Al-Biqa'iFussilat · 41:18–30

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:18–30

41:18Page 478

وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨

And We saved those who believed and used to fear Allāh.

ولَمّا أتَمَّ الخَبَرَ عَنِ الكافِرِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أتْبَعَهُ الخَبَرَ عَنْ مُؤْمِنِيهِمْ بِشارَةٍ لِمَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ ونِذارَةً لِمَن صَدَّ عَنْهُ فَقالَ: ﴿ونَجَّيْنا﴾ [أيْ]: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِهِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿وكانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا عَظِيمًا ﴿يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم هَذا الوَصْفُ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ فَلا يُقْدِمُونَ عَلى شَيْءٍ بِلا دَلِيلٍ.

41:19Page 478

وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩

And [mention, O Muḥammad], the Day when the enemies of Allāh will be gathered to the Fire while they are [driven], assembled in rows,

(p-١٦٨)ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا، وأشارَ إلى حالِ الآخِرَةِ، أتْبَعَهُ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيِ: اذْكُرْ أيّامَ أعْداءِ اللَّهِ في الدُّنْيا في إنْزالِ عَذابِهِ بِهِمْ وإحْلالِ مُثُلاتِهِ بِساحاتِهِمْ، واذْكُرْ يَوْمَ يُحْشَرُونَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ما عَذَّبُوا بِهِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ فَقالَ: ﴿يُحْشَرُ﴾ أيْ: يَجْمَعُ بِكَثْرَةٍ بِأمْرٍ قاهِرٍ لا كُلْفَةَ عَلَيْنا فِيهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ يَكُونُ ناظِرًا إلى سِياقِ ”ونَجَّيْنا“ وفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَعْنى العَظَمَةِ، فَلِذَلِكَ ناسَبَهُما الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي هو أعْظَمُ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ الَّذِي وقَعَ الصَّرْفُ عَنْهُ لِما في ذِكْرِهِ مِن زِيادَةِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّهْجِينِ لِفِعْلِهِمْ والتَّخْسِيسِ لِعُقُولِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أعْداءُ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ ولا يَخْفى إعْرابُهُ بِحَسَبِ كُلِّ قِراءَةٍ ﴿إلى النّارِ﴾ دارِ الأشْقِياءِ ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ حَشْرِهِمْ ﴿يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ ويَرُدُّ بِأيْسَرِ أمْرٍ أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ، ومَن يُرِيدُ أنْ يُعَرِّجَ مِنهم يَمِينًا أوْ شَمالًا ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ يَخْفى بِسَبَبِ كَثْرَتِهِمْ ويَزْجُرُونَ زَجْرَ إهانَةٍ، ويَجْمَعُ إلَيْهِمْ مَن شَذَّ مِنهُمْ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ.

41:20Page 478

حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠

Until, when they reach it, their hearing and their eyes and their skins will testify against them of what they used to do.

ولَمّا بَيَّنَ إهانَتَهم بِالوَزْعِ، بَيَّنَ غاياتِها فَقالَ: ﴿حَتّى إذا﴾ وأكَّدَ (p-١٦٩)الكَلامَ لِإنْكارِهِمْ مَضْمُونُهُ بِزِيادَةِ النّافِي لِيَكُونَ اجْتِماعُهُ مَعَ الإثْباتِ نَفْيًا لِلضِّدِّ فَيُفِيدُ غايَةَ القُوَّةِ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ في تَحْقِيقِهِ وثَباتِهِ واتِّصالِهِ بِالشَّهادَةِ عَلى الفَوْرِ فَقالَ: ﴿ما جاءُوها﴾ أيِ: النّارُ الَّتِي كانُوا [بِها] يُكَذِّبُونَ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾ حِينَ التَّكْوِيرِ فِيها مَرْكُومِينَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّرْهِيبِ، وكانَ التَّفْصِيلُ أهْوَلَ قالَ: ﴿سَمْعُهُمْ﴾ أفْرَدَهُ لِتَقارُبِ النّاسِ فِيهِ ﴿وأبْصارُهُمْ﴾ جَمْعٌ لِعِظَمِ التَّفاوُتِ فِيها ﴿وجُلُودُهم بِما﴾ وأثْبَتَ الكَوْنَ بَيانًا لِأنَّهم كانُوا مَطْبُوعِينَ عَلى ما أوْجَبَ لَهُمُ النّارَ مِنَ الأوْزارِ فَقالَ: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ، فَكَأنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ تَقُولُ في ذَلِكَ الحِينِ إقامَةً لِلْحُجَّةِ البالِغَةِ: أيُّها الأكْوانُ والحاضِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجانِّ، اعْلَمُوا أنَّ صاحِبِي كانَ يَعْمَلُ بِي كَذا وكَذا مَعَ الإصْرارِ، فاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ النّارَ، وغَضِبَ الجَبّارُ - ثُمَّ يُقْذَفُ بِهِ.

41:21Page 479

وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١

And they will say to their skins, "Why have you testified against us?" They will say, "We were made to speak by Allāh, who has made everything speak; and He created you the first time, and to Him you are returned.

ولَمّا أخْبَرَ بِهَذا الَّذِي يُفَتِّتُ الحِجارَةَ لَوْ عُلِّقَتْ ساعَةً ما، أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يُفِدْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ طَبْعِهِمُ الجافِي وبَلادَتِهِمُ الكَثِيفَةِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرَهُ: فَلَمْ تُفِدْهم هَذِهِ الشَّهادَةُ خَجَلًا مِنَ اللَّهِ ولا خُضُوعًا في أنْفُسِهِمْ ولا رُجُوعًا عَنِ الجِدالِ والعِنادِ كَما لَمْ يُفِدْهم ذَلِكَ مُجَرَّدَ عِلْمِ اللَّهِ (p-١٧٠)فِيهِمْ: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ ودَخَلَ فِيها ما صَرَّحَ بِهِ مِن مَنافِعِها بِها لِفَقْدِ ما يَدْعُو إلى التَّفْصِيلِ. ولَمّا فَعَلَتْ فِعْلَ العُقَلاءِ خاطَبُوها مُخاطَبَتَهم فَقالُوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾

ولَمّا كانَ هَذا مَحَلُّ عَجَبِ مِنهُمْ، وكانَ مُتَضَمِّنًا لِجَهْلِهِمْ بِظَنِّهِمْ أنَّهُ كانَ لَها قُدْرَةٌ عَلى السُّكُوتِ، وكانَ سُؤالُهم عَنِ العِلَّةِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ وإنَّما المُرادُ بِهِ اللَّوْمُ، أُجِيبَ مِن تَشَوُّفٍ إلى الجَوابِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا لِنُطْقِها بِصِيغَةِ ما يَعْقِلُ: ﴿قالُوا﴾ [مُعْتَذِرِينَ]: ﴿أنْطَقَنا﴾ قَهْرًا ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العِزِّ عَلى وجْهٍ لَمْ نَقْدِرْ عَلى التَّخَلُّفِ عَنْهُ. ولَمّا كانَ حالُ الكُفّارِ دائِمًا دائِرًا بَيْنَ غَباوَةٍ وعِنادٍ، أقامُوا لَهم عَلى ذَلِكَ دَلِيلَيْنِ شُهُودِيَّيْنِ فَقالُوا: ﴿الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: فِعْلًا أوْ قُوَّةً أوْ حالًا ومَقالًا.

ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ كُلُّها مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الإنْطاقِ والإخْراسِ وغَيْرِهِما مِن كُلِّ ما يُمْكِنُ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، نَبَّهُوهم عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والعِلْمُ القَطْعِيُّ حاصِلٌ عِنْدَكم بِأنَّكم كُنْتُمْ عَدَمًا ثُمَّ نُطَفًا لا تَقْبَلُ النُّطْقَ في مَجارِي العاداتِ بِوَجْهٍ، ثُمَّ طَوْرُكم في أدْوارِ الأطْوارِ كَذَلِكَ إلى أنْ أوْصَلَكم إلى حَيِّزِ الإدْراكِ، فَقَسَرَكم (p-١٧١)عَلى النُّطْقِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتُمْ سَلْبَهُ عَنْ أنْفُسِكم ما قَدَرْتُمْ. ولَمّا كانَ الخَلْقُ شَيْئًا واحِدًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي وكانَ الرُّجُوعُ تارَةً بِالحِسِّ وتارَةً بِالمَعْنى وكانَ الَّذِي بِالمَعْنى كَثِيرُ التَّعَدُّدِ بِكَثْرَةِ التَّجَدُّدِ قالَ: ﴿وإلَيْهِ﴾ [أيْ]: إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: في كُلِّ حِينٍ بِقَسْرِكم بِأيْسَرِ أمْرٍ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ مِن أوَّلِ ما خَلَقْتُمْ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، فَلَوْ كانَ لَكم نَوْعُ عِلْمٍ لَكَفاكم ذَلِكَ واعِظًا في الدُّنْيا تَعْلَمُونَ بِهِ أنَّكم في غايَةِ العَجْزِ، وأنَّ لَهُ العَظَمَةَ والكِبْرَ والقُدْرَةَ والقَهْرَ، رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أضْحَكُ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ إلّا شاهِدًا مِنِّي، قالَ: فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ [اليَوْمَ] شَهِيدًا وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ“» .

41:22Page 479

وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢

And you were not covering [i.e., protecting] yourselves,1 lest your hearing testify against you or your sight or your skins, but you assumed that Allāh does not know much of what you do.

ولَمّا اعْتَذَرُوا بِما إخْبارُهم بِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا وعْظٌ وتَنْبِيهٌ، وفي الآخِرَةِ تَوْبِيخٌ وتَنْدِيمٌ، قالُوا مُكَرِّرِينَ لِلْوَعْظِ مُحَذِّرِينَ مِن جَمِيعِ الكَوْنِ: (p-١٧٢)﴿وما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ أيْ: تَتَكَفَّلُونَ السَّتْرَ عِنْدَ المَعاصِي وأنْتُمْ تَتَوَهَّمُونَ، وهو مُرادُ قَتادَةَ بِقَوْلِهِ؛ تَظُنُّونَ.

﴿أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ بِتِلْكَ المَعاصِي. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإبْلاغَ في الزَّجْرِ، أعادَ التَّفْصِيلَ فَقالَ: ﴿سَمْعُكُمْ﴾ وأكَّدَ بِتَكْرِيرِ النّافِي فَقالَ: ﴿ولا أبْصارُكُمْ﴾ جَمَعَ وأفْرَدَ لِما مَضى ﴿ولا جُلُودُكم ولَكِنْ﴾ إنَّما كانَ اسْتِتارُكم لِأنَّكم ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ بِسَبَبِ إنْكارِكِمُ البَعْثَ جَهْلًا مِنكم ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ﴿لا يَعْلَمُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ، وهو ما كُنْتُمْ تَعُدُّونَهُ خَفِيًّا فَهَذا هو الَّذِي جَرَّأكم عَلى ما فَعَلْتُمْ، فَإنْ كانَ هَذا ظَنُّكم فَهو كُفْرٌ، وإلّا كانَ عَمَلُكم عَمَلَ مَن يَظُنُّهُ فَهو قَرِيبٌ مِنَ الكُفْرِ، والمُؤْمِنُ حَقًّا مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِ وجَهْرِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُراقِبًا خائِفًا هائِبًا، رَوى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ أوْ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمِ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فَقِهَ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ أحَدُهُمْ: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ﴾ - الآيَةُ، قالَ (p-١٧٣)البَغَوِيُّ؛ قِيلَ: الثَّقَفِيُّ عَبَدَ يالِيلُ وخِتْناهُ، والقُرَشِيّانِ: رَبِيعَةُ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ.

41:23Page 479

وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

And that was your assumption which you assumed about your Lord. It has brought you to ruin, and you have become among the losers."

ولَمّا كانَ ذِكْرُ المَعْصِيَةِ وما جَرَّأ عَلَيْها يَقْتَضِي انْتِقاصًا يَقْدَحُ في الإلَهِيَّةِ، بَيَّنَ أنَّهُ المُوجِبُ لِلْغَضَبِ فَقالَ: ﴿وذَلِكُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ في القَباحَةِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ظَنُّكُمُ﴾ أيِ: الفاسِدُ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْكم مِن أنَّهُ لا يَعْلَمُ حالَكُمْ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أرْداكُمْ﴾ أيْ: تُسَبِّبُ عَنْهُ خاصَّةً أنَّهُ أهْلَكَكم. وأمّا مَعاصِي الجَوارِحِ مَعَ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ فَأمْرُها أسْهَلُ، والحاصِلُ أنَّ كُلَّ ظَنٍّ كانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنَ الشّارِعِ فَهو يُرْدِي صاحِبَهُ.

ولَمّا كانَ الصَّباحُ مَحَلَّ رَجاءِ الأفْراحِ، فَكانَ شَرُّ الأتْراحِ ما كانَ فِيهِ، قالَ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ ما أعْطَيْتُمُوهُ مِنَ النِّعَمِ لِتَسْتَنْقِذُوا بِهِ أنْفُسَكم مِنَ الهَلاكِ كانَ سَبَبَ هَلاكِكم ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في الخَسارَةِ، المَحْكُومِ بِخَسارَتِهِمْ في جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وصَوَّرَهُ بِأقْبَحِ صُورَةٍ وهو الصَّباحُ، فالمَعْنى أنَّهُ إذا صارَ حالُكم حالَ مَن أصْبَحَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلرِّبْحِ وقْتٌ يَتَدارَكُ فِيهِ بِخِلافِ ما لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ عَنِ المَساءِ فَإنَّهُ (p-١٧٤)كانَ يَنْتَظِرُ الصَّباحَ لِلسَّعْيِ في الرِّبْحِ، ويَوْمُ القِيامَةِ لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَسْعى فِيهِ لِلرِّبْحِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ حالَ خَلْوَتِهِ أشَدَّ ما يَكُونُ هَيْبَةً لِلَّهِ.

41:24Page 479

فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤

So [even] if they are patient, the Fire is a residence for them; and if they ask to appease [Allāh], they will not be of those who are allowed to appease.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ لافِتًا القَوْلَ عَنْ خِطابِهِمْ إيذانًا بِشِدَّةِ الغَضَبِ وإشارَةً إلى أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى ما ذَكَرَ مِنَ الحالِ أعْيا عَلَيْهِمُ المُقالَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نُطْقٍ بِلِسانٍ، ولا إشارَةً بِرَأْسٍ ولا بَنانٍ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى ما جُوزُوا بِهِ فَلَيْسَ صَبْرُهم بِنافِعِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فالنّارُ مَثْوًى﴾ أيْ: مُنْزِلًا ﴿لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَطْلُبُوا الرِّضى بِزَوالِ العَتَبِ وهو المُؤاخَذَةُ بِالذَّنْبِ ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيِ: المَرْضِيِّينَ الَّذِينَ يَزالُ العَتَبُ [عَلَيْهِمْ] عَنْهم لِيُعْفِيَ عَنْهم ويَتْرُكَ عَذابَهم.

41:25Page 479

۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ٢٥

And We appointed for them companions1 who made attractive to them what was before them and what was behind them [of sin], and the word [i.e., decree] has come into effect upon them among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.

ولَمّا ذَكَرَ وعِيدَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتْبَعِهُ كُفْرَهُمُ الَّذِي هو سَبَبُ الوَعِيدِ، وعَطَفَهُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإنّا طَبَعْناهم طَبِيعَةَ سُوءٍ تَقْتَضِي أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَمّا يُوجِبُ العَتَبَ، فَأعْرَضُوا ولَمْ تَنْفَعْهُمُ النَّذْرى بِصاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّ التَّصَرُّفَ في القُلُوبِ أمْرٌ عَظِيمٌ جِدًّا: ﴿وقَيَّضْنا﴾ أيْ: جِئْنا وأتَحْنا وبَعَثْنا وسَبَّبْنا ووَكَّلْنا وهَيَّأْنا، مِنَ القَيْضِ الَّذِي هو المَثَلُ، وقِشْرُ البَيْضَةِ الأعْلى اليابِسِ ﴿لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: أشْخاصًا أمْثالَهم في الأخْلاقِ والأوْصافِ (p-١٧٥)أقْوِياءَ وهم مَعَ كَوْنِهِمْ شَدِيدِي الِالتِصاقِ بِهِمْ والإحاطَةِ في غايَةِ النَّحْسِ والشِّدَّةِ في اللُّؤْمِ والخُبْثِ واللَّجاجَةِ فِيما يَكُونُ بِهِ ضِيقُ الخَيْرِ واتِّساعُ الشَّرِّ مِن غُواةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ القَبائِحِ ﴿ما﴾ وعَمَّ الأشْياءَ كُلَّها فَلَمْ يَأْتِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ قَباحَتَهُ حَتّى حَسَّنُوهُ لَهم فارْتَكَبُوهُ ورَغِبُوا فِيهِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ [أيْ: ما يَجْهَلُونَ أمْرَهُ ولا يَزالُونَ] في كُلِّ شَيْءٍ يُزَيِّنُونَهُ ويُلِحُّونَ فِيهِ ويُكَرِّرُونَهُ حَتّى يَقْبَلَ، فَإنَّ التَّكْرِيرَ مُقِرُّونَ بِالتَّأْثِيرِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ سُوءًا قَيَّضَ لَهُ إخْوانُ سُوءٍ وقُرَناءُ سُوءٍ يَحْمِلُونَهُ عَلى المُخالَفاتِ ويَدْعُونَهُ إلَيْها، وإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا قَيَّضَ لَهُ قُرَناءَ خَيْرٍ يُعِينُونَهُ عَلى الطّاعاتِ ويَحْمِلُونَهُ عَلَيْها ويَدْعُونَهُ إلَيْها، ومِن ذَلِكَ الشَّيْطانُ، وشَرٌّ مِنهُ النَّفْسُ وبِئْسَ القَرِينُ، تَدْعُو اليَوْمَ إلى ما فِيهِ الهَلاكُ وتَشْهَدُ غَدًا عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَدْعُوا قَبِيحَةً حَتّى ارْتَكَبُوها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وحَقَّ﴾ أيْ: وجَبَ وثَبَتَ ﴿عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: بِدَوامِ الغَضَبِ.

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يُوجِبُ شِدَّةَ أسَفِهِ ﷺ، خَفَّفَ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي﴾ أيْ: كائِنِينَ في جُمْلَةِ ﴿أُمَمٍ﴾ أيْ (p-١٧٦)كَثِيرَةٍ. ولَمّا عَبَّرَ عَنْهم بِما يَقْتَضِي تَعْظِيمَهم بِأنَّهم مَقْصُودُونَ، حَقَّرَهم بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ فَقالَ: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: لَمْ تَتَّعِظْ أُمَّةٌ مِنهم بِالأُخْرى. ولَمّا كانَ الخُلُوُّ قَدْ يَكُونُ بِالمَوْتِ في زَمانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ مِمّا مَضى وفاتَ.

ولَمّا كانَ بَعْضُ مَن مَضى غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ لِجَمِيعِ الزَّمانِ، عَبَّرَ بـِ ”مِن“ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: في الزَّمانِ، وقَدَّمَ الأقْوى لِتَفْهَمَ القُدْرَةُ عَلَيْهِ القُدْرَةَ عَلى ما دُونَهُ مِن بابِ الأوْلى، فَإنَّ الإنْسَ كانُوا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم دُونَ الجِنِّ فَيَعُوذُونَ بِهِمْ فَقالَ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ حُقُوقَ الشَّقاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ مُنَبَّهًا بِالتَّأْكِيدِ عَلى أنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ تَكُونَ القَبائِحُ مُوجِبَةً لِلْخُسْرِ ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ: جَمِيعُ المَذْكُورِينَ مِنهم ومِمَّنْ قَبْلَهُمْ: ﴿كانُوا﴾ أيْ: طَبْعًا وفِعْلًا ﴿خاسِرِينَ﴾ فَعَلى العاقِلِ أنْ يَجْتَهِدَ في اخْتِيارِ أصْحابِهِ وأخْدانِهِ وأحْبابِهِ، فَإنَّ العاقِبَةَ فِيهِمْ حَسَنَةٌ جَسِيمَةٌ أوْ قَبِيحَةٌ وخِيمَةٌ، رَوى صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

«إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا قَيَّضَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ (p-١٧٧)شَيْطانًا فَلا يُرى [حَسَنًا] إلّا قَبَّحَهُ ولا قَبِيحًا إلّا حَسَّنَهُ عِنْدَهُ» . ولِأحْمَدَ وأبِي داوُدَ والنِّسائِيِّ وأبِي يَعْلى وابْنِ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِالوالِي خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وزِيرَ صِدْقٍ، إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإنْ ذَكَرَ أعانَهُ، وإنْ أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وزِيرَ سُوءٍ إنْ نَسِيَ لَمْ يَذْكُرْهُ وإنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ» . ورَوى [ البُخارِيُّ ] عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والنِّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وحْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والبُخارِيِّ أيْضًا عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما بَعَثَ اللَّهُ مِن نَبِيٍّ ولا اسْتَخْلَفَ مِن خَلِيفَةٍ إلّا كانَتْ لَهُ بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى» . وفي رِوايَةِ النَّسائِيِّ: «ما مِن والٍ إلّا ولَهُ بِطانَتانِ: بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وبِطانَةٌ لا تَأْلُوهُ خَبالًا، فَمَن وُقِيَ شَرَّها فَقَدْ وُقِيَ، [وهُوَ إلى مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنهُما»، ورِوايَةُ البُخارِيِّ عَنْ أبِي أيُّوبَ نَحْوَها.

41:26Page 479

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦

And those who disbelieve say, "Do not listen to this Qur’ān and speak noisily1 during [the recitation of] it that perhaps you will overcome."

ولَمّا أخْبَرَ بِخُسْرانِهِمْ، دَلَّ عَلَيْهِ] بِما عَطَفَ عَلى ما أرْشَدَ (p-١٧٨)إلَيْهِ السِّياقُ مِن تَقْدِيرِهِ مِن قَوْلِي: فَأعْرَضُوا - أيْ: هَؤُلاءِ العَرَبُ - وقالُوا - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ قالَ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ إعْراضَهُمْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهم مِنَ الحَقِّ ﴿لا تَسْمَعُوا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن مُطْلَقِ السَّماعِ ﴿لِهَذا القُرْآنِ﴾ تَعْيِينًا بِالإشارَةِ احْتِرازًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ القَدِيمَةِ كالتَّوْراةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: لِأنَّهُ يَغْلِبُ القُلُوبَ ويَسْلُبُ العُقُولَ، وكُلُّ مَنِ اسْتَمَعَ لَهُ صَبا إلَيْهِ ﴿والغَوْا﴾ [أيْ: أهَذَوا] مِن لَغِيَ -بِالكَسْرِ يَلْغى - بِالفَتْحِ - إذا تَكَلَّمَ بِما لا فائِدَةَ [فِيهِ] ﴿فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ ظَرْفًا لِلَغْوٍ بِأنْ تُكْثِرُوا مِنَ الخُرافاتِ والهَذَياناتِ واللَّغْوِ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ أيِ: الصَّفِيرُ والتَّصْفِيقُ وغَيْرُهُما في حالِ تِلاوَتِهِ لِيَقَعَ تالِيهِ في السَّهْوِ والغَلَطِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: قالُوا ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن نَوَّرَ قَلْبَهُ بِالإيمانِ وأيَّدَ بِالفَهْمِ وأمَدَّ بِالبَصِيرَةِ وكُوشِفَ بِسَماعِ السِّرِّ مِنَ الغَيْبِ، فَهو الَّذِي يَسْمَعُ ويُؤْمِنُ، والَّذِي هو في ظُلُماتِ جَهْلِهِ لا يَدْخُلُ الإيمانُ قَلْبَهُ، ولا يُباشِرُ السَّماعُ سِرَّهُ.

﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ أنْ يَغْلِبَ ويَظْفَرَ بِمُرادِهِ في أنْ يَمِيلَ إلَيْهِ أحَدٌ، أوْ يَسْكُتَ (p-١٧٩)أوْ يَنْسى ما كانَ يَقُولُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عارِفُونَ بِأنَّ مَن سَمِعَهُ ولا هَوى عِنْدَهُ مالَ إلَيْهِ وأقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ فَضَحُوا أنْفُسَهم بِهَذا فَضِيحَةً لا مِثْلَ لَها، وذَلِكَ لِأنَّهم تَحُدُّوا بِهِ في أنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ لِيُعَدُّوا غالِبِينَ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يَتَرَجَّوْنَ بِهِ الغَلَبَ إلّا الصَّفِيرُ والتَّصْفِيقُ ونَحْوُهُ مِنَ اللَّغْوِ في مُعارَضَةِ ما عَلا مِن أعْلى ذُرى الكَلامِ إلى حَيْثُ لا مَطْمَعَ ولا مَرامَ، فَلا يُفِيدُ ما أتَوْا بِهِ مَعْنًى غَيْرَ أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ قاطِعُونَ بِأنَّهم مَتى أتَوْا بِشَيْءٍ مِنها افْتَضَحُوا، وقَطَعَ كُلُّ مِن سَمِعَهُ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ.

41:27Page 479

فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧

But We will surely cause those who disbelieve to taste a severe punishment, and We will surely recompense them for the worst of what they had been doing.

ولَمّا اسْتَحَقُّوا بِهَذا العُقُوبَةَ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَعْمِيمًا بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ وغَيْرُهم ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ في الدُّنْيا بِالحِرْمانِ وما يَتْبَعُهُ مِن فُنُونِ الهَوانِ وفي الآخِرَةِ بِالنِّيرانِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمْ. ولَمّا كانَ مَن قَدَرَ عَلى الأغْلَظِ، قَدَرَ عَلى ما دُونَهُ قالَ: ﴿أسْوَأ﴾ أيْ: جَزاءَ أسْوَأِ العَمَلِ ﴿الَّذِي كانُوا﴾ بِما هو لَهم كالغَرائِزِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مُواظِبِينَ عَلَيْهِ.

41:28Page 479

ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨

That is the recompense of the enemies of Allāh - the Fire. For them therein is the home of eternity as recompense for what they, of Our verses, were rejecting.

ولَمّا أبْلَغَ سُبْحانَهُ في التَّرْهِيبِ مِن عِقابِهِمْ، زادَ في تَعْظِيمِهِ وفَضْلِهِ لُطْفًا لِمَن أرادَ هِدايَتَهُ مِن عِبادِهِ وإقامَةَ الحُجَّةِ عَلى غَيْرِهِمْ فَقالَ: (p-١٨٠)﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الجَزاءُ الأسْوَأُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿جَزاءُ﴾ ولَمّا كانَتْ عَداوَةُ مَن لا يُطاقُ أمْرًا زائِدَ العَظَمَةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ مَظْهَرِها إلى أعْظَمَ مِنهُ فَقالَ: ﴿أعْداءِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ، لِأنَّهم ما كانُوا يَفْعَلُونَ ما دُونُ الأسْوَأِ إلّا عَجْزًا عَنْهُ لِأنَّ جِبِلَّتَهم تَقْتَضِي ذَلِكَ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ﴾ وفَصَّلَ بَعْضَ ما فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها﴾ أيِ: النّارُ ﴿دارُ الخُلْدِ﴾ أيِ: المَحَلُّ المُحِيطُ بِهِمُ الدّائِرُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن زاوِيَةٍ أوْ غَيْرِها يُعْرَفُ بِهِ خُصُوصُ مَوْضِعٍ مِنهُ، مَعَ إيذانِهِ بِالدَّوامِ واللُّزُومِ وعَدَمِ الِانْفِكاكِ، أوْ هو عَلى التَّجْرِيدِ بِمَعْنى: هي لَهم دارُ خُلُودٍ كَما كانَ لَهم في الدُّنْيا دارُ سُرُورٍ بِمَعْنى أنَّها كانَتْ لَهم نَفْسُها دارَ لَهْوٍ وغُرُورٍ.

ولَمّا كانُوا عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها هَذا العَذابَ مُصِرِّينَ إصْرارًا يَمْتَنِعُ انْفِكاكَهم عَنْهُ، زادَ حُسْنًا قَوْلَهُ: ﴿جَزاءُ﴾ أيْ: وِفاقًا ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا، ورَدَّ الكَلامَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ المُقْتَضِي لِلنَّكالِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُنْكِرُونَ عِنادًا مِن غَيْرِ مُراعاةٍ لِعُلُوِّها في نَفْسِها ولا عُلُوُّها بِنِسْبَتِها إلَيْنا، فَلِأجْلِ جُحُودِهِمْ كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ مِنَ اللَّهْوِ وغَيْرِهِ.

41:29Page 479

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩

And those who disbelieved will [then] say, "Our Lord, show us those who misled us of the jinn and men [so] we may put them under our feet1 that they will be among the lowest."

ولَمّا تَراءى [لَهُمْ] أنَّ الَّذِي أوْجَبَ لَهم هَذا السُّوءَ جُلُودُهم (p-١٨١)بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ وقُرَناؤُهم بَإضْلالِهِمْ لَهم وكانَ التَّباغُضُ والعَداوَةُ قَدْ وقَعَ بَيْنَ الجَمِيعِ، فَصارَ تَمَنِّي كُلٌّ لِلْآخَرِ السُّوءَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ، وكانَتْ مَساءَةُ جُلُودِهِمْ مَساءَتَهُمْ، خَصُّوا القُرَناءَ بِإرادَةِ الِانْتِقامِ مِنهُمْ، فَحَكى سُبْحانَهُ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ [فصلت: ٢١] أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ لِتَقْصِيرِهِمْ في النَّظَرِ وتَقْلِيدِهِمْ لِغَيْرِهِمْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطُّوا أنْوارَ عُقُولِهِمْ داعِينَ بِما لَوْ يَسْمَعُ لَهُمْ، فَهو زِيادَةٌ في عُقُوبَتِهِمْ، وحِكايَتُهُ لَنا وعْظٌ وتَحْذِيرٌ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها الَّذِي لَمْ يَقْطَعْ قَطُّ إحْسانَهُ عَنّا ﴿أرِنا﴾ الصِّنْفَيْنِ ﴿اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ عَنِ المَنهَجِ المُوصِلِ إلى مَحَلِّ الرِّضْوانِ ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ المُزَيِّنِينَ لَنا ارْتِكابَ السُّوءِ خِفْيَةً وجَهْرًا، قَرَأ الجَماعَةُ بِكَسْرِ الرّاءِ مَن أرِنا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ والسَّوَسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الرّاءِ هُنا خاصَّةً.

قالَ الأصْبَهانِيُّ: يُحْكى عَنِ الخَلِيلِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: أرِنِي ثَوْبَكَ - بِالكَسْرِ فالمَعْنى بَصِّرْنِيهِ، وإذا قُلْتَهُ بِالسُّكُونِ فَهو اسْتِعْطاءٌ، ومَعْناهُ أعْطِنِي ثَوْبَكَ، ونَظِيرُهُ اشْتِهارُ الإيتاءِ في مَعْنى الإعْطاءِ، وأصْلُهُ الإحْضارُ - انْتَهى.

﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ (p-١٨٢)فِي النّارِ إذْلالًا لَهُما كَما جَعَلانا تَحْتَ أمْرِهِما ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ أيْ مِن أهْلِ الدَّرْكِ الأسْفَلِ ومِمَّنْ هو دُونَنا كَما جَعَلانا كَذَلِكَ في الدُّنْيا في حَقِيقَةِ الحالِ بَإتْباعِنا لَهُما فِيما أرادَ بِنا، وفي الآخِرَةِ بِهَذا المالِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَمَنّى أنْ يَعْرِفَ مَن أضَلَّهُ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.

41:30Page 480

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠

Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh" and then remained on a right course - the angels will descend upon them, [saying], "Do not fear and do not grieve but receive good tidings of Paradise, which you were promised.

ولَمّا ذَكَرَ الأعْداءَ وقُرَناءَهم نِذارَةً، أتْبَعَهُ ذِكْرَ الأوْلِياءِ وأوْداءَهم بِشارَةً، فَقالَ مُبَيِّنًا لِحالِهِمُ القابِلِ لِلْإعْراضِ وثَمَراتِهِ جَوابًا لِمَن يَسْألُ عَنْهم مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ المُعانِدِينَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ في الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ.

﴿قالُوا﴾ أيْ قَوْلًا حَقِيقِيًّا مُذْعِنِينَ بِهِ بِالجَنانِ وناطِقِينَ بِاللِّسانِ تَصْدِيقًا لِداعِي اللهِ في دارِ الدُّنْيا مُتَذَلِّلِينَ حَيْثُ يَنْفَعُ الذُّلُّ جامِعِينَ بَيْنَ الأُسِّ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ والِاعْتِقادُ، والبِناءُ الَّذِي هو العَمَلُ الصّالِحُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ عَلى السَّدادِ، فَإنَّ أصْلَ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ يَقِينٌ مُصْلِحٌ وعَمَلٌ صالِحٌ، تَعْرِفُ الحَقُّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِتَعْمَلَ لَهُ ورَأْسُ المَعارِفِ اليَقِينِيَّةِ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، ورَأْسُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الِاسْتِقامَةُ عَلى حَدِّ الِاعْتِدالِ مِن غَيْرِ مَيْلٍ إلى طَرَفِ إفْراطٍ أوْ تَفْرِيطٍ: ﴿رَبُّنا﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْنا ﴿اللَّهُ﴾ المُخْتَصِّ بِالجَلالِ والإكْرامِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. (p-١٨٣)ولَمّا كانَ الثَّباتُ عَلى التَّوْحِيدِ ومُصَحِّحاتُهُ إلى المَماتِ أمْرًا في عُلُوِّ رُتْبَتِهِ لا يُرامُ إلّا بِتَوْفِيقِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ طَلَبُوا وأوْجَدُوا القِوامَ بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ وجَمِيعِ الكُتُبِ ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ صَنَمًا ولا وثَنًا ولا آدَمِيًّا ولا مَلَكًا ولا كَوْكَبًا ولا غَيْرَهُ بِعِبادَةٍ ولا رِياءٍ، وعَمِلُوا بِما يُرْضِيهِ وتَجَنَّبُوا كُلَّ ما يُسْخِطُهُ وإنْ طالَ الزَّمانُ، امْتِثالًا لِما أمَرَ بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ في قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦] فَمَن كانَ لَهُ أصْلُ الِاسْتِقامَةِ في التَّوْحِيدِ أمِنَ مِنَ النّارِ بِالخُلُودِ، ومَن كانَ لَهُ كَمالُ الِاسْتِقامَةِ في الأُصُولِ والفُرُوعِ أمِنَ الوَعِيدَ ﴿تَتَنَـزَّلُ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ المُتَّصِلِ ﴿عَلَيْهِمُ﴾ مِن حِينِ نَفَخَ الرُّوحَ فِيهِمْ إلى أنْ يَمُوتُوا ثُمَّ إلى أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ باطِنًا فَظاهِرًا ﴿المَلائِكَةُ﴾ بِالتَّأْيِيدِ في جَمِيعِ ما يَنُوبُهم فَتَسْتَعْلِي الأحْوالُ المَلَكِيَّةُ عَلى صِفاتِهِمُ البَشَرِيَّةِ وشَهَواتِهِمُ الحَيَوانِيَّةِ فَتَضْمَحِلُّ عِنْدَها، وتُشْرِقُ مَرائِيهِمْ، ثُمَّ شَرَحَ ما يُؤَيِّدُونَهم بِهِ وفَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿ألا تَخافُوا﴾ أيْ مِن شَيْءٍ مِثْلِهِ يُخِيفُ، وكَأنَّهم يُثْبِتُونَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ أيْ عَلى شَيْءٍ فاتَكُمْ، فَإنَّ ما حَصَلَ لَكم أفْضَلُ مِنهُ، فَأوْقاتُكُمُ الأُخْراوِيَّةُ (p-١٨٤)فِيها بَلْ هي كُلُّها رُوحٌ وراحَةٌ، فَلا يَفُوتُهم لِذَلِكَ مَحْبُوبٌ ولا يَلْحَقُهم مَكْرُوهٌ ﴿وأبْشِرُوا﴾ أيِ امْلَئُوا صُدُورَكم سُرُورًا يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى بَشْرَتِكم بِتَهَلُّلِ الوَجْهِ ونِعْمَةِ سائِرِ الجَسَدِ ﴿بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا عَظِيمًا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ ﴿تُوعَدُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَكم ذَلِكَ كُلَّ حِينٍ بِالكُتُبِ والرُّسُلِ، وقالَ الرّازِّيُّ في اللَّوامِعِ: يُبَشَّرُونَ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ: عِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ، ويَوْمَ البَعْثِ - انْتَهى. وهَذا مُحَوِّلٌ عَلى الكَلامِ الحَقِيقِيِّ وما قَبْلَهُ عَلى أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَهُ ما تَرْجَمْتُهُ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском