Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
فصلت
Fussilat
Explained in Detail · Meccan · 54 ayahs
(p-١٣٤)سُورَةُ حم السَّجْدَةُ وتُسَمّى فُصِّلَتْ
مَقْصُودُها الإعْلامُ بِأنَّ العِلْمَ إنَّما هو ما اخْتارَهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا مِن عِلْمِهِ لِعِبادِهِ فَشَرَعَهُ، لَهُمْ، فَجاءَتْهم بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ، وذَلِكَ العِلْمُ هو الحامِلُ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والِاسْتِقامَةِ عَلى طاعَتِهِ المُقْتَرِنِ بِهِما - كَما تَقَدَّمَ في الزُّمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فَتَكُونُ عاقِبَتُهُ الكَشْفَ الكُلِّيَّ حِينَ يَكُونُ سُبْحانَهُ سَمْعَ العالِمِ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، ”وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها“ - إلى آخِرِ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الَّذِي مَعْناهُ أنَّهُ يُوَفِّقُهُ سُبْحانَهُ فَلا يَفْعَلُ إلّا ما يُرْضِيهِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها ”فُصِّلَتْ“ بِالإشارَةِ إلى [ما] في الآيَةِ المَذْكُورَةِ فِيها هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الكِتابِ المُفَصَّلِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
والسَّجْدَةُ بِالإشارَةِ إلى ما في آيَتِها مِنَ الطّاعَةِ لَهُ بِالسُّجُودِ الَّذِي هو أقْرَبُ مُقَرِّبٍ مِنَ المَلِكِ الدَّيّانِ، والتَّسْبِيحِ الَّذِي هو المَدْخَلُ الأوَّلُ لِلْإيمانِ.
* *
”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَمْ يَرْضَ لِإحاطَتِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ مِن جَلالِ الكِتابِ إلّا ما اقْتَرَنَ بِجَمالِ العَمَلِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فَفَصَّلَ الكِتابَ تَفْصِيلًا وبَيَّنَهُ غايَةَ البَيانِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ العُلَماءَ العامِلِينَ بِسَماعِ الدَّعْوَةِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ.
﴿حم﴾ [ أيْ: حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ الَّتِي (p-١٣٥)أعْجَزَتِ الخَلائِقَ].
41:2Page 477
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
[This is] a revelation from the Entirely Merciful, the Especially Merciful -
ولَمّا خُتِمَتْ غافِرُ بِأنَّ الكَفَرَةَ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ بِالباطِلِ، وفَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِن عِلْمِ ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّهم عِنْدَ البَأْسِ انْسَلَخُوا عَنْهُ وتَبَرَّؤُوا مِنهُ ورَجَعُوا إلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنهُمْ، فَعَلِمَ أنَّ كُلَّ عِلْمٍ لَمْ يَنْفَعْ عِنْدَ الشِّدَّةِ والبَأْسِ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ، بَلِ الجَهْلُ خَيْرٌ مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ آخِرَ أمْرِ أُمَّتِهِ الهَلاكُ، مَعَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ إلى مَجِيءِ البَأْسِ، وأنْ يَكُونَ أغْلَبَ أحْوالِهِ ﷺ النِّذارَةُ، افْتَتَحَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ رَحْمَةٌ لِمَن كانَ لَهُ عِلْمٌ ولَهُ قُوَّةٌ تُوجِبُ لَهُ القِيامَ فِيما يَنْفَعُهُ، وكَرَّرَ الوَصْفَ بِالرَّحْمَةِ في صِفَةِ العُمُومِ وصِفَةِ الخُصُوصِ إشارَةً إلى أنَّ أكْثَرَ الأُمَّةِ مَرْحُومٌ، وأعْلَمَ أنَّ الكِتابَ فُصِّلَ تَفْصِيلًا وبُيِّنَ تَبْيِينًا لا يَضُرُّهُ جِدالُ مَجالٍ، وكَيْدُ مُماحِكٍ مُماحِلٍ، وأنَّهُ مُغْنٍ بِعَجْزِ الخَلْقِ عَنْهُ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ فَقالَ [مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ]: ﴿تَنْـزِيلٌ﴾ أيْ: بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ عَظِيمٌ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الرَّحْمَةُ العامَّةُ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ ﴿الرَّحِيمِ﴾ [ أيِ ]: الَّذِي يَخُصُّ رَحْمَتَهُ بِالمُؤْمِنِينَ بِإلْزامِهِمْ ما يُرْضِيهِ عَنْهم.
41:3Page 477
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
A Book whose verses have been detailed, an Arabic Qur’ān1 for a people who know,
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى بَيانِ هَذا التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ بِالتَّدْرِيجِ، بَيَّنَ (p-١٣٦)أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حاوٍ لِكُلِّ خَيْرٍ فَقالَ [مُبَدِّلًا مِن تَنْزِيلِ]: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: جامِعٌ قاطِعٌ غالِبٌ.
ولَمّا كانَ الجَمْعُ رُبَّما أدّى إلى اللَّبْسِ قالَ: ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ: تَفْصِيلَ الجَوْهَرِ ﴿آياتُهُ﴾ أيْ: بُيِّنَتْ بَيانًا شافِيًا في اللَّفْظِ والمَعْنى مَعَ كَوْنِها مُفَصَّلَةً إلى أنْواعٍ مِنَ المَعانِي، وإلى مَقاطِعَ وغاياتٍ تَرْقى جَلائِلُ المَعانِي إلى أعْلى النِّهاياتِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿قُرْآنًا﴾ أيْ: جامِعًا مَعَ التَّفْصِيلِ، وهو مَعَ الجَمْعِ مَحْفُوظٌ بِما تُؤَدِّيهِ مادَّةُ ”قَرَأ“ مِن مَعْنى الإمْساكِ، وهو مَعَ جَمْعِ اللَّفْظِ وضَبْطِهِ وحِفْظِهِ ورَبْطِهِ مَنشُورُ اللِّواءِ مُنْتَشِرُ المَعانِي لا إلى حَدٍّ، ولا نِهايَةِ وعْدٍ، بَلْ [كُلَّما] دَقَّقَ النَّظَرَ جَلَّ المَفْهُومُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿عَرَبِيًّا﴾ لِأنَّ لِسانَ العَرَبِ أوْسَعُ الألْسُنِ ساحَةً، وأعْمَقُها عُمْقًا وأغْمُرُها باحَةً، وأرْفَعُها بِناءً وأفْصَحُها لَفْظًا، وأبْيَنُها مَعْنًى وأجَلُّها في النُّفُوسِ وقْعًا، قالَ الحَرّالِيُّ: وهو قُرْآنٌ لِجَمْعِهِ، فُرْقانٌ لِتَفْصِيلِهِ، ذَكَرَ لِتَنْبِيهِهِ عَلى ما في الفِطَرِ والجِبِلّاتِ، وُجُودُهُ حَكِيمٌ لِإنْبائِهِ الِاقْتِضاءاتِ الحُكْمِيَّةِ، مُجِيدٌ لِإقامَتِهِ قِسْطاسُ العَدْلِ، عَرَبِيٌّ لِبَيانِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ أحْسَنِ القَصَصِ، وتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ مُبَيِّنٍ لِمَحْوِهِ الكُفْرَ بِما أبانَ مِن إحاطَةِ أمْرِ اللَّهِ، مَحْفُوظٌ لِإحاطَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَخْتَصَّ فَيَقْبَلُ العُدُولَ عَنْ سُنَنٍ.
ولَمّا كانَ لا يَظْهَرُ إلّا لِمَن لَهُ قابِلِيَّةُ ذَلِكَ، وأدْمَنَ اللُّزُومَ ذُلًّا (p-١٣٧)لِلْأعْتابِ، والقَرْعَ خُضُوعًا وحُبًّا لِلْأبْوابِ، قالَ مُعَلِّقًا بِـ (فُصِّلَتْ أوْ تَنْزِيلٍ) أوِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ: ناسٌ فِيهِمْ قُوَّةُ الإدْراكِ لِما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ العَلَمِ وتَجَدُّدُ الفَهْمِ بِما فِيهِمْ مِن سَلامَةِ الطَّبْعِ وسَلاسَةِ الِانْقِيادِ لِبَراهِينِ العَقْلِ والسَّمْعِ وحْدَةُ الأذْهانِ وفَصاحَةُ اللِّسانِ وصِحَّةُ الأفْكارِ وبُعْدُ الأغْوارِ، و[فِي] هَذا تَبْكِيتٌ لَهم في كَوْنِهِمْ لا يَنْظُرُونَ مَحاسِنَهُ فَيَهْتَدُوا بِها كَما يَعْتَنُونَ بِالنَّظَرِ في القَصائِدِ حَتّى يَقْضُوا لِبَعْضِها عَلى بَعْضٍ حَتّى أنَّهم لَيُعَلِّقُونَ بَعْضَها عَلى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ تَشْرِيفًا لَهُ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم - وهم أُولُو العَزائِمِ الكِبارِ - عَلى العِلْمِ بِهِ لِيَغْتَنُوا عَنْ سُؤالِ اليَهُودِ، وفِيهِ بُشْرى بِأنَّهُ تَعالى يَهَبُ العَرَبَ بَعْدَ هَذا الجَهْلِ عِلْمًا كَثِيرًا، وعَنْ هَذا الكُفْرِ إيمانًا عَظِيمًا كَبِيرًا، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ المُقْتَرِحِينَ المُشارِ إلَيْهِمْ آخِرَ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّهم قَدْ أتاهم ما أغْناهم عَنْهُ مِن آياتِ هَذا الكِتابِ الَّذِي عَجَزُوا عَنْ مُباراتِهِ، ومُناظَرَتِهِ ومُجاراتِهِ وذَلِكَ في غايَةِ الغَرابَةِ، لِأنَّهُ كَلامٌ مِن جِنْسِ كَلامِهِمْ في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وقَدْ خالَفَ كَلامَهم في تَخَطِّيهِ مِن ذُرى البَلاغَةِ إلى فَنَنٍ تَضاءَلَتْ عَنْها أشْعارُهم، وتَقاصَرَتْ دُونَها خُطَبُهم وأسْجاعُهُمْ، مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ شِعْرًا ولا سَجْعًا أصْلًا ولا هو مِن أنْواعِ نَثْرِهِمْ، ولا مِن ضُرُوبِ خُطَبِهِمْ، فَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ (p-١٣٨)مِن مِثْلِهِ في مِرِّ الأحْقابِ وكْرِ الدُّهُورِ والأعْصارِ، وكَفى بِذَلِكَ مُعْجِزَةٍ شَدِيدَةِ الغَرابَةِ بِمَن يُنِيبُ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ غافِرٍ بَيانَ حالَ المُعانِدِينَ وجاحِدِي الآياتِ، وأنَّ ذَلِكَ ثَمَرَةُ تَكْذِيبِهِمْ وجَدَلِهِمْ، وكانَ بِناءُ السُّورَةِ عَلى هَذا الغَرَضِ بِدَلِيلِ افْتِتاحِها وخَتْمِها، ألا تُرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وتَأْنِيسُ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] فَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ فَأعْقَبَهم سُوءَ العاقِبَةِ والأخْذَ الوَبِيلَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥] فَعِصْمَتَهم واقِيَةٌ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقالَ تَعالى: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ [غافر: ٥] أيْ: رَأيْتُ ما حَلَّ بِهِمْ وقَدْ بَلَغَكَ خَبَرُهُمْ، فَهَلّا اعْتُبِرَ هَؤُلاءِ بِهِمْ
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] وإنَّما أخَذَهم بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٢] ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن حِزْبِ المُكَذِّبِينَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ، وبَسَطَ القِصَّةَ تَنْبِيهًا عَلى سُوءِ عاقِبَةِ مَن عانَدَ وجادَلَ بِالباطِلِ وكَذَّبَ الآياتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ آياتِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنَّ في (p-١٣٩)صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] إذِ الحَوْلُ والقُوَّةُ لَيْسَتْ لَهم،
﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] مِن شَرِّهِمْ، فَخَلَقَ غَيْرَهم لَهُ اسْتَبْصَرُوا أعْظَمَ مَن خَلَقَهم،
﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وهم غَيْرُ آمِنِينَ مِنَ الأخْذِ مَن كِلا الخَلْقَيْنِ.
﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] إنَّ أمْرَهم لِعَجِيبٍ في صَرْفِهِمْ عَنِ اسْتِيضاحِ الآياتِ بَعْدَ بَيانِها، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سُوءَ حالِهِمْ في العَذابِ الأُخْرَوِيُّ وواهِي اعْتِذارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] ثُمَّ صَبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٧٧] ثُمَّ أعادَ تَنْبِيهَهم فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] إلى خَتْمِ السُّورَةِ، ولَمْ يَقَعْ مِن هَذا التَّنْبِيهِ الَّذِي دارَتْ عَلَيْهِ أيْ هَذِهِ السُّورَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ شَيْءٌ ولا مِن تَكْرارِ التَّحْذِيرِ مِن تَكْذِيبِ الآياتِ، فَلَمّا بَيَّنْتُ عَلى هَذا الغَرَضِ أعْقَبَتْ بِذِكْرِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَحَدَّيْتُ بِها العَرَبَ، وقامَتْ بِها حُجَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وكانَ قِيلُهُ لَهُمْ: احْذَرُوا ما قَدَّمَ لَكُمْ، فَقَدْ جاءَكم مُحَمَّدٌ ﷺ بِأوْضَحِ آيَةٍ وأعْظَمِ بُرْهانٍ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤] وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ العَظِيمَةُ مِن بَيانِ عَظِيمِ الكِتابِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ وكَبِيرِ الرَّحْمَةِ بِهِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِها مِن أقْرانِها كَما أنَّها في الفَصاحَةِ (p-١٤٠)تُبْهِرُ العُقُولَ بِأوَّلِ وهْلَةٍ، فَلا يُمْكِنُ العَرَبِيُّ الفَصِيحُ في شاهِدِ بُرْهانٍ أدْنى تَوَقُّفٍ، ولا يَجُولُ في وهْمِهِ إلى مُعارَضَةِ بَعْضِ آيِها أدْنى تَشَوُّفٍ، وأنَّهُ لِكِتابٍ عَزِيزٍ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْـزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] أعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ فَوَبَّخَهم سُبْحانَهُ وتَعالى وأدْحَضَ حُجَّتَهم وأرْغَمَ باطِلَهم وبَكَّتْ دَعاوِيهِمْ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقَرَّعَهم تَعالى في رَكِيكِ جَوابِهِمْ عَنْ واضِحِ حُجَّتِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وقَوْلُهُمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وهَذِهِ شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالِانْقِطاعِ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وتَسْجِيلِهِمْ بِقُوَّةِ عارِضَتِهِ، ثُمَّ فَضَحَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢] - الآيَةُ، وتَحَمَّلَتِ السُّورَةُ مَعَ هَذا بَيانَ هَلاكِ مَن عانَدَ وكَذَّبَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم وأشَدَّ قُوَّةً مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ قَدَّمَ ذِكْرَهم مُجْمَلًا في سُورَةِ غافِرٍ في آيَتَيْ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١] [ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [غافر: ٨٢] ] فَقالَ تَعالى مُفَصَّلًا (p-١٤١)لِبَعْضِ ذَلِكَ الإجْمالِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] الآيَةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ [فصلت: ١٧] فَبَيَّنَ [تَعالى] حالَهم وأخَذَهُمْ، فاعْتَضَدَ التِحامَ السُّورَتَيْنِ، واتِّصالَ المَقْصِدَيْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى.
41:4Page 477
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
As a giver of good tidings and a warner; but most of them turn away, so they do not hear.
ولَمّا كانَ حالُ الإنْسانِ إنْ مالَ إلى جانِبِ الخَوْفِ الهَلَعُ أوْ إلى جانِبِ الرَّجاءِ البَطَرُ، فَكانَ لا يُصْلِحُهُ إلّا الِاعْتِدالُ، بِالتَّوَسُّطِ المُوصِلِ إلى الكَمالِ، بِما يَكُونُ لِطَبْعِهِ بِمَنزِلَةِ حِفْظِ الصِّحَّةِ ودَفْعِ المَرَضِ لِبَدَنِهِ، قالَ واصِفًا لِ ”قُرْآنًا“ ﴿بَشِيرًا﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّبَعَ ﴿ونَذِيرًا﴾ أيْ: لِمَنِ امْتَنَعَ فانْقَطَعَ.
رَوى أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ في خُطْبَةٍ لَهُ: "وأعْجَبُ ما في الإنْسانِ قَلْبُهُ، ولَهُ مَوادُّ مِنَ الحِكْمَةِ وأضْدادٌ مِن خِلافِها إنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجاءُ ادْلَهَمَّهُ الطَّمَعُ، وإنْ هاجَ بِهِ الطَّمَعُ أهْلَكَهُ الحِرْصُ، وإنْ مَلَكَهُ اليَأْسُ قَتَلَهُ الأسَفُ، وإنْ عَرَضَ لَهُ الغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الغَيْظُ، وإنْ سَعِدَ بِالرِّضى نَسِيَ التَّحَفُّظَ، وإنْ نالَهُ الخَوْفُ شَغَلَهُ الحُزْنُ، وإنْ أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَصَمَهُ الجَزَعُ، وإنْ أفادَ مالًا أطْغاهُ الغِنى، وإنْ عَضَّتْهُ فاقَةٌ شَغَلَهُ البَلاءُ، وإنْ أجْهَدَهُ الجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، (p-١٤٢)فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ وكُلُّ إفْراطٍ بِهِ مُفْسِدٌ.
ولَمّا كانَتْ عادَتُهم دَوامَ الِاحْتِياطِ في كُلِّ بِشارَةٍ ونِذارَةٍ بِأمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، سَبَّبَ عَنْ هَذا مُخالَفَتَهم لِعادَتِهِمْ في تَرْكِ الحَزْمِ [بِالجَزْمِ] بِالإعْراضِ فَقالَ: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: عَنْ تَجْوِيزِ شَيْءٍ مِن بَشائِرِهِ أوْ نَذائِرِهِ ﴿فَهُمْ﴾ لِذَلِكَ ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ فِعْلَ مَن لا يَسْمَعُ فَهم لا يَقْبَلُونَ شَيْئًا مِمّا دَعا إلَيْهِ وحَثَّ عَلَيْهِ.
41:5Page 477
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
And they say, "Our hearts are within coverings [i.e., screened] from that to which you invite us, and in our ears is deafness, and between us and you is a partition, so work;1 indeed, we are working."
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ إعْراضِهِمْ، أخْبَرَ عَنْ مُباعَدَتِهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: عِنْدَ إعْراضِهِمْ مُمَثِّلِينَ لِمُباعَدَتِهِمْ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: أغْشِيَةٍ مُحِيطَةٍ بِها، ولَمّا كانَ السِّياقُ في الكَهْفِ لِلْعَظَمَةِ كانَ الأنْسَبُ لَهُ أداةَ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧] وعَبَّرُوا هُنا بِالظَّرْفِ إبْعادًا لِأنْ يَسْمَعُوا ﴿مِمّا﴾ أيْ: مُبْتَدِئَةٌ تِلْكَ الأغْشِيَةِ وناشِئَةٌ مِنَ الأمْرِ الَّذِي ﴿تَدْعُونا﴾ أيُّها المُخْبِرُ بِأنَّهُ نَبِيٌّ ﴿إلَيْهِ﴾ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُصُولِ إلَيْها لِنَفْيِهِ أصْلًا.
ولَمّا كانَ القَلْبُ أفْهَمَ لِما يَرِدُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ السَّمْعِ قالُوا: ﴿وفِي آذانِنا﴾ الَّتِي هي أحَدُ الطُّرُقِ المُوصِلَةِ إلى القُلُوبِ ﴿وقْرٌ﴾ أيْ: ثَقُلَ قَدْ أصَمَّها عَنْ سَماعِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ﴾ أيْ: (p-١٤٣)ومُبْتَدِئٌ مِنَ الحَدِّ الَّذِي فَصَلَكَ مِنّا والحَدِّ الَّذِي فَصَلَنا مِنكَ في مُنْتَصَفِ المَسافَةِ في ذَلِكَ ﴿حِجابٌ﴾ ساتِرٌ كَثِيفٌ، فَنَحْنُ لا نَراكَ لِنَفْهَمَ عَنْكَ بِالإشارَةِ، فانْسَدَّتْ طُرُقُ الفَهْمِ لِما نَقُولُ ﴿فاعْمَلْ﴾ [أيْ]: بِما تَدِينُ بِهِ. ولَمّا كانَ تَكْرارُ الوَعْظِ مَوْضِعًا لِلرَّجاءِ في رُجُوعِ المَوْعُوظِ قَطَعُوا ذَلِكَ الرَّجاءَ بِالتَّأْكِيدِ بِأداتِهِ، وزادُوهُ بِالنُّونِ الثّالِثَةِ والتَّعْبِيرِ بِالِاسْمِيَّةِ فَقالُوا: ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيْ: بِما نَدِينُ بِهِ فَلا مُواصَلَةَ بَيْنَنا بِوَجْهٍ لِيَسْتَحِي أحَدٌ مِنّا مِنَ الآخَرِ في عَمَلِهِ أوْ يَرْجِعُ إلَيْهِ، ولَوْ قالَ: (وبَيْنَنا) مِن غَيْرِ (مِن) لِأفْهَمَ أنَّ البَيِّنَيْنِ بِأسْرِهِما حِجابٌ، فَكانَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُلاصِقًا لِبَيْنِهِ، وهو نِصْفُ الفَراغِ الحاصِلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ كُلُّ فَرِيقٍ مَحْبُوسًا بِحِجابِهِ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلٍ فِينا في ما بَعْدَهُ أوْ يَكُونُ بَيْنَهُما اتِّصالٌ أقَلُّهُ بِالإعْلامِ بِطَرْقِ مَن أرادَ مِنَ المُتَبايِنَيْنِ الحِجابُ، فَأفادَتْ (مِنَ) التَّبْعِيضِ مَعَ إفادَةِ الِابْتِداءِ، فَإنَّهم لا يُثْبِتُونَ الحِجابَ في غَيْرِ أُمُورِ الدِّينِ.
41:6Page 477
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Say, [O Muḥammad], "I am only a man like you to whom it has been revealed that your god is but one God; so take a straight course to Him and seek His forgiveness." And woe to those who associate others with Allāh –
ولَمّا أخْبَرُوا بِإعْراضِهِمْ وعَلَّلُوا بِعَدَمِ فَهْمِهِمْ بِما يَدْعُو إلَيْهِ، أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِجَوابٍ يُبَيِّنُ أنَّهم عَلى مَحْضِ العِنادِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ عَجَزُوا عَنْ رَدِّ شَيْءٍ مِن أمْرِكَ بِشَيْءٍ يَقْبَلُهُ ذُو عَقْلٍ فادْعُوا ما يُنادِي (p-١٤٤)عَلَيْهِمْ بِالعَجْزِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لا غَيْرَ بَشَرٍ مِمّا لا يُرى، والبَشَرُ يَرى بَعْضُهُ بَعْضًا ويَسْمَعُهُ ويُبْصِرُهُ، فَقَوْلُكم أنَّهُ لا وُصُولَ لَكم إلى رُؤْيَتِي ولا إدْراكَ شَيْءٍ مِمّا أقُولُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا.
ولَمّا كانَ ادِّعاؤُهم لِعَدَمِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم قَدْ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما فِيهِ، والآخَرُ فِيما يَدْعُو إلَيْهِ، ونَقْضُ الأوَّلِ، قالَ في الثّانِي: ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ يَخْفى عَلَيْكم ﴿أنَّما إلَهُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا غَيْرَ [واحِدٍ]، وهَذا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الفِطَرُ الأُولى السَّوِيَّةُ وقامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ وأيَّدَتْها في كُلِّ عَصْرٍ الطُّرُقُ النَّقْلِيَّةُ، وانْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ في أوْقاتِ الضَّرُوراتِ النَّفْسانِيَّةِ، أيْ: لَسْتَ مُغايِرًا لِلْبَشَرِ مِمَّنْ يَخْفى عَلَيْكم شَخْصُهُ كالمَلِكِ، ولا يَعْجُمُ عَلَيْهِمْ مُرادُهُ بِصَوْتِهِ كَسائِرِ الحَيَواناتِ، ومَعَ كَوْنِي بَشَرًا فَلَسْتُ بِمُغايِرٍ لَكم في الصِّنْفِ بِكَوْنِي أعْجَمِيًّا، بَلْ أنا مِثْلُكم سَواءٌ في كَوْنِي عَرَبِيًّا، ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَأصْلُ ما أُوحِيَ إلَيَّ لَيْسَ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِجُمَلٍ طِوالٍ تَمَلُّ أوْ تُنْسى، أوْ يُشَكِّلُ فَهْمَها، وإنَّما هو حَرْفٌ واحِدٌ وهو التَّوْحِيدُ، فَلا عُذْرَ لَكم أصْلًا في عَدَمِ فَهْمِهِ ولا سَماعِهِ ولا رُؤْيَةِ قائِلِهِ.
ولَمّا قَطَعَ حُجَّتَهم وأزالَ عِلَّتَهُمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (p-١٤٥)﴿فاسْتَقِيمُوا﴾ أيِ: اطْلُبُوا واقْصِدُوا وأوْجِدُوا القِوامَ مُتَوَجِّهِينَ وإنْ كانَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْكم ﴿إلَيْهِ﴾ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ أصْلًا عَلى نَوْعِ شِرْكٍ بِشَفِيعٍ ولا غَيْرِهِ.
ولَمّا [كانَ] أعْظَمَ المُرادِ مِنَ الوَحْيِ العِلْمُ والعَمَلُ، وكانَ رَأْسَ العَلَمِ التَّوْحِيدُ فَعَرَفَهُ وأمِرَ بِالِاسْتِقامَةِ فِيهِ، أتْبَعَهُ رَأْسَ العَمَلِ وهو ما أنْبَأ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ مَعَ الِاجْتِهادِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيِ: اطْلُبُوا مِنهُ غُفْرانَ ذُنُوبِكُمْ، وهو مَحْوُها عَيْنًا وأثَرًا [حَتّى] لا تُعاقِبُوا عَلَيْها ولا تُعاتِبُوا بِالنَّدَمِ عَلَيْها، والإقْلاعِ عَنْها حالًا ومَآلًا.
ولَمّا أمَرَ بِالخَيْرِ، رَغَّبَ فِيهِ ورَهَّبَ مِن ضِدِّهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ لِلتَّرْغِيبِ: فالفَلاحُ والفَوْزُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما السِّياقُ لَهُ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ﴾ أيْ: سَوْأةٌ وهَلاكٌ ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾
41:7Page 477
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
Those who do not give zakāh, and in the Hereafter they are disbelievers.
ولَمّا كانَتِ العُقُولُ والشَّرائِعُ ناطِقَةً بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعادَةِ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وكانَ [أفْضَلَ] أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِوَحْدانِيَّتِهِ، فَكانَ أخَسَّ الأعْمالِ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ الإخْلالُ بِذَلِكَ، وكانَ أخَسُّ الأعْمالِ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الخَلْقِ مَنعَ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ في الزَّكاةِ، وكانَ مَعْنى الشِّرْكِ الحُكْمُ بِأنَّ ما لا شَيْءَ لَهُ أصْلًا وما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ مُلْكٌ تامٌّ عَلى شَيْءٍ أصْلًا قَدْ شارَكَ مَن لَهُ الكُلُّ خَلْقًا وتَصَرُّفًا فِيما هو عَلَيْهِ مِنَ المُلْكِ التّامِّ الَّذِي (p-١٤٦)لا شَوْبَ فِيهِ، وكانَتِ الزَّكاةُ إشْراكَ مَن لَهُ مِلْكٌ غَيْرُ تامٍّ لِمِثْلِهِ في جُزْءٍ يَسِيرٍ مِن مالِهِ.
قالَ ذامًّا لِمَن أبى أنْ يُشارِكَ الخَلائِقَ وأشْرَكَ بِالخالِقِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ﴾ أيْ: أمْثالَهم مِن أوْلادِ آدَمَ ﴿الزَّكاةَ﴾ مِنَ المالِ الَّذِي لا صُنْعَ لَهم في خَلْقِهِ، فَهو مُخَلَّفٌ عَنْ أبِيهِمْ آدَمَ، فالقِياسُ يَقْتَضِي اشْتِراكَهم كُلَّهم فِيهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَخْصِيصِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما مَلَكَتْ يَمِينُهُ مِنهُ بِطَرِيقَةٍ، فَقَدْ حَكَمُوا في أمْرِ رَبِّهِمْ بِما لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَإنَّهم أبَوْا أنْ يُشْرِكُوا بِبَذْلِ الزَّكاةِ بَعْضَ إخْوانِهِمْ في بَعْضِ مالِهِمُ الَّذِي مُلْكُهم لَهُ ضَعِيفٌ، وأشْرَكُوا ما لا يَمْلِكُ شَيْئًا أصْلًا بِما لا نَفْعَ مَعَ المالِكِ المُطْلَقِ.
ولَمّا كانَ مِمّا تَضَمَّنَهُ إشْراكُهم وإنْكارُهُمُ البَعْثَ أنَّهم أدّاهم شُحُّهم إلى اسْتِغْراقِهِمْ في الدُّنْيا والأقْبالِ بِكُلِّيّاتِهِمْ عَلى لَذّاتِها، فَأنْكَرُوا الآخِرَةَ، فَصارَ مَحَطُّ حالِهِمْ أنَّهم أثْبَتُوا لِمَن لا فِعْلَ لَهُ أصْلًا فِعْلًا لا يُمْكِنُهُ تَعاطِيهِ بِوَجْهٍ، ونَفَوْا عَنِ الفاعِلِ المُخْتارِ الَّذِي هَمَّ لِأفْعالِهِ الهائِلَةِ في كُلِّ وقْتٍ يُشاهِدُونَ، وإلَيْهِ في مَنافِعِهِمْ ومَضارِّهِمْ يَقْصِدُونَ، ما أثْبَتَ لِنَفْسِهِ مِن فِعْلِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إنْكارَهم هَذا مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ﴾ أيِ: الحَياةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ ولا بَعْدَ لَها ﴿هُمْ﴾ أيْ: بِخاصَّةٍ مِن بَيْنِ أهْلِ المِلَلِ ﴿كافِرُونَ﴾ فاخْتَصَمُوا بِإنْكارِ شَيْءٍ لَمْ يُوافِقْهم عَلَيْهِ (p-١٤٧)أحَدٌ في حَقِّ مَن يُشاهِدُونَ في كُلِّ وقْتٍ مِن أفْعالِهِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وأثْبَتُوا لِمَن لَمْ يُشاهِدُوا لَهُ فِعْلًا قَطُّ ما لا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ أصْلًا، وهم يَدَّعُونَ العُقُولَ الصَّحِيحَةَ والآراءَ المَتِينَةَ ورَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالدَّناءَةِ في مَنعِ [الزَّكاةِ] وحَكَمُوا بِأعْظَمَ مِنها عَلى اللَّهِ وهم يَدَّعُونَ مَكارِمَ الأخْلاقِ ومَعالِيَ الهِمَمِ، فَأُقْبِحْ بِهَذِهِ عُقُولًا وأسْفِلْ بِها هِمَمًا [فَقَدَ] تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ الوَيْلَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: الشِّرْكُ الَّذِي هو ضِدُّ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ الَّذِي هو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ وإنْكارُ القِيامَةِ المُؤَدِّي إلى الِاسْتِغْراقِ فِيما أبْغَضَ اللَّهُ في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها و[هُوَ] مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِأمْرِ اللَّهِ، قالَ الأصْبِهانِيُّ: وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: أمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، فَمَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُهُ بِالأمْسِ في الأزَلِ هو بِمَعْرِفَةِ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ، ومَعْرِفَةُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ هو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العِلْمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، ومَعْرِفَةِ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ بِالإقْرارِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، فَإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ.
41:8Page 477
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْجاهِلِينَ وعِيدًا وتَحْذِيرًا، ذَكَرَ ما لِأضْدادِهِمْ وعْدًا وتَبْشِيرًا، فَقالَ مُجِيبًا لِمَن تَشَوَّفَ لِذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِ مَن يُنْكِرُهُ: (p-١٤٨)﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ النّافِعِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الزَّكاةِ وغَيْرِها لِيَكُونَ عَمَلُهم شَرْعِيًّا نافِعًا، ولَمّا كانَ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُشْعِرًا بِأنَّ الأسْبابَ الظّاهِرِيَّةَ انْمَحَتْ عِنْدَ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو رَحْمَتُهُ، أعْرى الخَبَرَ عَنِ الفاءِ، فَقالَ إيذانًا بِعِظَمِ الجَزاءِ لِأنَّ سَبَبَهُ رَحْمَةُ الرَّحِيمِ، ولَوْ كانَ بِالفاءِ لَآذَنَتْ أنَّهُ عَلى مِقْدارِ العَمَلِ الَّذِي هو سَبَبُهُ: ﴿لَهم أجْرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: مَقْطُوعٌ - جَزاءً عَلى سَماحِهِمْ بِالفانِي اليَسِيرِ مِن أمْوالِهِمْ في الزَّكاةِ وغَيْرِها وما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ في الآخِرَةِ والدُّنْيا، والمَمْنُونُ: المَقْطُوعُ، مَن مَنَنْتُ الحَبْلَ أيْ: قَطَعْتُهُ بِقَطْعِ مِنَنِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ أيْ: قَطَعَهُ وأذْهَبَ مِنَّتَهُ.
41:9Page 477
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ سَفَهَهم في كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ، شَرَعَ في ذِكْرِ الأدِلَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْها وعَلى كُلِّ ما يُرِيدُ بِخَلْقِ الأكْوانِ وما فِيها الشّامِلُ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ مِنَ الجَماداتِ وغَيْرِها الدّالِّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ [ومُقَرِّرًا بِالوَصْفِ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأصْلِ الخَلْقِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِمَن أنْكَرَ الآخِرَةَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ] بِقَوْلِكَ: ﴿أإنَّكُمْ﴾ وأكَّدَ لِإنْكارِهِمُ التَّصْرِيحَ بِما يَلْزَمُهم مِنَ الكُفْرِ ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ أيْ: تُوجِدُونَ حَقِيقَةَ السَّتْرِ لِأنْوارِ العُقُولِ الظّاهِرَةِ ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ (p-١٤٩)أيْ: عَلى سِعَتِها وعَظَمَتِها مِنَ العَدَمِ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَتُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى إعادَةِ ما خَلَقَهُ [مِنها] ابْتِداءً مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّهُ ابْتَدَأ خَلْقَها وخَلْقَ ذَلِكَ مِنها، وهَذانِ اليَوْمانِ الأحَدُ والِاثْنَيْنُ - نُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: والأكْثَرِينَ، وحَدِيثُ مُسْلِمٍ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ» يُخالِفُ هَذا، فَإنَّ البُداءَةَ فِيهِ بِيَوْمِ السَّبْتِ وهو مُصَرِّحٌ بِأنَّ خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها في سِتَّةِ أيّامٍ كَما هو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، ويُجابُ بِأنَّ المُرادَ بِالخَلْقِ فِيهِ إخْراجُ أقْواتِها بِالفِعْلِ، والمُرادُ هُنا تَهْيِئَتُها لِقَبُولِ ذَلِكَ، ويُشَكِّلُ أيْضًا بِأنَّ الأيّامَ إنَّما كانَتْ بِدَوَرانِ الأفْلاكِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الخَلْقِ بِالفِعْلِ، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ ما قالَهُ الحَرّالِيُّ: مِقْدارُ ما يَتِمُّ فِيهِ أمْرٌ ظاهِرٌ أوْ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ تَعْرِفُونَها مِن أيّامِ الدُّنْيا.
ولَمّا ذَكَرَ كَفْرَهم بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ، عَطَفَ عَلى ”تَكْفُرُونَ“ قَوْلَهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ﴾ أيْ: مَعَ هَذا الكُفْرِ ﴿لَهُ أنْدادًا﴾ مِمّا خَلَقَهُ، فَتُثْبِتُونَ لَهُ أفْعالًا وأقْوالًا مَعَ أنَّكم لَمْ تَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَأنْكَرْتُمْ ما تَعْمَلُونَ مِثْلَهُ وأكْبَرَ مِنهُ، وأثْبَتُّمْ ما لَمْ تَعْمَلُوهُ أصْلًا، هَذا هو الضَّلالُ المُبِينُ.
ولَمّا بَكَّتَهم عَلى قَبِيحِ مُعْتَقَدِهِمْ، عَظُمَ ذَلِكَ بِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: (p-١٥٠)الإلَهُ العَظِيمُ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُوجِدُهم ومُرَبِّيهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى [جَمِيعِ] ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences