Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:35–47
40:35Page 471
ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥
Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.
ولَمّا ظَهَرَ ظُهُورًا لا يُحْتَمَلُ شَكًّا بِما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَيِّناتِ أنَّ شَكَّهم في رِسالَةِ الماضِي وجَزْمَهم في الحُكْمِ بِنَفْيِ رِسالَةِ الآتِي أعْظَمُ ضَلالٍ، وأنَّهُ مِنَ الجِدالِ الَّذِي لا مَعْنى لَهُ إلّا فَتْلُ المُحِقِّ عَمّا هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ إلى ما عَلَيْهِ المُجادِلُ مِنَ الضَّلالِ، وصَّلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْتاجِ ذَمًّا لَهم بِعِبارَةٍ تَعُمُّ غَيْرَهُمْ: ﴿الَّذِينَ﴾ أيْ: جِدالٌ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾ أيْ: يُقاتِلُونَ ويُخاصِمُونَ خِصامًا شَدِيدًا ﴿فِي آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ لا سِيَّما الآياتُ الدّالَّةُ عَلى يَوْمِ التَّنادِ، فَإنَّها أظْهَرُ الآياتِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ وعَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ أوْ يَسْتَحِيلُ.
ولَمّا كانَ الجِدالُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مَشْرُوعًا، وهو بِما أمَرَ بِهِ (p-٦٧)قالَ: ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: تَسْلِيطٍ ودَلِيلٍ ﴿أتاهُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿كَبُرَ﴾ أيْ: عَظُمَ هُوَ، أيِ: الجِدالُ المُقَدَّرُ مُضافًا قَبِلَ ﴿الَّذِينَ﴾ وبَيَّنَ ما أبْهَمَ مِن هَذا العِظَمِ بِتَمْيِيزٍ مُحَوَّلٍ عَنِ الفاعِلِ، فَقالَ: ﴿مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ هم خاصَّتُهُ.
ولَمّا كانَ فاعِلُ هَذا لا يَكُونُ إلّا مُظْلِمَ القَلْبِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وصَلَ بِهِ اسْتِئْنافًا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الطَّبْعِ العَظِيمِ ﴿يَطْبَعُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ خَتْمًا فِيهِ العَطَبُ ﴿اللَّهِ﴾ [أيِ]: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ﴾ ولَمّا كانَ فِعْلُ كُلِّ ذِي رُوحٍ إنَّما هو بِقَلْبِهِ، نَسَبَ الفِعْلَ إلَيْهِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ بِالتَّنْوِينِ فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ أيْ: مُتَكَلِّفٌ ما لَيْسَ لَهُ ولَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرُ اللَّهِ،
﴿جَبّارٍ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكِبَرِ قَوِيُّهُ قَهّارٌ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالإضافَةِ مِثْلُها سَواءٌ في أنَّ السُّورَ داخِلُ القَلْبِ لِيَعُمَّ جَمِيعَ أفْرادِهِ، غَيْرَ أنَّ الوَصْفَ بِالكِبَرِ والجَبَرُوتِ لِلشَّخْصِ لا لِلْقَلْبِ، وهي أبْيَنُ مِنَ القِراءَةِ الشّاذَّةِ بِتَقْدِيمِ القَلْبِ عَلى كُلٍّ؛ لِأنَّ (p-٦٨)تَقْدِيمَ كُلِّ نَصٍّ في اسْتِغْراقِ أفْرادِ القُلُوبِ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ آحادَ القُلُوبِ مُوَزَّعَةٌ عَلى آحادِ الأشْخاصِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ لِشَخْصٍ أكَثُرَ مَن قَلْبٍ، بِخِلافِ ما إذا قُدِّمَ القَلْبُ، فَإنَّهُ قَدْ يُدَّعى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ، وأنَّ السُّوَرَ لِأجْلِ جَمْعِهِ لِأنْواعِ الكِبَرِ والجَبَرُوتِ، فَيَكُونُ [المَعْنى]: عَلى قَلْبِ شَخْصٍ جامِعٍ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
40:36Page 471
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦
And Pharaoh said, "O Hāmān, construct for me a tower that I might reach the ways1 -
ولَمّا ذَكَرَ الطَّبْعَ المَذْكُورَ، دَلَّ عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ وفِعْلِهِ عَطْفًا عَلى ما مَضى مِن قَوْلِهِ وقَوْلِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ قَصَدَ ما لا مَطْمَعَ في نَيْلِهِ تِيهًا وحَماقَةً، تَكَبُّرًا وتَجَبُّرًا، لِكَثافَةِ قَلْبِهِ وفَسادِ لُبِّهِ، فَصارَ بِهِ ضِحْكَةً لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ، هَذا إنْ كانَ ظَنَّ أنَّهُ يَصِلُ إلى ما أرادَ وإنْ كانَ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّلْبِيسَ عَلى قَوْمِهِ لِلْمُدافَعَةِ عَنِ اتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى وقْتٍ ما، فَقَدْ نادى عَلَيْهِمْ بِالجَهْلِ، والإغْراقِ في قِلَّةِ الحَزْمِ والشَّهامَةِ والعَقْلِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ أيْ: بَعْدَ قَوْلِ المُؤْمِنِ هَذا، مُعْرِضًا عَنْ جَوابِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَطْعَنًا: ﴿يا هامانُ﴾ وهو وزِيرُهُ ﴿ابْنِ﴾ وعَرَفَهُ بِشِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿لِي صَرْحًا﴾ أيْ: بِناءً ظاهِرًا يَعْلُوهُ لِكُلِّ أحَدٍ. قالَ البَغَوِيُّ: لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ وإنْ بَعُدَ. وأصْلُهُ مِنَ التَّصْرِيحِ وهو الإظْهارُ، وتَعْلِيلُهُ بِالتَّرَجِّي الَّذِي لا يَكُونُ إلّا في المُمْكِنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَلْبَسُ عَلى قَوْمِهِ وهو يَعْرِفُ الحَقَّ، (p-٦٩)فَإنَّ عاقِلًا لا يُعَدُّ ما رامَهُ في عِدادِ المُمْكِنِ العادِي فَقالَ: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ أيِ: الَّتِي لا أسْبابَ غَيْرَها لِعِظَمِها.
40:37Page 471
أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧
The ways into the heavens - so that I may look at the deity of Moses; but indeed, I think he is a liar." And thus was made attractive to Pharaoh the evil of his deed, and he was averted from the [right] way. And the plan of Pharaoh was not except in ruin.
ولَمّا كانَ بُلُوغُها أمْرًا عَجِيبًا، أوْرَدَهُ عَلى نَمَطٍ مُشَوِّقٍ عَلَيْهِ لِيُعْطِيَهُ السّامِعُ حَقَّهُ مِنَ الِاهْتِمامِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، لِيَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى بَيانِها، بِقَوْلِهِ: ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أيِ: الأُمُورُ المُوصِلَةُ إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ إلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ، ذَكَرَ المُسَبِّبَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاطَّلَعَ﴾ [الصافات: ٥٥] أيْ: فَلَعَلَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ ويَتَعَقَّبُهُ أنِّي أتَكَلَّفُ الطُّلُوعَ ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ فَيَكُونُ كَما تَرى عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ [غافر: ٣٦] ونَصَبَهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى الجَوابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما أبْرَزَهُ الخَبِيثُ في عِدادِ المُمْكِنِ إنَّما هو تَمَنِّي مُحالٍ غَيْرِ مُمْكِنٍ في العادَةِ.
ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ إرادَتِهِ بِذَلِكَ مَعَ إيقافِ قَوْمِهِ إلى وقْتٍ ما عَنِ المُتابَعَةِ أنْ يُخَيِّلَهم بِأنْ يَقُولَ: طَلَعْتُ فَبَحَثْتُ عَمّا قالَ مُوسى فَلَمْ أقِفْ لَهُ عَلى صِحَّةٍ، قَدَّمَ لَهم قَوْلَهُ مُبَيِّنًا لِحالِهِ إذْ ذاكَ لَمّا ظَنَّ مِن مَيْلِ قُلُوبِهِمْ إلى تَصْدِيقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿كاذِبًا﴾ فَتَرَكَ الكَلامَ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرِيدَ في الرِّسالَةِ أوْ في الإلَهِيَّةِ. ولَمّا كانَ (p-٧٠)هَذا أمْرًا عَجِيبًا، وهو كَوْنُ أحَدٍ يَظُنُّ أنَّهُ يُخَيَّلُ لِلْعُقُولِ أنَّهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ، وأنَّ الإلَهَ الَّذِي هو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وقَدْ كانَ ولا شَيْءَ مَعَهُ يَكُونُ في السَّماءِ، أوْ في مَحَلٍّ مِنَ المَحالِّ، فَإنَّ كُلَّ حالٍ في شَيْءٍ يَحْتاجُ إلى مَحَلِّهِ، وكُلَّ مُحْتاجٍ عاجِزٌ ولا يَصْلُحُ العاجِزُ لِلْإلَهِيَّةِ لَوْ لَمْ يَجِئْ عَنِ اللَّهِ لِما كانَ أهْلًا لَأنْ يُصَدَّقَ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: عَمَلَهُ فِرْعَوْنُ لِأنّا زَيَّنّاهُ لَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ زِيادَةً في التَّعْجِيبِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَظِيمِ الشَّأْنِ اللّاعِبِ بِالألْبابِ. ولَمّا كانَ الضّارُّ هو التَّزْيِينُ لا المُزَيَّنُ الخاصُّ، بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ﴾ أيْ: زَيَّنَ المُزَيِّنُ النّافِذُ الأمْرِ، وهو لِلَّهِ تَعالى حَقِيقَةً بِخَلْقِهِ وإلْزامِهِ لِأنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ المُحْدَثاتِ فَهو خَلْقُهُ، والشَّيْطانُ مَجازًا بِالتَّسَبُّبِ بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي هي خَلْقُ اللَّهِ تَعالى ﴿لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ في جَمِيعِ أمْرِهِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ راغِبًا فِيهِ مَعَ بَعْدِهِ عَنْ عَقْلٍ أقَلَّ ذَوِي العُقُولِ فَضْلًا عَنْ ذَوِي الهِمَمِ مِنهم فَضْلًا عَنِ المُلُوكِ، وأطاعَهُ فِيهِ وقَوْمَهُ ﴿وصُدَّ﴾ بِنَفْسِهِ ومَنَعَ غَيْرَهُ - عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ - ومَنَعَهُ اللَّهُ - عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِالضَّمِّ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ: الَّتِي لا سَبِيلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها، وهو المُوصِلَةُ (p-٧١)إلى اللَّهِ تَعالى.
ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ بِحَيْثُ يَظُنُّ [مِنهُ] الظّانُّ أنَّ لِفِرْعَوْنَ نَوْعَ تَصَرُّفٍ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كَيْدُ﴾ وأعادَ الِاسْمَ ولَمْ يُضْمِرْهُ لِئَلّا يَخُصَّ بِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ فَقالَ: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: في إبْطالِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلا في تَبابٍ﴾ أيْ: خَسارٍ وهَلاكٍ عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِهِ لا يَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ مِنهُ، وما تُعْطاهُ إلّا لِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ ومَقْهُورٌ فِيهِ، كَما كَشَفَ عَنْهُ الحالُ، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ أدْنى تَصَرُّفٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ لَما أنْتَجَ فِعَلُهُ الخَسارَ.
40:38Page 471
وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨
And he who believed said, "O my people, follow me; I will guide you to the way of right conduct.
ولَمّا كانَ فَسادُ ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أظْهَرَ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى بَيانٍ، أعْرَضَ المُؤْمِنُ عَنْهُ تَصْرِيحًا، ولَوَّحَ إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ الهَلاكُ تَلْوِيحًا في قَوْلِهِ مُنادِيًا قَوْمَهُ ومُسْتَعْطِفًا لَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأُولى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ في الدَّعْوَةِ، والأُخْرَيانِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ [أيْ]: مُشِيرًا إلى وهي قَوْلُ فِرْعَوْنَ بِالإعْراضِ عَنْهُ، وعَبَّرَ بِالفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِأدْنى أهْلِ الإيمانِ أنَّ [لا] يُحَقِّرَ نَفْسَهُ عَنِ الوَعْظِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ أيْ: يا مَن لا قِيامَ لِي إلّا بِهِمْ فَأنا غَيْرُ مُتَّهَمٍ في نَصِيحَتِهِمْ ﴿اتَّبِعُونِ﴾ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكُمُ اتِّباعِي لِأنَّ السَّعادَةَ غالِبًا تَكُونُ فِيما يَكْرَهُ الإنْسانُ ﴿أهْدِكم سَبِيلَ﴾ (p-٧٢)أيْ: طَرِيقَ ﴿الرَّشادِ﴾ أيِ: الهُدى لِأنَّهُ مَعَ سُهُولَتِهِ واتِّساعِهِ مُوصِلٌ ولا بُدَّ إلى المَقْصُودِ، وأمّا ما قالَ فِرْعَوْنُ مُدَّعِيًا أنَّهُ سَبِيلُ الرَّشادِ لا يُوصَلُ إلّا إلى الخَسارِ، فَهو تَعْرِيضٌ بِهِ شَبِيهٌ بِالتَّصْرِيحِ.
40:39Page 471
يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩
O my people, this worldly life is only [temporary] enjoyment, and indeed, the Hereafter - that is the home of [permanent] settlement.
ولَمّا كانَ هَذا دُعاءٌ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وكانَ الدّاءُ كُلُّهُ في الإقْبالِ عَلى الفانِي، والدَّواءُ كُلُّهُ في الإقْدامِ عَلى الباقِي، قالَ اسْتِئْنافًا في جَوابِ مَن سَألَ عَنْ تَفْصِيلِ هَذِهِ السَّبِيلِ مُبَيِّنًا أنَّها العُدُولُ عَمّا يَفْنى إلى ما يَبْقى، مُحَقِّرًا لِلدُّنْيا مُصَغِّرًا لِشَأْنِها لِأنَّ الإخْلادَ إلَيْها أصْلُ الشَّرِّ كُلِّهِ، ومِنهُ يَتَشَعَّبُ ما يُؤَدِّي إلى سُخْطِ اللَّهِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ كَرَّرَ ذَلِكَ زِيادَةً في اسْتِعْطافِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أهْلَهُ فَهو غَيْرُ مُتَّهَمٍ في نُصْحِهِمْ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ. ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ لِكَوْنِها مَطْبُوعَةً عَلى الوَهْمِ لا تَعُدُّ الحاصِلَ إلّا الحاضِرُ أكَّدَ فَقالَ: ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ﴾ وحَقَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿الدُّنْيا﴾ إشارَةً إلى دَناءَتِها وبِقَوْلِهِ: ﴿مَتاعٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّها جِيفَةٌ لِأنَّها في اللُّغَةِ مِن جُمْلَةِ مَدْلُولاتِ المَتاعِ، فَلا يَتَناوَلُ مِنها إلّا كَما يَتَناوَلُ المُضْطَرُّ مِنَ الجِيفَةِ؛ لِأنَّها دارُ القَلْعَةِ والزَّوالِ والتَّزَوُّدِ والِارْتِحالِ.
ولَمّا افْتُتِحَ بِذَمِّ الدُّنْيا، ثَنّى بِمَدْحِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وإنَّ الآخِرَةَ﴾ لِكَوْنِها المَقْصُودَةَ بِالذّاتِ ﴿هِيَ دارُ القَرارِ﴾ الَّتِي لا تَحُولُ مِنها أصْلًا، (p-٧٣)دائِمُ كُلِّ شَيْءٍ مِن ثَوابِها وعِقابِها، فَهي لِلتَّلَذُّذِ والِانْتِفاعِ والتَّرَفُّهِ والِاتِّساعِ لِمَن تَوَسَّلَ إلى ذَلِكَ بِحُسْنِ الِاتِّباعِ، أوْ لِلشَّقاوَةِ والهَلاكِ، لِمَنِ اجْتَرَأ عَلى المَحارِمِ واسْتَخَفَّ الِانْتِهاكَ، قالَ الأصْفَهانِيُّ: قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا ذَهَبًا [فانِيًا] والآخِرَةُ خَزَفًا باقِيًا، لَكانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا، فَكَيْفَ والدُّنْيا خَزَفٌ فانٍ، والآخِرَةُ ذَهَبٌ باقٍ بَلْ أشْرَفُ وأحْسَنُ.
وكَما أنَّ النَّعِيمَ فِيها دائِمٌ فَكَذَلِكَ العَذابُ، فَكانَ التَّرْغِيبُ في نَعِيمِ الجِنانِ، والتَّرْهِيبُ مِن عَذابِ النِّيرانِ، مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ المَتاعِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ التَّوَسُّعِ ثانِيًا، والقَرارُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الِارْتِحالِ أوَّلًا.
40:40Page 471
مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠
Whoever does an evil deed will not be recompensed except by the like thereof; but whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - those will enter Paradise, being given provision therein without account.
ولَمّا حَرَّكَ الهِمَمَ بِهَذا الوَعْظِ إلى الإعْراضِ عَنْ دارِ الأنْكادِ والأمْراضِ، والإقْبالِ عَلى دارِ الجَلالِ والجَمالِ بِخِدْمَةِ ذِي العِزِّ والكَمالِ، قالَ في جَوابِ مَن سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّهُ بِالإقْبالِ عَلى مَحاسِنِ الأعْمالِ، وتَرْكِ السَّيِّئِ مِنَ الخِلالِ، واصِلًا بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ البَيانِ لِلْبَيانِ، ذاكِرًا عاقِبَةَ كَلٍّ لِيُثَبِّطَ عَمّا يُتْلِفُ، ويَنْشَطُ لِما يَزْلُفُ، مُشِيرًا إلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ، [مُقَدِّمًا لِما هم عَلَيْهِ مِنَ السُّوءِ مُحَذِّرًا مِنهُ لِيَرْجِعُوا] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ أيْ: ما يَسُوءُ مِن أيِّ: صِنْفٍ كانَ: الذُّكُورُ والإناثُ (p-٧٤)والمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ،
﴿فَلا يُجْزى﴾ أيْ: مِنَ المَلِكِ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ﴿إلا مِثْلَها﴾ عَدْلًا لا يُزادُ عَلَيْها مِقْدارُ ذَرَّةٍ ولا أصْغَرُ مِنها، ويَدْخُلُ النّارَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يُكَفِّرُها، فَهَذا هو المِلْكُ الَّذِي يَنْبَغِي الإقْبالُ عَلى خِدْمَتِهِ لِكَوْنِهِ الحَكَمَ العَدْلَ القادِرَ عَلى الجَزاءِ والمُساواةِ في الجَزاءِ، فالكافِرُ لَمّا كانَ عَلى عَزْمِ إدامَةِ الكُفْرِ كانَ عَذابُهُ دائِمًا، والفاسِقُ [لَمّا كانَ] عَلى نِيَّةِ التَّوْبَةِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ [فِي] مَعْصِيَةٍ وشَرٍّ كانَ عَذابُهُ مُنْقَطِعًا، والآيَةُ عَلى عُمُومِها، وما خَرَجَ [مِنها] بِدَلِيلٍ كانَ مَخْصُوصًا فَيَخْرُجُ عَلَيْها جَمِيعُ بابِ الجِناياتِ وغَيْرُهُ، ومَن قالَ: إنَّها في شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، لَزِمَهُ أنْ تَكُونَ مُجْمَلَةً، لِأنَّ ذاكَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ، والتَّخْصِيصُ أوْلى مِنَ الإجْمالِ كَما قالَ أهْلُ الأُصُولِ.
ولَمّا بَيَّنَ العَدْلَ في العِقابِ، بَيَّنَ الفَضْلَ في الثَّوابِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتِ الغَضَبَ فَقالَ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ: ولَوْ قَلَّ. ولَمّا كانَ مَن يَعْهَدُونَ مِنَ المُلُوكِ إنَّما يَسْتَعْمِلُونَ الأقْوِياءَ لِاحْتِياجِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا حاجَةَ بِهِ أصْلًا فَقالَ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ ولَمّا كانَ العَمَلُ لا يَصِحُّ بِدُونِ الإيمانِ قالَ مُبَيِّنًا شَرْطَهُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: عَمَلٌ والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ﴾ ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ في عَدْلِهِ وجُودِهِ وفَضْلِهِ، جَعَلَ الجَزاءَ مُسَبِّبًا عَنِ الأعْمالِ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ (p-٧٥)أيِ: العالُو الهِمَّةِ والمِقْدارِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [أيْ]: بِأمْرِ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بَعْدَ أنْ ضاعَفَ لَهم أعْمالَهم فَضْلًا، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ المُساواةِ أوَّلًا عَدْلًا يَدُلُّ عَلى المُضاعَفَةِ ثانِيًا فَضْلًا، وذِكْرُ إدْخالِ الجَنَّةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى إدْخالِ النّارِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ فَضْلَهُ في كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ ﴿يُرْزَقُونَ فِيها﴾ أيْ: مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَحَوُّلٍ أصْلًا ولا إلى أسْبابٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن أسْرارِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لِخُرُوجِ ما فِيها بِكَثْرَتِهِ عَنِ الحَصْرِ، فَإنَّ أدْنى أهْلِها مَنزِلَةً لَوْ أضافَ كُلَّ أهْلِ الأرْضِ لَكَفاهم مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مَن مُلْكِهِ شَيْءٌ، وهَذا مِن بابِ الفَضْلِ، وفَضْلُ اللَّهِ لا حَدَّ لَهُ، ورَحْمَتُهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ، وأمّا جَزاءُ السَّيِّئَةِ فَمِن بابِ العَدْلِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ الحِسابُ فِيها لِئَلّا يَقَعَ الظُّلْمُ، قالَ الأصْبِهانِيُّ: فَإذا عارَضْنا عُمُوماتِ الوَعِيدِ بِعُمُوماتِ الوَعْدِ تَرَجَّحَ الوَعْدُ لَسَبْقِ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ، فانْهَدَمَتْ قَواعِدُ المُعْتَزِلَةِ.
40:41Page 472
۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١
And O my people, how is it that I invite you to salvation while you invite me to the Fire?
ولَمّا بَلَغَ النِّهايَةَ في نُصْحِهِمْ، وخَتَمَ بِإعْلامِهِمْ بِأنَّ النّاسَ قِسْمانِ: هالِكٌ وناجٍ، وكانَ حاصِلُ إرادَتِهِمْ لِأنْ يَكُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ الهَلاكُ بِالنّارِ، قالَ مُبَكِّتًا لَهم بِسُوءِ مُكافَأتِهِمْ مُنادِيًا لَهم مُكَرِّرًا لِلنِّداءِ لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ (p-٧٦)والإيقاظِ مِنَ الغَفْلَةِ. والتَّذْكِيرُ بِأنَّهم قَوْمُهُ وأعْضادُهُ، وعاطِفًا عَلى نِدائِهِ السّابِقِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُفَصِّلٍ لَهُ ولا داخِلَ في حُكْمِهِ: ﴿ويا قَوْمِ ما﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ مِنَ الحُظُوظِ والمَصالِحِ ﴿لِي﴾ في أنِّي ﴿أدْعُوكم إلى النَّجاةِ﴾ والجَنَّةِ بِالإيمانِ شَفَقَةً عَلَيْكم ورَحْمَةً لَكم واعْتِرافًا بِحَقِّكم ”و“ مالَكم مِن ذَلِكَ في كَوْنِكم ”تَدْعُونَنِي إلى النّارِ“ والهَلاكُ بِالكُفْرانِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ النَّجاةِ المُلازِمَةِ لِلْإيمانِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الهَلاكِ المُلازِمِ لِلْكُفْرانِ ثانِيًا، والنّارُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الجَنَّةِ أوَّلًا، ومُرادُهُ هَزُّهم وإثارَةُ عَزائِمِهِمْ إلى الحَياءِ مِنهُ بِتَذْكِيرِهِمْ أنَّ ما يَفْعَلُونَهُ مَعَهُ لَيْسَ مِن شِيَمِ أهْلِ المُرُوءَةِ، يُجازُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ بِالإساءَةِ.
40:42Page 472
تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢
You invite me to disbelieve in Allāh and associate with Him that of which I have no knowledge, and I invite you to the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1
ولَمّا أخْبَرَ بِقِلَّةِ إنْصافِهِمْ إجْمالًا، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَدْعُونَنِي﴾ أيْ: تُوقِعُونَ دُعائِي إلى مَعْبُوداتِكم ﴿لأكْفُرَ﴾ أيْ: لِأجْلِ أنْ أكْفُرَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ: أسْتُرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ بِسَبَبِ الَّذِي أنالُهُ لِأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ ولَهُ مَجامِعُ القَهْرِ والعِزِّ والعَظَمَةِ والكِبْرِ ﴿وأُشْرِكَ﴾ أيْ: أوْقَعَ الشِّرْكَ ﴿بِهِ﴾ أيْ: أجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا. ولَمّا كانَ كُلُّ ما عَداهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، أشارَ إلى حَقارَتِهِ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ فَقالَ: (p-٧٧)﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ بِصَلاحِيَتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الشَّرِكَةِ، فَهو دُعاءٌ إلى الكَذِبِ في شَيْءٍ لا يَحِلُّ الإقْدامُ عَلَيْهِ إلّا بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ نَوْعًا مِنَ الشِّرْكِ، وإذا لَمْ يَكُنْ بِهِ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِزَّةٌ ولا مَغْفِرَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ لِأنَّ المَلِكَ لازِمُ الإلَهِيَّةِ وهو أشْهَرُ الأشْياءِ، فَما أدْعى لَهُ أشْهَرُ الأشْياءِ، فَكانَ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كانَ عَدَمًا مَحْضًا.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى ما هو عَدَمٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ في جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إشارَةً إلى بُطْلانِ دَعْوَتِهِمْ وعَدَمِ ثُبُوتِها، بَيَّنَ لَهم أنَّهُ دَعاهم إلّا إلى ما لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ولا نَفْعَ ولا ضُرَّ إلّا بِيَدِهِ، فَقالَ مُشِيرًا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إلى ثُبُوتِ دَعْوَتِهِ وقُوَّتِها: ﴿وأنا أدْعُوكُمْ﴾ أيْ: أُوقِعُ دُعاءَكُمُ الآنَ وقَبْلَهُ وبَعْدَهُ.
﴿إلى العَزِيزِ﴾ أيِ: البالِغِ العِزَّةِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ولَمّا وصَفَهُ بِهَذا الوَصْفِ تَرْهِيبًا، صَحَّ قَطْعًا وصْفُهُ تَرْغِيبًا بِقَوْلِهِ: ﴿الغَفّارِ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَكَرَّرُ لَهُ دائِمًا مَحْوُ الذَّنْبِ عَيْنًا وأثَرًا ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ مَن هو بِصِفَةِ العِزَّةِ، ومَن صَحَّ وصْفُهُ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ فَهو الَّذِي لا يَجْهَلُ ما عَلَيْهِ، مِن صِفاتِ الكَمالِ أحَدٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا عَدَمَ العِلْمِ دَلِيلًا عَلى العِلْمِ ثانِيًا، وثانِيًا العِزَّةُ والمَغْفِرَةُ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِما أوَّلًا.
40:43Page 472
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣
Assuredly, that to which you invite me has no [response to a] supplication in this world or in the Hereafter; and indeed, our return is to Allāh, and indeed, the transgressors will be companions of the Fire.
ولَمّا كانَ انْتِفاءُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مِن أهْلِ العِلْمِ انْتِفاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ في (p-٧٨)أُصُولِ الدِّينِ، كانَ ما دَعَوْهُ إلَيْهِ [باطِلًا، وكانَ ما دَعاهم إلَيْهِ] هو الحَقُّ، فَلِذَلِكَ أنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿لا جَرَمَ﴾ وهي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى: لا ظَنَّ ولا اضْطِرابَ أصْلًا - كَما مَضى في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها مَعْنى العِلَّةِ، [أيْ]: فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا شَكَّ في ﴿أنَّما﴾ أيِ: الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن هَذِهِ الأنْدادِ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإنَّهُ لا إدْراكَ لَهُ، هَذا إنْ أُرِيدَ ما [ لا ] يَعْقِلُ، وإنْ أُرِيدَ شَيْءٌ مِمّا يَعْقِلُ فَلا دَعْوَةَ لَهُ مَقْبُولَةٌ بِوَجْهٍ، فَإنَّهُ لا يَقُومُ عَلَيْها دَلِيلٌ [بَلْ] ولا شُبْهَةَ مُوهِمَةً ﴿فِي الدُّنْيا﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الأسْبابِ، الظّاهِرَةِ لِأنَّ شَيْئًا مِنهُ لَيْسَ لَهُ واحِدٌ مِنَ الوَصْفَيْنِ ﴿ولا في الآخِرَةِ﴾ لِأنَّ ما لا تُعْلَمُ إلَهِيَّتُهُ كَذَلِكَ يَكُونُ ﴿وأنَّ﴾ أيْ: ولا اضْطِرابَ في أنْ ﴿مَرَدَّنا﴾ أيْ: رَدُّنا العَظِيمُ بِالمَوْتِ ومَوْضِعُ رَدِّنا ووَقْتُهُ مُنْتَهٍ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ لِما اقْتَضَتْهُ عِزَّتُهُ، فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ ﴿وأنَّ﴾ أيْ: ولا شَكَّ في [أنَّ] ﴿المُسْرِفِينَ﴾ أيِ: المُجاوَزِينَ لِلْحُدُودِ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ ﴿هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً لِأجْلِ حُكْمِ اللَّهِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَخْلُدُونَ فِيها لا يُفارِقُونَها كَما يَقْتَضِيهِ مَعْنى الصُّحْبَةِ لِأنَّ إسْرافَهُمُ اقْتَضى (p-٧٩)إسْرافَ مُلازَمَتِهِمْ لِلنّارِ الَّتِي طَبْعُها الإسْرافُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ رَبَّها لا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ إلّا مِثْلَها.
40:44Page 472
فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤
And you will remember what I [now] say to you, and I entrust my affair to Allāh. Indeed, Allāh is Seeing of [His] servants."
ولَمّا تُقَرِّرُ أنَّهُ [لا أمْرَ لِغَيْرِ اللَّهِ وأنَّهُ] لا بُدَّ مِنَ المَعادِ، تُسُبِّبَ [عَنْهُ] بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ مَعَ القُرْبِ ﴿ما أقُولُ لَكُمْ﴾ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الذِّكْرُ في يَوْمِ الجَمْعِ الأعْظَمِ والزِّحامِ الَّذِي [يَكُونُ] فِيهِ القَدَمُ عَلى القَدَمِ إذا رَأيْتُمُ الأهْوالَ والنَّكالَ والزِّلْزالَ إنْ قَبِلْتُمْ نُصْحِي وإنْ لَمْ تَقْبَلُوهُ. ولَمّا ذَكَرَ خَوْفَهُمُ الَّذِي لا يَحْمِيهِمْ مِنهُ شَيْءٌ، ذَكَرَ خَوْفَهُ الَّذِي هو مُعْتَمِدٌ فِيهِ عَلى اللَّهِ لِيَحْمِيَهُ مِنهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ”سَتَذْكُرُونَ“ غَيْرَ مُراعًى فِيها مَعْنى السِّينِ: ﴿وأُفَوِّضُ﴾ [أيْ]: أنا الآنَ بِسَبَبِ أنَّهُ لا دَعْوَةَ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿أمْرِي﴾ فِيما تَمْكُرُونَهُ بِي ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً فَهو يَحْمِينِي مِنكم إنْ شاءَ، قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: التَّفْوِيضُ ألْطَفُ إشارَةً وأوْسَعُ مِنَ التَّوَكُّلِ بَعْدَ وُقُوعِ السَّبَبِ، والتَّفْوِيضُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وبَعْدَهُ، وهو عَيْنُ الِاسْتِسْلامِ، والتَّوَكُّلُ شُعْبَةٌ مِنهُ، وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: الأُولى أنْ تَعْلَمَ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ قَبْلَ عِلْمِهِ اسْتِطاعَةً، فَلا يَأْمَنُ مِن مَكْرٍ، ولا يَيْأسُ مِن مَعُونَةٍ، ولا يُعَوِّلُ عَلى نِيَّةٍ، والثّانِيَةُ مُعايَنَةُ الِاضْطِرارِ (p-٨٠)فَلا تَرى عَمَلًا مُنْجِيًا ولا ذَنْبًا مُهْلِكًا ولا سَبَبًا حامِلًا، والثّالِثَةُ شُهُودُ انْفِرادِ الحَقِّ بِمَلْكِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والقَبْضِ والبَسْطِ والتَّفْرِيقِ والجَمْعِ.
ولَمّا عَلَّقَ تَفْوِيضَهُ بِالِاسْمِ العَلَمِ الجامِعِ المُقْتَضِي لِلْإحاطَةِ، عَلى ذَلِكَ بَيانًا لِمُرادِهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ عَمَلَهم في مَكْرِهِمْ بِهِ عَمَلُ مَن يَظُنُّ أنَّ سُبْحانَهُ لا يُبْصِرُهم [ولا يَنْصُرُهُ] ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ [و]كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ بَيانًا لِمُرادِهِ بِأنَّهُ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ: بالِغَ البَصَرِ ﴿بِالعِبادِ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا، فَيَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ النُّصْرَةَ لِاتِّصافِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ، ويَعْلَمُ مَن يَمْكُرُ فَيَرُدُّ مَكْرُهُ عَلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ.
40:45Page 472
فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥
So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ نُصْحِهِ هَذا لَهم والتِجائِهِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ حَفِظَهُ مِنهم عَلى عِظَمِ الخَطَرِ، قالَ تَعالى مُخْبِرًا أنَّهُ صَدَقَ ظَنُّهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ أيْ: جَعَلَ لَهُ وِقايَةً تَجْنِهِ مِنهم بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ والكَمالِ جَزاءً عَلى تَفْوِيضِهِ.
﴿سَيِّئاتِ﴾ أيْ: شَدائِدِ ﴿ما مَكَرُوا﴾ دِينًا ودُنْيا، فَنَجّاهُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَصْدِيقًا لِوَعْدِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] و[لَمّا] كانَ المَكْرُ السَّيِّئُ لا يَحِيقُ إلّا بِأهْلِهِ قالَ: ﴿وحاقَ﴾ أيْ: نَزَلَ مُحِيطًا بَعْدَ إحاطَةِ الإغْراقِ ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: كُلُّهم فِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ لِأجْلِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ ومَكْرِهِمْ، فالإحاطَةُ (p-٨١)بِفِرْعَوْنَ مِن بابِ الأوْلى وإنْ لَمْ نَقُلْ: أنَّ الآلَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الشَّخْصِ والأتْباعِ، لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ أنَّهُ لا يُوصَلُ إلى جَمِيعِ أتْباعِ الإنْسانِ إلّا بَعْدَ إذْلالِهِ وأخْذِهِ فَهو مَفْهُومُ مُوافَقَةٍ.
﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيِ: العُقُوبَةُ المانِعَةُ مِن كُلِّ مُسْتَعْذِبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
40:46Page 472
ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦
The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."
﴿النّارُ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ: في البَرْزَخِ ﴿غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: غادِينَ ورائِحِينَ في وقْتِ اسْتِرْواحِهِمْ بِالأكْلِ واسْتِلْذاذِهِمْ بِهِ - هَذا دَأْبُهم طُولَ أيّامِ البَرْزَخِ، وكانَ عَلَيْهِمْ في هَذا العَرْضِ زِيادَةُ نَكَدٍ فَوْقَ ما ورَدَ عامًا مِمّا رَوى مالِكٌ والشَّيْخانِ وغَيْرُهم عَنْ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» ولَعَلَّ زِيادَةَ النَّكَدِ أنَّهم هُمُ المَعْرُوضُونَ، فَيَذْهَبُ بِهِمْ في الأغْلالِ يُساقُونَ لِيَنْظُرُوا ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، وعامَّةُ النّاسِ يَقْتَصِرُ في ذَلِكَ عَلى أنْ يَكْشِفَ لَهم - وهم في مَحالِّهِمْ - عَنْ مَقاعِدِهِمْ، (p-٨٢)فَفِي ذَلِكَ زِيادَةُ إهانَةٍ لَهُمْ، وهو مِثْلُ: عَرْضِ الأمِيرِ فُلانًا عَلى السَّيْفِ إذا أرادَ قَتْلَهُ، هَذا دَأْبُهم إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يُقالُ لَهُمْ: ﴿أدْخِلُوا آلَ﴾ أيْ: يا آلَ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ هو نَفْسُهُ وأتْباعُهُ لِأجْلِ اتِّباعِهِمْ لَهُ فِيما أضَلَّهم بِهِ، وجَعَلَهُ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ فِعْلَ أمْرٍ مِنَ الإدْخالِ، فالتَّقْدِيرُ: نَقُولُ لِبَعْضِ جُنُودِنا: أدْخِلُوا آلَهُ لِأجْلِ ضَلالِهِمْ بِهِ اليَوْمَ ﴿أشَدَّ العَذابِ﴾ وإذا كانَ هَذا [لِآلِهِ] لِأجْلِهِ كانَ لَهُ أعْظَمُ مِنهُ مِن بابِ الأوْلى، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في عَذابِ القَبْرِ كَما نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
40:47Page 472
وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧
And [mention] when they will argue within the Fire, and the weak will say to those who had been arrogant, "Indeed, we were [only] your followers, so will you relieve us of a share of the Fire?"
ولَمّا كانَ هَذا مِن خَبَرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ أمْرًا غَرِيبًا جِدًّا، قَلَّ مَن يَعْرِفُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مِن خَفِيِّ العِلْمِ، أشارَ [سُبْحانَهُ] إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا الَّذِي أنْبَأْناكَ بِهِ مِمّا كانَ في الزَّمَنِ الأقْدَمِ، ولا وُصُولَ لَهُ إلَيْكَ إلّا مِن جِهَتِنا، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ قَطْعًا أنَّكَ ما جالَسْتَ عالِمًا قَطُّ، واذْكُرْ لَهم ما يَكُونُ في الزَّمَنِ الآتِي حِينَ ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ نُعَذِّبُهم ﴿فِي النّارِ﴾ أيْ: يَتَخاصَمُونَ فِيها أتْباعُهم ورُؤَساؤُهم بِما لا يُغْنِيهِمْ: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ﴾ أيِ: الأتْباعُ (p-٨٣)﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا كُبَراءَ.
ولَمّا كانُوا لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ يَتَبَرَّأُ كُلٌّ مِنهم مِن صاحِبِهِ. أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنّا كُنّا لَكُمْ﴾ أيْ: دُونَ غَيْرِكم ﴿تَبَعًا﴾ أيْ: أتْباعًا، فَتَكَبَّرْتُمْ عَلى النّاسِ بِنا، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ يَكُونُ واحِدًا [كَجَمَلٍ]، ويَكُونُ جَمْعًا كَخَدَمِ جَمْعُ خادِمٍ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهم [كانُوا] في عَظِيمِ الطَّواعِيَةِ لَهم عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ ولَمّا كانَ الكَبِيرُ يَحْمِي تابِعَهُ، سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ سُؤالَهم فَقالُوا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها الكُبَراءُ ﴿مُغْنُونَ﴾ أيْ: كافُّونَ ومُجْزَوْنَ وحامِلُونَ ﴿عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences