Al-Biqa'iGhafir · 40:10–19

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:10–19

40:10Page 468

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠

Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."

ولَمّا أتَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ ما لِأضْدادِهِمْ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ هَذِهِ المُناداةَ بِإنْكارِ يَوْمِها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الكُفْرَ ولَوْ لَحْظَةً ﴿يُنادَوْنَ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ بِنِداءٍ يُنادِيهِمْ بِهِ مَن أرادَ اللَّهُ مِن جُنُودِهِ أوْ في الدّارِ أرْفَعُ نِعَمًا - أنَّهم آثَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، أكَّدَ قَوْلُهُ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ إيّاكم بِخِذْلانِكم ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] جازَ عَلى سَبِيلِ الإشارَةِ إلى تَنَزُّهِ الحَضْرَةِ المُقَدَّسَةِ عَمّا لَزِمَ فِعْلَهم مِنَ المَقْتِ، فَإنَّ مَن دَعا إلى أحَدٍ فَأعْرَضَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ كانَ إعْراضُهُ مَقْتًا لِلْمُعْرِضِ عَنْهُ، وهَذا المَقْتُ مِنهُمُ المُوجِبُ لِمَقْتِ اللَّهِ لَهم مُوصِلٌ لَهم إلى عَذابٍ يَمْقُتُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ظَرْفَ مَقْتِهِمُ العائِدِ وبالَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ”إذا“ أيْ حِينَ، وأشارَ إلى أنَّ الإيمانَ لِظُهُورِ دَلائِلِهِ يَنْبَغِي أنْ يَقْبَلَ مِن أيِّ داعٍ كانَ، فَبَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ فَقالَ: ﴿تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أيْ بِاللَّهِ وما جاءَ مِن عِنْدِهِ ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ أيْ فَتُوقِعُونَ الكُفْرَ الَّذِي هو تَغْطِيَةُ الآياتِ مَوْضِعُ إظْهارِها والإذْعانُ بِها، (p-١٨)وهَذا أعْظَمُ العِقابِ عِنْدَ أُولِي الألْبابِ، لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ مَوْلاهُ عَلَيْهِ غَضْبانٌ عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ بُكاءٌ ولا يُغْنِي عَنْهُ شَفاعَةٌ ولا حِيلَةَ في خَلاصِهِ بِوَجْهٍ.

40:11Page 468

قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١

They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ ذُنُوبِهِمْ إنْكارُ البَعْثِ، وكانُوا قَدِ اسْتَقَرُّوا العَوائِدَ، وسَبَرُوا ما جَرَتْ بِهِ الأقْدارُ في الدُّهُورِ والمَدائِدِ، مِن أنَّ كُلَّ ثانٍ لا بُدَّ لَهُ مِن ثالِثٍ، وكانَ الإحْياءُ لا يُطْلَقُ عُرْفًا إلّا مَن كانَ عَنْ مَوْتٍ، حَكى سُبْحانَهُ جَوابَهم بِقَوْلِهِ الَّذِي مَحَطُّهُ الإقْرارُ بِالبَعْثِ والتَّرَفُّقِ بِالِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ لِفَواتِ شَرْطِهِ وهو الغَيْبُ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِما تَقَدَّمَ في دارِ الدُّنْيا ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ قِيلَ: واحِدَةٌ عِنْدَ انْقِضاءِ الآجالِ في الحَياةِ الدُّنْيا وأُخْرى بِالصَّعْقِ بَعْدَ البَعْثِ أوِ الإرْقادِ بَعْدَ سُؤالِ القَبْرِ، والصَّحِيحُ أنَّ تَفْسِيرَها آيَةُ البَقَرَةِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وأمّا الصَّعْقُ فَلَيْسَ بِمَوْتٍ، وما في القَبْرِ فَلَيْسَ بِحَياةٍ حَتّى يَكُونَ عَنْهُ مَوْتٌ، وإنَّما هو إقْدارٌ عَلى الكَلامِ كَما أقْدَرَ سُبْحانَهُ الحَصى عَلى التَّسْبِيحِ والحَجَرَ عَلى التَّسْلِيمِ، والضَّبَّ عَلى الشَّهادَتَيْنِ، والفَرَسَ حِينَ قالَ لَها (p-١٩)فارِسُها ثَبى إطْلالٌ عَلى قَوْلِها وثْبًا وسُورَةُ البَقَرَةِ ﴿وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ واحِدَةٌ في البَطْنِ، وأُخْرى بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ واحِدَةٌ بِالبَعْثِ وأُخْرى بِالإقامَةِ مِنَ الصَّعْقِ، أوِ الإقامَةِ في القَبْرِ، فَشاهَدْنا قُدْرَتَكَ عَلى البَعْثِ ﴿فاعْتَرَفْنا﴾ أيْ فَتُسَبِّبُ عَنْ ذَلِكَ أنّا اعْتَرَفْنا بَعْدَ تَكَرُّرِ الإحْياءِ ﴿بِذُنُوبِنا﴾ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إنْكارِ البَعْثِ لِأنَّ مَن لَمْ يَخْشَ العاقِبَةَ بالَغَ في مُتابَعَةِ الهَوى، فَذَلِكَ تَوْبَةٌ لَنا ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ مِنَ النّارِ ولَوْ عَلى أدْنى أنْواعِ الخُرُوجِ بِالرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلُ صالِحًا ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ فَنَسْلُكُهُ فَنَخْرُجُ ثُمَّ تَكُونُ لَنا مَوْتَةً ثالِثَةً وإحْياءَةً ثالِثَةً إلى الجَنَّةِ الَّتِي جَعَلَتْها جَزاءً مَن أقَرَّ بِالبَعْثِ.

40:12Page 468

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢

[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ القَضاءُ النّافِذُ العَظِيمُ العالِي بِتَخْلِيدِكم في النّارِ مَقْتًا مِنهُ لَكم ﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ﴾ أيْ وجَدْتَ ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً دَعْوَةُ المَلِكِ الأعْظَمِ مِن أيْ داعٍ كانَ ﴿وحْدَهُ﴾ أيْ مَحْكُومًا لَهُ بِالوَحْدَةِ أوْ مُنْفَرِدًا مِن غَيْرِ شَرِيكٍ ﴿كَفَرْتُمْ﴾ أيْ هَذا طَبْعُكم دائِمًا رَجَعْتُمْ إلى الدُّنْيا أوَّلًا ﴿وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ يُوقِعَ الإشْراكَ بِهِ ويُجَدِّدَ ولَوْ بِعَدَدِ الأنْفاسِ مِن أيْ مُشْرِكٍ كانَ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ أيْ بِالشُّرَكاءِ وتُجَدِّدُوا ذَلِكَ غَيْرَ مُتَحاشِينَ ومِن تَجْدِيدِ الكُفْرِ وهَذا مُفْهِمٌ لِأنَّ (p-٢٠)حَبَّ اللَّهِ لِلْإنْسانِ أكْبَرُ مِن حُبِّهِ لَهُ الدّالِّ عَلَيْهِ تَوْفِيقُهُ لَهُ في أنَّهُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ وحْدَهُ آمَنَ، وإنْ ذَكَرَ مَعَهُ غَيْرَهُ عَلى طَرِيقَةٍ تَؤُلْ إلى الشَّرِكَةِ كَفَرَ بِذَلِكَ الغَيْرِ وجَعَلَ الأمْرَ لِلَّهِ وحْدَهُ ﴿فالحُكْمُ﴾ أيْ فَتُسَبِّبَ عَنِ القَطْعِ بِأنْ لا رَجْعَةَ، وأنَّ الكُفّارَ ما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم مَعَ ادِّعائِهِمُ العُقُولَ الرّاجِحَةَ ونُفُوذِ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ حُكْمٍ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ خاصٌّ بِهِ لا دَخْلَ لِلْعَوائِدِ في أحْكامِهِ بَلْ مَهْما شاءَ فِعْلَ إجْراءٍ عَلى العَوائِدِ أوْ خَرْقًا لَها ﴿العَلِيِّ﴾ أيْ وحْدَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، فَكَذَّبَ قَوْلَ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ ”اعْلُ هُبَلٌ“ وقَوْلَ ابْنِ عَرَبِيٍّ أحَدُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ أكْذَبُ وأقْبَحُ وأبْطَلُ حَيْثُ قالَ: العَلِيُّ عَلا عَنْ مِن وما ثُمَّ إلّا هُوَ، فَعَلَيْهِ الخِزْيُ واللَّعْنَةُ وعَلى مَن قالَ بِقَوْلِهِ وعَلى مَن تَوَقَّفَ في لَعْنِهِ.

ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ لا تَنْقادُ غايَةَ الِانْقِيادِ لِلْحاكِمِ إلّا مَعَ العَظْمَةِ الزّائِدَةِ والقِدَمِ في المَجْدِ، قالَ مُعَبِّرًا بِما يَجْمَعُ العَظْمَةَ والقِدَمَ: ﴿الكَبِيرِ﴾ الَّذِي لا يَلِيقُ الكِبْرُ إلّا لَهُ، وكَبَّرَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ وكَبَّرَ كُلُّ كَبِيرٍ مُتَضائِلٍ تَحْتَ دائِرَةِ كِبْرِهِ وكِبَرِهِ، وعَذابُهُ مُناسِبٌ لِكِبْرِيائِهِ فَما أسْفَهَ مِن شَقِيٍّ بِالكُبَراءِ فَإنَّهم يَلْجَئُونَ أنْفُسَهم إلى أنْ يَقُولُوا ما لا يُجْدِيهِمْ ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧]

40:13Page 468

هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣

It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].

ولَمّا قَصَرَ الحُكْمَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ (p-٢١)بِقَوْلِهِ ذاكِرًا مِن آياتِ الآفاقِ العُلْوِيَّةِ ما يَرُدُّ المُوَفَّقُ عَنْ غَيِّهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أيْ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ ﴿آياتِهِ﴾ أيْ عَلاماتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ تَكْمِيلًا لِنُفُوسِكُمْ، فَيَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ماءٌ فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بِإعادَةِ ما تَحَطَّمَ فِيها مِنَ الحُبُوبِ فَتَفَتَّتَتْ بَعْدَ مَوْتِها بِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ الحَبِّ تُرابًا لا تَمَيُّزَ لَهُ عَنْ تُرابِها فَيَتَذَكَّرُ بِهِ البَعْثَ لِمَنِ انْمَحَقَ فَصارَ تُرابًا وضَلَّ في تُرابِ الأرْضِ حَتّى لا تَمَيُّزَ لَهُ عَنْهُ مِن طَبْعِهِ الإنابَةُ، وهو الرُّجُوعُ عَمّا هو عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ إلى الدَّلِيلِ بِما رَكَّزَ في فِطْرَتِهِ مِنَ العِلْمِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُنَـزِّلُ لَكُمْ﴾ أيْ خاصًّا بِنَفْعِكم أوْ ضَرِّكم ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ جِهَةِ العُلُوِّ الدّالَّةِ عَلى قَهْرِ ما نَزَلَ مِنها بِإمْساكِهِ إلى حِينِ الحُكْمِ بِنُزُولِهِ ﴿رِزْقًا﴾ لِإقامَةِ أبْدانِكم مِنَ الثِّمارِ والأقْواتِ بِإنْزالِ الماءِ فَهو سُبْحانَهُ يَدُلُّكم عَلَيْهِ ويَتَحَبَّبُ إلَيْكم لِتَنْفَعُوا أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتَبَغَّضُونَ إلَيْهِ وتَتَعامُونَ عَنْهُ لِتَضُرُّوها ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ ذَلِكَ تَذَكُّرًا تامًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ - فَيَقِيسُ عَلَيْهِ بَعْثَ مَن أكَلَتْهُ الهَوامُّ، وانْمَحَقَ باقِيهِ في الأرْضِ ﴿إلا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ لَهُ أهْلِيَّةُ التَّجْدِيدِ في كُلِّ وقْتٍ لِلرُّجُوعِ إلى (p-٢٢)الدَّلِيلِ بِأنْ يَكُونَ حَنِيفًا مَيّالًا لِلَطافَتِهِ مَعَ الدَّلِيلِ حَيْثُما مالَ. ما هو بِحِلْفٍ جامِدٍ ما ألِفَهُ، ولا يُحَوَّلُ عَنْهُ أصْلًا، لا يَصْغى إلى قالَ ولا قِيلَ، ولَوْ قامَ عَلى خِطابِهِ كُلُّ دَلِيلٍ.

40:14Page 468

فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤

So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ النّاسِ يَدَّعِي أنَّهُ لا يَعْدِلُ عَنِ الدَّلِيلِ، وكانَ كُلُّ أحَدٍ مَأْمُورًا بِالنَّظَرِ في الدَّلِيلِ مَأْمُورًا بِالإنابَةِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا في مَعْرِفَةِ الكُلِّ التَّوْحِيدَ المُوجِبَ لِاعْتِقادِهِ القُدْرَةَ التّامَّةَ المُوجِبَ لِاعْتِقادِ البَعْثِ، فَكانَ سَبَبًا لِإخْلاصِهِمْ، فَقالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فادْعُوا﴾ وصَرَّحَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ تَدْرِيبًا لِلْمُخْلِصِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾ أيِ المُتَوَحِّدَ بِصِفاتِ الكَمالِ دُعاءَ خُضُوعٍ وتَعَبُّدٍ بَعْدَ الإنابَةِ بَعْدَ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ الأفْعالِ الَّتِي يَقَعُ الجَزاءُ عَلَيْها، فَمَن كانَ يُصَدِّقُ بِالجَزاءِ وبِأنَّ رَبَّهُ غَنِيٌّ لا يَقْبَلُ إلّا خالِصًا اجْتَهَدَ في تَصْفِيَةِ أعْمالِهِ، فَيَأْتِي بِها في غايَةِ الخُلُوصِ عَنْ كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُكَدَّرَ مِن غَيْرِ شائِبَةِ شِرْكٍ جَلِيٍّ أوْ خَفِيٍّ كَما أنَّ مَعْبُودَهُ واحِدٌ مِن غَيْرِ شائِبَةِ نَقْصٍ.

ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الجِنْسِ شَدِيدَةً لِما تَدْعُو إلَيْهِ مِنَ المُخاصَمَةِ المُوجِبَةِ لِلْمُشاقَقَةِ المُوجِبَةِ لِاسْتِطابَةِ المَوْتِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كَرِهَ﴾ أيِ الدُّعاءَ مِنكم ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ السّاتِرُونَ لِأنْوارِ عُقُولِهِمْ، والإخْلاصُ أنْ (p-٢٣)يَفْعَلَ العِبادُ لِرَبِّهِمْ مِثْلَ ما فَعَلَ لَهم فَلا يَفْعَلُوا فِعْلًا مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ إلّا لِوَجْهِهِ خاصَّةً مِن غَيْرِ غَرَضٍ لِأنْفُسِهِمْ بِجَلْبِ شَيْءٍ مِن نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ لَهم كُلَّ إحْسانٍ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ ولِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً لا لِغَرَضٍ يَعُودُ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ وما أعَزَّ شَأْنَهُ - بِنَفْعٍ ولا ضُرٍّ، فَلا يَكُونُ شُكْرُهم لَهُ إلّا بِما تَقَدَّمَ، لَكِنَّهُ لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ بِأنْ أباحَ لَهُمُ العَمَلَ لِأجْلِ الرَّجاءِ في ثَوابِهِ والخَوْفِ مِن عِقابِهِ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ قادِحًا في الإخْلاصِ، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: ولَوْلا إذْنُهُ في ذَلِكَ لَما كانَ في العالَمِ مُخْلِصٌ.

40:15Page 468

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥

[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.

ولَمّا كانَ الإخْلاصُ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَفَعَهُ إشْراقُ الرُّوحِ عَنْ كَدَوْراتِ الأجْسامِ، وطارَتْ بِهِ أنْوارُها عَنْ حَضِيضِ ظُلُماتِ الجَهْلِ إلى عَرْشِ العِرْفانِ، فَصارَ إذْ كانَ المَلِكُ الدَّيّانُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَفْعَلُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الجَوارِحِ إلّا ما أمَرَهُ بِهِ سُبْحانَهُ يَتَصَرَّفُ في الأكْوانِ بِإذْنِ الفَتّاحِ العَلِيمِ تَكْسِبُ القُلُوبُ مِن ضِياءِ أنْوارِهِ ويَحْيى مَيِّتُ الهِمَمِ بِصافِي أسْرارِهِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ حَثًّا عَلَيْهِ (p-٢٤)وتَشْوِيقًا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُمَثِّلًا بِما يَفْهَمُهُ العِبادُ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ أيْ فَلا يَصِلُ إلى حَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ إلّا مَن عَلا في مَعارِجِ العِباداتِ ومَدارِجِ الكَمالاتِ.

ولَمّا كُنّا لا نَعْرِفُ مَلِكًا إلّا بِغَلَبَتِهِ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، وكانَتْ دُرْجَ كُلِّ مَلِكٍ ما يَتَوَصَّلُ بِها إلى عَرْشِهِ، أشارَ سُبْحانَهُ بِجَمْعِ القِلَّةِ إلى السَّماواتِ الَّتِي هي دُونَ عَرْشِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ الدُّرْجَ إلَيْهِ لا تُحْصى بِوَجْهٍ، لِأنّا لَوْ أنْفَقْنا عُمْرَ الدُّنْيا في اصْطِناعِ دُرْجٍ لِلتَّوَصُّلِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ما وصَلَنا، فَكَيْفَ بِما فَوْقَها فَكَيْفَ وعُلُوُّهُ سُبْحانَهُ، لَيْسَ هو بِمَسافَةٍ بَلْ عُلُوُّ عَظَمَةٍ ونُفُوذِ كَلِمَةٍ تَنْقَطِعُ دُونَها الآمالُ وتَفْنى الأيّامُ واللِّيالِ، والكاشِفُ لِذَلِكَ أتَمَّ كَشْفٍ تَعْبِيرُهُ في ﴿سَألَ﴾ [المعارج: ١] بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ ﴿المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] - ثُمَّ قالَ مُمَثِّلًا لَنا بِما نَعْرِفُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيِ الكامِلِ الَّذِي لا عَرْشَ في الحَقِيقَةِ إلّا هُوَ، فَهو مُحِيطٌ لِجَمِيعِ الأكْوانِ ومادَّةٌ لِكُلِّ جَمادٍ وحَيَوانٍ، وعالٍ بِجَلالِهِ وعِظَمِهِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ في الأذْهانِ.

ولَمّا كانَ المُلُوكُ يُلْقُونَ أوامِرَهم مِن مَراتِبِ عُظَمائِهِمْ إلى مَن أخْلَصُوا في وِدادِهِمْ قالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ أيِ الَّذِي تَحْيى بِهِ الأرْواحُ (p-٢٥)حَياةَ الأشْباحِ بِالأرْواحِ ﴿مِن أمْرِهِ﴾ أيْ مِن كَلامِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي يُلْقِي لَيْسَ الكَلامُ النَّفْسِيُّ وإنَّما هو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يَقْبَلُ النُّزُولَ والتِّلاوَةَ والكِتابَةَ ونَحْوَ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ أمْرُهُ عالِيًا عَلى كُلِّ أمْرٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ ولَمّا كانَ ما رَأوْهُ مِنَ المُلُوكِ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن رَفْعِ كُلِّ مَن أرادُوا مِن رَقِيقِهِمْ، نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِبادِهِ﴾ وأشارَ بِذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ مُطْلَقُ الأمْرِ لا يَسُوغُ لِأحَدٍ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ، ولَوِ اعْتَرَضَ كانَ اعْتِراضُهُ أقَلَّ مِن أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ أوْ يُعَوَّلَ بِحالٍ عَلَيْهِ إلى تَوْهِيَةِ قَوْلِهِمْ ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُخْلِصُ في عِبادِهِ لَمْ يَمِلْ إلى شَيْءٍ مِن أوْثانِهِمْ ساعَةً ما ولا صَرْفَ لَحْظَةً عَنِ الإلَهِ الحَقِّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَّهُ مِن بَيْنِهِمْ بِهَذا الرُّوحِ الَّذِي لا رُوحَ في الوُجُودِ سِواهُ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ وأخْلَصَ في تِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِما يَدْعُو إلَيْهِ والبُعْدِ عَمّا يَنْهى عَنْهُ صارَ ذا رُوحٍ مُواتٍ يُحْيِي الأمْواتَ ويُزْرِي بِالنَّيِّراتِ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ ابْنُ عَطاءٍ: حَياةُ القَلْبِ عَلى حَسَبِ ما أُلْقِيَ إلَيْهِ مِنَ الرُّوحِ، فَمِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ الرِّسالَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ النُّبُوَّةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ الصِّدِّيقِيَّةِ والكَشْفِ والمُشاهَدَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ العِبادَةِ (p-٢٦)والخِدْمَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ الحَياةِ فَقَطْ، لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِاللَّهِ ولا مَقامٌ مَعَ اللَّهِ، فَهو مَيِّتٌ في الباطِنِ، ولَهُ الحَياةُ البَهِيمِيَّةُ الَّتِي يَهْتَدِي بِها إلى المَعاشِ دُونَ المَعادِ - انْتَهى. وبِالجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِن هَذِهِ الأرْواحِ مَنطِقٌ لِمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ مُطْلَقٌ لِلِسانِهِ بِبَدِيعِ بَيانِهِ وإنِ اخْتَلَفَ نُطْقُهم في بَيانِهِمْ، وتَصَرُّفِهِمْ في عَظِيمِ شَأْنِهِمْ.

ولَمّا بَيَّنَ سِرَّ اخْتِصاصِهِ بِالإرْسالِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَزِيدُهُ بَيانًا مِن ثَمَرَةِ الإرْسالِ فَقالَ:﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّهُ سُبْحانَهُ بِرُوحِهِ، وعَبَّرَ بِما يَقْتَضِيهِ تَصْنِيفُ النّاسِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ، وأزالَ وهْمَ مَن قَدْ يَسْتَحِيلُ لُقاهُ سُبْحانَهُ لِرَفْعَةِ دَرَجاتِهِ وسُفُولِ دَرَجاتِ غَيْرِهِ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ أيِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِالتَّلاقِي عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ لِكَوْنِهِ يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وأهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ ولا حِيلَةَ لِأحَدٍ مِنهم في فِراقِ غَرِيمِهِ بِغَيْرِ فَصْلٍ عَلى وجْهِ العَدْلِ، وإلى هَذا المَعْنى أشارَتْ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ وهو واضِحٌ جِدًّا في إفْرادٍ حِزْبَيِ الأسْعَدِينَ والأخْسَرِينَ فَإنَّهُ تَلاقٍ لا آخِرَ لَهُ، وأشارَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالحَذْفِ في الحالَيْنِ إلى تَلاقِي هَذَيْنِ الجُزْأيْنِ: أحَدُهُما بِالآخَرِ (p-٢٧)فَإنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - قَلَّ ما يَكُونُ حَتّى يَفْتَرِقا بِالأمْرِ بِكُلٍّ إلى دارِهِ: الأسْعَدِينَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والأخْسَرِينَ لا يُقامُ لَهم وزْنٌ، وأشارَ الإثْباتُ في المَوْقِفِ دُونَ الوَصْلِ إلى الأمْرِ الوَسَطِ وهي لِمَن بَقِيَ لِقاءَهم يَمْتَدُّ إلى حِينِ القِصاصِ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ.

40:16Page 468

يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦

The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1

ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ عَدَمَ الحِجابِ مِن بُيُوتٍ أوْ جِبالٍ، أوْ أشْجارٍ أوْ تِلالٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ ذَواتِ الظِّلالِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ مُعِيدًا ذِكْرَ اليَوْمِ لِأنَّهُ أهْوَلُ لَهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ أيْ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿بارِزُونَ﴾ أيْ بَرَزُوا لا ساتِرَ فِيهِ أصْلًا.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ عِنْدَهم إنَّما لا ساتِرَ لَهُ مَعْلُومٌ، أجَرَهم عَلى ما يَعْهَدُونَ، وعَبَّرَ بِعِبارَةٍ تَعُمُّ ذَلِكَ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن ظَنَّ أنَّهُ قَدْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ عَنِ السّاتِرِ مُعَظِّمًا الأمْرَ بِإظْهارِ الِاسْمِ الأعْظَمِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ مِن ذَواتِهِمْ ولا مَعانِيهِمْ سَواءٌ ظَهَرُوا أوِ اسْتَتَرُوا في هَذا اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ مِنَ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ أنَّ المَلِكَ العَظِيمَ إذا أرْسَلَ جَيْشَهُ إلى مَن طالَ تَمَرُّدُهم عَلَيْهِ وعِنادُهم لَهُ فَظَفَرُوا بِهِمْ وأحْضَرُوهم إلَيْهِ أنْ يُنادِيَهم مُنادِيهِ وهم وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ أخْرَسَتْهم هَيْبَتُهُ وأذَلَّتْهم عَظَمَتُهُ (p-٢٨)بِلِسانٍ قالَهُ أوْ لِسانُ حالِهِ بِما يُبْكِهِمْ بِهِ ويُوَبِّخُهم ويُؤْسِفُهم عَلى ما مَضى مِن عِصْيانِهِمْ ويُنَدِّمُهم قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ أيْ يا مَن كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ، فَيُجِيبُونَ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ كَما قالَ بَعْضُ مَن قالَ:

؎سَكَتَ الدَّهْرُ طَوِيلًا عَنْهم ∗∗∗ قَدْ أبْكاهم دَمًا حِينَ نَطَقَ

﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الواحِدِ﴾ أيِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ثانٍ بِشَرِكَةٍ ولا قِسْمَةٍ ولا غَيْرِها ﴿القَهّارِ﴾ أيِ الَّذِي يَقْهَرُ مَن يَشاءُ مُتَكَرِّرًا وصْفُهُ بِذَلِكَ دائِمًا أبَدًا لِما ثَبَتَ مِن غِناهُ المُطْلَقِ بِوَحْدانِيَّتِهِ الحَقِيقَةِ.

40:17Page 469

ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧

This Day every soul will be recompensed for what it earned. No injustice today! Indeed, Allāh is swift in account.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ إذْعانِ كُلِّ نَفْسٍ بِانْقِطاعِ الأسْبابِ، أخْبَرَهم بِما يَزِيدُ رُعْبَهُمْ، ويَبْعَثُ رَغَبَهم ورَهَبَهُمْ، وهو نَتِيجَةُ تَقَدُّرِهِ بِالمُلْكِ قالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى﴾ أيْ تُقْضى وتُكافَأُ، بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُرَغَّبَ المُرْهَبَ نَفْسُ الجَزاءِ ولِبَيانِ سُهُولَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ لا تُتْرَكُ نَفْسٌ واحِدَةٌ لِأنَّ العِلْمَ قَدْ شَمِلَهم والقُدْرَةَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ وعَمَتْهُمْ، والحِكْمَةَ قَدْ مَنَعَتْ مِن إهْمالِ أحَدٍ مِنهم. (p-٢٩)ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمَلِكِ والقَهْرُ يَقْتَضِي الجَزاءَ واعْتِمادَ الكَسْبِ الَّذِي هو مَحَطُّ التَّكْلِيفِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ ويَقْتَضِي النَّظَرَ في الأسْبابِ، لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ المَلِكِ، قالَ مُعَبِّرًا بِالباءِ والكَسْبِ: ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿كَسَبَتْ﴾ أيْ عَمِلَتْ، وهي تَظُنُّ أنَّهُ يُفِيدُها سَواءً بِسَواءٍ بِالكَيْلِ الَّذِي كالَتْ يُكالُ لَها.

ولَمّا كانَتِ السَّبَبِيَّةُ مُفْهِمَةً لِلْعَدْلِ، فَإنَّ الزِّيادَةَ تَكُونُ بِغَيْرِ سَبَبٍ، قالَ مُعَلِّلًا نافِيًا مِثْلَ ما كانُوا يَتَعاطُونَهُ مِن ظُلْمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في الدُّنْيا: ﴿لا ظُلْمَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿اليَوْمَ﴾ ولَمّا كانَ اسْتِيفاءُ الخَلائِقِ بِالمُجازاةِ أمْرًا لا يُمْكِنُ في العادَةِ ضَبْطُهُ، ولا يَتَأنّى حِفْظُهُ ورَبْطُهُ، فَكَيْفَ إذا قُصِدَتِ المُساواةُ في مَثاقِيلِ الدُّرِّ فَما دُونَها:

؎بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شُعَيْرَةً ∗∗∗ لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلٍ

ضافَتِ النُّفُوسُ مِن خَوْفِ الطَّوْلِ، فَخَفَّفَ عَنْها بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا أنَّ أُمُورَهُ عَلى غَيْرِ ما يَعْهَدُونَهُ، ولِذَلِكَ أكَّدَ وعَظَّمَ بِإظْهارِ الِاسْمِ الأعْظَمِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ التّامَّ القُدْرَةِ الشّامِلَ العِلْمِ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ بَلِيغَ السُّرْعَةِ فِيهِ، لا يَشْغَلُهُ حِسابُ أحَدٍ عَنْ حِسابِ غَيْرِهِ في وقْتِ حِسابِ ذَلِكَ الغَيْرِ، ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ عَدٍّ، ولا يَفْتَقِرُ إلى مُراجَعَةِ كِتابٍ، ولا شَيْءَ، فَكانَ في ذَلِكَ تَرْجِيَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ (p-٣٠)وتَخْوِيفٌ، لِأنَّ الظّالِمَ يَخْشى إسْراعَ الأخْذِ بِالعَذابِ، والمُؤْمِنُ يَرْجُو إسْراعَ البَسْطِ بِالثَّوابِ.

40:18Page 469

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨

And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.

ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ المُهَوِّلِ، وكانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَهُ أسْماءٌ تَدُلُّ عَلى أهْوالِهِ بِاعْتِبارِ مَواقِفِهِ وأحْوالِهِ، مِنها يَوْمُ البَعْثِ وهو ظاهِرٌ، ومِنها يَوْمُ التَّلاقِ لِما تَقَدَّمَ، ومِنها يَوْمُ التَّغابُنِ لَغِبْنِ أكْثَرَ مَن فِيهِ خَسارَتُهُ، ومِنها يَوْمُ الآزِفَةِ لِقُرْبِهِ وسُرْعَةُ أخْذِهِ، وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ: وأمْنٌ مِمَّنْ ألْقَيْنا هَذا الرُّوحَ الأعْظَمَ مِن أمْرِنا فَأنْذَرَهم ما مَضى مِن يَوْمِ التَّلاقِي وما عَقَبْناهُ بِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ زِيادَةً في بَيانِ هَوْلِهِ إعْلامًا بِأنَّهُ مَعَ ثُبُوتِهِ وثُبُوتِ التَّلاقِي فِيهِ قَرِيبٌ تَحْذِيرًا مِن تَزْيِينِ إبْلِيسَ لِلشَّهَواتِ وتَقْرِيرِهِ بِالتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ: ﴿وأنْذِرْهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُعْرِضِينَ إعْراضَ مَن لا يَجُوزُ المُمْكِنَ ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيِ الحالَةِ الدّائِبَةِ العاجِلَةِ السَّرِيعَةِ جِدًّا مَعَ الضِّيقِ في الوَقْتِ وسُوءِ العَيْشِ لِأكْثَرِ النّاسِ، وهي القِيامَةُ، كَرَّرَ ذِكْرَها الإنْذارُ مِنها تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا وتَهْوِيلًا لَها وتَعْظِيمًا لِشَأْنِها.

ولَمّا ذَكَرَ اليَوْمَ، هَوَّلَ أمْرَهُ بِما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ المَشاقِّ فَقالَ: (p-٣١)﴿إذِ القُلُوبُ﴾ أيْ مِن كُلِّ مَن حَضَرَهُ. ولَمّا كانَ هَذا الرُّعْبُ عَلى وجْهٍ غَرِيبٍ باطِنٍ، عَبَّرَ بِ ”لَدى“ فَقالَ: ﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ أيْ حَناجِرَ المَجْمُوعِينَ فِيهِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، وهي جَمْعُ حُنْجُورٍ وهي الحُلْقُومُ وزْنًا ومَعْنًى، يَعْنِي أنَّها زالَتْ عَنْ أمِكانِها صاعِدَةً مِن كَثْرَةِ الرُّعْبِ حَتّى كادَتْ تَخْرُجُ وصارَتْ مَواضِعُها مِنَ الأفْئِدَةِ هَواءً، وكانَتِ الأفْئِدَةُ مُعْتَرِضَةً كالشَّجا لا هي تَرْجِعُ إلى مَقارِّها فَيَسْتَرِيحُوا ولا تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا.

ولَمّا كانَ الحَدِيثُ - وإنْ كانَ في الظّاهِرِ عَنِ القُلُوبِ - إنَّما هو عَنْ أصْحابِها، جَمَعَ عَلى طَرِيقَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ، وزادَهُ حُسْنًا أنَّ القُلُوبَ مَحَلُّ الكَظْمِ، وبِها صَلاحُ الجُمْلَةِ وفَسادُها، وقَدْ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ لِلْعُقَلاءِ فَقالَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا ورُعْبًا وحُزْنًا، ساكِتِينَ مَكْرُوبِينَ، قَدِ انْسَدَّتْ مَجارِي أنْفاسِهِمْ وأخَذَ بِجَمِيعِ إحْساسِهِمْ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ الكَرْبَ إنَّما هو لِلْخَوْفِ مِن دَيّانِ ذَلِكَ اليَوْمَ، وكانَ مِنَ المَعْهُودِ أنَّ الصَّداقاتِ تَنْفَعُ في مِثْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ والشَّفاعاتِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ مِنهم ﴿مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ قَرِيبٍ صادِقٍ في مَوَدَّتِهِمْ مُهْتَمٍّ بِأُمُورِهِمْ (p-٣٢)مُزِيلٍ لِكُرُوبِهِمْ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: والحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ النّاهِي في الحَرارَةِ، سُمِّيَ القَرِيبُ بِهِ لِأنَّهُ يَحْمِي لِقَرِيبِهِ غَضَبًا، والغَضَبُ حَرارَةٌ تُعْرَضُ في القَلْبِ تَخْرُجُ إلى الوَجْهِ فَيَحْمَرُّ وتَنْتَفِخُ الأوْداجُ فَيَسْتَشِيطُ غَيْظًا ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم شَفِيعٌ أصْلًا لِأنَّ الشَّفِيعَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ شَفَّعَ ما أُطِيعَ فَهو لا يَنْفَعُ، وقَدْ يَشْفَعُ في بَعْضِهِمْ بَعْضُ المُقَرَّبِينَ لِعَلامَةٍ فِيهِمْ يَحْصُلُ بِها اشْتِباهٌ يُظَنُّ بِهِمْ أنَّهم مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الشَّفاعَةَ فَيُنَبَّهُ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِذَلِكَ، فَيَبْرَأُ مِنهم.

40:19Page 469

يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩

He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.

ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ إنَّما تَقَعُ وتَنْفَعُ بِشَرْطِ بَراءَةِ المَشْفُوعِ لَهُ مِنَ الذَّنْبِ إمّا بِالِاعْتِرافِ بِما نُسِبَ إلَيْهِ والإقْلاعِ عَنْهُ، وإمّا بِالِاعْتِذارِ عَنْهُ، وكانَ ذَلِكَ إنَّما يَجْرِي عِنْدَ المَخْلُوقِينَ عَلى الظّاهِرِ، ولِذَلِكَ كانُوا رُبَّما وقَعَ لَهُمُ الغَلَطُ فِيمَن لَوْ عَلِمُوا باطِنَهُ لَما قَبِلُوا الشَّفاعَةَ فِيهِ، عَلَّلَ تَعالى ما تَقَدَّمَ بِعِلْمِهِ أنَّ المَشْفُوعَ لَهُ لَيْسَ بِأهْلٍ لِقَبُولِ الشَّفاعَةَ فِيهِ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِلْبَلاغِ في أنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِكُلِّ كُلِّيٍّ وجُزْئِيٍّ، فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحالَ يَقْتَضِي جَمْعَ الكَثْرَةِ، وأنَّهُ ما عَدَلَ عَنْهُ إلى جَمْعِ القِلَّةِ إلّا لِلشّارَةِ إلى أنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالكَثِيرِ كَعِلْمِهِ بِالقَلِيلِ الكُلُّ، عَلَيْهِ هَيِّنٌ، فالكَثِيرُ عِنْدَهُ في ذَلِكَ قَلِيلٌ فَلِذا قالَ: ﴿الأعْيُنِ﴾ أيْ خِيانَتَها الَّتِي هي أخْفى ما يَقَعُ مِن أفْعالِ الظّاهِرِ، جَعَلَ الخِيانَةَ مُبالَغَةً في الوَصْفِ وهي الإشارَةُ بِالعَيْنِ، (p-٣٣)قالَ أبُو حَيّانَ: مَن كَسَرَ وغَمَزَ ونَظَرَ يَفْهَمُ مِنهُ ما يُرادُ - انْتَهى.

وذَلِكَ يَفْعَلُ بِفِعْلِ ما يُخالِفُ الظّاهِرَ، ولَمّا ذَكَرَ أخْفى أفْعالِ الظّاهِرِ، أتْبَعَهُ أخْفى ما في الباطِنِ فَقالَ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ عَنِ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ وغَيْرِ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском