةً﴾؛ أيْ: واحِدَةً؛ كامِلَةً؛ لِأنَّهم لَمْ يَفُوقُوهم بِغَيْرِها؛ وفي البُخارِيِّ؛ في المَغازِي؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -:
”لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنْ“بَدْرٍ”؛ والخارِجُونَ إلى“بَدْرٍ".
ولَمّا شَرَكَ بَيْنَ المُجاهِدِينَ؛ والقاعِدِينَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلا﴾؛ أيْ: مِنَ الصِّنْفَيْنِ؛ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ أجْرًا عَلى إيمانِهِمْ؛ ﴿الحُسْنى﴾؛ بَيَّنَ أنَّ القاعِدَ المُشارِكَ إنَّما هو الَّذِي بِهِ قُوَّةُ الجِهادِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ؛ وهو التَّمَكُّنُ مِن تَنْفِيذِ الأمْرِ؛ بِسَبَبِ هِجْرَتِهِ لِأرْضِ الحَرْبِ؛ وكَوْنِهِ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ؛ وأمّا القاعِدُ عَنِ الهِجْرَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ فَلَيْسَ بِمُشارِكٍ في ذَلِكَ؛ بَلْ هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِن تَنْفِيذِ الأوامِرِ؛ فَلا هو مُجاهِدٌ بِالفِعْلِ؛ ولا بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَلا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ ﴿المُجاهِدِينَ﴾؛ أيْ: بِالفِعْلِ مُطْلَقًا؛ بِالنَّفْسِ؛ أوِ المالِ؛ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾؛ أيْ: عَنِ الأسْبابِ المُمَكِّنَةِ مِنَ الجِهادِ؛ ومِنَ الهِجْرَةِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛
4:96Page 94
دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦
Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دَرَجاتٍ﴾؛ (p-٣٧٢)وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ وهي دَرَجَةُ الهِجْرَةِ؛ ودَرَجَةُ التَّمَكُّنِ مِنَ الجِهادِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ ودَرَجَةُ مُباشَرَةِ الجِهادِ بِالفِعْلِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ زَلَلٍ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ؛ قالَ: ﴿ومَغْفِرَةً﴾؛ أيْ: مَحْوًا لِذُنُوبِهِمْ؛ بِحَيْثُ إنَّها لا تُذْكَرُ؛ ولا يُجازى عَلَيْها؛ ﴿ورَحْمَةً﴾؛ أيْ: كَرامَةً؛ ورِفْعَةً؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِالأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ ما لَمْ يَكُنْ؛
4:97Page 94
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧
Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأبْلَغِ حَثٍّ عَلى الهِجْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: تَقْبِضُ أرْواحَهم كامِلَةً؛ عَلى ما عِنْدَهم مِن نَقْصِ بَعْضِ المَعانِي؛ بِما تَرَكُوا مِن رُكْنِ الهِجْرَةِ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ؛ وفي الحَذْفِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ إذا تَرَكَ مَن يَسْعى في جَبْرِهِ بِصَدَقَةٍ؛ أوْ حَجٍّ؛ ونَحْوِهِ مِن أفْعالِ البِرِّ؛ جُبِرَ؛ لِأنَّ الأساسَ الَّذِي تُبْنى عَلَيْهِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ مَوْجُودٌ؛ وهو الإيمانُ؛ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: بِالقُعُودِ عَنِ الجِهادِ؛ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ؛ والإقامَةِ في بِلادِ الحَرْبِ؛ حَيْثُ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن إقامَةِ شَعائِرِ الدِّينِ كُلِّها؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ؛ مُوَبِّخِينَ لَهُمْ؛ ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ كانَتْ إقامَتُكم في بِلادِ الحَرْبِ؟
ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّوْبِيخَ؛ لِأجْلِ تَرْكِ الهِجْرَةِ (p-٣٧٣)﴿قالُوا﴾؛ مُعْتَذِرِينَ؛ ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: أرْضِ الكُفّارِ؛ لا نَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ الدِّينِ؛ وكَأنَّهم أطْلَقُوها إشارَةً إلى أنَّها عِنْدَهم لِاتِّساعِها؛ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ؛ هي الأرْضُ كُلُّها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ قُنِعَ مِنهم بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لا؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُعَفاءَ عَنِ الهِجْرَةِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: فَما قِيلَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ - بَيانًا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُعَفاءَ عَنِ الهِجْرَةِ إلى مَوْضِعٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ عَلى دِينِهِمْ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿واسِعَةً فَتُهاجِرُوا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ اتِّساعِها؛ كُلَّ مَن يُعادِيكم في الدِّينِ؛ ضارِبِينَ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: إلى حَيْثُ يَزُولُ عَنْكُمُ المانِعُ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الجِهادِ أوَّلًا فِي: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥]؛ دَلِيلٌ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا؛ بَعْدَ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ وذِكْرُ الهِجْرَةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِها أوَّلًا؛ بِالقُعُودِ عَنْها؛ ولِذَلِكَ خَصَّ الطّائِفَةَ الأُولى بِوَعْدِ الحُسْنى.
ولَمّا وُبِّخُوا عَلى تَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ؛ سُبِّبَ عَنْهُ جَزاؤُهُمْ؛ فَقِيلَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ اجْتِهادِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ؛ ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: لِتَرْكِهِمُ الواجِبَ؛ وتَكْثِيرِهِمْ سَوادَ الكُفّارِ؛ وانْبِساطِهِمْ في (p-٣٧٤)وُجُوهِ أهْلِ النّاسِ؛ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ والفِتَنِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ؛ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم فَيَقْتُلُهُ؛ أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ﴾
4:98Page 94
إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨
Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -
ولَمّا تَوَعَّدَ عَلى تَرْكِ الهِجْرَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما زادَ القاعِدَ عَنْها تَخْوِيفًا؛ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في المَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالقُدْرَةِ؛ عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُكْمِ؛ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - بَيانًا لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهم كاذِبُونَ في ادِّعائِهِمْ الِاسْتِضْعافَ -: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وُجِدَ ضَعْفُهم في نَفْسِ الأمْرِ؛ وعُدُّوا ضُعَفاءَ؛ وتَقَوّى عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ؛ ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ضَعْفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾؛ أيْ: في إيقاعِ الهِجْرَةِ؛ ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى ذَلِكَ.
4:99Page 94
فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩
For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.
ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ شَدِيدَةً؛ وكانَ رُبَّما تَرَكَها بَعْضُ الأقْوِياءِ واعْتَلَّ بِالضَّعْفِ؛ ورُبَّما ظَنَّ القادِرُ مَعَ المَشَقَّةِ أنَّهُ لَيْسَ بِقادِرٍ؛ نَفَّرَ مِن ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ ولَمّا كانَ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ (p-٣٧٥)ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ بَلْ لَهُ أنْ يُعَذِّبَ الطّائِعَ؛ ويُنَعِّمَ العاصِي؛ ويَفْعَلَ ويَقُولَ ما يَشاءُ؛ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]؛ أحَلَّ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ مَحَلَّ الرَّجاءِ؛ إيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ في غايَةِ الخَطَرِ؛ فَقالَ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَرْجُوُّ؛ والخَلِيقُ؛ والجَدِيرُ مِنَ المُلْكِ؛ المُحِيطُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: ولَوْ آخَذَهم لَكانَ لَهُ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن نَحْوِ هَذا فَهو لِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: ”إنَّ“عَسى”؛ مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ“؛ مَعْناهُ أنَّهُ مَعَ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَفْعَلُ إلّا ما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ عَلى ما يَسْتَصْوِبُهُ مِنهاجُ العَقْلِ السَّلِيمِ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَفُوًّا﴾؛ أيْ: يَمْحُو الذَّنْبَ؛ إذا أرادَ؛ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ وقَدْ يُعاتِبُ عَلَيْهِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: يُزِيلُ أثَرَهُ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ بِحَيْثُ لا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ ولا يُعاتِبُ؛ ولا يَكُونُ بِحَيْثُ يُذْكَرُ أصْلًا؛ ولَعَلَّ العَفْوَ راجِعٌ إلى الرِّجالِ؛ والغُفْرانَ إلى النِّساءِ والوِلْدانِ.
4:100Page 94
۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠
And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
ولَمّا رَهَّبَ مِن تَرْكِ الهِجْرَةِ؛ رَغَّبَ فِيها بِما يُسَلِّي عَمّا قَدْ يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ؛ مِن أنَّهُ لَوْ فارَقَ - رَفاهِيَةً - الوَطَنَ؛ وقَعَ في شِدَّةِ الغُرْبَةِ؛ وأنَّهُ رُبَّما تَجَشَّمَ المَشَقَّةَ؛ فاخْتَرَمَ قَبْلَ بُلُوغِ القَصْدِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومَن يُهاجِرْ﴾؛ أيْ: يُوقِعِ الهِجْرَةَ لِكُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ورَسُولُهُ ﷺ بِهِجْرَتِهِ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِن (p-٣٧٦)مُلْكِهِ؛ ولا أوْضَحَ مِن سَبِيلِهِ؛ ولا أوْسَعَ؛ ﴿يَجِدْ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: في ذاتِ الطُّولِ والعَرْضِ؛ ﴿مُراغَمًا﴾؛ أيْ: مَهْرَبًا؛ ومَذْهَبًا؛ ومُضْطَرَبًا؛ يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْمُراغَمَةِ؛ يُغْضِبُ الأعْداءُ بِهِ؛ ويُرْغِمُ أُنُوفَهم بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ وحُسْنِ الحالِ؛ فَيَخْجَلُ مِمّا جَرُّوهُ مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ؛ مِن ”الرَّغْمُ“؛ وهو الذُّلُّ؛ والهَوانُ؛ وأصْلُهُ: لُصُوقُ الأنْفِ بِالرَّغامِ؛ وهو التُّرابُ؛ تَقُولُ: ”راغَمْتُ فُلانًا“؛ أيْ: هَجَرْتَهُ؛ وهو يَكْرَهُ مُفارَقَتَكَ؛ لِذِلَّةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ المَوْضِعُ؛ وإنْ كانَ واحِدًا؛ فَإنَّهُ لِكِبَرِهِ ذُو أجْزاءٍ عَدِيدَةٍ؛ وُصِفَ بِما يَقْتَضِي العَدَدَ؛ فَقالَ ﴿كَثِيرًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ المُراغَمَةُ لَذَّةَ الرُّوحِ؛ فَكانَتْ أعَزَّ مِن لَذَّةِ البَدَنِ؛ فَقَدَّمَها؛ أتْبَعَها قَوْلَهُ: ﴿وسَعَةً﴾؛ أيْ: في الرِّزْقِ؛ كَما قالَ ﷺ: «”صُومُوا تَصِحُّوا؛ وسافِرُوا تَغْنَمُوا“؛» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –ولَفْظُهُ: «”واغْزُوا؛ وهاجِرُوا تُفْلِحُوا“».
ولَمّا كانَ رُبَّما ماتَ المُهاجِرُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَظُنَّ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الهِجْرَةَ؛ مَعَ تَجَشُّمِهِ لِفِراقِ بَلَدِهِ؛ قالَ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ بَلَدِهِ؛ ﴿مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: رِضى المَلِكِ؛ (p-٣٧٧)الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿ورَسُولِهِ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ عِنْدَهُ؛ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن بَيْتِهِ؛ ولَوْ قَبْلَ الفُصُولِ مِن بَلَدِهِ؛ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ﴾؛ أيْ: في هِجْرَتِهِ - بِحَسَبِ الوَعْدِ فَضْلًا؛ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ عَدْلًا -: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ تَمامُ الإحاطَةِ؛ فَلا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ؛ وكَذا كُلُّ مَن نَوى خَيْرًا؛ ولَمْ يُدْرِكْهُ: ”لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ“؛ فَهو مُوَفِّيهِ إيّاهُ تَوْفِيَةَ ما يَلْتَزِمُهُ الكَرِيمُ مِنكم.
ولَمّا كانَ بَعْضُهم رُبَّما قَصَّرَ بِهِ عَنِ البُلُوغِ تَوانِيهِ في سَيْرِهِ؛ أوْ عَنْ خُرُوجِهِ مِن بَلَدِهِ؛ فَظَنَّ أنَّ هِجْرَتَهُ هَذِهِ لَمْ تَجْبُرْ تَقْصِيرَهُ؛ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: لِتَقْصِيرٍ؛ إنْ كانَ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ يُكْرِمُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ بِأنْواعِ الكَراماتِ؛
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences