Al-Biqa'iFussilat · 41:10–17

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:10–17

41:10Page 477

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠

And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.

ولَمّا ذَكَرَ ما هم بِهِ مُقِرُّونَ مِن إبْداعِها، أتْبَعَهُ ما جَعَلَ فِيها مِنَ الغَرائِبِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: أبْدَعَ الأرْضَ عَلى ما ذَكَرَ: ﴿وجَعَلَ﴾ ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ لِلْفَصْلِ بِأجْنَبِيٍّ ﴿فِيها رَواسِيَ﴾ [هِيَ أشَدُّها] وهي الجِبالُ، ونَبَّهَ عَلى أنَّها مُخالَفَةٌ لِلرَّواسِي في كَوْنِها تَحْتَ ما يُرادُ إرْساؤُهُ فَقالَ: ﴿مِن فَوْقِها﴾ فَمَنَعَتْها مِنَ المَيْدِ، فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مِن تَحْتٍ لَظَنَّ أنَّها أساطِينُ حامِلَةٌ، ولِتَظْهَرَ مَنافِعُ الجِبالِ بِها أنْفُسُها وبِما فِيها، ويُشاهِدُ أنَّها أثْقالٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى حامِلٍ. ولَمّا هَيَّأها لِما يُرادُ مِنها، ذَكَرَ ما أوْدَعَها فَقالَ: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها قابِلَةً مُيَسَّرَةً صالِحَةً بِالأقْواتِ والمَنافِعِ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي المُعِينَةِ عَلى مَحاسِنِ العُمّالِ المُيَسَّرَةِ لِلسَّيْرِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ، ودالَّةٌ عَلى جَمِيعِ صِفاتِهِ الحُسْنى وأسْمائِهِ العُلى وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعارِفِ والقَدْرِ والقُوى ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ: جَعَلَها مَعَ البَرَكَةِ عَلى مِقْدارٍ لا تَتَعَدّاهُ، ومِنهاجٍ بَدِيعٍ دَبَّرَهُ في الأزَلِ وارْتَضاهُ، وقَدَّرَهُ فَأمْضاهُ، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ خَصَّ بَعْضَ البِلادِ بِشَيْءٍ لا يُوجَدُ في غَيْرِها لِتَنْظِيمِ عِمارَةِ الأرْضِ كُلِّها بِاحْتِياجِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَكانَ (p-١٥١)جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ مِن إيداعِها وإبْداعِها ما ذَكَرَ مِن مَتاعِها، دُفْعَةً واحِدَةً لا يَنْقُصُ عَنْ حاجَةِ المُحْتاجِينَ أصْلًا، وإنَّما يَنْقُصُ تَوَصُّلُهم أوْ تُوصُّلُ بَعْضِهِمْ إلَيْهِ فَلا يَجِدُ [لَهُ] حِينَئِذٍ ما يَكْفِيهِ، وفي الأرْضِ أضْعافُ كِفايَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ فَذْلَكَةَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها فَقالَ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ وهَذا العَدَدُ عِنْدَ ضَمُّ اليَوْمَيْنِ [الماضِيَيْنِ إلى] يَوْمِيِّ الأقْواتِ وهُما الثُّلاثاءُ والأرْبِعاءُ، أوْ يَكُونُ المَعْنى في تَتِمَّتِهِ أرْبَعَةَ أيّامٍ، ولا يُحْمَلُ عَلى الظّاهِرِ لِيَكُونَ سِتَّةً لِأنَّهُ سَيَأْتِي لِلسَّماواتِ يَوْمانِ فَكانَتْ تَكُونُ ثَمانِيَةً، فَتُعارِضُ آيَةَ ”الم السَّجْدَةِ“: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [السجدة: ٤] وفَصَّلَ مِقْدارَ ما [ خَلَقَها فِيهِ ومِقْدارَ ما] خَصَّ الأقْواتَ والمَنافِعَ لِإحاطَةِ العِلْمِ بِأنَّهُ يَخُصُّ كُلَّ أمْرٍ مِنَ الأمْرَيْنِ يَوْمانِ، ونَصَّ عَلى الأوَّلِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ فَيَحْسُنُ مَوْقِعَ النَّعْيِ عَلَيْهِمْ بِما فَصَلَ بِهِ الآيَتَيْنِ مِنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ، وإنَّما كانَ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ، لِأنَّهُ إيجادُ ذَواتٍ مَحْسُوسَةٍ مِنَ العَدَمِ قائِمَةً بِأنْفُسِها بِخِلافِ البَرَكَةِ، وتَقْدِيرُ الأقْواتِ فَإنَّهُ أمْرٌ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يُفْرِدْ يَوْمَيْهِ بِالذِّكْرِ، بَلْ جَعَلَهُما تابِعَيْنِ كَما أنَّ ما قُدِّرَ فِيهِما تابِعٌ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ في أقَلِّ مِن لَمْحِ البَصَرِ مَعَ تَمامِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ هَذا أدَلُّ عَلى الِاخْتِيارِ وأدْخَلُ في الِابْتِلاءِ والِاخْتِيارِ، لِيَضِلَّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِيَ (p-١٥٢)بِهِ كَثِيرًا، فَيَكُونُ أعْظَمَ لِأُجُورِهِمْ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى تَسْلِيمِهِمْ، وجَعَلَ مُدَّةَ خَلْقِها ضِعْفَ مُدَّةِ السَّماءِ مَعَ كَوْنِها أصْغَرَ مِنَ السَّماءِ دَلالَةً عَلى أنَّها [هِيَ] المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِما فِيها مِنَ الثَّقَلَيْنِ، فَزادَتْ بِما فِيها مِن كَثْرَةِ المَنافِعِ وتَبايُنِ أصْنافِ الأعْراضِ والجَواهِرِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في المِنَّةِ عَلى سُكّانِها، والِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِمْ وشَأْنِها، وزادَتْ أيْضًا بِما فِيها مِنَ الِابْتِلاءِ بِالتَّهْيِئَةِ لِلْمَعاصِي والمُجاهَداتِ والمُعالَجاتِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المَلَأُ الأعْلى ويَتَخاصَمُ - كُلُّ ذَلِكَ دَلالَةً عَلى أنَّ المُدَّةَ ما هي لِأجْلِ القُدْرَةِ بَلْ لِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى ما في المُقَدَّرِ مِنَ المَقْدُورِ وعَجائِبِ الأُمُورِ، ولِيَعْلَمَ أيْضًا بِخَلْقِ السَّماءِ الَّتِي هي أكْبَرُ جُرْمًا وأتْقَنُ جِسْمًا وأعْظَمُ زِينَةً وأكْثَرُ مَنافِعَ بِما لا يُقايِسُ في أقَلِّ مِن مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ أنَّ خَلْقَها في تِلْكَ المُدَّةِ لَيْسَ لِلْعَجْزِ عَنْ إيجادِها في أقَلِّ مِنَ اللَّمْحِ، بَلْ لِحِكَمٍ تَعْجَزُ عَنْ حَمْلِها العُقُولُ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ السَّماءِ بِقَصْرِ المُدَّةِ دُونَ العَكْسِ لِإجْراءِ أمْرِها [عَلى] ما نَتَعارَفُهُ مِن أنَّ بِناءَ السَّقْفِ أخَفُّ مِن بِناءِ البَيْتِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ بَنى أمْرَ دارِنا هَذِهِ عَلى الأسْبابِ تَعْلِيمًا لِلتَّأنِّي وتَدْرِيبًا عَلى السَّكِينَةِ والبُعْدِ مِنَ العَجَلَةِ.

(p-١٥٣)ولَمّا كانَ لَفْظُ ”سَواءً“ الَّذِي هو بِمَعْنى العَدْلِ الَّذِي لا يَزِيدُ عَنِ [النِّصْفِ ولا يَنْقُصُ يَطْلَبُ اثْنَيْنِ، تَقُولُ: ”سَواءً زَيْدٌ وعَمْرٌو إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ“ قالَ تَعالى] مُزِيلًا لِما أوْهَمَهُ قَوْلُهُ: ﴿أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مِن أنَّها لِلْأقْواتِ والبِرْكَةِ لِيَكُونَ مَعَ يَوْمَيْنِ مِنَ الأرْضِ سِتَّةً، ناصِبًا عَلى المَصْدَرِ: ”سَواءً“ أيِ: التَّوْزِيعُ إلى يَوْمَيْنِ ويَوْمَيْنِ عَلى السَّواءِ ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ أيْ: لِمَن سَألَ أوْ كانَ بِحَيْثُ يَسْألُ ويَشْتَدُّ بَحْثُهُ بِسُؤالٍ أوْ نَظَرٍ عَنِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ غَيْرِها، ولا يَتَأتّى إلّا بَيْنَ يَوْمَيْنِ ويَوْمَيْنِ [ لا بَيْنَ يَوْمَيْنِ ] وأرْبَعَةٍ، لا يَزِيدُ أحَدُ الشِّقَّيْنِ مِنَ اليَوْمَيْنِ عَلى اليَوْمَيْنِ الآخَرَيْنِ ذَرَّةٌ بِعِلْمٍ مُحِيطٍ وقُدْرَةٍ شامِلَةٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَأيّامِ الدُّنْيا، لا بُدَّ في [كَلِّ] يَوْمٍ مِنها مِن زِيادَةٍ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ أوْ نَقْصٍ، ومَجْمُوعُ الأرْبَعَةِ كَأرْبَعَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا لا تَزِيدُ عَلَيْها ولا تَنْقُصُ، وقِراءَةُ يَعْقُوبَ بِجَرِّ ”سَواءٍ“ مُعِينَةٌ لِأنْ تَكُونُ نَعْتًا لِـ ”أرْبَعَةٍ“ وقِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَنْ خَلْقِها وتَتْمِيمِها [فِي] أرْبَعَةِ أيّامٍ كانَتْ فُصُولُها أرْبَعَةً، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: ألا تَرى الأمْرَ يَنْزِلُ إلى السَّماءِ أوَّلًا في إنْزالِ الماءِ فَيَخْلُقُهُ فِيما هُنالِكَ ثُمَّ يُنْزِلُهُ إلى الأرْضِ والنَّباتِ (p-١٥٤)والحَيَوانِ عَنِ الماءِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِمَنزِلَةِ النَّسْلِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى وبِمَنزِلَةِ تَسْخِيرِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما لِما وُجِدَتا لَهُ فافْهَمْ - أمْرٌ قَوِيمٌ وحِكْمَةٌ شائِعَةٌ آيَةُ قَضائِهِ بَرَكاتُ الأرْضِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ بِواسِطَةِ ما قَدَّرَ في السَّماءِ مِن أمْرٍ وهي الأرْبَعَةُ الفُصُولِ مِنَ السَّنَةِ. الشِّتاءُ الرَّبِيعُ الصَّيْفُ والخَرِيفُ، فَهَذِهِ الأيّامَ مَعْلُومَةٌ بِالمُشاهَدَةِ، فِيهِنَّ يَتِمُّ زَرْعُ الأرْضِ وبَرَكاتُ الدُّنْيا وجَمِيعُ ما يُخْرِجُهُ مِنها مِن فَوائِدَ وعَجائِبَ، قالَ: وقَوْلُهُ ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ تَعْجِيبٌ وإغْرابٌ وتَعْظِيمٌ لِلْمُرادِ المَعْنى بِالخِطابِ، وقَدْ يَكُونُ مَعْنى السَّواءِ زائِدًا إلى ما تَقَدَّمَ أنَّ بِهَذِهِ الأرْبَعَةِ الأيّامِ اسْتَوَتِ السَّنَةُ مَطالِعُها ومَغارِبُها وقُرْبُها وبُعْدُها وارْتِفاعُها ونُزُولُها في شَمالِي بُرُوجِها وجَنُوبَيْها بِإحْكامِ ذَلِكَ كُلِّهِ وتَوابِعِهِ - انْتَهى.

41:11Page 477

ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١

Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."

ولَمّا كانَتِ السَّماواتُ أعْظَمَ مِنَ الأرْضِ في ذاتِها بِنُورِ أبْنِيَتِها واتِّساعِها [وزِينَتِها] ودَوَرانِ أفْلاكِها وارْتِفاعِها، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي، ولَفْظِ الِاسْتِواءِ وحَرْفِ الغايَةِ الدّالِّ عَلى عَظِيمِ العِنايَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ أيْ: قَصَدَ قَصْدًا هو القَصْدُ مُنْتَهِيًا قَصْدُهُ ﴿إلى السَّماءِ وهِيَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّها ﴿دُخانٌ﴾ بَعْدَ ما فَتَقَها مِنَ (p-١٥٥)الأرْضِ، قالُوا: كانَ ذَلِكَ الدُّخانُ بُخارَ الماءِ فَهو مُسْتَعارٌ مِنَ المُرْتَفَعِ مِنَ النّارِ، وهو تَشْبِيهٌ صُورِيٌّ، فالسَّماءُ مُتَقَدِّمَةٌ في الدُّخّانِيَّةِ عَلى الأرْضِ، تَقَدَّمَ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى ثُمَّ خَلَقَتْ ذاتَ الأرْضِ وبَعْدَ تَصْوِيرِ السَّماءِ وتَتْمِيمِها دُحِيَتْ أُنْثى [الأرْضِ] وسُوِّيَتْ لِذِكْرِ السَّماءِ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فالَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ السَّماءَ أوَّلًا إيجادًا وتَتْمِيمًا والأرْضَ بَعْدَها إيجادًا ورُتْبَةً، وأيّامُ الخَلْقِ يَوْمانِ لِإيجادِ الأرْضِ ويَوْمانِ لِتَسْوِيَةِ السَّماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ دُخانًا، ويَوْمانِ لِتَتْمِيمِ المَنافِعِ فَتَداخَلَتِ الأعْدادُ لِتَداخُلِ الأفْعالِ ﴿فَقالَ لَها﴾ أيْ: عَقِبَ هَذا الِاسْتِواءِ ﴿ولِلأرْضِ﴾ بَعْدَ خَلْقِها وقَبْلَ دَحْوِها: ﴿ائْتِيا﴾ أيْ: تَعالَيا وأقْبِلا مُواتِيَتَيْنِ مُقارَنَتَيْنِ لِما قَدَّرْتُهُ فِيكُما وأرَدْتُهُ مِنكُما مِن إخْراجِ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ والنَّباتِ والمَعادِنِ مُقارِنِينَ لِما قَدَّرْتُهُ فِيكُما وأرَدْتُهُ مِنكُما مِن إخْراجِ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ والنَّباتِ والمَعادِنِ وغَيْرِها، ووَضَعَ المَصْدَرَ مَوْضِعَ الحالِ مُبالَغَةً فَقالَ: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ أيْ: طائِعَيْنِ أوْ كارِهَتَيْنِ في إخْراجِ ما أوْدَعْتُكُما مِنَ الأمانَةِ في أوْقاتِها وعَلى ما يَنْبَغِي مِن مَقادِيرِها وهَيْآتِها طَوْعَ تَسْخِيرٍ لا تَكْلِيفَ (p-١٥٦)﴿قالَتا أتَيْنا﴾ أيْ: نَحْنُ وما فِينا ما بَيْنَنا.

ولَمّا جَعَلَهُما مَوْضِعَ المُخاطَبَةِ الَّتِي هي لِلْعُقَلاءِ والتَّكَلُّمِ، قالَ جامِعًا لَهُما بِاعْتِبارِ أفْرادِهِما وما فِيهِما جَمْعُ مَن يَعْقِلُ: ﴿طائِعِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ ما رَسَمَتْهُ فِينا لا نَحْمِلُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا بَلْ نَبْذُلُهُ عَلى ما أمَرْتَ بِهِ لا نُغَيِّرُ ولا نُبَدِّلُ، وذَلِكَ هو بَذْلُهُما لِلْأمانَةِ، وعَدَمُ حَمْلِها، وجَمْعُ الأمْرِ لَهُما في الإخْبارِ لا يَدُلُّ عَلى جَمْعِهِ في الزَّمانِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ القَوْلُ لَهُما مُتَعاقِبًا

41:12Page 478

فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢

And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

﴿فَقَضاهُنَّ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وصَنَعَهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ صُنْعًا نافِذًا هو كالقَضاءِ لا تَخَلُّفَ [فِيهِ] ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ أيِ: الخَمِيسِ والجُمْعَةِ إذا حَسِبَ مِقْدارَ ما يَخُصُّهُنَّ مِنَ التَّكْوِينِ في السِّتَّةِ الأيّامِ الَّتِي كانَ فِيها جَمِيعُ الخافِقِينَ، وما بَيْنَهُما كانَ بِمِقْدارِ ما خَصَّ واحِدًا مِنَ الأرْضِ ومِن أقْواتِها لا يَزِيدُ عَلى مُدَّةٍ مِنهُما ولا يَنْقُصُ، فَيَكُونُ الَّذِي خَصَّهُما ثُلْثُ المَجْمُوعِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما سُمِّيَ يَوْمُ الجُمْعَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ فِيهِ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ. يَعْنِي فَرَغَ مِن ذَلِكَ وأتَمَّهُ.

﴿وأوْحى﴾ أيْ: ألْقى بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ وحُكْمٍ مَبْتُوتٍ قَوِيٍّ (p-١٥٧)﴿فِي كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي دَبَّرَها ودَبَّرَ مَنافِعَها بِهِ عَلى نِظامٍ مُحْكَمٍ لا يَخْتَلُّ، وزِمامٍ مُبْرَمٍ [لا يَنْحَلُّ].

ولَمّا عَمَّ، خَصَّ ما لِلَّتِي تَلِينا إشارَةً إلى تَشْرِيفِنا، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ العِظَمِ: ﴿وزَيَّنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى إلَيْكم لِأجْلِكم ﴿بِمَصابِيحَ﴾ مِن زَواهِرِ النُّجُومِ، وشُفُوفِها عَنْها لا يُنافِي أنْ تَكُونَ في غَيْرِها مِمّا هو أعْلى مِنها، ودَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ المُرادَ: زِينَةٌ ”و“ حَفِظْناها بِها ”حِفْظًا“ مِنَ الشَّياطِينِ.

فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ فِعْلَ الحِفْظِ بِدَلالَةِ المَصْدَرِ، ومَصْدَرِ الزِّينَةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن فِعْلِها.

ولَمّا كانَ [هَذا] أمْرًا باهِرًا، نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ صارِفًا الخِطابَ إلى صِفَتَيِ العِزِّ والعِلْمِ إعْلامًا بِأنَّهُما أساسُ العَظَمَةِ ومَدارُها: ﴿ذَلِكَ﴾ [أيِ]: الأمْرُ الرَّفِيعُ والشَّأْنُ البَدِيعُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿العَلِيمِ﴾ المُحِيطِ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ وكَما قَدَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِعِزَّتِهِ وعِلْمِهِ قَضى أنَّهُ لا يُفِيدُ العِزَّ الدّائِمَ إلّا ما شَرَعَهُ مِنَ العِلْمِ، وفي خَتْمِهِ بِالوَصْفَيْنِ بِشارَةٌ لِلْأُمَّةِ الَّتِي خُوطِبَتْ بِهِما أنَّهُ يُؤْتِيها مِن عِزِّهِ وعِلْمِهِ لا سِيَّما بِالهِبَةِ وما شاكَلَها مِنَ الطَّبائِعِ وغَيْرِها ما لَمْ يُؤْتَ (p-١٥٨)أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ قَبْلَها، [وسِرُّ خَلْقِهِ سُبْحانَهُ العالِمُ في مُدَّةٍ ولَمْ يَكُنْ في لَمْحَةٍ وجَعَلَها سِتَّةً لا أقَلَّ ولا أكْثَرَ أنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ في لَمْحَةٍ لَكانَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِمَن يَقُولُ: إنَّهُ فاعِلٌ بِالذّاتِ لا بِالِاخْتِيارِ، فاقْتَضى الحالُ عَدَدًا، ثُمَّ اقْتَضى الحالُ أنْ يَكُونَ سِتَّةً لِأنَّها أوَّلُ عَدَدٍ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ لِأنَّها عَدَدٌ تامٌّ كَسُورُها لا تَزِيدُ عَنْها ولا تَنْقُصُ، فَآذَنَ ذَلِكَ بِأنَّ لِلْفاعِلِ نُعُوتُ الكَمالِ وأوْصافُ التَّمامِ والتَّعالِ، ولَمْ يَخْلُقْهُ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ العَدَدِ لِأنَّهُ ناقِصٌ، وخَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ عَدَدٌ يَدُلُّ عَلى الفَرْدانِيَّةِ فَهو قائِدٌ لِلْعَبِيدِ إلى التَّوْحِيدِ، وجَعَلَ اليَوْمَيْنِ مُكَرَّرَيْنِ بِاعْتِبارِ الذّاتِ والمَنافِعِ إيذانًا بِما يَقَعُ فِيها مِنَ المَعْصِيَةِ بِالشِّرْكِ الَّذِي هو تَثْنِيَةٌ وإفْكٌ، ولَمْ يُكَرِّرْ في السَّماءِ لِأنَّ آياتِها أدَلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن أهْلِها ما يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ، ولِيَكُونَ إيجادُها في أقَلِّ مِن مُدَّةِ الأرْضِ - مَعَ أنَّها أكْبَرُ جُرْمًا وأعْجَبُ صُنْعًا وأتْقَنُ جِسْمًا - أدَلُّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ بِعَجائِبِ الحِكَمِ وغَرائِبِ الأسْرارِ الكِبارِ].

41:13Page 478

فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣

But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.

ولَمّا كانَ هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمِ مُوجِبًا لِلِانْقِيادِ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها، والإقْبالِ عَلى الحَقِّ في كُلِّ أمْرٍ، فَكانَ المُتَمادِي عَلى إعْراضِهِ قَبْلَ الوَعْظِ [بِهِ] كَأنَّهُ جَدَّدَ إعْراضًا غَيْرَ إعْراضِهِ الأوَّلِ، قالَ مُفَصِّلًا بَعْضَ قَوْلِهِ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٤] ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى إعْراضِهِمْ، أوْ أعْرَضَ غَيْرُهم عَنْ قَبُولِ ما جِئْتَهم بِهِ (p-١٥٩)مِنَ الذِّكْرِ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ أتَمَّ دَلالَةٍ ﴿فَقُلْ﴾ أيْ: لَهُمْ: إنَّ لَكم سَلَفًا سَلَكْتُمْ طَرِيقَهم في العِنادِ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا الإصْرارَ ألْحَقْناكم بِهِمْ كَأمْثالِهِمْ وهو مَعْنى ﴿أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ أيْ: حُلُولُ صاعِقَةٍ مُهَيَّأةٍ لِمَن كُشِفَ لَهُ الأمْرُ فَعانَدَ، فَإنَّ وظِيفَةَ الحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، قالَ البَغَوِيُّ وابْنُ الجَوْزِيِّ: والصّاعِقَةُ المُهْلِكَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ - انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ عَذابٌ شَدِيدُ الوَقْعِ كَأنَّهُ في شِدَّةِ وقْعِهِ صاعِقَةٌ.

ولَمّا كانَ التَّخْوِيفُ بِما تَسْهُلُ مُشاهَدَةُ مِثْلِهِ أوْقَعُ في النَّفْسِ قالَ: ﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَنْظُرُونَ دِيارَهم وتَسْتَعْظِمُونَ آثارَهُمْ، وعَلَّلَ إيقاعَ ذَلِكَ [بِهِمْ] بِقَوْلِهِ:

41:14Page 478

إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤

[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."

﴿إذْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصاعِقَةٍ وظَرْفِيَّتُهُ لا تُنافِي عَلِّيَّتَهُ أيْ: حِينَ ﴿جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ لِأنَّ الزَّمانَ الطَّوِيلَ يُجَوِّزُ نِسْبَةَ ما وقَعَ في جُزْءٍ مِنهُ إلَيْهِ، ولَمّا كانَتِ الرُّسُلُ إنَّما أتَتْ بِالفِعْلِ في بَعْضِ الزَّمانِ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِن قِبَلِهِمْ لِأنَّ النَّذِيرَ الأوَّلَ نَذِيرٌ لِكُلِّ مَن أتى بَعْدَهُ بِأنَّهُ إنْ واقَعَ ما واقَعَهُ أتاهُ ما عُذِّبَ بِهِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ وهُمٍ مَن أتى إلَيْهِمْ لِأنَّهم (p-١٦٠)لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ إتْيانَهُمْ، فالخَلْفُ كِنايَةٌ عَنِ الخَفاءِ، والقُدّامُ عَنِ الجَلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ لَمّا انْقادَ لَهُ مِن قِبَلِهِ فَسَمِعَهُ مِنهُ أقْبَلَ مِمّا رَآهُ بِعَيْنِهِ، لِأنَّ النَّفْسَ لا تَنْقادُ لِما خالَفَها إلّا بَعْدَ جِدالٍ وجِهادٍ، فَإذا تَطاوَلَ الزَّمَنُ وانْقادَ لَهُ الغَيْرُ، سَهَّلَ عَلَيْها الأمْرُ، وخَفَّ عَلَيْها الخَطْبُ، وأيْضًا الآتِي إلى ناسٍ إنَّما يَأْتِيهِمْ بَعْدَ وُجُودِهِمْ وبُلُوغِهِمْ حَدُّ التَّكْلِيفِ، فَهو بِهَذا آتٍ إلَيْهِمْ مِن ورائِهِمْ أيْ: بَعْدَ وُجُودِهِمْ أوْ يَكُونُ ما بَيْنَ الأيْدِي هو مَن جاءَهم لِأنَّهم عَلِمُوا بِمَجِيئِهِ عِلْمَ مَن يَنْظُرُ مِن قُدّامِهِ، وما خَلْفَهم ما غابَ عَنْهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ، فَلَمْ تُنْقَلْ إلَيْهِمْ أخْبارُهم إلّا عَلى وُجُوهٍ تَحْتَمِلُ الطَّعْنَ، أوِ المَعْنى: أتاهم رَسُولُهُمُ الَّذِي هو بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ كَجَمِيعِ الرُّسُلِ بِالوَعْظِ مِن كُلِّ جانِبٍ يَخْفى عَلَيْهِمْ أوْ يَتَّضِحُ لَهم وأعْمَلَ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ بِكُلِّ حُجَّةٍ حَتّى لَمْ يَدَعْ لَهم شُبْهَةً، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ يَنْفِي عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ وقَصَرَ العِبادَةَ عَلَيْهِ، فَقالَ مُظْهِرًا مَعَ العِبادَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو أوْلى بِها: ”أنْ“ أيْ: بِأنْ قالُوا لَهم ”لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ“ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ.

(p-١٦١)ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعًا لِتَشَوُّفِ السّامِعِ إلى خَبَرِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ إجابَةً بِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: كُلٌّ مِنهُمْ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيِ: الَّذِي رَبّانا أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ وجَعَلَنا مِن خَواصِّهِ بِما حَبانا بِهِ مِنَ النِّعَمِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْنا رَسُولًا ﴿لأنْـزَلَ﴾ أيْ: إلَيْنا ﴿مَلائِكَةً﴾ فَأرْسَلَهم إلَيْنا بِما يُرِيدُهُ مِنّا لَكِنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ مَلائِكَةً فَلَمْ يَشَأْ أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا، فَتَسَبَّبَ عَمّا قالُوهُ مِنَ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ الَّذِي اسْتَنْتَجُوا فِيهِ مِن نَقِيضِ تالِّيهِ نَقِيضُ مُقَدَّمِهِ، لِما جَعَلُوا بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي مِنَ المُلازَمَةِ بِزَعْمِهِمْ قَوْلَهُمْ: ﴿فَإنّا بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي، ولَمّا كانُوا لَمْ يُنْكِرُوا مُطْلَقَ رِسالَتِهِمْ، إنَّما أنْكَرُوا كَوْنَها مِنَ اللَّهِ، بَنَوْا لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهم مُغَلِّبًا تَعالى في التَّرْجَمَةِ عَنْهم لِلْخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في بَيانِ قِلَّةِ أدَبِهِمْ: ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾ [أيْ]: أيُّها الرُّسُلُ ومَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ مِنَ البَشَرِ ﴿بِهِ﴾ أيْ: [عَلى] ما تَزْعُمُونَ خاصَّةً لا بِغَيْرِ ما أُرْسِلْتُمْ بِهِ مِمّا أنْزَلَ بِهِ مَلائِكَةً مَثَلًا ﴿كافِرُونَ﴾ لِأنَّ قِياسَنا قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأِ الإرْسالَ، فَأنْتُمْ لَسْتُمْ بِمُرْسَلٍ عَنْهُ لِأنَّكم بَشَرٌ لا مَلائِكَةٌ، وقَدْ كَذَّبُوا في قِياسِهِمُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ عَقْلٍ ولا نَقْلٍ لِأنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ مَشِيئَةِ الإرْسالِ إلى النّاسِ كافَّةً أوْ إلى أُمَّةٍ مِنهم وبَيْنَ أنْ يَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ كُلُّهم مَلائِكَةً.

41:15Page 478

فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥

As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.

(p-١٦٢)ولَمّا جَمَعَهم فِيما اجْتَمَعُوا فِيهِ حَتّى كَأنَّهم تَواصَوْا بِهِ، فَصَّلَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى مِن مَقالِهِمْ: ﴿فَأمّا عادٌ﴾ أيْ: قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: طَلَبُوا الكِبْرَ وأوْجَدُوهُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: كُلِّها الَّتِي كانُوا فِيها بِالفِعْلِ وبَقِيَّتِها بِالقُوَّةِ، أوْ في الكُلِّ بِالفِعْلِ لِكَوْنِهِمْ مَلَكُوها كُلَّها. ولَمّا كانَ الكِبْرُ قَدْ يَكُونُ بِالحَقِّ كَما عَلى مَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ قالَ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، وهو إنْكارُ رِسالَةِ البَشَرِ، فَإنَّ الواقِعَ إرْسالُهم ﴿وقالُوا﴾ أيْ: وضَمُّوا إلى اسْتِكْبارِهِمْ عَلى قَبُولِ ما جاءَهم مِنَ الحَقِّ أنْ قالُوا مُتَعاظِمِينَ عَلى أمْرِ اللَّهِ بِما أتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ فَنَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِ ما يَأْتِي مِنَ العَذابِ الَّذِي يُهَدِّدُنا بِهِ هُودٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم كانُوا أشَدَّ النّاسِ قُوًى وأعْظَمَهم أجْسامًا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ أنْ يُقالَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم كَغَيْرِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: يَعْلَمُوا عِلْمًا كَما هو كالمُشاهَدَةِ لِأنَّهُ غَرِيزَةٌ في الفِطْرَةِ الأُولى فَهو عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا ﴿هُوَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ ومَن عَلِمَ أنَّ غَيْرَهُ أقْوى مِنهُ وكانَ عاقِلًا (p-١٦٣)انْقادَ لَهُ فِيما يَنْفَعُهُ ولا يَضُرُّهُ، واجْتِماعُ قُوَّتِهِمُ الَّتِي هي شِدَّةُ البِنْيَةِ وقُوَّتِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ وهي صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ إنَّما هو في الآثارِ النّاشِئَةِ عَنِ القُوَّةِ، فَلِذَلِكَ جَمَعا بِأشَدَّ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم أوْجَدُوا الكِبْرَ، عَطَفَ عَلَيْهِ مِن غَرائِزِهِمْ ما [هُوَ] أصْلٌ لِكُلِّ سُوءٍ، فَقالَ [مُبَيِّنًا فَرْطَ جَهْلِهِمْ بِاجْتِرائِهِمْ عَلى العَظَمَةِ الَّتِي شَأْنُها قَصْمُ الظّالِمِ وأخْذُ الآثِمِ]: ﴿وكانُوا﴾ أيْ: طَبْعًا لَهم ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا.

﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُنْكِرُونَ إنْكارًا يَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ كُلُّ إنْكارٍ عِنادًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها مِن عِنْدِنا.

41:16Page 478

فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦

So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.

﴿فَأرْسَلْنا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ودَلَّ عَلى صِغارِهِمْ وحَقارَتِهِمْ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وزادَ في تَحْقِيرِهِمْ بِأنْ أخْبَرَ أنَّهُ أهْلَكَهم لِأجْلِ ما تَعَزَّزُوا بِهِ مِن قُوَّةِ أبْدانِهِمْ ووَثاقَةِ خَلْقِهِمْ بِما هو مِن ألْطَفِ الأشْياءِ جِسْمًا وهو الهَواءُ فَقالَ: ﴿رِيحًا﴾ أيْ: عَظِيمَةً ﴿صَرْصَرًا﴾ أيْ: شَدِيدَةَ البَرْدِ والصَّوْتِ والعُصُوفِ حَتّى كانَتْ تُجَمِّدُ البَدَنَ بِبَرْدِها فَتَكُونُ كَأنَّها تَصُرُّهُ - أيْ: تَجْمَعُهُ - في مَوْضِعٍ واحِدٍ فَتَمْنَعُهُ التَّصَرُّفَ بِقُوَّتِهِ، وتَقْطَعُ القَلْبَ بِصَوْتِها، فَتَقْهَرُ شَجاعَتَهُ، وتَحْرِقُ بِشِدَّةِ بَرْدِها كُلَّ ما مَرَّتْ عَلَيْهِ.

ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذا السِّياقِ اسْتِكْبارُهم عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ وادِّعاؤُهم (p-١٦٤)أنَّهم أشَدُّ النّاسِ قُوَّةً اقْتَضى الحالُ تَحْقِيرَهم في إهْلاكِهِمْ، فَذَكَرَ الأيّامَ دُونَ اللَّيالِي وإنْ تَضَمَّنَتْها فَقالَ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ﴾ [ولَمّا كانَ] جَمْعُ القِلَّةِ [قَدْ] يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ حَقَّقَ أنَّ المُرادَ القِلَّةُ بِوَصْفِهِ بِجَمْعِ السَّلامَةِ فَقالَ: ﴿نَحِساتٍ﴾ وكانَ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى هَذا المُرادِ مِن إفْرادِ اليَوْمِ كَما في القَمَرِ لِأنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ زَمانٌ يَتِمُّ فِيهِ أمْرٌ ظاهِرٌ ولَوْ طالَتْ مُدَّتُهُ، ويَصِحُّ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ مَعَ القَلِيلِ ما يَصْلُحُ لَهُ جَمْعُ الكَثْرَةِ. وفِيهِ - مَعَ أنَّهُ نِذارَةُ - رَمْزٍ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ هَذا الوَحْيُ ﷺ بِأعْظَمِ بِشارَةٍ لِما أوْمَأ إلَيْهِ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِاسْمِ الرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] مِن أنَّهُ يَكُونُ لِقَوْمِهِ قُوَّةٌ وعِلْمٌ، ومَن قَرَنَ النِّذارَةَ بِالبِشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤] ومَن جَعَلَ أيّامَ هَذا العَذابِ ثَمانِيَةً، أشارَ إلى الحِلْمِ والتَّأنِّي كَما أشارَ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ هَذا الوُجُودِ في سِتَّةِ أيّامٍ، وقَدْ كانَ قادِرًا عَلى كُلٍّ مِنَ التَّعْذِيبِ والإيجادِ في لَحْظَةٍ [واحِدَةٍ]، فَأشارَ ذَلِكَ إلى أنَّهُ في السَّنَةِ السّادِسَةِ مِنَ الهِجْرَةِ يَكُونُ الفَتْحُ السَّبَبِيُّ بِعُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ نُزُولِ سُورَةِ الفَتْحِ، وفي السّابِعَةِ يَكُونُ الِاعْتِمارُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ أشَدَّ مِن وُقُوعِ الصّارِمِ البَتّارِ، حَتّى ذَهَبَ عَمْرُو بْنُ العاصِ مِن أجْلِ ذَلِكَ إلى الحَبَشَةِ لِئَلّا يَرى مِن دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ما لا صَبْرَ لَهُ (p-١٦٥)عَلَيْهِ، وفي الثّامِنَةِ يَكُونُ الفَتْحُ الحَقِيقِيُّ بِعَشْرَةِ آلافِ مُقاتِلٍ أكْثَرُهم دارِعٌ لا يُرى مِنهم إلّا الحَدْقُ، حَتّى خالُوا بَياضَ لِأُمِّهِمُ السَّرابَ، فَظَنُّوا بِهِمْ غايَةَ العَذابِ، فَكانُوا رَحْمَةً، وعادٌ رَأوُا السَّحابَ فَظَنُّوهُ رَحْمَةً فَكانَ عَذابًا ونِقْمَةٍ، ووَصْفَها بِالنَّحْسِ مُبالَغَةً مِثْلُ: ”رَجُلٍ عَدْلٍ“ لِيَدُلَّ عَلى أنَّها كانَتْ قابِلَةً لِانْفِعالِ الجَسَدِ وما كانَ فِيهِ مِنَ القُوى بِهَذِهِ الرِّيحِ، وهو مَصْدَرُ جُمِعَ لِاخْتِلافِ أنْواعِ النَّحْسِ فِيها - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِسُكُونِ الحاءِ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ والكُوفِيِّينَ بِكَسْرِ الحاءِ فَهي صِفَةٌ مِن فِعْلٍ بِالكَسْرِ مِثْلُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ، وأوَّلُ هَذِهِ الأيّامِ الأرْبِعاءُ في قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلامٍ، وقالَ غَيْرُهُ: وما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا يَوْمَ الأرْبِعاءِ ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ وأضافَ المَوْصُوفُ إلى صِفَتِهِ عَلى المُبالَغَةِ مِن وادِي رَجُلٍ عَدْلٍ فَقالَ: ﴿عَذابَ الخِزْيِ﴾ أيِ: الَّذِي يُهَيِّئُهم ويَفْضَحُهم ويُذِلُّهم بِما تَعَظَّمُوا وافْتَخَرُوا عَلى كَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي أتَتْهم بِها رُسُلَهُ، ووَصَفَ العَذابَ بِالخِزْيِ الَّذِي هو لِلْمُعَذَّبِ بِهِ مُبالَغَةً في إخْزائِهِ لَهُ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِيُذَلُّوا عِنْدَ (p-١٦٦)مَن تَعَظَّمُوا عَلَيْهِمْ في الدّارِ الَّتِي اغْتَرُّوا بِها فَتَعَظَّمُوا فِيها، فَإنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ عِنْدَ مَن تَقَيَّدَ بِالوَهْمِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ الَّذِي أُعِدَّ لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إخْزاءً كَما قالُوا: هو أعْطاهم لِلدَّراهِمِ وأوْلاهم لِلْمَعْرُوفِ، وأكَّدَ لِإنْكارِهِمْ لَهُ.

ولَمّا انْتَفَتْ مُدافَعَتُهم عَنْ أنْفُسِهِمْ، نَفى دَفْعَ غَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: أصابَهم هَذا العَذابُ وسَيُصِيبُهم عَذابُ الآخِرَةِ والحالُ أنَّهم ﴿لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُوجِدُ ولا يَتَجَدَّدُ لَهم نَصْرٌ أبَدًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

41:17Page 478

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧

And as for Thamūd, We guided them, but they preferred blindness over guidance, so the thunderbolt of humiliating punishment seized them for what they used to earn.

ولَمّا أنْهى أمْرَ صاعِقَتِهِمْ، شَرَعَ في بَيانِ صاعِقَةِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَهَدَيْناهُمْ﴾ [أيْ]: بَيَّنّا لَهم طَرِيقَ الهُدى مَن أنّا قادِرُونَ عَلى البَعْثِ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلا شَرِيكَ لَنا، وكانَ بَيانُ ذَلِكَ بِالنّاقَةِ غايَةَ البَيانِ فَأبْصَرُوا ذَلِكَ بِأبْصارِهِمُ الَّتِي هي سَبَبُ إبْصارِ بَصائِرِهِمْ غايَةَ الإبْصارِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ لِما يَلْزَمُهُ مَن تَنَكَّبَ طَرِيقَ آبائِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى لُزُومِ طَرِيقِ آبائِهِمْ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ أيِ الضَّلالَ النّاشِئَ عَنْ عَمى البَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ أوْ هُما مَعًا ﴿عَلى الهُدى﴾ أيْ: أوْجَدُوا مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ ما يَدُلُّ (p-١٦٧)عَلى حُبِّ ذَلِكَ وعَلى طَلَبِ حُبِّهِ فَعَمُوا فَضَلُّوا، وقالَ القُشَيْرِيُّ: قِيلَ: إنَّهم آمَنُوا وصَدَّقُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وكَذَّبُوا، فَأجَراهم مَجْرى إخْوانِهِمْ في الِاسْتِئْصالِ.

﴿فَأخَذَتْهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ أخْذَ قَسْرٍ وهَوانٍ ﴿صاعِقَةُ العَذابِ﴾ وأبْلَغَ في وصْفِهِ بِجَعْلِهِ نَفْسَ الهُونِ فَقالَ: ﴿الهُونِ﴾ أيْ: ذِي الهُونِ، قامَتْ ضَمَّتُهُ مَقامَ ما في الهَوانِ مِنَ الصِّيغَةِ فَعَلِمَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ المَهِينُ المُخْزِي ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: دائِمًا ﴿يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ تَحْصِيلُهم لَهُ وعَدُّهم لَهُ فائِدَةٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الهِدايَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الضَّلالِ ثانِيًا والعَمى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الإبْصارِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ نَسَبَ إلَيْهِ أشْرَفَ فِعْلَيْهِ، وأسْنَدَ إلَيْهِمْ ما لا يَرْضاهُ [ذُو الرُّوحِ].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском