Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:48–59
40:48Page 472
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨
Those who had been arrogant will say, "Indeed, all [of us] are in it. Indeed, Allāh has judged between the servants."
ولَمّا أتى بِكَلامِ الضُّعَفاءِ مُضارِعًا عَلى الأصْلِ، وإشارَةً مَعَ تَصْوِيرِ الحالِ لِأنَّهُ أقْطَعُ إلى طُولِ خِصامِهِمْ لِأنَّهُ أشَدُّ في إيلامِهِمْ، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمُ، اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي تَأْكِيدًا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ رَدًّا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ الضَّعِيفُ مِن [أنَّ] المُسْتَكْبِرَ لَهُ قُوَّةُ المُدافَعَةِ وإباءُ الأنَفَةِ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [أيْ]: مِن شِدَّةِ ما هم فِيهِ. ولَمّا كانَ الأتْباعُ قَدْ ظَنُّوا أنَّ المَتْبُوعِينَ يُغْنُونَ عَنْهُمْ، أكَّدُوا إخْبارَهم لَهم بِما يُنافِي ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنّا كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّنا كائِنُونَ ﴿فِيها﴾ أيِ: النّارُ، كُلٌّ يَنالُهُ مِنَ العَذابِ بِقَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ [سَواءٌ] إنْ (p-٨٤)جادَلْتُمُونا أوْ تَرَكْتُمْ جِدالَنا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا، فَلَوْ قَدَرْنا عَلى شَيْءٍ لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا، ولَوْ سَألْنا أنْ نُزادَ أوْ نَنْقُصَ لَما أجَبْنا، فَإنَّ هَذِهِ دارُ العَدْلِ فاتْرُكُونا وما نَحْنُ فِيهِ.
ولَمّا كانَ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى مانِعًا مِمّا كانَ يَفْعَلُ في الدُّنْيا مَن فَكَّ المُجْرِمُ وإيثاقُ غَيْرِهِ بِهِ، وكانَ سُؤالُهم في الإغْناءِ سُؤالَ مَن يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عَلى ما عَلَيْهِ الأحْكامُ مِن حُكّامِ أهْلِ الدُّنْيا، عَلَّلُوا جَوابَهم مُؤَكِّدِينَ فَقالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، فَأدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ دارَهُمْ، وأهْلَ النّارِ نارَهُمْ، فَلا يُغْنِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا.
40:49Page 472
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩
And those in the Fire will say to the keepers of Hell, "Supplicate your Lord to lighten for us a day from the punishment."
ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُغْنِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، أخْبَرَ أنَّهم لَمّا رَأوْا بِعْدَهم مِنَ اللَّهِ وأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِدُعائِهِ سُبْحانَهُ، عَلَّقُوا آمالَهم بِتَوَسُّطِ المَلائِكَةِ، فَأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ﴾ أيْ: جَمِيعًا الأتْباعُ والمَتْبُوعُونَ ﴿لِخَزَنَةِ﴾ ووَضَعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: ﴿جَهَنَّمَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سُؤالَهم لِأهْلِ الطَّبَقَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها وشَأْنِ خَزَنَتِها تَجَهُّمُ داخِلِيها لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم لِسُوءِ ما هم فِيهِ لا يَعْقِلُونَ، فَهم [لا] يَضَعُونَ شَيْئًا في مَحَلِّهِ كَما كانُوا في الدُّنْيا: (p-٨٥)﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنَ إلَيْكم بِأنَّكم لا تَجِدُونَ ألَمًا مِنَ النّارِ ﴿يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا﴾ أيْ: في مِقْدارِهِ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: بَعْضِهِ.
40:50Page 473
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠
They will say, "Did there not come to you your messengers with clear proofs?" They will say, "Yes." They will reply, "Then supplicate [yourselves], but the supplication of the disbelievers is not except in error [i.e., futility]."
ولَمّا سَألُوهُمُ، اسْتَأْنَفُوا جَوابَهم إشارَةً إلى ما حَصَلَ مِن تَشَوُّفِ السّامِعِ إلَيْهِ، مُعَرِّفِينَ لَهم بِسِياقِهِ بِالسَّبَبِ الجاعِلِ لَهم في مَحَلِّ الإطْراحِ والسُّفُولِ عَنِ التَّأهُّلِ لِأنْ يَسْمَعَ لَهم كَلامٌ، فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألَمْ تَكُنْ لَكم عُقُولٌ تَهْدِيكم إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إلْزامُنا لَهُمُ الحُجَّةَ وتَوْبِيخًا وتَنْدِيمًا بِتَفْوِيتِ أوْقاتِ الدُّعاءِ المُجابِ: ﴿أوَ لَمْ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ خَطَرًا، والمَرامُ وعِرًا عَسِرًا، فَكانُوا مُحْتاجِينَ إلى الإيجازِ، قالُوا [مُشِيرِينَ بِذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ مَعَ اقْتِضاءِ الحالِ لِلْإيجازِ إلى عَراقَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في النُّصْحِ المُنَجِّي مِنَ المَخاوِفِ بِالمُعْجِزاتِ والرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ وطُولِ الأناةِ والحُلْمِ والصَّبْرِ مَعَ شَرَفِ النَّسَبِ وطَهارَةِ الشِّيَمِ وحُسْنِ الأخْلاقِ وبَداعَةِ الهَيْئاتِ والمَناظِرِ ولَطافَةِ العِشْرَةِ وجَلالَةِ المَناصِبِ]: ﴿تَكُ﴾ بِإسْقاطِ النُّونِ مَعَ التَّصْوِيرِ لِلْحالِ بِالمُضارِعِ ﴿تَأْتِيكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ شَيْئًا في إثْرِ شَيْءٍ ﴿رُسُلُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم مِنكم فَأنْتُمْ جَدِيرُونَ بِالإصْغاءِ إلَيْهِمْ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمَيْلُ، والإنْسانُ مِن مِثْلِهِ أقْبَلُ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الَّتِي لا شَيْءَ أوْضَحُ مِنها ﴿قالُوا﴾ أيِ: الكُفّارُ: ﴿بَلى﴾ [أيْ]: أتَوْنا كَذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا جَوابَهم لِما حَصَلَ مِنَ التَّشَوُّفِ إلَيْهِ بِما حاصِلُهُ (p-٨٦)عَدَمُ إجابَتِهِمْ فَسَبَّبُوا عَنْ إخْبارِهِمْ بِعَدَمِ إجابَتِهِمْ لِلرُّسُلِ عَدَمَ إجابَةِ دُعائِهِمْ فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ: ﴿فادْعُوا﴾ أيْ: أنْتُمُ الآنَ اللَّهُ أوْ أهْلُ اللَّهِ مِن رُسُلِ البَشَرِ أوِ المَلائِكَةِ أوْ غَيْرِهِمْ، أوْ لا تَدْعُوا فَإنَّهُ لا يُسْمَعُ لَكم.
ولَمّا كانَ أمْرُهم بِالدُّعاءِ مُوجِبًا لِأنْ يَظُنُّوا نَفْعَهُ، أتْبَعُوهُ بِما أيْأسَهم لِأنَّ ذَلِكَ أنَكَأُ وأوْجَعُ وأشَدُّ عَلَيْهِمْ وأفْظَعُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما﴾ دُعاؤُكم - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أتى بِالوَصْفِ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ فَقالَ: ﴿دُعاءُ الكافِرِينَ﴾ أيِ: السّاتِرِينَ لِمِرائِي عُقُولِهِمْ عَنْ أنْوارِ العَقْلِ المُؤَيِّدِ بِصَحِيحِ النَّقْلِ ﴿إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: ذَهابٍ في غَيْرِ طَرِيقٍ مُوصِلٍ كَما كانُوا هم في الدُّنْيا كَذَلِكَ فَإنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، مَن زَرَعَ شَيْئًا في الدُّنْيا حَصَدَهُ في الآخِرَةِ، والآخِرَةُ ثَمَرَةُ الدُّنْيا لا تُثْمِرُ إلّا مِن جِنْسِ ما غُرِسَ في الدُّنْيا.
40:51Page 473
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١
Indeed, We will support Our messengers and those who believe during the life of this world and on the Day when the witnesses will stand -
ولَمّا كانَ حاصِلُ ما مَضى مِن هَذا القَصِّ الَّذِي هو أحْلى مِنَ الشَّرابِ، وأغْلى مِنَ الجَوْهَرِ المُنَظَّمِ في أعْناقِ الكَواعِبِ الأتْرابِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَرَ الرُّسُلَ عَلى أُمَمِهِمْ حِينَ هَمُّوا بِأخْذِهِمْ، فَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ هَذا في الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَعَذَّبَهم أشَدَّ العَذابِ، وكَذَلِكَ نَصَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنَ الَّذِي دافَعَ عَنْهُ، وكانَ نَصْرُ (p-٨٧)أهْلِ اللَّهِ قاطِبَةً خَفِيًّا، لِأنَّهم يُبْتَلَوْنَ ثُمَّ يَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ، فَكانَ أكْثَرَ الجامِدِينَ وهم أكْثَرُ النّاسِ يُظَنُّ أنَّهُ لا نُصْرَةَ لَهُمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ، لِأنَّ النُّصْرَةَ عَنْها تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا مَضى مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا لِلْأغْبِياءِ عَلى ما يَخْفى عَلَيْهِمْ: ﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ أيْ: عَلى مَن ناوَأهم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: اتَّسَمُوا بِهَذا الوَصْفِ وإنْ كانُوا في أدْنى رُتْبَةٍ.
ولَمّا كانَتِ الحَياةُ تَرُوقُ وتَحْلُو بِالنُّصْرَةِ وتَتَكَدَّرُ بِضِدِّها، ذَكَرَها لِذَلِكَ ولِئَلّا يَتَوَهَّمَ لَوْ سَقَطَتْ أنَّ نُصْرَتَهم تَكُونُ رُتْبَتُها دَنِيَّةً فَقالَ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِإلْزامِهِمْ طَرِيقَ الهُدى الكَفِيلَةِ بِكُلِّ فَوْزٍ وبِالحُجَّةِ والغَلَبَةِ، وإنْ غُلِبُوا في بَعْضِ الأحْيانِ فَإنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهُمْ، ولَوْ بِأنْ يُقَيِّضَ سُبْحانَهُ لِأعْدائِهِمْ مَن يَقْتَصُّ مِنهم ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، وأقَلُّ ذَلِكَ أنْ لا يَتَمَكَّنَ أعْداؤُهم مِن كُلِّ ما يُرِيدُونَ مِنهم ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ أيْ: في الدّارِ الآخِرَةِ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ وسائِرِ المُقَرَّبِينَ، جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، إشارَةً إلى [أنَّ] شَهادَتَهم بَلِيغَةٌ في بابِها، لِما لَهم مِنَ الحُضُورِ التّامِّ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ تَذْكِيرُ الفِعْلِ والتَّعْبِيرِ بِجَمْعِ القِلَّةِ، ولَكِنَّ الجِيادَ قَلِيلٌ مَعَ أنَّهم بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ المَوْقِفِ كالشَّعْرَةِ (p-٨٨)البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، وإنَّما عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى تَجَلِّي الحُكْمِ العَدْلِ بِصِفاتِ الجَبَرُوتِ لِلْقِسْطِ، فَيَرْفَعُ أوْلِياءَهُ بِكُلِّ اعْتِبارٍ، ويُهِينُ أعْداءَهم كُلَّ إهانَةٍ.
40:52Page 473
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢
The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].
ولَمّا وصَفَ اليَوْمَ الآخِرَ بِما لا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، أتْبَعَهُ ما أوْضَحَهُ عَلى وجْهٍ بَيْنَ نَصْرِهِ لَهم غايَةَ البَيانِ، فَقالَ مُبَدِّلًا مِمّا قَبْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ كانُوا عَرِيقِينَ في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيِ: اعْتِذارُهم وزَمانُهُ ومَكانُهُ - بِما أشارَ إلَيْهِ كَوْنُ المَصْدَرِ مِيمِيًّا ولَوْ جَلَّ - بِما أشارَ إلَيْهِ قِراءَةُ التَّذْكِيرِ لِلْفِعْلِ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم لا يَجِدُونَ دِفاعًا بِغَيْرِ الِاعْتِذارِ، وأنَّهُ غَيْرُ نافِعِهِمْ لِأنَّهم لا يَعْتَذِرُونَ إلّا بِالكَذِبِ ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أوْ بِالقَدْرِ ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿ولَهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، مَعَ الإهانَةِ بِكُلِّ ضَيْرٍ ﴿ولَهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿سُوءُ الدّارِ﴾ وهي النّارُ الحاوِيَةُ لِكُلِّ سُوءٍ - هَذا مَعَ ما يَتَقَدَّمُها مِنَ المَواقِفِ الصَّعْبَةِ، وإذا كانَ هَذا لَهم فَما ظَنُّكَ بِما هو عَلَيْهِمْ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ لِأعْدائِهِمْ - وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهُمُ - الكَرامَةَ والرَّحْمَةَ ولَهم قَبُولُ الِاعْتِذارِ وحُسْنُ الدّارِ، فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ أعْلامُ النُّصْرَةِ، وصَحَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن تَمامِ القُدْرَةِ.
40:53Page 473
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣
And We had certainly given Moses guidance, and We caused the Children of Israel to inherit the Scripture
(p-٨٩)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ نَصَرْنا مُوسى رَسُولَنا مَعَ إبْراقِ فِرْعَوْنَ وإرْعادِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ دالًّا عَلى الكَرامَةِ والرَّحْمَةِ، مُؤَكِّدًا لِإزالَةِ ما اسْتَقَرَّ في النُّفُوسِ مِن أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا لا يَغْلِبُهُمُ الضُّعَفاءُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العِزَّةِ ﴿مُوسى الهُدى﴾ أيْ: في الدِّينِ اللّازِمِ مِنهُ أنْ يَكُونَ لَهُ العاقِبَةُ وإنْ تَناهَتْ ضَخامَةُ مَن يُعانِدُهُ، لِأنَّهُ ضالٌّ عَنِ الهُدى، والضّالُّ هالِكٌ وإنْ طالَ المَدى، وذَلِكَ بِما آتَيْناهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والكِتابِ.
ولَمّا كانَتِ النُّبُوَّةُ خاصَّةً والكِتابُ عامًّا قالَ: ﴿وأوْرَثْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ: [الَّذِي] أنْزَلْنا عَلَيْهِ وآتَيْناهُ الهُدى بِهِ - وهو التَّوْراةُ - إيتاءً هو كالإرْثِ لا يُنازِعُهم فِيهِ أحَدٌ، ولا أهْلَ لَهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُمْ، حالَ كَوْنِهِ
40:54Page 473
هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٤
As guidance and a reminder for those of understanding.
﴿هُدًى﴾ أيْ: بَيانًا عامًّا لِكُلِّ مَن تَبِعَهُ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ: عَظَةً عَظِيمَةً ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ [أيِ]: القُلُوبُ الصّافِيَةُ والعُقُولُ الوافِيَةُ الشّافِيَةُ، فَذَكَرَ إيتاءَ مُوسى الثَّمَرَةَ وذَكَرَ إيراثَهُمُ السَّبَبَ إشارَةً إلى أنَّ مِنهم مَن جَنى ثَمَرَتَهُ فاهْتُدِيَ، ومِنهم مَن ضَلَّ، وذَلِكَ تَحْذِيرٌ لِلِاتِّباعِ، وتَشْرِيفٌ لِلْأنْبِياءِ بِما نالُوهُ مِن مَراتِبِ الِارْتِفاعِ.
40:55Page 473
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٥٥
So be patient, [O Muḥammad]. Indeed, the promise of Allāh is truth. And ask forgiveness for your sin1 and exalt [Allāh] with praise of your Lord in the evening and the morning.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ الوَعْدُ المُؤَكَّدُ بِنُصْرَةِ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ: ولَقَدْ آتَيْناكَ الهُدى والكِتابَ كَما آتَيْنا مُوسى، ولَنَنْصُرَنَّكَ مِثْلَ (p-٩٠)ما نَصَرْناهُ وإنَّ زادَ إبْراقُ قَوْمِكَ وإرْعادُهُمْ، فَإنَّهم لا يَعْشِرُونَ فِرْعَوْنَ فِيما كانَ فِيهِ مِنَ الجَبَرُوتِ والقَهْرِ والعِزِّ والسُّلْطانِ والمَكْرِ ولَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ مِنهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ﴾ [أيْ]: عَلى أذاهم فَإنّا نُوقِعُ الأشْياءَ في أتَمِّ مِحالِّها عَلى ما بَنَيْنا عَلَيْهِ أحْوالَ هَذِهِ الدّارِ مِن إجْراءِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ الَّذِي هو مَدارُ النُّصْرَةِ إلى اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ الَّتِي مِن أعْظَمِها إنْفاذُ الأمْرِ وصِدْقُ الوَعْدِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ [أيِ]: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿حَقٌّ﴾ [أيْ]: في إظْهارِ دِينِكَ وإعْزازِ أمْرِكَ، فَقَدْ رَأيْتُ ما اتَّفَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أجْبَرَ أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ وما كانَ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: الصَّبْرُ في انْتِظارِ المَوْعُودِ مِنَ الحَقِّ عَلى حَسَبِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، فَمَن كانَ تَصْدِيقُهُ ويَقِينُهُ أتَمَّ وأقْوى كانَ صَبْرُهُ أكْمَلَ وأوْفى.
ولَمّا تَكَفَّلَ هَذا الكَلامُ مِنَ التَّثْبِيتِ بِإنْجازِ المَرامِ، وكانَ مِنَ الأمْرِ المَحْتُومِ أنَّ لُزُومَ القُرُباتِ يُعْلِي الدَّرَجاتِ فَيُوصِلُ إلى قُوَّةِ التَّصَرُّفاتِ، أمَرَ بِالإعْراضِ عَنِ ارْتِقابِ النَّصْرِ والِاشْتِغال بِتَهْذِيبِ الأحْوالِ لِتَحْصِيلِ الكَلامِ، مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى أعْلى الخَلْقِ لِيَكُونَ مِن دُونِهِ مِن بابِ الأوْلى [فَقالَ]: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أيْ: وهو كُلُّ عَمَلٍ كامِلٍ تَرْتَقِي مِنهُ إلى أكْمَلَ، وحالٌ فاضِلٌ تَصْعَدُ مِنهُ إلى أفْضَلَ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا، (p-٩١)مِنكَ لِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فَتَسْتَنُّ بِكَ أُمَّتُكَ، وسَمّاهُ ذَنْبًا مِن بابِ ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“ .
ولَمّا أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ عِنْدَ التَّرْقِيَةِ في دَرَجاتِ الكَمالِ، المُطَّلِعِ عَلى بُحُورِ العَظَمَةِ ومَفاوِزِ الجَلالِ، أمَرَهُ بِالتَّنْزِيهِ عَنْ شائِبَةِ نَقْصٍ والإثْباتِ لِكُلِّ رُتْبَةِ كَمالٍ، لافِتًا القَوْلَ إلى صِفَةِ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ مَواقِعِها فَقالَ: ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ شائِبَةِ نَقْصٍ كُلَّما عَلِمْتَ بِالصُّعُودِ في مَدارِجِ الكَمالِ نَقْصِ المَخْلُوقِ في الذّاتِ والأعْمالِ مُلْتَبِسًا﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: إثْباتُ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ لِلْمُحْسِنِ إلَيْكَ المُرَبِّي لَكَ، ولا تَشْتَغِلْ عَنْهُ بِشَيْءٍ فَإنَّ الأعْمالَ مِن أسْبابِ الظَّفْرِ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِإثْباتِ قِيامِ السّاعَةِ، وكانَ العَشِيُّ أدَلَّ عَلَيْها، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ فَإنْ تَقَلُّبَهُما دائِمًا دَلَّ عَلى كَمالِ مُقَلِّبِهِما وقُدْرَتِهِ عَلى إيجادِ المَعْدُومِ المَمْحُوقِ كَما كانَ وتَسْوِيَتِهِ، ومِن مَدْلُولِ الآيَةِ الحَثُّ عَلى صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ، وهُما الوُسْطى لِأنَّهُما تَشْهَدُهُما مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بَلْ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ - نَقَلَهُ البَغَوِيُّ. وذَلِكَ لِأنَّ العَشِيَّ مِن زَوالِ الشَّمْسِ، والأبْكارَ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
40:56Page 473
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦
Indeed, those who dispute concerning the signs of Allāh without [any] evidence having come to them - there is not within their breasts except pride, [the extent of] which they cannot reach. So seek refuge in Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Seeing.
(p-٩٢)ولَمّا كانَ الأمْرُ بِشَغْلِ هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ أمْرًا بِشَغْلِ غَيْرِهِما مِن بابِ الأوْلى، لِأنَّ أوَّلَ النَّهارِ وقْتُ الِاشْتِغالِ بِالأعْمالِ والِاهْتِمامِ بِالِابْتِداءِ والتَّمامِ، وآخِرُهُ وقْتُ التَّهَيُّؤِ لِلرّاحَةِ والمَقِيلِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ وما يَتْبَعُهُما، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلِاشْتِغالِ عَنْ أعْداءِ الدِّينِ رَأْسًا، وكانَ ذَلِكَ أمْرًا عَلى النُّفُوسِ شاقًّا عَلَّلَهُ بِما يَقْتَضِي المُداوَمَةَ عَلى الأعْمالِ والإعْراضِ عَنْهم لِأنَّ خِذْلانَهم أمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ فَقالَ مُعَلِّلًا لِلْمُداوَمَةِ عَلى الطّاعَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ: يُناصِبُونَ بِالعَداوَةِ لِنَقْلِ [أهْلِ] هَذا الدِّينِ عَنْهُ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى الجَلالَةِ الدّالَّةِ عَلى نِهايَةِ العَظَمَةِ تَهْوِينًا لِشَأْنِهِمْ فَقالَ: ﴿فِي آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ اللّازِمِ مِنهُ قُدْرَتُهُ عَلى البَعْثِ الَّذِي في تَذَكُّرِهِ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ: أمْرٌ مُسَلِّطٌ ودَلِيلٌ مَسْلَكٍ ﴿أتاهم إنْ﴾ أيْ: ما ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ بِصُدُودِهِمْ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، [وآذَنَ] ذِكْرَ الصُّدُورِ دُونَ القُلُوبِ [لِعِظَمِ الكِبَرِ] جِدًّا بِأنَّهُ قَدْ مَلَأ القُلُوبَ وفاضَ مِنها حَتّى شَغَلَ الصُّدُورَ الَّتِي هي مَساكِنُها ﴿إلا كِبْرٌ﴾ أيْ: عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ مَعَ إشْراقِ ضِيائِهِ واعْتِلاءٍ لَأْلائِهِ (p-٩٣)إرادَةَ إطْفائِهِ أوْ إخْفائِهِ، والكِبْرُ إرادَةُ التَّقَدُّمِ والتَّعَظُّمِ والرِّئاسَةِ، وأنْ يَكُونَ مُرِيدُ ذَلِكَ فَوْقَ كُلِّ أحَدٍ ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ أيْ: بِبالِغِي مُقْتَضاهُ مِن إبْطالِ الدِّينِ تَكَبُّرًا عَنْ أنْ يَكُونُوا تَحْتَ أوامِرِهِ، لا يَبْلُغُونَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ الدِّينُ بِنَصْرِ الرَّسُولِ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِن أنْواعِ الكافِرِينَ، ثُمَّ يَبْعَثُونَ فَيَكُونُ أعْداؤُهم أسْفَلَ سافِلِينَ صَغَرَةً داخِرِينَ.
ولَمّا ظَهَرَ مَن أوَّلِ هَذا الكَلامِ وآخِرِهِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا بِما أفادَهُ أُسْلُوبُ كَلامِ القادِرِينَ المَصُوغِ لِأعَمِّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَخْطُرَ في البالِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ في مَطْلَعِ السُّورَةِ بِأنَّهُ غالِبٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ و[أنَّ] الَّذِي بِهِمْ إنَّما هو إرادَةُ أنْ يَكُونُوا عالِينَ غالِبِينَ، تُسَبِّبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَعِذْ﴾ أيِ: اطْلُبِ العَوَذَ ﴿بِاللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن شَرِّ كِبْرِهِمْ كَما عاذَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُنْجِزَ لَكَ ما وعَدَكَ كَما أنْجَزَ [لَهُ]، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ البُطُونِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْعِياذِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ الَّذِينَ لَهُمُ المَكْرُ الظّاهِرُ والباطِنُ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿البَصِيرُ﴾ الصّالِحِ لِلْبَصَرِ والبَصِيرَةِ فَيَعُمُّ المَحْسُوسَ والمَعْلُومَ، [وخَتَمَ] آيَتَيِ الأعْرافِ وفُصِّلَتِ المَسْبُوقَتَيْنِ لِنَزْغِ الشَّيْطانِ الَّذِي هو وساوِسُ وخَطِراتٌ باطِنَةٌ بِالعَلِيمِ.
40:57Page 473
لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
The creation of the heavens and earth is greater than the creation of mankind, but most of the people do not know.
(p-٩٤)ولَمّا كانَ أعْظَمُ النَّظَرِ في آيَةِ المُجادَلَةِ المُكَرَّرَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا إلى البَعْثِ وصَيْرُورَةِ العِبادِ إلى اللَّهِ بِالحَشْرِ لِيَقَعَ فِيهِ الحُكْمُ الفَصْلُ، وتَتَحَقَّقُ نُصْرَةُ الأنْبِياءِ وأتْباعُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِما هو كالتَّعْلِيلِ لِما نُفِيَ في آيَةِ المُجادَلَةِ مِن بُلُوغِهِمْ لِما قَصَدُوا مِنَ الكِبْرِ، فَقالَ مُؤَكَّدًا تَنْزِيلًا لِلْمُقِرِّ العالِمِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ المُعانِدِ لِمُخالَفَةِ فِعْلِهِ لِاعْتِقادِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ﴾ أيْ: خَلْقُ اللَّهِ لَها عَلى عِظَمِها وارْتِفاعِها وكَثْرَةِ مَنافِعِها واتِّساعِها ﴿والأرْضِ﴾ عَلى ما تَرَوْنَ مِن عَجائِبِها وكَثْرَةِ مَتاعِها ﴿أكْبَرُ﴾ عِنْدَ كُلِّ مَن يَعْقِلُ مِنَ الخَلْقِ في الخَلْقِ ﴿مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ أيْ: خَلْقُ اللَّهِ لَهم لِأنَّهم شُعْبَةٌ يَسِيرَةٌ مِن خَلْقِهِما، فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى ابْتِدائِهِ عَلى عِظَمِهِ قادِرٌ عَلى إعادَةِ النّاسِ عَلى حَقارَتِهِمْ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ وغَيْرَهُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ القُدْرَةُ وصَحَّ بِهِ السَّمْعُ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم أصْلًا، بَلْ هم كالبَهائِمِ لِغَلَبَةِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ واتِّباعِهِمْ أهْواءَهُمْ، فَهم لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ كَما أنَّ البَهائِمَ تَرى الظّاهِرَ فَلا تُدْرِكُ بِهِ الباطِنَ، بَلْ هم أنْزَلُ رُتْبَةً مِنَ البَهائِمِ، لِأنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ العِلْمِ في غايَةِ الظُّهُورِ فَهو كالمَحْسُوسِ، فَمَن تَوَقَّفَ فِيهِ كانَ جَمادًا.
40:58Page 473
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨
And not equal are the blind and the seeing, nor are those who believe and do righteous deeds and the evildoer. Little do you remember.
(p-٩٥)ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا القِياسِ الَّذِي لا خَفاءَ بِهِ لا دافِعَ لَهُ ولا مَطْعَنَ فِيهِ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ الكَبِيرِ ابْتِداءً قادِرٌ عَلى تَسْوِيَةِ الصَّغِيرِ إعادَةً، وثَبَتَ بِهِ أيْضًا أنَّ خَلْقَ النّاسِ لَيْسَ مُسْتَنِدًا إلى طَبائِعِ السَّماواتِ والأرْضِ وإلّا لَتَساوَوْا في العِلْمِ والجَهْلِ، والقَدْرِ والهَيْئَةِ والشَّكْلِ، لِأنَّ اقْتِضاءَ الطَّبائِعِ لِذَلِكَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا تَفاوُتَ فِيهِ، وهي لا اخْتِيارَ لَها، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذا الإيجادَ إنَّما هو لِلطَّبائِعِ، ومِن هَؤُلاءِ فِرْعَوْنُ الَّذِي مَضى في هَذِهِ السُّورَةِ كَثِيرٌ مَن كَشَفَ عَوارُهُ وإظْهارُ عارِهِ، دَلَّ عَلى إبْطالِهِ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ يَلْزَمُهُ التَّساوِي فِيما نَشَأ عَنْ ذِي الطَّبْعِ لِأنَّ لا اخْتِيارَ لَهُ ونَحْنُ نُشاهِدُ الأشْياءَ مُخْتَلِفَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّها غَيْرُ مُسْتَنِدَةٍ إلى طَبِيعَةٍ [بَلْ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ قَطْعًا مَعَ خَتْمِها بِنَفْيِ العِلْمِ] وعَطَفَ ما بَعْدَها عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: وأقَلُّهم يَعْلَمُونَ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَهُمُ الَّذِي فاوَتَ بَيْنَهم قادِرُ مُخْتارُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإنَّهُ ما يَسْتَوِي العالِمُ والجاهِلُ: ﴿وما يَسْتَوِي﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مِن حَيْثُ البَصَرِ ﴿الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّ اسْتِنادَ المُتَخالِفِينَ لَيْسَ إلى الطَّبِيعَةِ، بَلْ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الظَّلامَ والنُّورَ الحِسِّيَّيْنِ، أتْبَعَهُ المَعْنَوِيَّيْنِ نَشْرًا مُشَوَّشًا (p-٩٦)لِيَكْشِفَ قِسْما الظَّلامِ قِسْمَيِ النُّورِ إشارَةً إلى أنَّ المُهْتَدِيَ عَزِيزُ الوُجُودِ، كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ بَيْنَ النُّقُودِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ سَواءٌ ثَبَتَتْ أوْ لا ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ كَذَلِكَ فَكانُوا مُحْسِنِينَ ﴿ولا المُسِيءُ﴾ أيِ: الثّابِتُ الإساءَةَ الَّذِي كَفَرَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، ووَقَعَ التَّغايُرُ في العَطْفِ لِأنَّ المُرادَ - واللَّهُ أعْلَمُ [نَفْسُ] التَّساوِي بَيْنَ أفْرادِ الأعْمى وأفْرادِ البَصِيرِ والمُحْسِنِ والمُسِيءِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في المُخاطَبِينَ الغَبِيُّ والذَّكِيُّ، عَطَفَ البَصِيرَ بِغَيْرِ ”لا“ لِيَكُونَ ظاهِرُ ذَلِكَ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ نَوْعِيِ الأعْمى والبَصِيرِ، لِأنَّ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَ أفْرادِ الأنْواعِ دَقِيقٌ، واقْتَصَرَ عَلى الواوِ في عَطْفِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ لِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ أنْ يُرادَ جَعْلُ الأعْمى والبَصِيرِ فَرِيقًا والمُؤْمِنُ المَوْصُوفُ فَرِيقًا، ويَنْتَفِي التَّساوِي بَيْنَهُما لِأنَّهُ لا لَبْسَ في أنَّ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ كالبَصِيرِ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يَتَوَهَّمُ مُساواتَهُ لِلْأعْمى، فَكانَ مِنَ الجَلِيِّ مَعْرِفَةً أنَّ المُرادَ نَفْيُ مُساواةِ الأعْمى لِلْبَصِيرِ ونَفْيُ مُساواةِ المُؤْمِنِ المَوْصُوفِ لِلْمُسِيءِ، وزِيدَتْ (p-٩٧)”لا“ في المُسِيءِ [ وعَبَّرَ فِيهِ بِالإفْرادِ ] إشارَةً لِلْفَطِنِ إلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ التَّساوِي بَيْنَ أفْرادِ كُلِّ نَوْعٍ لِأنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وأنَّها بِالِاخْتِيارِ، وهَذا بِخِلافِ الظُّلُماتِ في سُورَةِ فاطِرٍ لِأنَّهُ لَوْ تُرِكَتْ ”لا“ هُناكَ لَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ المَنفِيَّ المُساواةُ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ وبَيْنَ الظُّلُماتِ، فَيُوجَدُ حِينَئِذٍ الطَّعْنُ بِأنَّ الظُّلُماتِ مُساوِيَةٌ لَهُما بِاعْتِبارِ أنَّ الظُّلْمَةَ مِنها كَثِيفٌ جِدًّا لا يُمْكِنُ نُفُوذُ البَصَرِ فِيهِ، ومِنها خَفِيفٌ جِدًّا يَكُونُ تَسْمِيَتُهُ ظَلامًا بِالنِّسْبَةِ إلى النُّورِ السّاطِعِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ عَمِلَ الصّالِحاتِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا، والمُسِيءَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى المُحْسِنِينَ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاحَ تَرْغِيبًا والإساءَةَ تَرْهِيبًا.
ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا عَلى هَذا النَّحْوِ مِنَ الوُضُوحِ الَّذِي لا مانِعَ لِلْإنْسانِ مِن فَهْمِهِ ورُسُوخِهِ في عِلْمِهِ إلّا عَدَمُ تَذَكُّرِهِ لِحِسِّهِ حَتّى في نَفْسِهِ قالَ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيِ: المُجادِلُونَ أوْ أيُّها المُجادِلُونَ أوِ النّاسُ لِأنَّ المُتَذَكِّرَ غايَةَ التَّذَكُّرِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ الإظْهارُ - مِنكم قَلِيلٌ - عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالخِطابِ لِأنَّهُ أقْوى في التَّبْكِيتِ، وأدَلُّ عَلى الغَضَبِ.
40:59Page 474
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩
Indeed, the Hour is coming - no doubt about it - but most of the people do not believe.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا كُلِّهِ تَمامُ القُدْرَةِ وانْتَفى ما تَوَهَّمَهُ مَن لا بَصَرَ لَهُ (p-٩٨)مِنَ الطَّبائِعِ ثَبَتَ قَطْعًا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةُ الَّتِي يُجادِلُهُ فِيها المُجادِلُونَ ﴿لآتِيَةٌ﴾ وعِزَّتِي! لِلْحُكْمِ بِالعَدْلِ في المُقارَنَةِ بَيْنَ المُسِيءِ والمُحْسِنِ [لِأنَّهُ] لا يُسَوِّغُ في الحِكْمَةِ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ أنْ يُساوِيَ أحَدٌ بَيْنَ مُحْسِنٍ عَبِيدَهُ ومُسِيئِهِمْ، فَكَيْفَ يَظُنُّ ذَلِكَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ الَّذِي نُشاهِدُهُ يُمِيتُ المُسِيءَ وهو في غايَةِ النِّعْمَةِ والمَعْصِيَةِ، والمُحْسِنُ وهو في غايَةِ البَلاءِ والطّاعَةِ، والمَظْلُومُ قَبْلَ أنْ يَنْتَصِفَ مِنَ الظّالِمِ، ولِهَذا الأمْرِ الظّاهِرِ قالَ: ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ: لا شَكَّ في إتْيانِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِأقْضِيَ فِيها [بِالعَدْلِ] فَأُدْخِلُ فِيها ناسًا دارَ رَحْمَتِي، وآخَرِينَ نِقْمَتِي.
ولَمّا وصَلَ الحالُ في أمْرِها إلى حَدٍّ لا خَفاءَ بِهِ أصْلًا، نَفى الإيمانَ دُونَ العِلْمِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيْ: بِما فِيهِمْ مِنَ النَّوْسِ وهو الِاضْطِرابُ، [وراعى مَعْنى الأكْثَرِ فَجَمَعَ لِأنَّ الجَمْعَ أدَلُّ عَلى المُرادِ وأقْعَدُ في التَّبْكِيتِ]: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَجْعَلُونَ المُخْبِرَ لَهم بِإتْيانِها آمِنًا مِنَ التَّكْذِيبِ مَعَ وُضُوحِ عِلْمِها لَدَيْهِمْ، وما ذاكَ إلّا لِعِنادِ بَعْضِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِ الباقِينَ عَلى الحِسِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences