Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:31–41
41:31Page 480
نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١
We [angels] were your allies in worldly life and [are so] in the Hereafter. And you will have therein whatever your souls desire, and you will have therein whatever you request [or wish]
ولَمّا أثْبَتُوا لَهُمُ الخَيْرَ، ونَفَوْا عَنْهُمُ الضَّيْرَ، عَلَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ﴾ أيْ أقْرَبُ الأقْرِباءِ إلَيْكُمْ، فَنَحْنُ نَفْعَلُ مَعَكم كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يَفْعَلَهُ القَرِيبُ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ نَجْتَلِبُ لَكُمُ المَسَرّاتِ ونَبْعُدُ عَنْكُمُ المَضَرّاتِ ونَحْمِلُكم عَلى جَمِيعِ الخَيْراتِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَكم فِيها ما تُؤْثِرُهُ العُقُولُ بِالِامْتِناعِ مِمّا تَهْواهُ النُّفُوسُ وإنْ تَراءى لِلرّائِينَ في الدُّنْيا أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَنُوقِظُكم مِنَ المَنامِ، ونَحْمِلُكم عَلى الصَّلاةِ والصِّيامِ، ونُبْعِدُكم عَنِ الآثامِ، ضِدَّ ما تَفْعَلُهُ الشَّياطِينُ مَعَ أوْلِيائِهِمْ ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ كَذَلِكَ حَيْثُ يَتَعادى الأخِلّاءُ إلّا الأتْقِياءُ ﴿ولَكم فِيها﴾ أيِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ وقَبْلَ دُخُولِها في جَمِيعِ أوْقاتِ الحَشْرِ ﴿ما تَشْتَهِي﴾ (p-١٨٥)ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الشَّهْوَةِ بِما يُرْشِدُ إلَيْهِ حَذْفُ المَفْعُولِ ﴿أنْفُسُكُمْ﴾ لِأجْلِ ما مَنَعْتُمُوها مِنَ الشَّهَواتِ في الدُّنْيا ﴿ولَكُمْ﴾
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلَّذِينِ اسْتَقامُوا العامَ لِلسّابِقِينَ وأصْحابِ اليَمِينِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ الخَتْمُ بِصِفَةِ المَغْفِرَةِ وتَقْدِيمِها، قَيَّدَ بِالظَّرْفِ بِخِلافِ ما في يس فَقالَ: ﴿فِيها﴾ أيِ الآخِرَةِ ﴿ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ ما تُؤْثِرُونَ دُعاءَهُ وطَلَبَهُ وتَسْألُونَهُ وتُمَنُّونَهُ بِشَهْوَةِ نُفُوسِكم ورَغْبَةِ قُلُوبِكم.
41:32Page 480
نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ ٣٢
As accommodation from a [Lord who is] Forgiving and Merciful."
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُعْطُونَ شَيْئًا يَسِيرًا، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نُـزُلا﴾ أيْ هَذا كُلُّهُ يَكُونُ لَكم كَما يُقَدِّمُ إلى الضَّيْفِ عِنْدَ قُدُومِهِ إلى أنْ يَتَهَيَّأ ما يُضافُ بِهِ. ولَمّا كانَ مَن حُوسِبَ عُذِّبَ، فَلا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِالرَّحْمَةِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن﴾ أيْ كائِنًا النُّزُلُ مِن ﴿غَفُورٍ﴾ لَهُ صِفَةُ المَحْوِ لِلذُّنُوبِ عَيْنًا وأثَرًا عَلى غايَةٍ لا يُمْكِنُ وصْفُها ﴿رَحِيمٍ﴾ أيْ بالِغُ الرَّحْمَةِ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ، فالحاصِلُ أنَّ المُفْسِدَ يُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ قُرَناءَ السُّوءِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَزِيدُونَهُ فَسادًا والمُصْلِحُ يُيَسِّرُ اللَّهُ لَهُ أوْلِياءَ الخَيْرِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةُ يُعَيِّنُونَهُ ويُحَبِّبُونَهُ في جَمِيعِ الخَيْراتِ ويُبْعِدُونَهُ ويَكْرَهُونَهُ في جَمِيعِ المُضِرّاتِ - واللَّهُ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ.
41:33Page 480
وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣
And who is better in speech than one who invites to Allāh and does righteousness and says, "Indeed, I am of the Muslims."
(p-١٨٦)ولَمّا كانَ هَذا لِمَن كَمَّلَ نَفْسَهُ، أتْبَعَهُ بِمَن أكْمَلَ غَيْرَهُ إشارَةً إلى أنَّ السَّعادَةَ التّامَّةَ أنْ يَكْتَسِبَ الإنْسانُ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ مِمّا يَصِيرُ بِها كامِلًا في نَفْسِهِ، فَإذا فَرَغَ اشْتَغَلَ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ما أحْسَنَ هَذا الَّذِي كَمَّلَ نَفْسَهُ، وقالَهُ تَنْوِيهًا بِعُلُوِّ قَدْرِ النَّفْعِ المُتَعَدِّي وحَثًّا عَلى مُداوَمَةِ الدُّعاءِ وإنْ أبَوْا وقالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] ثُمَّ قالُوا ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] فَإنَّهم لَمْ يَقُولُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا إلّا ذُكِرَتْ أجْوِبَتُهُ الشّافِيَةُ الكافِيَةُ فانْدَفَعَتْ جَمِيعُ الشُّبَهاتِ وزالَتْ غَياهِبُ الضَّلالاتِ، فَصارَ تَحْذِيرُ الدُّعاءِ مَوْضِعًا لِلْقَبُولِ ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا﴾ أيْ مِن جِهَةِ القَوْلِ ﴿مِمَّنْ دَعا﴾ وحَدُّ الضَّمِيرِ دَلالَةٌ عَلى قِلَّةِ هَذا الصِّنْفِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عَمَّ بِصِفاتِ كَمالِهِ جَمِيعَ الخَلْقِ فَهو يَسْتَعْطِفُ كُلَّ أحَدٍ بِما تَعَرَّفَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِهِ مِن صِفاتِهِ ﴿وعَمِلَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ عَمِلَ ﴿صالِحًا﴾ في نَفْسِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أمْكَنَ لِدُعائِهِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِصالِحِ نِيَّةٍ أوْ قَوْلًا أوْ عَمَلًا لِلْجَوارِحِ الظّاهِرَةِ سِرًّا كانَ أوْ عَلَنًا، ولِذا حَذَفَ المَوْصُوفَ لِئَلّا يُوهِمَ تَقَيُّدَهُ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ ولِلْإغْناءِ عَنْها بِقَوْلِهِ ”دَعا“ بِخِلافِ ما كانَ سِياقُهُ لِلتَّوْبَةِ كَآيَةِ الفُرْقانِ أوِ اعْتِقادِ الحَشْرِ كَآيَةِ الكَهْفِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن إظْهارِ العَمَلِ لِيَكُونَ شاهِدًا عَلى صِحَّةِ الِاعْتِقادِ وكَمالِ التَّوْبَةِ، والدُّعاءُ هُنا مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ ﴿وقالَ﴾ مُؤَكِّدًا (p-١٨٧)عِنْدَ المُخالِفِ والمُؤالِفِ قاطِعًا لِطَمَعِ المُفْسِدِ فِيهِ: ﴿إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في صِفَةِ الإسْلامِ مُتَظاهِرًا بِذَلِكَ لا يَخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ وإنْ سَمّاهُ أبْناءُ زَمانِهِ كَذا جافِيًا وغَلِيظًا عاسِيًا لِتَصَلُّبِهِ في مُخالَفَتِهِ إيّاهم فِيما هم عَلَيْهِ بِتَسَهُّلِهِ في انْقِيادِهِ لِكُلِّ ما أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ سُبْحانَهُ.
41:34Page 480
وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤
And not equal are the good deed and the bad. Repel [evil] by that [deed] which is better; and thereupon, the one whom between you and him is enmity [will become] as though he was a devoted friend.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ أحْسَنُ قَوْلًا مِنهُ، بَلْ هو المُحْسِنُ وحْدَهُ، فَلا يَسْتَوِي هَذا المُحْسِنُ وغَيْرُهُ أصْلًا، رَدًّا عَلَيْهِمْ أنَّ حالَهم أحْسَنُ مِن حالِ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ، وكانَ القِيامُ بِتَكْمِيلِ الخَلْقِ يَحْتاجُ إلى جِهادٍ لِلنَّفْسِ عَظِيمٍ مِن تَحَمُّلِ المَشاقِّ والصَّبْرِ عَلى الأذى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الأخْلاقِ، عَطَفَ عَلَيْهِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ عَمَلَيْهِما تَرْغِيبًا في الحَسَناتِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي﴾ أيْ وإنِ اجْتَهَدْتَ في التَّحْرِيرِ والِاعْتِبارِ ﴿الحَسَنَةُ﴾ أيْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى أفْرادِ جِنْسِها ولا بِالنِّسْبَةِ إلى عامِلِيها عِنْدَ وحْدَتِها، لِتَفاوُتِ الحَسَناتِ في أنْفُسِها، والحَسَنَةُ الواحِدَةُ بِاعْتِبارِ نِيّاتِ العامِلِينَ لَها واجْتِهادِهِمْ فِيها ولا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها، وإلى ذَلِكَ إشارَةٌ بِالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا السَّيِّئَةُ﴾ أيْ في نَفْسِها ولا بِالنِّسْبَةِ إلى جِنْسٍ آخَرَ. (p-١٨٨)ولَمّا أنْتَجَ هَذا الحَثَّ عَلى الإقْبالِ عَلى الحُسْنِ والإعْراضِ عَنِ السَّيِّئِ، وأفْهَمَ أنَّ كُلًّا مِنَ القِسْمَيْنِ مُتَفاوِتُ الجُزْئِيّاتِ مُتَعالِي الدَّرَجاتِ، وكانَ الإنْسانُ لا يَنْفَكُّ عَنْ عَوارِضَ تَحْصُلُ لَهُ مِنَ النّاسِ ومِن نَفْسِهِ يَحْتاجُ إلى دَفْعِ بَعْضِها، أنْتَجَ عِنْدَ قَصْدِ الأعْلى فَقالَ: ﴿ادْفَعْ﴾ أيْ كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّكَ مِن نَفْسِكَ ومِنَ النّاسِ ﴿بِالَّتِي﴾ أيِ الخِصالِ والأحْوالِ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ عَلى قَدْرِ الإمْكانِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ فالعَفْوُ عَنِ المُسِيءِ حَسَنٌ، والإحْسانُ أحْسَنُ مِنهُ ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ قَدْ مَلَأتْ ما بَيْنَ البَيْنَيْنِ فاجَأتْهُ حالَ كَوْنِهِ ﴿كَأنَّهُ ولِيٌّ﴾ أيْ قَرِيبٌ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ ﴿حَمِيمٌ﴾ أيْ في غايَةِ القُرْبِ لا يَدَعُ مُهِمًّا إلّا قَضاهُ وسَهَّلَهُ ويَسَّرَهُ، وشَفا عِلَلَهُ، وقَرَّبَ بَعِيدَهُ، وأزالَ دَرَنَهُ، كَما يُزِيلُ الماءُ الحارُّ الوَسَخَ.
41:35Page 480
وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥
But none is granted it except those who are patient, and none is granted it except one having a great portion [of good].
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الخَصْلَةُ أُمًّا جامِعًا لِجَمِيعِ مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا قالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظِيمِ فَضْلِها وبَدِيعِ نُبْلِها حاثًّا عَلى الِاسْتِظْلالِ بِجَمِيعِ ظِلِّها مُشِيرًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى أنَّها هي العُمْدَةُ المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ عَلى وجْهٍ مُنَبِّهٍ عَلى أنَّها مُخالَفَةٌ لِجِبِلَّةِ الإنْسانِ حَثًّا عَلى الرَّغْبَةِ في طَلَبِها مِن (p-١٨٩)واهِبِها ﴿وما يُلَقّاها﴾ أيْ يَجْعَلُ لاقِيًا لِهَذِهِ الخَصْلَةِ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الإساءَةِ بِأحْسَنِ الحُسْنِ وهو الإحْسانُ الَّذِي هو أحْسَنُ مِنَ العَفْوِ والحِلْمِ والصَّبْرِ والِاحْتِمالِ بِأنْ يُعَلِّقَ اللَّهُ تَعالى إرادَتَهُ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ والمُبالَغَةِ بِإلْقائِها إلَيْهِ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ وُجِدَتْ مِنهم هَذِهِ الحَقِيقَةُ ورَكَزَتْ في طِباعِهِمْ، فَصارُوا يَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْتَمِلُونَ المَكارِهَ، وكَرَّرَ إظْهارَ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلَيْها أصْلًا إلّا بِتَوْفِيقِ الخالِقِ بِأمْرٍ وطَنِيٍّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في القَلْبِ قَذْفًا وحْيًا تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ عَلى سائِرِ البَدَنِ، فَقالَ دالًّا بِإعادَةِ النّافِي عَلى زِيادَةِ العِظَمِ وعَلى أنَّ أصْحابَ هَذِهِ الخَصْلَةِ عَلى رُتْبَتَيْنِ كُلُّ رُتْبَةٍ مِنهُما مَقْصُودَةٌ في نَفْسِها ﴿وما يُلَقّاها﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلا﴾ وأفْرَدَ هُنا بَعْدَ جَمْعِ الصّابِرِ دَلالَةً عَلى نُدْرَةِ المُسْتَقِيمِ عَلى هَذِهِ لِخَصْلَةٍ ﴿ذُو حَظٍّ﴾ أيْ نَصِيبٍ وقِسْمٍ وبَخْتٍ ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ جَلِيلٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ النّاسِ.
41:36Page 480
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٦
And if there comes to you from Satan an evil suggestion, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ لَقِيتَ ذَلِكَ وأعاذَكَ اللهُ مِنَ الشَّيْطانِ فَأنْتَ أنْتَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ المُفْهِمَةِ لِجَوازِ وُقُوعِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ إشارَةً إلى رُتْبَةِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ وإلى أنَّ الشَّيْطانَ يَتَوَهَّمُ مَعَ عِلْمِهِ بِالعِصْمَةِ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ فَيُعَلِّقُ أمَلَهُ بِهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أكَّدَ لِأنَّ نَزْغَهُ لَهُ في مَحَلِّ الإنْكارِ ﴿وإمّا﴾ ولَمّا كانَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ تَبْعَثُ عَلى ما (p-١٩٠)لا يَنْبَغِي، وكانَ العاقِلُ لا يَفْعَلُ ما لا يَنْبَغِي إلّا بِالإلْجِاءِ، شَبَّهَ المُتَعاطِي لَهُ بِالمَنخُوسِ الَّذِي حَمَلَهُ النَّخْسُ عَلى ارْتِكابِ ما يَضُرُّ فَقالَ: ﴿يَنْـزَغَنَّكَ﴾ أيْ يَنْخَسَنَّكَ ويَطْعَنَنَّكَ طَعْنًا مُفْسِدًا فَيَحْصُلُ لَكَ تَألُّمٌ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ البَعِيدِ مِنَ الرَّحْمَةِ المُحْتَرِقِ بِاللَّعْنَةِ. ولَمّا كانَ المَقامُ خَطَرًا لِأنَّ الطَّبْعَ مُساعِدٌ لِلْوَسْواسِ، جَعَلَ النَّزْغَ نَفْسَهُ نازِغًا إشارَةً إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿نَـزْغٌ﴾ أيْ وسْوَسَةٌ تَحَرَّكَ نَحْوَ المُوَسْوَسِ مِن أجْلِهِ وتَبْعَثُ إلَيْهِ بَعْثَ المَنخُوسِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُوَجَّهُ إلَيْها، فَإنْ يَنْبَعِثْ إلى تِلْكَ الجِهَةِ بِعَزْمٍ عَظِيمٍ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيِ اسْتَجْرِ بِالمَلِكِ الأعْلى واطْلُبْ مِنهُ الدُّخُولَ في عِصْمَتِهِ مُبادِرًا إلى ذَلِكَ حِينَ نَخَسَ بِالنَّزْغَةِ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإعاذَةِ مِنهُ غَيْرُهُ ولا تَذَرُ النَّزْغَةَ تَتَكَرَّرُ بَلِ ارْجِعْ إلى المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً في أوَّلِ الخَطِرَةِ، فَإنَّكَ إنْ لَمْ تُخالِفْ أوَّلَ الخَطِرَةِ صارَتْ فِكْرَةً فَيَحْصُلُ العَزْمُ فَتَقَعُ الزَّلَّةُ فَتَصِيرُ قَسْوَةً فَيَحْصُلُ التَّمادِي - نَبَّهَ عَلَيْهِ القُشَيْرِيُّ.
ولَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ هُنا مِنَ الشَّيْطانِ، وكانَ نَزْغُهُ مِمّا يُعْلَمُ لا مِمّا يُرى وكانَتْ صِفَةُ السَّمْعِ نِعْمَ ما يُرى وما لا يُرى، قالَ مُؤَكِّدًا لِوُقُوفِ الجامِدِينَ مَعَ الظَّواهِرِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿العَلِيمُ﴾ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ مِنِ اسْتِعاذَتِكَ وغَيْرِها، (p-١٩١)ويَعْلَمُ كُلَّ مَعْلُومٍ مِن نَزْغِهِ وغَيْرِهِ، فَهو القادِرُ عَلى رَدِّ كَيْدِهِ، وتَوْهِينِ أمْرِهِ وأيَّدَهُ، ولَيْسَ هو كَما جَعَلْتُمُوهُ لَهُ مِنَ الأنْدادِ الصُّمِّ البُكْمِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا.
41:37Page 480
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ٣٧
And of His signs are the night and day and the sun and moon. Do not prostrate to the sun or to the moon, but prostrate to Allāh, who created them, if it should be Him that you worship.1
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ أنْدادًا مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ أحْسَنَ الحَسَنِ الدُّعاءُ إلى اللَّهِ، وخَتَمَ الأمْرَ بِالدُّعاءِ بِصِفَةِ العِلْمِ، أتْبَعَهُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ إعْلامًا بِأنَّ التَّوْحِيدَ أحْسَنُ الحَسَنِ يَطْرُدُ كُلَّ شَيْءٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ تَنْوِيرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى الذّاتِ والصِّفاتِ، وذَلِكَ بِبَيانِ الأفْعالِ وآثارِها وهو العالَمُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ جَوْهَرًا وعَرَضًا، وبَدَأ بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ لِأنَّها أدَلُّ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمِن آياتِهِ النّاشِئَةِ عَنْ شُمُولِ عِلْمِهِ المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ قُدْرَتِهِ المُنْتِجَةِ لِإعادَتِهِ لِمَن يُرِيدُ ونُفُوذِ تَصَرُّفِهِ في كُلِّ ما يَشاءُ المُسْتَلْزِمُ لِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ أنَّهُ خَلَقَ الخافِقِينَ كَما مَضى في سِتَّةِ أيّامٍ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ:
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
ولَمّا كانَتِ الظُّلْمَةُ عَدَمًا والنُّورُ وُجُودًا والعَدَمُ مُقَدَّمٌ قالَ: ﴿اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ أيِ الدّالّانِ بِاخْتِلافِهِما وهَيْئَتِهِما عَلى قُدْرَتِهِ عَلى (p-١٩٢)البَعْثِ وعَلى كُلِّ مَقْدُورٍ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ اللَّذانِ هُما اللَّيْلُ والنَّهارُ كالرُّوحِ لِذَوِي الأجْسادِ، وهَذِهِ المَوْجُوداتُ - مَعَ ما مَضى مِن خَلْقِ الخافِقِينَ - كِتابُ المَلِكِ الدَّيّانِ، إلى الإنْسِ والجانِّ، المَشْهُودِ لَهم بِالعِيانِ كَما قِيلَ يا إنْسانُ:
؎تَأمَّلْ سُطُورَ الكائِناتِ فَإنَّها ∗∗∗ مِنَ المَلِكِ الأعْلى إلَيْكَ رَسائِلُ
؎وقَدْ خَطَّ فِيها لَوْ تَأمَّلْتَ خُطَّةً ∗∗∗ إلا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهُ باطِلٌ
ولَمّا ثَبَتَ لَهُ سُبْحانَهُ التَّفَرُّدُ بِالخَلْقِ والأمْرِ، وكانَ باطِنًا إلّا مِن نُورِ اللهِ أوْ كانَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ مِن آياتِهِ المُعَرَّفَةِ المُشِيرَةِ في وُجُودِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلَيْهِ، وكانا مُشاهَدَيْنِ، وكانَ الإنْسانُ قاصِرَ العَقْلِ مُقَيَّدَ الوَهْمِ بِالمُشاهَداتِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّواغِلِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُحَذِّرًا مِن عِبادَتِهِما لِما يَرى لَهُما مِنَ البَهاءِ وفِيهِما مِنَ المَنافِعِ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ الَّتِي هي أعْظَمُ أوْثانِكم فَإنَّها مِن جُمْلَةِ مُبْدِعاتِهِ، وأعادَ النّافِي تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ وإفادَةً لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما عَلى حِدَتِهِ ولِذَلِكَ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ فَقالَ: ﴿ولا لِلْقَمَرِ﴾ كَذَلِكَ.
ولَمّا نَهى عَنِ السُّجُودِ لَهُما، أمَرَ بِالسُّجُودِ بِما يُبَيِّنُ اسْتِحْقاقَهُ لِذَلِكَ (p-١٩٣)وعَدَمُ اسْتِحْقاقِهِما أوِ اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ غَيْرِهِما لَهُ فَقالَ: ﴿واسْجُدُوا﴾ ونَبَّهَ عَلى مَزِيدِ عَظَمَتِهِ بِالإظْهارِ مَوْضِعِ الإضْمارِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ مِن غَيْرِ شائِبَةِ نَقْصٍ مِن أقْوِلٍ أوْ تَجَدُّدِ حُلُولٍ ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ أيِ الأرْبَعَةِ لِأجْلِكم فَهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ، وأنَّثَ لِأنَّ ما لا يَعْقِلُ حُكْمُهُ حُكْمُ المُؤَنَّثِ في الضَّمِيرِ وهي أيْضًا آياتُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَناهِي سُفُولِها عَمّا أهَّلُوها لَهُ وذَمَّ عابِدِيها بِالإفْراطِ في الغَباوَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَدُّ القَمَرِ أقْمارًا لِأنَّهُ يَكُونُ تارَةً هِلالًا وأُخْرى بَدْرًا وأُخْرى مَحْوًا، فَلِذَلِكَ جَمَعَ إشارَةً إلى قَهْرِهِما بِالتَّغْيِيرِ لَهُ في الجِرْمِ ولَمَّهُما بِالتَّسْيِيرِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ الَّذِي يَكُونُ لِجَمْعِ الكَثْرَةِ مِمّا لا يَعْقِلُ.
ولَمّا ظَهَرَ أنَّ الكُلَّ عَبِيدُهُ، وكانَ السَّيِّدُ لا يَرْضى بِإشْراكِ عَبْدِهِ عَبْدًا آخَرَ في عِبادَةِ سَيِّدِهِ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾ أيْ خاصَّةٍ بِغايَةِ الرُّسُوخِ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ كَما هو صَرِيحُ قَوْلِكم في الدُّعاءِ في وقْتِ الشَّدائِدِ لا سِيَّما في البَحْرِ، ومُحَصِّلُ قَوْلِكم ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فَإنْ أشْرَكْتُمْ بِهِ شَيْئًا بِسُجُودٍ أوْ غَيْرِهِ فَما خَصَصْتُمُوهُ بِالعِبادَةِ لِأنَّ السُّجُودَ (p-١٩٤)مِنَ العِبادَةِ وفِعْلِهِ ولَوْ في وقْتٍ واحِدٍ لِغَيْرِهِ إشْراكٌ في الجُمْلَةِ، ومَن أشْرَكَ بِهِ لَمْ يَعْبُدْهُ وحْدَهُ، ومَن لَمْ يَعْبُدْهُ وحْدَهُ لَمْ يَعْبُدْهُ أصْلًا، لِأنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ، لا يَقْبَلُ إلّا الخالِصَ وهو أقْرَبُ إلى عِبادِهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَيُوشِكُ أنْ يَنْتَقِمَ بِإشْراكِكُمْ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى صِيانَةِ الآدَمِيِّينَ عَنْ أنْ يَقَعَ مِنهم سُجُودٌ لِغَيْرِهِ رَفْعًا لِمَقامِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا ساجِدِينَ لِمَخْلُوقٍ بَعْدَ أنْ كانُوا مَسْجُودًا لَهُمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ بَعْدَهم بِالسُّجُودِ آدَمُ وهم في ظَهْرِهِ فَتَكَبَّرَ اللَّعِينُ إبْلِيسُ، فابْدِ لَعْنَهُ، فَشَتّانَ ما بَيْنَ المَقامَيْنِ.
41:38Page 480
فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩ ٣٨
But if they are arrogant - then those who are near your Lord [i.e., the angels] exalt Him by night and by day, and they do not become weary.
ولَمّا كانُوا في هَذا الأمْرِ بَيْنَ طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وكانَ دَرْءُ المَفاسِدِ مُقَدَّمًا، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ اسْتِكْبارَهم بَعْدَ إقامَةِ هَذِهِ الأدِلَّةِ يَنْبَغِي أنْ لا يَتَوَهَّمُ، وصَرْفُ القَوْلِ إلى الغَيْبَةِ تَحْقِيرًا لَهم وإبْعادًا عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الكِبْرَ عَنِ اتِّباعِكَ فِيما أمَرْتَهم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَلَمْ يُوَحِّدُوا اللهَ ولَمْ يُنَزِّهُوهُ تَعالى عَنِ الشَّرِيكِ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإصْخارِ مُعَبِّرًا بِوَصْفِ الإحْسانِ بِشارَةً لَهُ ونِذارَةً لَهم ﴿رَبِّكَ﴾ خاصَّةً لا عِنْدَهم لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ في دَرَجَةِ الرِّضاءِ والكَرامَةِ ولِكَوْنِهِمْ مِمّا يَسْتَغْرِقُ (p-١٩٥)بِهِ الآدَمِيُّونَ ولِكَوْنِ الكُفّارِ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الوُصُولِ إلَيْهِمْ بِوَجْهٍ: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ أيْ يُوقِعُونَ التَّنْزِيهَ عَنِ النَّقائِصِ ويَبْعُدُونَ عَنِ الشَّرِكَةِ لِأجْلِ عُلُوِّهِ الأقْدَسِ وعِزِّهِ الأكْبَرِ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ إخْلاصًا في عِبادَتِهِ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ.
ولَمّا كانَ حالُ الكُفّارِ في الإخْلاصِ مُخْتَلِفًا في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، أشارَ إلى تَقْبِيحِ ذَلِكَ مِنهم بِتَعْمِيمِ خَواصِّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإخْلاصِ حالَتَيِ الإثْباتِ الَّذِي هو حالَةُ بَسْطٍ في الجُمْلَةِ، والمَحْوِ الَّذِي هو حالَةُ قَبْضٍ كَذَلِكَ يُجَدِّدُونَ هَذا التَّنْزِيهَ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ فَقالَ: ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ عَلى مَرِّ المَلَوَيْنِ وكَرِّ الجَدِيدَيْنِ لا يَفْتُرُونَ. ولَمّا كانَ في سِياقِ الفَرْصِ لِاسْتِكْبارِهِمُ المُقْتَضِي لِإنْكارِهِمْ، أكَّدَ بِالعاطِفِ والضَّمِيرِ فَقالَ مُؤْذِنًا بِأنَّ هَذا دَيْدَنُهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم عَلى هَذا الدَّوامِ ﴿لا يَسْأمُونَ﴾ أيْ لا يَكادُ لَهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فُتُورٌ ولا مَلَلٌ، فَهو غَنِيٌّ عَنْ عِبادَةِ هَؤُلاءِ بَلْ وعَنْ عِبادَةِ كُلِّ عابِدٍ، والحَظُّ الأوْفَرُ لِمَن عِنْدُهُ وأمّا هو سُبْحانَهُ فَلا يَزِيدُهُ شَيْئًا ولا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ فَدَعْ هَؤُلاءِ أنِ اسْتَكْبَرُوا وشَأْنَهُمْ، فَيَعْلَمُونَ مَنِ الخاسِرُ، فالآيَةُ (p-١٩٦)مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاسْتِكْبارَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا والتَّسْبِيحُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ أقْبَحَ ما لِأعْدائِهِ وأحْسَنَ ما لِأوْلِيائِهِ.
41:39Page 481
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
And of His signs is that you see the earth stilled, but when We send down upon it rain, it quivers and grows. Indeed, He who has given it life is the Giver of Life to the dead. Indeed, He is over all things competent.
ولَمّا ذَكَرَ بَعْضَ آياتِ السَّماءِ لِشَرَفِها، ولِأنَّ بَعْضَها عُبِدَ، ومِن آثارِ الإلَهِيَّةِ، فَذَكَرَ دَلالَتَها عَلى وحْدانِيَّتِهِ اللّازِمُ مِنهُ إبْطالُ عِبادَتِها، أتْبَعَهُ بَعْضَ آياتِ الأرْضِ بِخِلافِ ما في يس، فَإنَّ السِّياقَ هُناكَ لِلْبَعْثِ وآياتُ الأرْضِ أدُلُّ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ ﴿أنَّكَ تَرى الأرْضَ﴾ أيْ بَعْضُها بِحاسَّةِ البَصَرِ وبَعْضُها بِعَيْنِ البَصِيرَةِ قِياسًا عَلى ما أبْصَرَتْهُ، لِأنَّ الكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى القُدْرَةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْوَحْدانِيَّةِ، عَبَّرَ بِما هو أقْرَبُ إلى حالِ العابِدِ بِخِلافِ ما مَضى في الحَجِّ فَقالَ: ﴿خاشِعَةً﴾ أيْ يابِسَةً لا نَباتَ فِيها فَهي بِصُورَةِ الذَّلِيلِ الَّذِي لا مَنعَةَ عِنْدَهُ لِأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ المَشْيِ فِيها لِكَوْنِها مُتَطَأْمِنَةً بَعْدَ السّاتِرِ لِوَجْهِها بِخِلافِ ما إذا كانَتْ مُهْتَزَّةً رابِيَةً مُتَزَخْرِفَةً تَخْتالُ بِالنَّباتِ. (p-١٩٧)ولَمّا كانَ إنْزالُ الماءِ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، فَهو مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى عَظَمَةِ الواحِدِ، صَرَفَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿فَإذا أنْـزَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعَظَمَةِ ﴿عَلَيْها الماءَ﴾ مِنَ الغَمامِ أوْ سُقْناهُ إلَيْها مِنَ الأماكِنِ العالِيَةِ وجَلَبْنا بِهِ إلَيْهِ مِنَ الطِّينِ ما تَصْلُحُ بِهِ لِلنَّباتِ وإنْ كانَتْ سَبْخَةً كَأرْضِ مِصْرَ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً عَظِيمَةً كَثِيرَةً سَرِيعَةً، فَكانَتْ كَمَن يُعالِجُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ﴿ورَبَتْ﴾ أيْ تَشَقَّقَتْ فارْتَفَعَ تُرابُها وخَرَجَ مِنها النَّباتُ وسَما في الجَوِّ مُغَطِّيًا لِوَجْهِها، وتَشَعَّبَتْ عُرُوقُهُ، وغَلُظَتْ سُوقُهُ، فَصارَ يَمْنَعُ سُلُوكَها عَلى ما كانَ فِيهِ مِنَ السُّهُولَةِ، وصارَ بِحُسْنِ زِيِّهِ بِمَنزِلَةِ المُخْتالِ في أثْوابٍ ثَرِيَّةٍ بَعْدَ أنْ كانَ عارِيًا ذَلِيلًا في أطْمارٍ رَثَّةٍ وحالٍ زَرِيءٍ، وكَذَلِكَ القُلُوبُ إذا خَشَعَتْ لِاسْتِشْعارِها بِما ألَمَّتْ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ أقْبَلَ الحَقُّ سُبْحانَهُ عَلَيْها فَطَهَّرَها بِمِياهِ المَعارِفِ فَظَهَرَتْ فِيها بَرَكاتُ النَّدَمِ وعَفا عَنْ أرْبابِها ما قَصَرُوا في صِدْقِ القَدَمِ وأشْرَقَتْ بِحِلى الطّاعاتِ وزَهَتْ بِمَلابِسِ القُرُباتِ، وزَكَتْ بِأنْواعِ التَّجَلِّيّاتِ.
ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا مُشاهَدًا عَلى القُدْرَةِ عَلى إيجادِ المَعْدُومِ، وإعادَةِ البالِي المَحْطُومِ، أنْتَجَ ولا بُدَّ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما هم فِيهِ مِنَ الإنْكارِ صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى ما يُنَبِّهُ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ ولا بُدَّ: (p-١٩٨)﴿إنَّ الَّذِي أحْياها﴾ بِما أخْرَجَ مِن نَباتِها الَّذِي كانَ بِلَيٍّ وتَحَطُّمٍ وصارَ تُرابًا ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ كَما فَعَلَ بِالنَّباتِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ. ولَمّا كانُوا مَعَ إقْرارِهِمْ بِتَمامِ قُدْرَتِهِ كَأنَّهم يُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ قالَ مُعَلِّلًا مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ المُمْكِناتِ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُدْرَةِ، فالقادِرُ قُدْرَةً تامَّةً عَلى شَيْءٍ مِنها قادِرٌ عَلى غَيْرِهِ.
41:40Page 481
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِيٓ ءَامِنٗا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠
Indeed, those who inject deviation into Our verses1 are not concealed from Us. So, is he who is cast into the Fire better or he who comes secure on the Day of Resurrection? Do whatever you will; indeed, He is Seeing of what you do.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللهِ أعْظَمَ المَناصِبِ، وأشْرَفَ المَراتِبِ، وبَيَّنَ أنَّها إنَّما تَحْصُلُ بِبَيانِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي مِنَ أعْظَمِها البَعْثُ، وبَيَّنَهُ إلى أنْ كانَ بِهَذا الحَدِّ مِنَ الوُضُوحِ، كانَ مُجْزِ التَّهْدِيدَ مَن أعْرَضَ عَنْ قَبُولِهِ: فَقالَ في عِبارَةٍ عامَّةٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِعْلَهم فِعْلُ مَن يَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَطَّلِعُ عَلى أعْمالِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ أيْ يَمِيلُونَ بِصَرْفِ المَعانِي عَنِ القَصْدِ وسُنَنِ العَدْلِ بِنَحْوِ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] أوْ يُماحِلُونَ بِاللَّغْوِ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ اللَّغَطِ وكُلِّ ما يَشْمَلُهُ مَعْنى المَيْلِ عَمّا تَصِحُّ إرادَتُهُ.
ولَمّا كانَ الِاجْتِراءُ عَلى الإلْحادِ قادِحًا في الِاعْتِرافِ بِالعَظَمَةِ، أعادَ مَظْهَرَها فَقالَ: ﴿فِي آياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما لَنا (p-١٩٩)مِنَ الوَحْدانِيَّةِ وشُمُولِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ: ولَمّا كانَ العِلْمُ بِالإساءَةِ مَعَ القُدْرَةِ سَبَبًا لِلْأخْذِ، قالَ مُقَرِّرًا لِلْعِلْمِ بَعْدَ تَقْرِيرِ القُدْرَةِ: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ولا وجْهَ مِنَ الوُجُوهِ، ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى أخْذِهِمْ، فَمَتى شِئْنا أخَذْنا، ولا يُعَجِّلُ إلّا ناقِصٌ يَخْشى الفَوْتَ.
ولَمّا كانَ الإلْحادُ سَبَبًا لِإلْقاءِ صاحِبِهِ في النّارِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: ونَحْنُ نَحْلُمُ عَنِ العُصاةِ فَمَن رَجَعَ إلَيْنا أمِنَ كُلَّ مُخَوِّفٍ، ومَن أعْرَضَ إلى المَماتِ ألْقَيْناهُ في النّارِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ﴾ أيْ عَلى وجْهِهِ بِأيْسَرِ أمْرٍ بِسَبَبِ إلْحادِهِ في الآياتِ وإعْراضِهِ عَنِ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ، فَيَكُونُ خائِفًا يَوْمَ القِيامَةِ لِما يُرى مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ حَتّى يَدْهَمَهُ ما خافَ مِنهُ ﴿خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي﴾ إلَيْنا ﴿آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ حِينَ نَجْمَعُ عِبادَنا لِلْعَرْضِ عَلَيْنا لِلْحُكْمِ بَيْنَهم بِالعَدْلِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ دارَ السَّلامِ فَيَدُومُ أمْنُهُ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإلْقاءَ في النّارِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى دُخُولِ الجَنَّةِ ثانِيًا، والأمْنُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الخَوْفِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ المَقْصُودَ بِالذّاتِ، وهو ما وقَعَ الخَوْفُ لِأجْلِهِ أوَّلًا، والأمْنُ الَّذِي هو العَيْشُ في الحَقِيقَةِ ثانِيًا. (p-٢٠٠)ولَمّا كانَ هَذا رادًّا ولا بُدَّ لِلْعاقِلِ عَنْ سُوءِ أعْمالِهِ إلى الإحْسانِ رَجاءَ إنْعامِ اللهِ وإفْضالِهِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُهَدِّدًا ومُخَوِّفًا ومُتَوَعِّدًا صارِفًا القَوْلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الغَضَبِ عَلى التَّمادِي بَعْدَ هَذا البَيانِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ أيْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَصِيرَ المُسِيءِ والمُحْسِنِ، فَمَن أرادَ شَيْئًا مِنَ الجَزاءَيْنِ فَلْيَعْمَلْ أعْمالَهُ، فَإنَّهُ مُلاقِيهِ. ولَمّا كانَ العامِلُ لا يَطْمَعُ في الإهْمالِ إلى عَلى تَقْدِيرِ خَفاءِ الأعْمالِ، والمَعْمُولِ لَهُ لا يَتْرُكُ الجَزاءَ إلّا لِجَهْلٍ أوْ عَجْزٍ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُحِيطُ العِلْمِ عالِمٌ بِمَثاقِيلِ الذَّرِّ فَقالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا مُؤَكِّدًا لِأنَّهم يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ أعْمالَهُ تَخْفى، عادِلًا عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى ما هو أدَلُّ شَيْءٍ عَلى الفَرْدانِيَّةِ، لِئَلّا يَظُنُّ أنَّ مَزِيدَ العِلْمِ بِواسِطَةٍ كَثِيرَةٍ: ﴿إنَّهُ﴾ وقَدَّمَ أعْمالَهم تَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها جِدًّا فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ في كُلِّ وقْتٍ ﴿بَصِيرٌ﴾ بَصَرًا وعِلْمًا، فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنكم قَدِيرٌ.
41:41Page 481
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١
Indeed, those who disbelieve in the message [i.e., the Qur’ān]1 after it has come to them...2 And indeed, it is a mighty3 Book.
ولَمّا جَعَلَ إلَيْهِمُ الِاخْتِيارَ في العَمَلِ تَهْدِيدًا، أتْبَعَهُ الإخْبارُ بِما لِمَن خالَفَهُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ مَضامِينَ ما دَخَلَ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا مُرائِيَ العُقُولِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ مُكَذِّبِينَ (p-٢٠١)﴿بِالذِّكْرِ﴾ الَّذِي لا ذِكْرَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ أصْلًا فَدَلَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى غايَةِ العِنادِ ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿لَكِتابٌ﴾ أيْ جامِعٍ لِكُلِّ خَيْرٍ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ لا يُوجَدُ مِثْلُهُ فَهو يَغْلِبُ كُلَّ ذِكْرٍ ولا يَغْلِبُهُ ذِكْرٌ ولا يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ، ويُعْجِزُ كُلَّ مُعارِضٍ ولا يَعْجَزُ أصْلًا عَنْ إقْعادِ مُناهِضٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences