Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:60–71
40:60Page 474
وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠
And your Lord says, "Call upon Me; I will respond to you." Indeed, those who disdain My worship will enter Hell [rendered] contemptible.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فِعْلَ ذَلِكَ رَبَّكم لِيَقْضِيَ بَيْنَ عِبادِهِ بِالعَدْلِ فَيَدْخُلُ المُحْسِنُ الجَنَّةَ نُصْرَةً [لَهُ]، والمُسِيءُ النّارَ خِذْلانًا وإهانَةً لَهُ، لَمّا بَرَزَ بِهِ وعْدُهُ مِن أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ وأتْباعَهم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، (p-٩٩)وقالَ لِعِبادِهِ كُلِّهِمْ: آمَنُوا لِأُسَلِّمَكم مِن غَوائِلِ تِلْكَ الدّارِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِهِدايَتِكم ووَعْدِكُمُ النُّصْرَةَ: ﴿ادْعُونِي﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا لِي بِأنْ تَعْبُدُونِي وحْدِي فَتَسْألُونِي ما وعَدْتُكم بِهِ مِنَ النُّصْرَةِ عَلى وجْهِ العِبادَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ» فَقَدْ حَصَرَ الدُّعاءَ في العِبادَةِ سَواءٌ كانَتْ بِدُعاءٍ أوْ صَلاةٍ أوْ غَيْرِهِما، فَمَن [كانَ] عابِدًا خاضِعًا لِلَّهِ تَعالى بِسُؤالٍ أوْ غَيْرِهِ كانَتْ عِبادَتُهُ دُعاءً، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”وحِّدُونِي أغْفِرْ لَكُمْ“. وعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ”ادْعُ، فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ هو الدُّعاءُ“.
﴿أسْتَجِبْ﴾ أيْ: أوْجَدَ الإجابَةَ إيجادًا عَظِيمًا كَأنَّهُ مِمَّنْ يَطْلُبُ ذَلِكَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ.
﴿لَكُمْ﴾ في الدُّنْيا أيْ: بِإيجادِ ما دَعَوْتُمْ بِهِ، أوْ كَشْفِ مِثْلِهِ مِنَ الضُّرِّ، أوِ ادِّخارِهِ في الآخِرَةِ، لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ مَن لَهُ الدَّعْوَةُ ومَن لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، ولا تَتَّكِلُوا عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ فَتَتْرُكُوا الدُّعاءَ فَتَتْرُكُوا العِبادَةَ الَّتِي الدُّعاءُ مُخُّها، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ (p-١٠٠)لِما خُلِقَ لَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ، وقِيلَ: الدُّعاءُ مِفْتاحُ الإجابَةِ، وأسْنانُهُ لُقْمَةُ الحَلالِ - انْتَهى - والآيَةُ بِمَعْنى آيَةِ البَقَرَةِ ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]
ولَمّا كانَ السَّبَبُ في تَرْكِ الدُّعاءِ في العادَةِ الكِبْرُ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَتْرُكُوا دُعائِي تَكُونُوا مُسْتَكْبِرِينَ، عَلَّلَهُ تَرْهِيبًا في طَيِّهِ تَرْغِيبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الكِبْرَ، ودَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَنْ عِبادَتِي﴾ أيْ: عَنِ الِاسْتِجابَةِ لِي فِيما دَعَوْتُ إلَيْهِ مِنَ العِبادَةِ بِالمُجادَلَةِ في آياتِي والإعْراضِ عَنْ دُعائِي في جَمِيعِ ما يَنُوبُهم في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿جَهَنَّمَ﴾ فَتَلْقاهم جَزاءً عَلى كِبْرِهِمْ بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةِ والكَراهَةِ ﴿داخِرِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الدُّعاءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، والعِبادَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا. و[لَمّا] خَتَمَ ذَلِكَ أيْضًا بِأمْرِ السّاعَةِ، زادَ في الدَّلالَةِ عَلَيْهِ وعَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ والحِكْمَةِ الَّتِي لا يُسَوِّغُ مَعَها إهْمالُ الخَلْقِ مِن غَيْرِ حِسابٍ، في دارِ ثَوابٍ وعِقابٍ، بَعْدَ الإتْقانِ لِدارِ العَمَلِ بِالخَطَإ والصَّوابِ، فَقالَ مُعَلِّلًا مُفْتَتِحًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي لا يَتَخَيَّلُ [أنَّ] المُسَمّى بِهِ (p-١٠١)يُهْمِلُ المُتَكَبِّرِينَ عَلَيْهِ مَعَ الإبْلاغِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ
40:61Page 474
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١
It is Allāh who made for you the night that you may rest therein and the day giving sight.1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.
﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ لا غَيْرُهُ ﴿اللَّيْلَ﴾ [أيْ]: مُظْلِمًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ راحَةً ظاهِرِيَّةً بِالنَّوْمِ الَّذِي هو المَوْتُ الأصْغَرُ، وراحَةً حَقِيقِيَّةً بِالعِبادَةِ الَّتِي هي الحَياةُ الدّائِمَةُ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ بِاليَقَظَةِ الَّتِي هي إحْياءٌ في المَعْنى، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذْفُ الظَّلامِ أوَّلًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ النِّعَمِ المَقْصُودَةِ في أنْفُسِها لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الإبْصارِ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِن نِعْمَةِ الضِّياءِ المَقْصُودِ في نَفْسِهِ، وحَذَفَ الِانْتِشارَ لِأنَّهُ بَعْضُ ما يَنْشَأُ عَنْ [نِعْمَةِ] الإبْصارِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ الَّذِي هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ اللَّيْلِ: لِلرّاحَةِ لِمَن أرادَها، والعِبادَةِ لِمَنِ اعْتَمَدَها واسْتَزادَها.
ولَمّا كانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ يَنْسِبُ الأفْعالَ كَما مَضى لِلطَّبائِعِ ويَجْعَلُها بِغَيْرِ اخْتِيارٍ، قالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ جِدًّا بِاخْتِيارِهِ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ: كافَّةً بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما يَحْتَوِيانِ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ. ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ ونَفْيِ أمْرِ الطَّبائِعِ حَدًّا قَلَّ أنْ يُوجَدَ في غَيْرِها، فَكانَ المُخالِفُ مَذْمُومًا لِذَلِكَ غايَةَ الذَّمِّ، فَكانَ (p-١٠٢)التَّعْمِيمُ بِالذَّمِّ لِلْمُخالِفِينَ واقِعًا في أوْفَقِ مَحالِّهِ، وكانَ الِاسْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ بَعْضُ مَدْلُولِهِ، وكانَ المُرادُ هُنا التَّعْمِيمُ، أظْهَرَ لِلْإفْهامِ إرادَةَ ذَلِكَ، ولَمْ يُضْمِرْ لِيَتَعَلَّقَ الحُكْمُ بِالوَصْفِ المُفْهِمِ لِلنَّوْسِ المُشِيرِ إلى أنَّ صاحِبَهُ قاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ أوَّلِ أسْنانِ المُؤْمِنِينَ فَيَعْلَمُ أنَّ هَذا النَّوْعَ مَطْبُوعٌ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيْ: بِما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ وعَدَمِ الثَّباتِ في لُزُومِ الصَّوابِ ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ فَيَنْسِبُونَ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ إلى غَيْرِهِ جَهْلًا، أوْ يَعْمَلُونَ بِما يَسْلُبُ عَنْهُمُ اسْمَ الشُّكْرِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ أوَّلًا كُلَّ مَن يَتَأتّى مِنهُ النَّوْسُ، وهو كُلُّ مَن بَرَزَ مِنَ الوُجُودِ، وبِهِمْ ثانِيًا الجِنُّ والإنْسُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
40:62Page 474
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٦٢
That is Allāh, your Lord, Creator of all things; there is no deity except Him, so how are you deluded?
ولَمّا ثَبَتَ بِآيَةِ الخافِقِينَ وآيَةِ المَلَوَيْنِ ثُبُوتًا لا شَكَّ فِيهِ أصْلًا شُمُولُ القُدْرَةِ بِالِاخْتِيارِ، قالَ مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ [أيْ]: أيُّها المُخاطَبُونَ! - الواحِدُ القَهّارُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي عَلِمَ بِما ذَكَرَ مِن أفْعالِهِ أنَّهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ المَعْلُومُ لِكُلِّ أحَدٍ المُتَمَيِّزُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالأفْعالِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ أحَدٌ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكم والمُحْسِنُ إلَيْكم بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ المُتَفَرِّدُ بِرُبُوبِيَّتِكم لا رَبَّ لَكم سِواهُ. ولَمّا كانَ في سِياقِ الِامْتِنانِ بِالنِّعَمِ لِلدَّلالَةِ (p-١٠٣)عَلى السّاعَةِ الَّتِي يُنْكِرُونَها ويُجادِلُونَ في أمْرِها، قَدَّمَ الخَلْقَ عَلى التَّهْلِيلِ فَقالَ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: بِما ثَبَتَ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ بِإبْداعِ الخافِقِينَ ثائِبِينَ والمُلْوِينَ مُتَعاقِبِينَ دائِبِينَ، ولا مانِعَ لَهُ مِن إعادَةِ الثِّقْلَيْنِ لِأنَّهُ ”لا إلَهَ إلّا الله“ بَلْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا في الحِكْمَةِ، لِأنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمُ انْقَسَمُوا إلى شاكِرٍ وكافِرٍ، فَوَجَبَ في الحِكْمَةِ إقامَةُ السّاعَةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمْ، وجاءَ ذَلِكَ عَلى تَرْتِيبِ مَطْلَعِ السُّورَةِ، فَإنَّ العَزِيزَ ناظِرٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى الإيجادِ والإعْدامِ، والعَلِيمُ هو المُتَوَحِّدُ بِكَمالِ الذّاتِ، فَإنَّ إحاطَةَ العِلْمِ تَسْتَلْزِمُ كُلَّ كَمالِ، والقُدْرَةُ قَدْ لا تَسْتَلْزِمُ العِلْمَ كَما لِلْحَيَواناتِ العُجْمُ، وهَذا بِخِلافِ ما مَضى في آيَةِ الأنْعامِ، فَإنَّ السِّياقَ هُناكَ لِإنْكارِ الشِّرْكِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ بِما دَلَّ عَلَيْها مِن عُمُومِ الخَلْقِ طِبْقَ ما مَضى أيْضًا في مَطْلَعِها.
ولَمّا أنْتَجَتْ هَذِهِ الأخْبارُ - الَّتِي كَلٌّ [مِنها] مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ بِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ - الوَحْدانِيَّةُ المُطْلَقَةُ اللّازِمُ مِنها كُلُّ كَمالٍ، سَبَّبَ عَنْها قَوْلُهُ مُنْكِرًا مُبَكِّتًا: ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيِّ: وجْهٍ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: تُقَلِّبُونَ عَنْ وُجُوهِ الأدِلَّةِ إلى أقْفائِها فَتَعْبُدُونَ الأوْثانَ وتُجادِلُونَ في السّاعَةِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنَ الطَّعْنِ فِيها الطَّعْنُ في الحِكْمَةِ الَّتِي الطَّعْنُ فِيها طَعْنٌ في الإلَهِيَّةِ الَّتِي الطَّعْنُ فِيها طَعْنٌ في وُجُودِ هَذا الوُجُودِ ومُكابَرَةٌ فِيهِ، وذَلِكَ مُؤَدٍّ إلى سُقُوطِ المُتَكَلِّمِ بِهِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لِمُكابَرَتِهِ في المُشاهَدِ (p-١٠٤)المَحْسُوسِ، وفي المَعْقُولِ المَرْكُوزِ في جَمِيعِ النُّفُوسِ.
40:63Page 474
كَذَٰلِكَ يُؤۡفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٦٣
Thus were those [before you] deluded who were rejecting the signs of Allāh.
ولَمّا كَشَفَ هَذا السِّياقُ عَنْ أنَّ هَذا الصَّرْفَ أمْرٌ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ عاقِلٌ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ وقَعَ لِأحَدٍ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِثْلَ هَذا؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الصَّرْفِ الغَرِيبِ البَعِيدِ عَنْ مَناهِيجِ العُقَلاءِ ﴿يُؤْفَكُ﴾ أيْ: يُصْرَفُ صَرْفًا سَيِّئًا - بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى تَمامِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِكُلِّ سَبَبٍ كانَ، ولِأنَّهُ المُتَعَجِّبُ مِنهُ ﴿الَّذِينَ كانُوا﴾ مَطْبُوعِينَ عَلى أنَّهم ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: ذِي الجَلالِ والجَمالِ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُنْكِرُونَ عِنادًا ومُكابَرَةً، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ كُلَّ مَن تَكَبَّرَ عَنْ حَقٍّ فَأنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ عُوقِبَ بِمَسْخِ القَلْبِ وعَكْسِ الفَهْمِ، فَصارَ لَهُ الصَّرْفُ عَنْ وُجُوهِ الدَّلائِلِ إلى أقْفائِها دَيْدَنًا بِحَيْثُ يَمُوتُ كافِرًا إنْ لَمْ يَتَدارَكْهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ.
40:64Page 474
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٤
It is Allāh who made for you the earth a place of settlement and the sky a structure [i.e., ceiling] and formed you and perfected your forms and provided you with good things. That is Allāh, your Lord; then blessed is Allāh, Lord of the worlds.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّنا وحَدَهُ، وأنَّ مُدَّعِي رُبُوبِيَّةِ ما سِواهُ مُعانِدٌ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَمَيِّزٌ بِأفْعالِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مَرْكُوزٍ في الطَّبائِعِ صِحَّتُهُ، واضِحٌ في العُقُولِ مَعْرِفَتُهُ، كالمُعَلِّلِ لِتَسْمِيَةِ هَذا الإنْكارِ جُحُودًا، فَقالَ دالًّا بِالخافِقِينَ بَعْدَ الدَّلالَةِ بِما نَشَأ عَنْهُما مِنَ المَلَوَيْنِ، وأخَّرَ هَذا لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أجْلى سَبَبَ بِقَرارِيَّةِ الأرْضِ وفَلَكِيَّةِ السَّماءِ لِذاكَ، بِما حَصَلَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلافِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿لَكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِها فِراشًا مُمَهَّدًا ﴿قَرارًا﴾ مَعَ كَوْنِها في (p-١٠٥)غايَةِ الثِّقَلِ، ولا مُمْسِكَ لَها سِوى قُدْرَتِهِ ﴿والسَّماءَ﴾ عَلى عُلُوِّها وسِعَتِها مَعَ كَوْنِها أفْلاكًا دائِرَةً بِنُجُومٍ طُولَ الزَّمانِ سائِرَةٍ، يَنْشَأُ عَنْها اللَّيْلُ والنَّهارُ والإظْلامُ والإبْصارُ ﴿بِناءً﴾ مِظَلَّةً كالقُبَّةِ مِن غَيْرِ عِمادٍ حامِلٍ، ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّ الأجْسامَ الثَّقِيلَةَ تَقْتَضِي بِطَبْعِها تَراصَّ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَلا يَمْنَعُ بَعْضُها مِنَ السُّقُوطِ عَلى بَعْضٍ إلّا بِقُوَّةٍ وقَسْرٍ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ القَرارِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الدَّوَرانِ ثانِيًا، والبِناءُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الفِراشِ أوَّلًا.
ولَمّا ذَكَرَ المَسْكَنَ ذَكَرَ السّاكِنَ دالًّا عَلى أنَّهُ الفاعِلُ في الكُلِّ بِاخْتِيارِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ بِتَصْوِيرِهِ الإنْسانَ بِصُورَةٍ لا يُشْبِهُها صُورَةُ شَيْءٍ مِنَ الحَيَواناتِ، وفاوَتَ بَيْنَ أفْرادِهِ في هَيْئَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ عَلى أنْحاءٍ لا تَكادُ تَنْضَبِطُ في نَفْسِها، ولا تُشْبِهُ واحِدَةٌ مِنها الأُخْرى، ولا في الخافِقِينَ شَيْءٌ يُشْبِهُها مُحالُ تَصْوِيرِها عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ والتَّصْوِيرُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واحِدٍ لا يَكُونُ إلّا بِقُدْرَةِ قادِرٍ تامِّ القُدْرَةِ مُخْتارٍ لا كَما يَقُولُ أهْلُ الطَّبائِعِ.
﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ عَلى أشْكالٍ وأحْوالٍ مَعَ أنَّها أحْسَنُ الصُّوَرِ لَيْسَ في الوُجُودِ ما يُشْبِهُها، ولَيْسَ فِيها صُورَةٌ تُشْبِهُ الأُخْرى لِتُسْنِدُوا انْطِباعَ تَصْوِيرِها إلَيْهِ، فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّهُ [هُوَ] المُصَوِّرُ سُبْحانَهُ عَلى غَيْرِ مِثالٍ كَما أنَّهُ الَّذِي أبْدَعَ المَوْجُودَ كُلَّهُ كَذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ المَسْكَنَ والسّاكِنَ، ذَكَرَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في مُدَّةِ السَّكَنِ (p-١٠٦)فَقالَ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ الشَّهِيَّةُ المُلائِمَةُ لِلطَّبائِعِ النّافِعَةِ عَلى وجْهٍ لا احْتِياجَ مَعَهُ بِوَجْهٍ، فَلا دَلِيلَ أدَلُّ عَلى تَمامِ [العِلْمِ] وشُمُولِ القُدْرَةِ ووُجُودِ الِاخْتِيارِ مِن هَذا التَّدْبِيرِ في حِفْظِ المَسْكَنِ والسَّقْفِ وتَدْبِيرِ ما بِهِ البَقاءُ عَلى وجْهٍ يَكْفِي السّاكِنَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ عَلى مَرِّ السِّنِينَ وتَعاقُبِ الأزْمانِ، وبَثٍّ مِنَ السّاكِنِ - مَعَ أنَّهُ قِطْعَةٌ يَسِيرَةٌ جِدًّا مِن أدِيمِ الأرْضِ - أنْسالًا شَعَّبَهم شُعَبًا فَرَّعَها إلى فُرُوعٍ لا تَسَعُها الأرْضُ، فَدَبَّرَ بِحِكْمَتِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ تَدْبِيرًا وسِعَ لَهم بِهِ الأرْضَ، وعَمَّهم بِهِ الرِّزْقُ، كَما رَوى الإمامُ [أحْمَدُ ] في كِتابِ ”الزُّهْدِ“ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ”لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذُرِّيَّتَهُ قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: إنَّ الأرْضَ لا تَسَعُهُمْ، قالَ: فَإنِّي جاعِلٌ مَوْتًا، قالُوا: إذًا لا يَهْنَأُهُمُ العَيْشُ، قالَ: فَإنِّي جاعِلٌ أمَلًا“.
ولَمّا دَلَّ هَذا قَطْعًا عَلى التَّفَرُّدِ، قالَ عَلى وجْهِ الإنْتاجِ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أيِ: الرَّفِيعُ الدَّرَجاتِ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المالِكُ لِجَمِيعِ المُلْكِ، [ودَلَّهم عَلى ما مَضى بِتَرْبِيَتِهِمْ وما فِيها مِن بَدِيعِ الصَّنائِعِ فَقالَ]: ﴿رَبُّكُمْ﴾ [أيْ]: لا غَيْرُهُ، ولَمّا أفادَ هَذا الدَّلِيلُ تَرْبِيَةً لا مِثْلَ لَها، دالَّةً عَلى إحاطَةِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ فَإنَّها عَلى وجْهٍ لا حاجَةَ مَعَهُ مَعَ حُسْنِهِ وثَباتِهِ (p-١٠٧)تَسَبَّبَ عَنْهُ ولا بُدَّ قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ﴾ أيْ: ثَبَتَ ثَباتًا عَظِيمًا مَعَ اليُمْنِ والخَيْرِ وحُسْنِ المَدَدِ والفَيْضِ ﴿اللَّهُ﴾ [أيِ]: المُخْتَصِّ بِالكَمالِ، [ورَقّى الخِطابُ وعَظُمَ إيضاحًا لِلدَّلالَةِ فَقالَ]: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ كُلُّهم أنْتُمْ وغَيْرُكُمْ، ثُمَّ دَلَّ عَلى ما أفادَهُ الدَّلِيلُ مُعَلِّلًا بِقَوْلِهِ:
40:65Page 474
هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٥
He is the Ever-Living;1 there is no deity except Him, so call upon Him, [being] sincere to Him in religion. [All] praise is [due] to Allāh, Lord of the worlds.
﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَيُّ﴾ وكُلُّ ما عَداهُ لا حَياةَ لَهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَتَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فادْعُوهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ عَلى وجْهِ العِبادَةِ، وذَلِكَ مَعْنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شِرْكٍ جَلِيٍّ أوْ خَفِيٍّ.
ولَمّا أمَرَ بِقَصْرِ الهِمَمِ عَلَيْهِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ، [ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ إشارَةً إلى أنَّ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العُلى ما لا يَنْحَصِرُ]: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ: المُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى لِذاتِهِ. ولَمّا كانَ هَذا الوُجُودُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِّظامِ، وبَدِيعِ الِارْتِسامِ، دالًّا دَلالَةً قَطْعِيَّةً عَلى الحَمْدِ، قالَ واصِفًا بِما هو كالعِلَّةِ لِلْعِلْمِ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ: الَّذِي رَبّاهم هَذِهِ التَّرْبِيَةَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (p-١٠٨)قالَ: ”مَن قالَ ( لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ) فَلْيَقُلْ عَلى أثَرِها ( الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ )“ .
40:66Page 474
۞ قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٦
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been forbidden to worship those you call upon besides Allāh once the clear proofs have come to me from my Lord, and I have been commanded to submit to the Lord of the worlds."
ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِما دَلَّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ إيّاهُ، أنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَكَ في التَّوْحِيدِ والبَعْثِ مُقابِلًا لِإنْكارِهِمْ بِالتَّأْكِيدِ: ﴿إنِّي نُهِيتُ﴾ أيْ: مِمَّنْ لا ناهِيَ غَيْرُهُ، نَهْيًا عامًّا بِبَراهِينِ العَقْلِ، ونَهْيًا خاصًّا بِأدِلَّةِ النَّقْلِ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ولَمّا أهَّلُوهم لِأعْلى المَقاماتِ، عَبَّرَ عَنْهم إرْخاءً لِلْعِنانِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: يُؤَهِّلُونَهم لِأنْ تَدْعُوهم، ودَلَّ عَلى سُفُولِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [أيِ]: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ ما كانَ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ البَعْثِ بِشَرْعِ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الحُجَجُ الواضِحَةُ جِدًّا مِن أدِلَّةِ العَقْلِ والنَّقْلَ ظاهِرَةٌ، [ ولَفَتَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كَما يَسْتَحِقُّ الإفْرادُ بِالعِبادَةِ لِذاتِهِ يَسْتَحِقُّها شُكْرًا لِإحْسانِهِ فَقالَ]: ﴿مِن رَبِّي﴾ أيِ: المُرَبِّي لِي تَرْبِيَةً خاصَّةً هي أعْلى مِن تَرْبِيَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ سِوايَ، فَلِذَلِكَ أنا أعْبُدُهُ عِبادَةَ تَفُوقُ عِبادَةَ كُلِّ عابِدٍ.
ولَمّا أخْبَرَ بِما يَتَخَلّى عَنْهُ، أتْبَعَهُ الأمْرَ بِما يَتَحَلّى بِهِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ﴾ أيْ: بِأنْ أُجَدِّدَ إسْلامَ كُلِّيَّتِي في [ كُلِّ ] (p-١٠٩)وقْتٍ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ فالإقْبالُ عَلَيْهِ خَسارٌ، وإذا نَهى هو ﷺ عَنْ ذَلِكَ وأمَرَ بِهَذا لِكَوْنِ الآمِرِ والنّاهِي رَبُّهُ لِأنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، كانَ غَيْرُهُ مُشارِكًا لَهُ في ذَلِكَ لا مَحالَةَ.
40:67Page 475
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦٧
It is He who created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot; then He brings you out as a child; then [He develops you] that you reach your [time of] maturity, then [further] that you become elders. And among you is he who is taken in death before [that], so that you reach a specified term;1 and perhaps you will use reason.
ولَمّا قامَتِ الأدِلَّةُ وسَطَعَتِ الحُجَجُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّ العالَمِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ المُخاطَبُونَ، ولا حُكْمَ لِلطَّبِيعَةِ ولا غَيْرِها، أتْبَعَ ذَلِكَ آيَةً أُخْرى في أنْفُسِهِمْ هي أظْهَرُ مِمّا مَضى، فَوَصَلَ بِهِ عَلى طَرِيقِ العِلَّةِ لِمُشارَكَتِهِمْ لَهُ ﷺ في الأمْرِ والنَّهْيِ في الَّتِي قَبْلَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ﴾ لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي﴾ ولَمّا كانَ الوَصْفُ بِالتَّرْبِيَةِ ماضِيًا، عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: أصْلُكم وأكْلُكُمُ الَّتِي تَرَبّى بِهِ أجْسادُكم ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ مُباعِدًا حالَها لِحالِ النُّطْفَةِ كَما كانَ حالُ النُّطْفَةِ [مُباعِدًا] لِحالِ التُّرابِ،
﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ أنْ جَرَتْ شُئُونٌ أُخْرى ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ أيْ: يُجَدِّدُ إخْراجَكم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿طِفْلا﴾ لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، ثُمَّ يُدْرِجُكم في مَدارِجِ التَّرْبِيَةِ صاعِدِينَ بِالقُوَّةِ في أوْجِ الكَمالِ طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ﴿لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ﴾ يَهْبِطُكم بِالضَّعْفِ والوَهْنِ في مُهاوِي (p-١١٠)السُّفُولِ ﴿لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ ضُعَفاءَ غُرَباءَ، قَدْ ماتَ أقْرانُكم، ووَهَتْ أرْكانُكم، فَصِرْتُمْ تَخْشَوْنَ كُلَّ أحَدٍ.
ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا لِأنَّهُ حالُ الكُلِّ، بَيَّنَ أنَّهُ ما أُرِيدَ بِهِ إلّا البَعْضُ لِأنَّ المُخاطَبَ الجِنْسُ، وهو يَتَناوَلُ البَعْضَ كَما يَتَناوَلُ الكُلُّ فَقالَ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ بِقَبْضِ رُوحِهِ وجَمِيعِ مَعانِيهِ.
ولَمّا كانَ المَوْتُ لَيْسَ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمَنِ الَّذِي بَيْنَ السِّنِينَ وإنَّما هو في لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ مِمّا بَيْنَهُما، أدْخَلَ الجارَّ عَلى الظَّرْفِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ حالِ الشَّيْخُوخَةِ أوْ قَبْلَ حالِ الأشُدِّيَّةِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: لِتَتَفاوَتَ أعْمارُكم وأحْوالُكم وأعْمالُكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَبْلُغُوا﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنكم ﴿أجَلا مُسَمًّى﴾ أيْ: [لَهُ] سَمّاهُ المَلِكُ الَّذِي وكَّلَ بِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ عَنْ إذْنِنا وبِأمْرِنا الَّذِي قَدَّرْناهُ في الأزَلِ، فَلا يَتَعَدّاهُ مَرَّةً، ولا بِمِقْدارِ ذَرَّةٍ فَيَتَجَدَّدُ لِلْمَلائِكَةِ إيمانٌ في كُلِّ زَمانٍ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَقْطُوعًا بِها عِنْدَ مَن يَعْلَمُها، وغَيْرُ مُتَرَجّاةٍ عِنْدَ مَن يَجْهَلُها، فَإنَّهُ لا وُصُولَ لِلْآدَمِيِّ بِحِيلَةٍ ولا فِكْرٍ إلى شَيْءٍ مِنها، فَعَبَّرَ فِيها بِاللّامِ، وكانَ التَّوَصُّلُ بِالتَّفَكُّرِ فِيها والتَّدَبُّرِ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ في مَوْضِعِ الرَّجاءِ لِلْعاقِلِ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [أيْ]: فَتَعْلَمُوا بِالمُفاوَتَةِ بَيْنَ النّاسِ فِيها بِبَراهِينِ المُشاهَدَةِ بِالتَّقْلِيبِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ (p-١١١)وأدْوارِ الأسْنانِ، وإرْجاعِ أواخِرِ الأحْكامِ عَلى أوائِلِها أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ قادِرٌ مُخْتارٌ حَكِيمٌ قَهّارٌ، لا يُشْبِهُ شَيْئًا ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ.
40:68Page 475
هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨
He it is who gives life and causes death; and when He decrees a matter, He but says to it, "Be," and it is.
ولَمّا نَظَّمَ سُبْحانَهُ هَذا الدَّلِيلَ في صُنْعِ الآدَمِيِّ مِنَ التُّرابِ، وخَتَمَهُ بِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى البَعْثِ - بِإجْراءِ سُنَّتِهِ في إرْجاعِ أواخِرِ الأُمُورِ عَلى أوائِلِها وغَيْرِ ذَلِكَ - لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ العَقْلِ، أنْتَجَ [عَنْهُ] قَوْلَهُ: ﴿هُوَ﴾ لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ كَما تُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِكم وكَما مَضى لَكُمُ الإشارَةُ إلَيْهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ مَن خَلْقَهُما خَلَقَ ما بَيْنَهُما مِنَ الآجالِ المَضْرُوبَةِ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشُّهُورِ والأعْوامِ لِبُلُوغِ الأفْلاكِ مَواضِعِها، ثُمَّ رُجُوعِها عَوْدًا عَلى بَدْءٍ مِثْلُ تَطْوِيرِ الإنْسانِ بَعْدَ التُّرابِيَّةِ مِنَ النُّطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى ما فَوْقَها، ثُمَّ رُجُوعُهُ في مَدارِكِ هُبُوطِهِ إلى أنْ يَصِيرَ تُرابًا كَما كانَ، فَلَيْسَتِ النِّهايَةُ بِأبْعَدَ مِنَ البِدايَةِ.
ولَمّا كانَتْ إرادَتُهُ لا تَكُونُ إلّا تامَّةً نافِذَةً، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِالقَضاءِ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ: أرادَ أيَّ أمْرٍ كانَ مِنَ القِيامَةِ أوْ غَيْرِها ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ ولَمّا كانَتْ ”إذا“ شَرْطِيَّةً أجابَها في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكُونُ﴾ وعَطَفَها في قِراءَةِ غَيْرِهِ عَلى ”كُنْ“ بِالنَّظَرِ إلى مَعْناهُ، أوْ يَكُونُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ [أيْ]: فَهو يَكُونُ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِلْحالِ وإعْلامًا بِالتَّجَدُّدِ عِنْدَ كُلِّ قَضاءٍ، وقَدْ مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ إشْباعُ الكَلامِ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ بِما تَبَيَّنَ بِهِ أنَّها (p-١١٢)أشَدُّ مِن قِراءَةِ غَيْرِهِ.
40:69Page 475
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ ٦٩
Do you not consider those who dispute concerning the signs of Allāh - how are they averted?
ولَمّا عَلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بِهَذِهِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ في أنْفُسِهِمْ وفي الآفاقِ، أنْتَجَ التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ لِمَن لَهُ الفَهْمُ الثّاقِبُ والبَصِيرَةُ الوَقّادَةُ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ الباهِرَةِ وقُدْرَتِهِ القاهِرَةِ الظّاهِرَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لافِتًا الخِطابَ إلى أعْلى الخُلُقِ لِأنَّ ذَمَّ الجِدالِ بِالباطِلِ مِن أجْلِ مَقْصُودِ هَذِهِ السُّورَةِ:﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ: يا أنْوَرَ النّاسِ قَلْبًا وأصْفاهم لُبًّا، وبَيَّنَ بَعْدَهم بِأداةِ النِّهايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ: بِالباطِلِ، ونَبَّهَ عَلى ما في هَذِهِ الآياتِ مِن عَظَمَتِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها بِإعادَةِ الِاسْمِ الجامِعِ فَقالَ: ﴿فِي آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ [الأعْظَمِ].
﴿أنّى﴾ أيْ: وكَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿يُصْرَفُونَ﴾ عَنِ الآياتِ الحَقَّةِ الواضِحَةِ الَّتِي سُبِقَتْ بِالفِطْرَةِ الأُولى إلى جُذُورِ قُلُوبِهِمْ، فَلا حُجَّةَ يُورِدُونَ ولا عَذابَ عَنْ أنْفُسِهِمْ يَرِدُونَ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتاقَهم - كَما قالَ ابْنُ بُرْجانَ - بِسَلاسِلِ قَهْرِهِ المَصُوغَةِ مِن خالِصِ عَزَماتِهِمْ وعَزائِهِمْ إرادَتِهِمْ مِن حَقِيقَةِ ذَواتِهِمْ إلى خِزْيِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ - فَصَلَ ما جادَلُوا فِيهِ، واصِفًا لَهم بِما يَزِيدُ في التَّعْجِيبِ مِن شِدَّةِ جَهْلِهِمْ وتَعاظَمَ عَماهم فَقالَ:
40:70Page 475
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٧٠
Those who deny the Book [i.e., the Qur’ān] and that with which We sent Our messengers - they are going to know,
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ وحَذَفَ المَفْعُولَ إشارَةً إلى عُمُومِ التَّكْذِيبِ: ﴿بِالكِتابِ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ في جَمِيعِ ما لَهُ مِنَ الشُّؤُونِ الَّتِي (p-١١٣)تَفُوتُ الحَصْرَ والعَظَمَةَ في كُلِّ أمْرٍ [كَما] أُشِيرَ بِأداةِ الكَمالِ إلى أنَّهُ لِكَمالِهِ كَأنَّهُ لا كِتابَ غَيْرُهُ، لِأنَّ مَن سَمِعَهُ فَكَأنَّما سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِإعْجازِهِ، فَمَن كَذَّبَ بِحَرْفٍ مِنهُ فَقَدْ كَذَّبَ بِكُلِّ كِتابِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ بِهِ تَكْذِيبًا بِجَمِيعِ الرِّسالاتِ الإلَهِيَّةِ، أكَّدَ عَظَمَتَهُ بِذَلِكَ وبِالإضافَةِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ، تَحْذِيرًا لِلْمُكَذِّبِينَ مِن سَطَواتِهِ، وتَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ العَمَلَ مَعَ الرَّسُولِ عَمَلٌ مَعَ مَن أرْسَلَهُ، فَلِذا لَفَتَ الكَلامَ عَلى الِاسْمِ الجامِعِ لِصِفَتَيِ الجَلالِ والإكْرامِ فَقالَ تَعالى: ﴿وبِما أرْسَلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن جَمِيعِ المِلَلِ والشَّرائِعِ بِكِتابٍ كانَ أوْ بِغَيْرِهِ، وهو بِحَيْثُ لا يُحاطُ بِكُنْهِ جَلالِهِ وعَظَمَةِ حالِهِ، ولِذا تَسَبَّبَ عَنْهُ تَهْدِيدُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعِيدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ، ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن سَطْوَتِنا.
40:71Page 475
إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١
When the shackles are around their necks and the chains; they will be dragged
ولَمّا كانُوا في الدُّنْيا قَدْ جَمَعَتْ أيْدِيهِمْ إلى أذْقانِهِمْ بِجَوامِعِ السَّطْوَةِ، ثُمَّ وصَلَتْ بِسَلاسِلِ القَهْرِ يُساقُونَ بِها عَنْ مَقامِ الظَّفْرِ بِالنَّجاحِ إلى أهْوِياتِ الكُفْرِ بِالجِدالِ بِالباطِلِ ومَهامِّهِ الضَّلالِ المُبِينِ كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾ [يس: ٨] الآيَةُ، فَجَعَلَ باطِنَ تِلْكَ السَّلاسِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ (p-١١٤)والأغْلالِ ظاهِرًا في ذَلِكَ المَجْمَعِ قالَ: ﴿إذِ﴾ أيْ: حِينَ تَكُونُ ﴿الأغْلالُ﴾ جَمْعُ غِلٍّ، قالَ في دِيوانِ الأدَبِ، هو الَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ الإنْسانُ. وقالَ القَزّازُ: الغِلُّ مِنَ الحَدِيدِ مَعْرُوفٌ، ويَكُونُ مِنَ القَدِّ، وقالَ في ”النِّهايَةِ“: هو الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ، ويُقالُ لَها جامِعَةً أيْضًا - انْتَهى. وأصْلُهُ الإدْخالُ، يَدْخُلُ فِيهِ العُنُقُ واليَدُ فَتُجْمَعانِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِ الصَّغانِيِّ في ”مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ“: في رَقَبَتِهِ غِلٌّ مِن حَدِيدٍ، وقَدْ غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ ﴿فِي أعْناقِهِمْ﴾ أيْ: جامِعَةً لِأيْدِيهِمْ إلى تَراقِيهِمْ، وعَبَّرَ بـِ”إذْ“ ومَعْناها المُضِيُّ، مَعَ سَوْفَ ومَعْناها الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضِيِّ إنَّما هو إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ الأمْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا.
﴿والسَّلاسِلُ﴾ أيْ: في أعْناقِهِمْ أيْضًا يُقَيِّدُهم ذَلِكَ عَنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتَقَيَّدُوا بِكِتابٍ ولا رَسُولٍ، والسِّلْسِلَةُ مِن: تَسَلْسَلَ الشَّيْءُ: اضْطَرَبَ، قالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ تَصَوَّرَ مِنهُ تَسَلْسُلٌ مُتَرَدِّدٌ، فَرَدَّدَ لَفْظَهُ تَنْبِيهًا عَلى تَرَدُّدِ مَعْناهُ، وما سَلْسَلَ مُتَرَدِّدٌ في مَقَرِّهِ حَتّى صَفا، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أيْ: بِها، والسَّحْبُ: الجَرُّ بِعُنْفٍ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences