Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:6–12
42:6Page 483
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ٦
And those who take as allies other than Him - Allāh is [yet] Guardian over them; and you, [O Muḥammad], are not over them a manager -
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ تَوَلَّوْهُ وماتُوا في وِلايَتِهِ فَهو يَغْفِرُ ذُنُوبَهم بِمَعْنى أنَّهُ يُزِيلُها عَيْنًا وأثَرًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أيْ عالَجُوا فِطَرَهُمُ الأُولى وعُقُولَهم حَتّى أخَذُوا ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتْبَتِهِ ﴿أوْلِياءَ﴾ يَعْبُدُونَهم كالأصْنامِ وكُلُّ مَنِ اتَّبَعَ هَواهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَقَدِ اتَّخَذَ الشَّيْطانَ الآمِرَ لَهُ بِذَلِكَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ.
ولَمّا كانَ ما فَعَلُوهُ عَظِيمُ البَشاعَةِ، اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى جَزائِهِمْ عَلَيْهِ فَأخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى وُضُوحِ ضَلالِهِمْ وعِظَمِ تَهْدِيدِهِمْ مُعَرِّيًا لَهُ عَنِ الفاءِ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ أنَّ الحِفْظَ مُسَبِّبٌ عَنِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ عادِلًا إلى التَّعْبِيرِ بِالجَلالَةِ تَعْظِيمًا لِما في الشِّرْكِ مِنَ الظُّلْمِ وتَغْلِيظًا لِما يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ مِنَ الزَّجْرِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ رَقِيبٌ وراعٍ وشَهِيدٌ عَلى أعْمالِهِمْ، لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، فَهو إنْ شاءَ أبْقاهم عَلى كُفْرِهِمْ وجازاهم عَلَيْهِ بِما أعَدَّهُ لِلْكافِرِينَ، وإنْ شاءَ تابَ عَلَيْهِمْ ومَحا ذَلِكَ عَيْنًا وأثَرًا، فَلَمْ يُعاقِبْهم ولَمْ يُعاتِبْهُمْ، وإنْ شاءَ مَحاهُ عَيْنًا وأبْقى الأثَرَ حَتّى يُعاتِبَهم ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ حَتّى (p-٢٤٨)يُلْزِمُكَ أنْ تُراعِيَ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَتَحْفَظُها وتَقْسِرُهم عَلى تَرْكِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الوَكِيلُ مِمّا يَقُومُ فِيهِ مَقامَ المُوَكِّلِ سَواءٌ قالُوا ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] أوْ قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] أوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
42:7Page 483
وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ ٧
And thus We have revealed to you an Arabic Qur’ān that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it1 and warn of the Day of Assembly, about which there is no doubt. A party will be in Paradise and a party in the Blaze.
ولَمّا كانَ الإيحاءُ السّابِقُ أوَّلَ السُّورَةِ لِلْبُشْرى لِأنَّها المَقْصُودُ بِالذّاتِ وكانَتِ البُشْرى مُقْتَضِيَةً تَلْوِيحًا ورَمْزًا بِالأحْرُفِ المُقَطِّعَةِ لِاجْتِماعِ أهْلِ الدَّيْنِ وغَلَبَتِهِمْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ وأنَّ دِينَهم يَعُمُّ سائِرَ الأُمَمِ ويُحِيطُ بِجَمِيعِ الخَلْقِ، ولا يُرِيدُ أحَدٌ بِأهْلِهِ سُوءًا إلّا كانَ لَهُ فِيهِ رِفْعَةً كَما مَضى بَيانُهُ، وكانَتْ رَمْزًا لِأنَّ المَقامَ لِلنَّذارِ بِما تَشْهَدُ بِهِ السُّورَةُ الماضِيَةُ، وكانَ المُرادُ بِها التَّكْرارَ حَتّى لا تَزالَ لَذاذَتُها في أُذُنِ المُبَشِّرِ وحَلاوَتُها في قَلْبِهِ، ذَكَرَها بِلَفْظِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكْرارِ والحُدُوثِ والِاسْتِمْرارِ، وكانَ المُتَعَنِّتُ رُبَّما حَمَلَهُ لَهُ عَلى الوَعْدِ بِالإيحاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وكانَ العاقِلُ يَكْفِيهِ في النَّذْرى مَرَّةً واحِدَةً فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي الدّالِّ عَلى الإمْضاءِ والقَطْعِ والقَضاءِ الحَتْمِ في كُلٍّ مِنَ الإيحاءِ وفائِدَتِهِ الَّتِي هي الإنْذارُ، عاطِفًا عَلى ما يَتَّصِلُ بِالآيَةِ السّالِفَةِ المَخْتُومَةِ (p-٢٤٩)بِنَفْيِ الوَكالَةِ مِمّا تَقْدِيرُهُ: إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ، وقَدْ أوْحَيْنا إلَيْكَ البِشارَةَ رَمْزًا، كَما جَرَتْ بِهِ عادَةُ الأحْبابِ في مُحاوَراتِ الخِطابِ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِأنَّ الإنْذارَ مِن مَجازِهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الإيحاءِ الَّذِي قَدَّمْنا أنا حَبَوْناكَ بِهِ مِن وحْيِ الإشارَةِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ ﴿أوْحَيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مَعَ الفَرْقِ بَيْنَ كُلِّ مُلْبِسٍ ﴿إلَيْكَ قُرْآنًا﴾ جامِعًا لِكُلِّ حِكْمَةٍ ﴿عَرَبِيًّا﴾ فَهو بَيِّنُ الخِطابِ واضِحُ الصَّوابِ مُعْجِزُ الجَنابِ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أيْ بِهِ ﴿أُمَّ القُرى﴾ مَكَّةُ الَّتِي هي أُمُّ الأرْضِ وأصْلُها، مِنها دَحَيْتُ ولِشَرَفِها أُوقِعَ الفِعْلُ عَلَيْها، عَدا لَها عِدادَ العُقَلاءِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أهْلُها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن﴾ أيْ وتُنْذِرُ مَن ﴿حَوْلَها﴾ وهم سُكّانُ جَمِيعِ الأرْضِ الَّتِي هي أُمُّها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ البَغَوِيُّ فَقالَ: قُرى الأرْضِ كُلُّها، وكَذا القُشَيْرِيُّ وقالَ: العالِمُ مُحَدِّقٌ بِالكَعْبَةِ ومَكَّةَ لِأنَّها سِرَةُ الأرْضِ.
ولَمّا كانَ مَفْعُولُ ”تُنْذِرُ“ الثّانِي عَلى ما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ ما عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ والقُرُونُ الماضِيَةُ حِينَ تَمادى بِهِمُ الكُفْرُ وغَلَبَ عَلَيْهِمُ الظُّلْمُ في اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وتُنْذِرَ﴾ أيْ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها مَعَ عَذابِ الأُمَمِ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيْ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ بِبَعْثِهِمْ مِنَ المَوْتِ، حَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ مِنَ الشِّقِّ الثّانِي، (p-٢٥٠)والمَفْعُولَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ المُنْذِرِينَ أوَّلًا دَلالَةً عَلى إرادَتِها ثانِيًا، وذَكَرَ المُنْذِرَ بِهِ وهو يَوْمُ الجَمْعِ ثانِيًا دَلالَةً عَلى المُنْذِرِ بِهِ مِن عَذابِ الأُمَمِ أوَّلًا، لِيَذْهَبَ بِهِ الوَهْمُ في المَحْذُوفِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَكُونُ أهْوَلَ، وذِكْرُ هَذا المَذْكُورِ أفْخَمُ وأوْجَلُ.
ولَمّا كانَ الإنْذارُ - وهو الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ - تارَةً يَكُونُ عَمّا لا عِلْمَ بِهِ، وهو الأغْلَبُ، وتارَةً عَمّا وقَعَ العَمَلُ بِهِ ثُمَّ خالَفَ المُنْذِرَ بِهِ عِلْمَهُ فَعَمِلَ أعْمالَ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ هَذا مِنَ القِسْمِ الثّانِي بِقَوْلِهِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ قَدْ رَكَّزَ في فِطْرَةِ كُلِّ أحَدٍ أنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَعْمَلَ عَبِيدَهُ في شَيْءٍ ثُمَّ تَظالَمُوا فَلا بُدَّ لَهُ بِما تَقْتَضِيهِ السِّياسَةُ مِن جَمْعِهِمْ لِيُنْصِفَ بَيْنَهم وإلّا عُدَّ سَفِيهًا، فَما ظَنُّكَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ.
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَفْعَلُ في جَمْعِهِمْ، وكانَ الثَّقَلانِ لِما طُبِعُوا عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ أهْلَ فِرْقَةٍ وطُغْيانٍ، ذَكَرَ نِهايَتَهُ مُعَبِّرًا بِما هو مِنَ الفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ مَسُوغًا الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ لِلتَّفْصِيلِ أوْ تَقْرِيرِ الوَصْفِ: ﴿فَرِيقٌ﴾ أيْ مِنَ المَجْمُوعَيْنِ أهْلِ فِرْقَةٍ تَدارَكَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهم أهْلَ (p-٢٥١)جَمْعٍ ﴿فِي الجَنَّةِ﴾ فَضْلًا مِنهُ وهُمُ الَّذِينَ قَبِلُوا الإنْذارَ وبالَغُوا في الحِذارِ ﴿وفَرِيقٌ﴾ أيْ مِنهم خَذَلَهُمُ اللهُ ووَكَلَهم إلى أنْفُسِهِمْ فَزادُوا في الفِرْقَةِ ﴿فِي السَّعِيرِ﴾ عَدْلًا مِنهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: كَما أنَّهم في الدُّنْيا فَرِيقانِ: فَرِيقٌ في دَرَجاتِ الطّاعَةِ وحَلاواتِ العِباداتِ، وفَرِيقٌ في ظُلُماتِ الشِّرْكِ وعُقُوباتِ الجَحْدِ والشَّكِّ، فَلِذَلِكَ غَداهم فَرِيقانِ: فَرِيقٌ هم أهْلُ اللِّقاءِ، وفَرِيقٌ هم أهْلُ البَلاءِ والشَّقاءِ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ وفي يَدِهِ كِتابانِ فَقالَ: ”أتَدْرُونَ ما هَذانَ الكِتابانِ؟ قالَ: قُلْنا لا، إلّا أنْ تُخْبِرَنا يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ لِلَّذِي في يَدِهِ اليُمْنى: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ بِأسْماءِ أهْلِ الجَنَّةِ وأسْماءِ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ، ولا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ لِلَّذِي في يَسارِهِ: هَذا كِتابُ أهْلِ النّارِ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ، لا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: فَلِأيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ إنْ كانَ هَذا أمْرًا قَدْ فَرَغَ مِنهُ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ الجَنَّةِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ وإنْ صاحَبَ النّارَ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ النّارِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، قالَ بِيَدِهِ (p-٢٥٢)فَقَبَضَها، ثُمَّ قالَ: فَرَغَ رَبُّكم عَزَّ وجَلَّ مِنَ العِبادِ، ثُمَّ قالَ بِاليُمْنى فَنَبَذَ بِها فَقالَ: فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، ونَبَذَ بِاليُسْرى فَقالَ: فَرِيقٌ في السَّعِيرِ“»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا رَواهُ النِّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ جَمِيعًا، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
42:8Page 483
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ٨
And if Allāh willed, He could have made them [of] one religion, but He admits whom He wills1 into His mercy. And the wrongdoers have not any protector or helper.
ولَمّا كانَ مُلُوكُ الدُّنْيا غالِبًا لا يُرِيدُونَ أنْ يُعْصى أمْرُهُمْ، فَإذا حَذَّرُوا مِن شَيْءٍ أرادُوا أنْ لا يَقْرُبَ، فَإنْ فَعَلَهُ أحَدٌ كانَ فِعْلُهُ لَهُ خارِجًا عَنْ مُرادِهِمْ، فَكانَتْ عُقُوبَتُهم لَهُ لِخُرُوجِهِ عَنِ المُرادِ شِفاءً لِما حَصَلَ لَهم مِن داءِ الغَيْظِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ مُرادِهِ، وعَنْ أنْ يَلْحَقَهُ نَفْعٌ بِطاعَةٍ أوْ ضُرٍّ بِمَعْصِيَةٍ، وإنَّ عُقُوبَتَهُ إنَّما هي عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ مَعَ الدُّخُولِ تَحْتَ مُرادِهِ بِإلْجائِهِ وقَسْرِهِ، وهَذا في نَفْسِ الأمْرِ، وأمّا في الظّاهِرِ فالأمْرُ أنْ لا يَظْهَرَ أنَّهُ لِشَيْءٍ مِنهُما مانِعٌ إلّا صَرْفَ الِاخْتِيارِ، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ اسْتِيفاءً لِإنْذارِ ما هو حَقِيقٌ بِهِ مِنها إلى الِاسْمِ الجامِعِ صِفاتِ العَظَمَةِ وغَيْرِها لِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لَجَعَلَهُمْ﴾ أيِ المَجْمُوعِينَ ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ لِلْعَذابِ أوِ الثَّوابِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ بَلْ شاءَ أنْ يَكُونُوا فَرِيقَيْنِ: مُقْسِطِينَ وظالِمِينَ، لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ وعَدْلُهُ وأنَّهُ إلَهٌ جَبّارٌ واحِدٌ قَهّارٌ، (p-٢٥٣)لا يُبالِي بِأحَدٍ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ إدْخالَهُ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ بِخُلُقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ فَتَكُونُ أفْعالُهم في مَواضِعِها وهُمُ المُقْسِطُونَ، ويُدْخِلُ مَن يَشاءُ في نِقْمَتِهِ بِخَلْقِ الضَّلالِ في قُلُوبِهِمْ فَيَكُونُونَ ظالِمِينَ، فَلا يَكُونُ لَهم فِعْلٌ في حاقَ مَوْضِعُهُ، فالمُقْسِطُونَ ما لَهم مِن عَدُوِّ ولا نَكِيرٍ ﴿والظّالِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الظُّلْمِ الَّذِينَ شاءَ ظُلْمَهم فَيُدْخِلُهم في لَعْنَتِهِ ﴿ما لَهم مِن ولِيٍّ﴾ يَلِي أُمُورَهم فَيَجْتَهِدُ في إصْلاحِها ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ يَنْصُرُهم مِنَ الهَوانِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ وهو ظاهِرُ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى اللَّعْنَةِ ثانِيًا والظُّلْمِ وما مَعَهُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى أضْدادِهِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ في أهْلِ السَّعادَةِ لِيَحْمِلَهم عَلى مَزِيدِ الشُّكْرِ، والسَّبَبُ الظّاهِرِيِّ في أهْلِ الشَّقاوَةِ لِيَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ.
42:9Page 483
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ وَهُوَ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٩
Or have they taken protectors [or allies] besides Him? But Allāh - He is the Protector, and He gives life to the dead, and He is over all things competent.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَلْ قَصَرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُنْذِرُهم هِمَمُهم وعَزائِمُهم وأقْوالُهم وأفْعالُهم عَلى اللهِ تَعالى اتِّعاظًا وانْتِذارًا بِهَذا الكَلامِ المُعْجِزِ، عادَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ أيْ عالَجُوا فِطَرَهُمُ الشّاهِدَةَ بِذَلِكَ بِشَهادَةِ أوْقاتِ الِاضْطِرارِ حَتّى لَفَتُوها عَنْهُ سُبْحانَهُ فَأخَذُوا ﴿مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ هم عالِمُونَ بِأنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا ولِهَذا قالَ: ﴿فاللَّهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَمّا أفْهَمَتْهُ صِيغَةُ الِافْتِعالِ مِن أنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهُ وحْدَهُ الضّارُّ النّافِعُ عِلْمُهم (p-٢٥٤)بِأنَّهُ ﴿هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿الوَلِيُّ﴾ لا غَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَبِّبًا عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ قَصَرُوا هِمَمَهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَسَبَّبَ أنَّهُ وحَمَدَهُ المُسْتَحِقُّ لِما يَقْصِدُونَهُ مِنَ التَّوَلِّي ﴿وهُوَ﴾ أيْضًا وحْدَهُ لا غَيْرُهُ ﴿يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ يُجَدِّدُ إحْيائَهم في أيِّ وقْتٍ يَشاؤُهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ لا يُشارِكُهُ شَيْءٌ في ذَلِكَ بِشَهادَةِ كُلُّ عاقِلٍ، وأكَّدَهُ بِالقَصْرِ لِأنَّ شِرْكَهم بِالأوْلِياءِ إنْكارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِالوِلايَةِ.
42:10Page 483
وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠
And in anything over which you disagree - its ruling is [to be referred] to Allāh. [Say], "That is Allāh, my Lord; upon Him I have relied, and to Him I turn back."1
ولَمّا كانُوا جَمِيعًا يُقِرُّونَ بِجَمِيعِ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، بَعْضُهُ تَصْرِيحًا مِنَ الوَحْدانِيَّةِ في الوِلايَةِ والإحْياءِ في هَذِهِ الدّارِ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وبَعْضُهُ لُزُومًا وهو الإحْياءُ بِالبَعْثِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَطْعًا أنْ يُقالَ مَعَ صَرْفِ القَوْلِ إلى الخِطابِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى قَرَّبَ إلَيْهِمْ كُلَّ خَيْرٍ وقَرَّبَ إلَيْهِمْ فَهْمُ الوَحْدانِيَّةِ لِعُقُولِهِمْ بَعْدَ أنْ فَطَرَهم عَلى لُزُومِها عِنْدَ الِاضْطِرارِ، فَما اتَّفَقْتُمْ فِيهِ مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ فَهو الحَقُّ، وذَلِكَ هو أصْلُ الدِّينِ الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ الخَلائِقُ في وقْتِ الِاضْطِرارِ، لَمْ يَتَلَعْثَمْ فِيهِ مِنهم ضَعِيفٌ، ولا جَبّارٌ مُنِيفٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٢٥٥)﴿وما اخْتَلَفْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الخَلْقُ ﴿فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ وذَلِكَ هو الفُرُوعُ مُطْلَقًا والأُصُولُ في حالِ الرَّفاهِيَةِ ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي هو الوَلِيُّ لا غَيْرُهُ وهو القَدِيرُ لا غَيْرُهُ، فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، فَحَصُوا عَنْهُ تَجِدُوهُ في كِتابِهِ لِأنَّ فِيهِ تِبْيانَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإنْ قَصَرَتْ أفْهامُكم عَنْ إخْراجِهِ مِنهُ فاطْلُبُوهُ في سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَإنَّ عَزَّ عَلَيْكم فَفي إجْماعِ أهْلِ دِينِهِ، فَإنْ أعْوَزَكم ذَلِكَ فَفي القِياسِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذِهِ الأشْياءُ هي قانُونُ الشَّرِيعَةِ، وجُمْلَتُها مِن كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ الكِتابَ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ - انْتَهى. وما اجْتَهَدْتُمْ فِيهِ عَلى ما شَرَعَ لَكم وفَصَلْتُمُوهُ بِما ظَهَرَ لَكم عَلى حِكَمِ بَذْلِ الجُهْدِ مَضى، وما لا فَصْلُهُ بَيْنَكم سُبْحانَهُ في هَذا اليَوْمِ إنْ أرادَ بِنَصْرِ المُحِقِّ وخِذْلانِ الظّالِمِ، وإنْ أرادَ أخَّرَهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ، فَإنْ شاءَ عَفا وإنْ شاءَ عاقَبَ عَلَيْهِ، فَلا حُكْمَ لِغَيْرِهِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
ولَمّا أنْتَجَ هَذا أنَّهُ لا عَظِيمَ غَيْرُهُ، ولا إلَهَ إلّا هُوَ، تَرْجَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لِلْكُلِّ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أيِ العَظِيمُ الرُّتْبَةِ جِدًّا ﴿اللَّهِ﴾ المُحِيطُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ، فَلا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِنهُ بِوَجْهٍ ﴿رَبِّي﴾ الَّذِي لا مُرَبِّيَ لَهُ غَيْرُهُ في ماضٍ ولا حالٍ ولا اسْتِقْبالٍ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ، أنْتَجَ ولا بُدَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ أسْلَمْتُ (p-٢٥٦)جَمِيعَ أمْرِي ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِهِ ﴿أُنِيبُ﴾ أيْ أرْجِعُ بِالتَّوْبَةِ إذا قَصَّرْتُ في شَيْءٍ مِن فُرُوعِ شَرْعِهِ وأرْجَعَ إلى كِتابِهِ إذا نابَنِي أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ، فَأعْرِفُ مِنهُ حُكْمَهُ فافْعَلُوا أنْتُمْ كَذَلِكَ، اجْعَلُوهُ الحَكَمَ تَفْلِحُوا، ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ تَهْلَكُوا.
42:11Page 484
فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١
[He is] Creator of the heavens and the earth. He has made for you from yourselves, mates, and among the cattle, mates; He multiplies you thereby. There is nothing like unto Him,1 and He is the Hearing, the Seeing.2
ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ قَدْ رَكَّزَ في الفِطَرِ أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ خالِقٌ سِواهُ كَما يَهْدِي إلَيْهِ الِاضْطِرارُ وإنْ أغْفَلَ عَنْهُ البَطَرُ، وصَفَهُ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الفِطَرِ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْتَدِئُهُما بِالخَلْقِ والإخْراجِ مِنَ العَدَمِ، وكُلُّ ما اتَّخَذْتُمُوهُ ولِيًّا مِن دُونِهِ فَهو مِنهُما، فَهو مِمّا فَطَرَهُ كَما يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ مِنكم ذَلِكَ لا يَتَمارى فِيهِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في العِلْمِ المَرْكُوزِ في الفِطَرِ مِن أنَّهُ الواحِدُ الَّذِي لا إلَهَ مَعَهُ كَما كانَ في الأزَلِ ولا شَيْءَ مَعَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما شَقَّ العَدَمَ بِإيجادِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ أصْلًا، أتْبَعُهُ ما سَبَّبَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأنْشَأهُ مِنَ العَناصِرِ الَّتِي أبْدَعَتْها يَدُ القُدْرَةِ في الخافِقِينَ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالفِعْلِيَّةِ تَذْكِيرًا بِما يُوجِبُ لَهُمُ الِاعْتِرافَ بِما اعْتَرَفَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ مِن أنَّهُ وحْدَهُ رَبُّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في ذَلِكَ، فَيُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وحْدَهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ (p-٢٥٧)أنْ خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ ﴿مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ يَكُونُ بِالسُّكُونِ إلَيْها بَقاءَ نَوْعِكُمْ، ولَمّا كانَتِ الأنْعامُ ومَنافِعُها لِأجْلِنا قالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن ﴿الأنْعامِ﴾ إلى هي أمْوالُكم وجِمالُكم وبِها أعْظَمُ قِوامُكم ﴿أزْواجًا﴾ أيْ مِن أنْفُسِها، يَكُونُ بِها أيْضًا بَقاءُ نَوْعِها، وكَذا جَمِيعُ الحَيَواناتِ، ومَعْنى قَوْلِهِ مُغَلِّبًا العُقَلاءَ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم ولَمّا كانَ الأزْواجُ في غايَةِ المَحَبَّةِ لِلزَّواجِ بِحَيْثُ إنَّهُ مُسْتَوْلٍ عَلى القُلُوبِ، كانَ كَأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ التَّزاوُجِ بِحَيْثُ يَجْعَلُكم مُولِعِينَ بِهِ، مِن قَوْلِهِ ذَراهُ: خَلْقَهُ وكَثَّرَهُ وأوْلَعَهُ بِالشَّيْءِ، فَيَكُونُ لَكم في الأزْواجِ مِنَ البَشَرِ نُطَفًا وجَمالًا ووِلادَةً، وفي الأنْعامِ غِذاءً وشَرابًا واكِلًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَكم فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ولا تَزالُونَ في هَذا الوَجْهَ مِنَ الخَلْقِ والتَّزاوُجِ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ وجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
ولَمّا تَقَرَّرَ في الأوْهامِ وثَبَتَ في كَثِيرٍ مِنَ الأذْهانِ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِسَبَبِ التَّزاوُجِ، كانَ رُبَّما سَرى شَيْءٌ مِن هَذا الوَهْمِ في حَقِّ الخالِقِ سُبْحانَهُ فَنَفاهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِقَوْلِهِ: اسْتِئْنافًا في جَوابِ مَن يَسْألُ عَنْهُ: ﴿لَيْسَ﴾ وقَدَّمَ الخَبَرَ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُهُ فَأوْلاهُ النّافِي دَلالَةً عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ (p-٢٥٨)نَفْسِهِ في ذاتِهِ ولا في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ: ﴿شَيْءٌ﴾ يُزاوِجُهُ أوْ يُناسِبُهُ، وكُلُّ ما اتَّخَذْتُمُوهُ ولِيًّا مِن دُونِهِ، فَلَهُ ما يُزاوِجُهُ ويُماثِلُهُ، فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا النَّفْسُ وهو أصْلُهُ وحَقِيقَتُهُ في اللُّغَةِ مِن قَوْلِهِمْ: مِثْلُ الرَّجُلِ يُمَثِّلُ - إذا قامَ وانْتَصَبَ، قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ الواعِي: والمَثَلُ يَكُونُ هو الحَدِيثُ نَفْسُهُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] فَمَثَلُها هو الخَبَرُ عَنْها، وقِيلَ: المَثَلُ هَهُنا الصِّفَةُ ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] أيْ صِفَتُهُمْ، نَقَلَ ذَلِكَ الهَرَوِيُّ ونَقَلَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللهِ القَزّازِ قَوْلَهُ: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] كَذَلِكَ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [الحج: ٧٣] الآيَةُ فَصارَ الخَبَرُ عَنْ ذَلِكَ هو المَثَلُ، قالَ: وهو عَلى أصْلِ ما ذَكَرْنا أنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ صِفَتُهُ وصُورَتُهُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ”مِثال“ وقَرَأ ”أمْثالَ الجَنَّةِ الَّتِي وعَدَ المُتَّقُونَ“ ثُمَّ قالَ: وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ”مَثَل“ صِفَةٌ صُورَةٌ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَثَّلَتْ لَهُ الشَّيْءَ تَمْثِيلًا: صَوَّرَتْهُ لَهُ حَتّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ:
«مَثَّلَتْ لِي الجَنَّةَ والنّارَ» انْتَهى. في القامُوسِ: المِثْلُ - بِالكَسْرِ والتَّحْرِيكِ وكَأمْرِ: المُشَبَّهِ، والمَثَلُ مُحَرَّكَةٌ: الحُجَّةُ (p-٢٥٩)والحَدِيثُ والصِّفَةُ، والمَثِيلُ: المِقْدارُ والقَصاصُ وصِفَةُ الشَّيْءِ والفِراشِ، جَمْعُهُ أمْثِلَةٌ ومُثُلٌ، والتِّمْثالُ - بِالكَسْرِ: الصُّورَةُ ومِثْلُ قائِمًا: قامَ مُنْتَصِبًا كَمَثَلٍ بِلا ضَمٍّ مُثُولًا - انْتَهى. وفي شَمْسِ العُلُومِ: والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يَقُولُ هَذا أيْ أنا انْتَهى. فَقَدْ بانَ أنَّ المَثَلَ بِالإسْكانِ والتَّحْرِيكِ واحِدٌ، وأنَّهُ في الأصْلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْسِ الشَّيْءِ وصُورَتِهِ، ثُمَّ شاعَ فِيما يُشابِهُهُ، فَمَعْنى مَثَّلَ أيِ انْتَصَبَ تَشَكَّلَ وتَصَوَّرَ فَكانَتْ لَهُ صُورَةٌ وشَكْلٌ لِأنَّ بِالِانْتِصابِ تَتَحَقَّقُ صُورَتُهُ وتَظْهَرُ، وكَذا مَثَّلَ بِمَعْنى لَصَقَ الأرْضَ وإنْ كانَ ظُهُورُهُ بِالقِيامِ أوْضَحَ، وكَذا مَثَّلَ إذا زالَ عَنْ مَكانِهِ لِأنَّهُ حَصَلَ الِانْتِصابُ أوِ اللُّصُوقُ، وزادَ الِانْتِقالُ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مَثَّلَهُ لَهُ - إذا صَوَّرَهُ حَتّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّ مَعْنى الآيَةِ ما قُلْتُهُ، وأنَّهُ لَوْ قِيلَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، مِن غَيْرِ كافٍ، لَرُبَّما قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّعَنُّتِ: هَذا مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا، لِأنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ المِثْلَ هو الشَّيْءُ، وقَدْ كانُوا يَتَعَنَّتُونَ بِدُونِ هَذا، فَأتى بِالكافِ إزالَةً لِهَذا التَّعَنُّتِ مَعَ العِلْمِ القَطْعِيِّ بِأنَّ ظاهِرَ ما نَفْهَمُهُ غَيْرُ مُرادٍ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى مُحالِينَ هُما في غايَةِ الضُّمُورِ يُحاشى عَنْ أحَدِهِما فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا مَن لَهُ أدْنى حِكْمَةٍ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحُكَماءِ، أحَدُهُما أنَّ لَهُ مَثَلًا، والثّانِي أنَّ مِثْلَهُ لا مِثْلَ لَهُ مَعَ الحُكْمِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ، وذَلِكَ تَناقُضٌ (p-٢٦٠)ظاهِرٌ يَتَعالى اللَّهُ عَنْ إرادَةِ مِثْلِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا - واللهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ قَدْ أبْطَنَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا التَّنْزِيهِ إبْطانًا عَظِيمًا، وكانَ هَذا الإعْراقُ في البُطُونِ لا تَحْتَمِلُهُ العُقُولُ، فَلا يُؤَمِّنُ عَلَيْها النُّزُوعُ إلى التَّعْطِيلِ، قَرَّبَهُ بِنَوْعِ ظُهُورٍ بِذِكْرِ ما نَعْقِلُهُ مِنَ الأوْصافِ بَعْدَ الأمْنِ مِنَ التَّشْبِيهِ لِمَن يَأْمَلُ الكَلامَ، وحُكْمُ العَقْلِ وطَرْدُ الوَهْمِ، فَأتى بِأوْضَحِ ما نُحِسُّهُ مِن أوْصافِنا. وأظْهَرِهِ مَعَ اسْتِلْزامِهِ لِبَقِيَّةِ الصِّفاتِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيِ الكامِلُ في السَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ مِنَ البَصَرِ والبَصِيرَةِ، ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى وجْهِ الخُصُوصِ إلّا بِالوَحْدانِيَّةِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ والكَلامِ، فاسْتَوْفَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما لَوَّحَ إلَيْهِ العاطِفُ في قَوْلِهِ ”وما اخْتَلَفْتُمْ“ بَعْدَ ما صَرَّحَ بِهِ، فاللهُ هو الوَلِيُّ مِن أُصُولِ الدِّينِ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ - واللَّهُ المُوَفِّقُ، قالَ الحَرّالِيُّ: السَّمْعُ إدْراكُ ألْطَفِ المِثْلَيْنِ وهو الِاسْمُ، والصَّرُّ إدْراكُ أظْهَرِ المِثْلَيْنِ وهو الصُّورَةُ، وبِالحَقِّ سُبْحانَهُ بَدَأ كُلُّ مَثَلٍ لَطِيفٍ فَهو السَّمِيعُ بِالحَقِيقَةِ أنْ لا يُسْمَعُ ما هو مُبْدِئٌ ألْطَفَ مَثِيلَهُ، أوْ لا يُبْصِرُ ما هو مُبْدِئٌ أظْهَرَ مَثِيلِهِ، ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِيمًا بِأمْثالِ البادِئاتِ قَبْلَ كَوْنِها كانَ سَمِيعًا لَها بَصِيرًا لَها قَبْلَ كَوْنِها، وإنَّما يَسْتَجِدُّ السَّمْعَ والبَصَرَ مَن يَتْبَعُ عِلْمَهُ إدْراكُ (p-٢٦١)حِسِّهِ، لا مَن هو دائِمًا سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِما هو دائِمًا عَلِيمٌ، فَهو سُبْحانُهُ يَسْمَعُ الأشْياءَ وإنْ لَمْ تَتَّسِمْ، ويَراها وإنْ لَمْ تَتَصَوَّرْ رُؤْيَتُهُ لَها وسَمْعُهُ في خَلْقِها وبِرَبِّها وتَصْوِيرِها رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ وسَمْعٌ دائِمٌ، والخَلْقُ لا يَرَوْنَ الشَّيْءَ قَبْلَ تَصَوُّرِهِ ولا يَسْمَعُونَهُ قَبْلَ تَكَلُّمِهِ - انْتَهى.
فَقَدْ صَرَّحَتِ الآيَةُ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ مُساوٍ في شَيْءٍ ما، فَمَنِ ادَّعى لِأحَدٍ مُساواتَهُ في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ عِلْمٍ أوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أشْرَكَ بِهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ وهو أشَدُّ مَلامَةً مِنَ المُشْرِكِ بِالصَّنَمِ ونَحْوِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِأنَّ إشْراكَ هَذا ظاهِرُ الوَهْيِ واضِحُ الخَلَلِ بَيْنَ السَّفْسَفَةِ، وإشْراكُ الأوَّلِ خَفِيٌّ لا يَقْدِرُ عَلى حِلِّهِ إلّا راسِخٌ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما يَصِيرُ إلى الرَّكاكَةِ والهَذَيانِ لِأنَّهُ لا يُسَوِّغُ في عَقْلٍ أنْ يَكُونَ أحَدٌ شَرِيكًا لِأحَدٍ في شَيْءٍ إلّا وهو مُساوٍ لَهُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، وصالِحٍ في الجُمْلَةِ لِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ مِن مَزَلَّةٍ رُبَّما اسْتَغْوى بِها الشَّيْطانُ بَعْضَ مَن يُرِيدُ التَّرَقِّي في دَرَجاتِ العِرْفانِ، لِيُخْرِجَهُ مِن جَمِيعِ الأدْيانِ.
42:12Page 484
لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٢
To Him belong the keys of the heavens and the earth. He extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is, of all things, Knowing.
ولَمّا قَرَّرَ أمْرَ الوَحْيِ بِما ثَبَتَ بِهِ مِنَ الإعْجازِ، وأراهُمُ الآياتِ في الآفاقِ، بِأنَّ لَهُ ما في الوُجُودِ، وأنَّهُ هو الَّذِي فَطَرَهُ، وكانَ رُبَّما كانَ لِلْإنْسانِ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِأنْ يَكُونَ مَفاتِيحُ خَزائِنِهِ مَعَ غَيْرِهِ مِن شَرِيكٍ أوْ غَيْرِهِ، وكانَ رُبَّما اخْتَرَعَ الإنْسانُ بِناءً وكانَ لِغَيْرِهِ، أخْبَرَ إكْمالًا لِتَنْزِيهِ الآيَةِ السّالِفَةِ وشَرْحًا لَهُ أنَّهُ (p-٢٦٢)تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كَغَيْرِهِ في هَذا أيْضًا بَلْ كَما كانَ أنَّ لَهُ ما في الخافِقِينَ وهو مُخْتَرِعُهُما فَلَهُ مَفاتِيحُ خَزائِنِهِما، فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ خَزائِنِهِما ومَفاتِيحِ خَزائِنِهِما مِنَ الأمْطارِ والإنْباتِ وغَيْرِهِما وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ ابْتَدَعَهُما، وأنَّ لَهُ جَمِيعَ ما فِيهِما مِمّا اتَّخَذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا وغَيْرَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والمَفاتِيحُ الخَزائِنُ وخَزائِنُهُ مَقْدُوراتِهِ - انْتَهى. ولَمّا كانَ قَدْ حَصَرَ الأمْرَ فِيهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيِ الَّذِي فِيهِما ولا مانِعَ مِنهُ إلّا قُدْرَتُهُ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ ويَقْبِضُ عَلى مَن يَشاءُ كَما وسَّعَ عَلى فارِسَ والرُّومِ وضَيَّقَ عَلى العَرَبِ وفاوَتَ في الأفْرادِ، بَيْنَ أفْرادِ مَن وسَّعَ عَلَيْهِمْ ومَن ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأنَّهُ هو المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ فَقَطَعَ بِذَلِكَ أفْكارَ المُوَفَّقِينَ مِن عِبادِهِ مِن غَيْرِهِ لِيَقْبَلُوا عَلَيْهِ ويَتَفَرَّغُوا لَهُ، فَإنَّ عِبادَتَهُ هي المَقالِيدُ بِالحَقِيقَةِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ﴾ [نوح: ١٢]
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الطلاق: ١١] (p-٢٦٣)﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥] ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦]
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أعْمالَ غالِبِ النّاسِ في المَعاصِي عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلُهُ: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَلا فِعْلَ لَهُ إلّا وهو جارٍ عَلى أتْقَنِ ما يَكُونُ مِن قَوانِينِ الحِكْمَةِ، فَلَوْ أنَّهُ وسِعَ العَرَبُ وقُواهم ثُمَّ أباحَهم مُلْكَ أهْلِ فارِسَ والرُّومِ لَقَبِلَ بِقُوَّتِهِمْ ومَكَّنَتْهُمْ، ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ دَقَّ أوْ جَلَّ مِنَ الحُكْمِ ما يَعْجَزُ عَنْ إدْراكِ لِطائِفِهِ أفاضِلُ الأُمَمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences