Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:13–17
42:13Page 484
۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣
He has ordained for you of religion what He enjoined upon Noah and that which We have revealed to you, [O Muḥammad], and what We enjoined upon Abraham and Moses and Jesus - to establish the religion and not be divided therein. Difficult for those who associate others with Allāh is that to which you invite them. Allāh chooses for Himself whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him].
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ وأنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ في الوُجُودِ سِواهُ، أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا ناهِجَ لِطُرُقِ الأدْيانِ الَّتِي هي أعْظَمُ الرِّزْقِ وأعْظَمُ قاسِمَةٍ لِلرِّزْقِ غَيْرُهُ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ دِينًا قَدِيمًا وحَدِيثًا غَيْرَ ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وقْتَ الشَّدائِدِ. فَقالَ دالًّا عَلى ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها مِن شُمُولِ عِلْمِهِ ومُرَغِّبًا في لُزُومِ ما هَدى إلَيْهِ ودَلَّ عَلَيْهِ: ﴿شَرَعَ﴾ أيْ طَرَقَ وسَنَّ طَرِيقًا ظاهِرًا بَيِّنًا واضِحًا ﴿لَكُمْ﴾ أيَّتُها الأُمَّةُ الخاتِمَةُ مِنَ الطُّرُقِ (p-٢٦٤)الظّاهِرَةُ المُسْتَقِيمَةُ ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ وهو ما يَعْمَلُ فَيُجازِي عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلدِّينِ، وكانُوا هُمُ المَقْصُودِينَ في هَذا السِّياقِ بِالأمْرِ بِهِ، لِأنَّ الشّارِعَ لَهم قَدْ أنْتَجَهُ، وكانُوا لِتَقْلِيدِهِمُ الآباءَ يَرَوْنَ أنَّ ما كانَ مِنهُ أقْدَمَ كانَ أعْظَمَ وأحْكَمَ، ذَكَرَ لَهم أوَّلَ الآباءِ المُرْسَلِينَ إلى المُخالِفِينَ فَقالَ: ﴿ما﴾ أيِ الَّذِي ﴿وصّى بِهِ﴾ تَوْصِيَةً عَظِيمَةً بَعْدَ إعْلامِهِ بِأنَّهُ شَرَعَهُ ﴿نُوحًا﴾ في الزَّمانِ الأقْدَمِ كَما خَتَمَ بِهِ عَلى لِسانِ الخاتَمَ، وأرْسَلَ بِهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ لِأنَّهُ لا يُرْضِيهِ سِواهُ، فَإنْ كُنْتُمْ إنَّما تَأْنَفُونَ مِنَ الدُّخُولِ في هَذا الدِّينِ لِحُدُوثِهِ فَإنَّهُ أقْدَمُ الأدْيانِ وكُلُّ ما سِواهُ حادِثٌ مَعَ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا مِن أنْبِيائِكم ولا مِن غَيْرِهِمْ إلّا بِهِ ومَعَ أنَّهُ تَوَفَّرَتْ عَلى الشَّهادَةِ بِهِ الفِطَرُ الأُولى دائِمًا والفِطَرُ اللّاحِقَةُ حَتّى مِنَ القُلُوبِ العاتِيَةِ في أوْقاتِ الشَّدائِدِ أبَدًا فادْخُلُوا فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ.
ولَمّا كانَ الإعْجازُ خاصًّا بِنا، أبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ مُعَبِّرًا بِالوَحْيِ، وبِالأصْلِ في المُوَصِّلاتِ، ودالًّا عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِتَقْدِيمِهِ عَلى مَن كانُوا قَبْلَهُ مَعَ تَرْتِيبِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ عَلى تَرْتِيبِهِمْ في الوُجُودِ فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وأفْرَدَ الضَّمِيرَ زِيادَةً في عَظَمَتِهِ دَلالَةً عَلى (p-٢٦٥)أنَّهُ لا يُفْهِمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ ﷺ، ودَلَّ عَلى عَظَمِهِ ما كانَ لِإبْراهِيمَ وبَنِيهِ بِما ظَهَرَ مِن آثارِهِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ، وعَلى نَقْصِهِ عَمّا إلى نَبِيِّنا ﷺ بِالتَّعْبِيرِ بِالوَصِيَّةِ فَقالَ: ﴿وما وصَّيْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِها تِلْكَ المُعْجِزاتُ ﴿بِهِ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِي نَجَّيْناهُ مِن كَيْدِ نَمْرُودَ بِالنّارِ وغَيْرِها ووَهَبَنا لَهُ عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وهو أعْظَمُ آباءِ العَرَبِ وهم يُدْعَوْنَ أكْبَرَ بِالآباءِ فَلْيَكُونُوا عَلى ما وصَّيْناهُ بِهِ ﴿ومُوسى﴾ الَّذِي أنْزَلَنا عَلَيْهِ التَّوْراةَ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿وعِيسى﴾ الَّذِي أنْزَلْنا عَلَيْهِ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومَوْعِظَةٌ، ودَخَرْناهُ في سَمائِنا شَرِيعَةَ الخاتَمِ الفاتِحِ.
ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى المُوحى المُوصى بِهِ، أبْرَزَهُ في أُسْلُوبِ الأمْرِ فَقالَ مُبْدِلًا مِن مَعْمُولِ ”شَرَعَ“ أوْ مُسْتَأْنَفًا: ﴿أنْ أقِيمُوا﴾ أيْ أيُّها المَشْرُوعُ لَهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الخاتِمَةِ ومِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿الدِّينِ﴾ أيِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الخَلائِقُ بِالرُّجُوعِ إلى ما فُطِرُوا عَلَيْهِ وقْتَ الِاضْطِرارِ وهو التَّوْحِيدُ والوَصْفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ عَلى الإطْلاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مَصْدَرِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِتَقَدُّمِ ما هو بِمَعْنى القَوْلِ. (p-٢٦٦)ولَمّا عَظَّمَهُ بِالأمْرِ بِالِاجْتِماعِ، أتْبَعَهُ التَّعْظِيمَ بِالنَّهْيِ عَنِ الِافْتِراقِ فَقالَ: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ تَفَرُّقًا عَظِيمًا بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءِ، وكَأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفَرُّقِ في الأصْلِ وأذِنَ في الِاجْتِهادِ عَلى قَدْرِ القُوَّةِ في الفَرْعِ ﴿فِيهِ﴾ أيِ الدِّينِ في أوْقاتِ الرَّخاءِ عِنْدَ التَّقَلُّبِ في لَذِيذِ ما أنْعَمَ بِهِ الشّارِعُ لَهُ الآمِرُ بِهِ المُرَغِّبُ في اتِّباعِهِ المُرْهِبُ مِنِ اجْتِنابِهِ، واجْتَمَعُوا عَلى ما أرْسَلَهُ الَّذِي أثْبَتُّمْ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ عِنْدَ الشَّدائِدِ مِن غَيْرِ خِلافٍ أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبُ الهَلاكِ، والِاجْتِماعَ سَبَبُ النَّجاةِ، فَكُونُوا يَدًا واحِدَةً يا أهْلَ الكِتابِ قالَ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]
ولَمّا نَهى عَنِ التَّفَرُّقِ، حَثَّ عَلى لُزُومِ الِاجْتِماعِ اللّازِمِ بِهِ بِتَعْلِيلِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ جَلَّ وعَظُمَ وشُقَّ حَتّى ضاقَتْ بِهِ صُدُورُهُمْ، وهو ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ أيُّها النَّبِيُّ الفاتِحُ الخاتَمُ مِنَ الِاجْتِماعِ أبَدًا عَلى ما اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وقْتَ الِاضْطِرارِ مِن وحْدانِيَّةِ الواحِدِ القَهّارِ، فَلِأجْلِ كِبَرِهِ عَلَيْهِمْ هم يَسْعَوْنَ في تَفَرُّقِكم عَنْهُ فَإنْ تَفَرَّقْتُمْ عَنْهُ (p-٢٦٧)كُنْتُمْ قَدْ تابَعْتُمُ العَدُوَّ الحَسُودَ وخالَفْتُمُ الوَلِيَّ الوَدُودَ. ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِكَرِّهِ عَلَيْهِمْ رُبَّما أوْهَمَ اتِّباعَ أتْباعِهِمْ لَهُ، أزالَ ذَلِكَ الوَهْمَ بِقَوْلِهِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ السَّبِيلُ مَعَ ذَلِكَ إلى دُخُولِ أحَدٍ في هَذا الدِّينِ، عادِلًا عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ تَعْظِيمًا لِلْقُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ القُلُوبِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ ونُفُوذُ الأمْرِ ﴿يَجْتَبِي﴾ أيْ يَخْتارُ بِغايَةِ العِنايَةِ ويَصْرِفُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ إلى هَذا الدِّينِ الَّذِي تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ اجْتِباءَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِهَذا المُرادِ بِغَيْرِ تَكَسُّبٍ مِنهُ، أتْبَعَهُ المَزِيدَ المَعْنى بِالسُّلُوكِ فَقالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ ﴿مَن يُنِيبُ﴾ أيْ فِيهِ أهْلِيَّةٌ لِأنَّ يُجَدِّدَ الرُّجُوعَ إلى مَراتِبِ طاعاتِهِ كُلَّ حِينٍ بِباطِنِهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ بِظاهِرٍ إلى ما كَتَبَهُ لَهُ مِنَ الدَّرَجاتِ كَأنَّهُ كانَ الوُصُولُ إلَيْها قَدْ نَزَلَ عَنْها وهو بِتَرَقِّيهِ في المُنازَلاتِ بِأحْوالِ الطّاعاتِ يَرْجِعُ إلَيْها.
42:14Page 484
وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١٤
And they did not become divided until after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And if not for a word1 that preceded from your Lord [postponing the penalty] until a specified time, it would have been concluded between them. And indeed, those who were granted inheritance of the Scripture after them are, concerning it, in disquieting doubt.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالمُشْرِكِينَ مَعَ عُبّادِ الأوْثانِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ لِقَبُولِهِمْ مِنهُمُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ، (p-٢٦٨)وكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِأنَّهم فارَقُوا أهْلَ الطّاعَةِ، وكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِأنَّهم ما فارَقُوهم إلّا عَنْ جَهْلٍ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأتى الرُّسُلُ إلى النّاسِ فَأقامُوا لَهُمُ الدِّينَ وبَيَّنُوا لَهم غايَةَ التَّبْيِينِ فاجْتَبى اللَّهُ بَعْضَهم وأضَلَّ بَعْضَهم فافْتَرَقُوا: ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾ أيِ المُشْرِكِينَ مِن قَبْلِكم مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ في أدْيانِهِمْ ﴿إلا﴾ وأدْخَلَ الجارَّ لِعَدَمِ اسْتِغْراقِ الزَّمانِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُوا لَبْسًا ﴿العِلْمُ﴾ أيْ بِما لا يُسَوِّغُ مَعَهُ التَّفَرُّقَ ومِنهُ أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، وأشارَ الجارُّ أيْضًا إلى أنَّ التَّفَرُّقَ كانَ مَعَ العِلْمِ لَمْ يَكُنْ طالَ الزَّمانُ فَتَطَرَّقَ إلى عِلْمِهِمْ نِسْيانَ كُلِّ ذَلِكَ بَيانًا لِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى في تَصَرُّفِهِ في القُلُوبِ، فَإيّاكم أنْ يَكُونَ حالُكم كَحالِهِمْ فَلْيَشْتَدَّ خَوْفُكم لِرَبِّكم ورَجاءُكم لَهُ.
ولَمّا كانَ تَرْكُ طَرِيقِ العِلْمِ عَجَبًا ومُسْتَبْعَدًا، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ حُظُوظُ الأنْفُسِ الَّتِي لا نَجاةَ مِنها إلّا بِعِصْمَةِ اللهِ تَعالى: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِ تَفَرُّقِهِمْ عَداوَةً ولا شُبْهَةَ فِيها هي بَيِّنَةُ الظُّلْمِ لِأجْلِ حُظُوظِ الأنْفُسِ واتِّباعِ الأهْواءِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العَبْدِ البُعْدُ عَنْها بِأنْ لا تَكُونَ لَهُ إرادَةٌ أصْلًا بَلْ تَكُونُ إرادَتُهُ تابِعَةً لِأمْرِ مَوْلاهُ. (p-٢٦٩)ولَمّا كانَ مُطْلَقُ البَغْيِ مُنافِيًا لِمَكارِمِ الأخْلاقِ، فَكانَ ارْتِكابُهُ عَجَبًا، زادَ في التَّعَجُّبِ مِنهُ بِبَيانِ أنَّ البَغْيَ لَمْ يَعُدْ جَماعَتُهم إلى غَيْرِها، بَلْ كانَ خاصًّا بِها، فَقالَ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي المُعالَجَةَ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا قُدْرَةُ اللهِ ولُطْفُهُ لَما اجْتَمَعُوا بَعْدَ الفُرْقَةِ أبَدًا: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ لا تَبْدِيلَ لَها ﴿سَبَقَتْ﴾ أيْ في الأزَلِ بِتَأْخِيرِهِمْ إلى آجالِهِمْ. ولَمّا كانَ إمْهالُهم والرِّفْقُ بِهِمْ رَحْمَةً لَهُمْ، بَيْنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأجْلِ خَيْرِ الخَلْقِ لِيَكُونُوا أتْباعًا لَهُ فَيَزْدادُوا لِذَلِكَ شَرَفًا، وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ مُؤْنِسًا لَهُ ﷺ بِلَفْتِ الكَلامِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ إرْضاءً لَهُ بِما يَرْجُوهُ في أُمَّتِهِ، وزادَ ذَلِكَ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ فَأفْهَمَ أنَّ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ إحْسانٌ يَلِيقُ بِمَقامِهِ، ويَلْتَئِمُ بِمُرادِهِ الشَّرِيفِ ومَرامِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ خَيْرَ الخَلائِقِ وإمامَهُمْ، سَبَقَتِ الكَلِمَةُ بِإمْهالِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ضَرْبُهُ لِآجالِهِمْ ثُمَّ لِجَمْعِهِمْ في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ﴾ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ حِينَ الِافْتِراقِ بِإهْلاكِ الظّالِمِ وإنْجاءِ المُحِقِّ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانَ مَن في زَمانِهِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ يَدَّعُونَ غايَةَ العِلْمِ بِها والِاجْتِماعِ عَلَيْها، وهي كُلُّها داعِيَةٌ إلى المُبادَرَةِ إلى إرْثِ هَذا الكِتابِ الخاتَمِ الجامِعِ، (p-٢٧٠)وكانَ بَعْضُهم يَتَلَبَّسُ بِالتَّنَسُّكِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، وإنْكارُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَوْعَ شَكٍّ، قالَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ الوُصُولَ إلى الكِتابِ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ، ولَمْ تَدَعْ حاجَةً إلى العِلْمِ بِالمُوصِلِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ:﴿أُورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ الكامِلَ الخاتَمَ، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ بِما نَسَخَ كِتابَهم ما تَقَدَّمَهُ كانَ غَيْرُهم كَأنَّهُ ماتَ، فَوَرِثُوا كَما قالَ تَعالى﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] فَكانَ حالُهم في تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ في الكِتابِ بِالحِفْظِ والفَهْمِ وعَدَمِ المُنازِعِ في ادِّعائِهِ حالَ الوارِثِ والمَوْرُوثِ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ المُتَفَرِّقِينَ، وأثْبَتَ الجارَّ لِعَدَمِ اسْتِغْراقِ الزَّمانِ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ إيراثٍ لِلْكِتابِ المُقْتَضِي لِلِاجْتِماعِ لا لِلتَّفَرُّقِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ، وذَلِكَ لِعَمَلِهِمْ عَمَلَ الشّاكِّ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكَهانَةٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وأنَّ الآتِيَ بِهِ غَيْرُ صادِقٍ بَعْدَ اطِّلاعِهِمْ عَلى ما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وبَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، أمّا العَرَبُ ومَن ساكَنَهم مِن أهْلِ الكِتابِ فَبِإعْجازِهِ مَعَ ما في أهْلِ الكِتابِ مِنَ البِشارَةِ بِهِ، (p-٢٧١)وأمّا غَيْرُ مَن ساكَنَهم فَبِدَعْوَةِ كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مُوقِعٍ في التُّهْمَةِ المُوقِعَةِ في الحاجَةِ المُوقِعَةِ في صُرُوفِ الدَّهْرِ وهي شَدائِدُهُ وآفاتُهُ ونَوائِبُهُ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ كِتابُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ خاصَّةً والكِتابُ كِتابَهُمْ، وشَكُّهم فِيهِ عَمَلَهم بِغَيْرِ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ كِتابِنا بِاتِّباعِ نَبِيِّنا ﷺ.
42:15Page 484
فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So to that [religion of Allāh] invite, [O Muḥammad],1 and remain on a right course as you are commanded and do not follow their inclinations but say, "I have believed in what Allāh has revealed of scripture [i.e., the Qur’ān], and I have been commanded to do justice among you. Allāh is our Lord and your Lord. For us are our deeds, and for you your deeds.2 There is no [need for] argument between us and you.3 Allāh will bring us together, and to Him is the [final] destination."
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا زَيْغُهم عَنْ أوامِرِ الكِتابِ الآتِي مِنَ اللَّهِ، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرُهُ ﷺ بِإبْلاغِ النّاسِ ما يَنْفَعُهم عَنْ رِسالَةِ رَبِّهِ الَّذِي أنْزَلَ تِلْكَ الكُتُبَ في آيَةٍ واحِدَةٍ مُفَصَّلَةٍ بِعَشْرِ كَلِماتٍ في كُلِّ كَلِمَةٍ مِنها حُكْمٌ بِرَأْسِهِ، قالُوا: ولا نَظِيرَ لَها إلّا آيَةُ الكُرْسِيِّ فَإنَّها عَشَرَةُ أُصُولٍ كُلُّ أصْلٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِرَأْسِهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ حالِهِمُ الِاجْتِهادُ في إزالَتِها والعَمَلِ بِضِدِّها: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أيْ لِهَذا الوَحْيِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ الَّذِي وصَّيْنا بِمَقاصِدِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ أصْحابَ الشَّرائِعِ الكِبارِ مِن أُولِي العَزْمِ وغَيْرِهِمْ، أوْ لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ المُباعِدِ (p-٢٧٢)لِلصَّوابِ والشَّكِّ في أمْرِ الكِتابِ.
ولَمّا كانَ سِياقُ الدَّعْوَةِ لِلْخَلْقِ إلى ما أوْحى إلَيْهِ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فادْعُ﴾ إلى مَن أرْسَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى ما أمَرَ بِهِ الإلَهُ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ. ولَمّا كانَ الدّاعِي لِغَيْرِهِ لا يَنْفَعُ دُعاءَهُ لِذَلِكَ الغَيْرِ ما لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ، قالَ: ﴿واسْتَقِمْ﴾ أيِ اطْلُبِ القَوْمَ مِن رَبِّكَ عَلى مَشاقِّ الدَّعْوَةِ لِيُعِينَكَ عَلَيْهِ وأوْجَدَهُ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ كِتابَهُ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ ويَجِبُ عَلَيْهِ ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ مِمَّنْ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ في تَفاصِيلِ الدُّعاءِ مِنَ اللِّينِ والغِلْظَةِ والتَّوَسُّطِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَحْدِيثِ النّاسِ بِما تَحْتَمِلُ عُقُولُهم وتَرْبِيَتُهم عَلى حَسَبِ ما يَنْفَعُهم.
ولَمّا كانَ كُلُّ ما خالَفَ كِتابَنا هَوًى، وكُلُّ ما خالَفَ كِتابَنا فَهو عَلى مُجَرَّدِ الهَوى، قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ﴾ أيْ تَعَمُّدًا ﴿أهْواءَهُمْ﴾ في شَيْءٍ ما، فَإنَّ الهَوى لا يَدْعُو إلى خَيْرٍ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ أحَدٍ أنْ يَفْعَلَ ما أمَرَ بِهِ لِأجْلِ أنَّهُ أمَرَ بِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ يَهْواهُ.
ولَمّا كانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا في الكِتابِ وشَكُّوا فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أمَرَهُ بِما يُخالِفُ حالَهم فَقالَ: ﴿وقُلْ﴾ أيْ لِجَمِيعِ أهْلِ الفِرَقِ، وكُلَّ مَن يُمْكِنُ لَهُ القَوْلُ فَإنَّكَ أُرْسِلْتَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ: ﴿آمَنتُ بِما﴾ (p-٢٧٣)أيْ بِكُلِّ شَيْءٍ. ولَمّا كانَ أكْمَلَ النّاسِ إيمانًا أكْثَرَهُمُ اسْتِحْضارًا لِأوْصافِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، صَرَفَ القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى سُلُوكِ أعْلى المَسالِكِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ ﴿مِن كِتابٍ﴾ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ مِن كُتُبِهِ ولا أحَدٍ مِن رُسُلِهِ، بَلْ كُلُّ كِتابٍ ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ عَلى رَسُولٍ ثَبَتَ رِسالَتَهُ بِالمُعْجِزَةِ فَأنا بِهِ مُؤْمِنٌ وإلَيْهِ داعٍ كَما اقْتَضاهُ كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ القالِيُّ في ذَيْلِ الأمالِي: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ - هو ابْنُ الأنْبارِيِّ - حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ حَدَّثَنا صِحابُ بْنُ الحارِثِ أنا بِشْرُ بْنُ عِمارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ قالَ: أتى عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما الإيمانُ أوْ كَيْفَ الإيمانُ؟ قالَ: الإيمانُ عَلى أرْبَعِ دَعائِمَ: عَلى الصَّبْرِ واليَقِينِ والعَدْلِ والجِهادِ، والصَّبْرِ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى الشَّوْقِ والشَّفَقِ والزَّهادَةِ والتَّرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتاقَ إلى الجَنَّةِ سَلّى عَنِ الشَّهَواتِ، ومَن أشْفَقَ مِنَ النّارِ رَجَعَ عَنِ الحُرُماتِ، ومَن زَهِدَ في الدُّنْيا تَهاوُنَ بِالمُصِيباتِ، ومَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سارَعَ إلى الخَيْراتِ، واليَقِينُ عَلى أرْبَعِ شِعابٍ: تَبْصِرَةُ الفَطِنَةِ وتَأْوِيلُ الحِكْمَةِ ومَوْعِظَةُ العِبْرَةِ وسُنَّةُ الأوَّلِينَ، فَمَن تَبَصَّرَ الفِطْنَةَ تَأوَّلَ الحِكْمَةَ، ومَن تَأوَّلَ الحِكْمَةَ عَرَفَ العِبْرَةَ، ومَن عَرَفَ العِبْرَةَ عَرَفَ السُّنَّةَ، ومَن عَرَفَ السُّنَّةَ فَكَأنَّما كانَ في الأوَّلِينَ، (p-٢٧٤)والعَدْلُ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى غائِصِ الفَهْمِ وزَهْرَةِ الحِلْمِ ورَوْضَةِ العِلْمِ وشَرائِعِ الحُكْمِ، فَمَن فَهِمَ جَمْعَ العِلْمِ، ومَن حَلَمَ لَمْ يَضِلَّ في الحُكْمِ، ومَن عَلَمَ عَرَفَ شَرائِعَ الحُكْمِ، ومَن حَلَمَ لَمْ يُفَرِّطْ أمْرَهُ، وعاشَ في النّاسِ. والجِهادُ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والصِّدْقِ في المَواطِنِ وشَنَآنِ الفاسِقِينَ، فَمَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرُ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَهى عَنِ المُنْكَرِ أرْغَمَ آنافَ الفاسِقِينَ، ومَن صَدَقَ في المُواطِنِ فَقَدْ قَضى الَّذِي عَلَيْهِ، ومَن شَنِئَ المُنافِقِينَ غَضِبَ لِلَّهِ وغَضِبَ اللَّهُ لَهُ فَأزْلَفَهُ وأعْلى مَقامَهُ، قالَ: فَقامَ الرَّجُلُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ.
ولَمّا أخْبَرَ بِالعَدْلِ في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، أتْبَعَهُ ذَلِكَ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ﴾ أيْ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِما أمَرَنِي بِهِ مِمّا أنْزَلَ عَلَيَّ ﴿لأعْدِلَ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ أعْدِلَ ﴿بَيْنَكُمُ﴾ أيُّها المُفَرَّقُونَ في الأدْيانِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كَما دَعى إلَيْهِ كَمالَ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ (p-٢٧٥)﴿رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ مُوجِدُنا ومُتَوَلِّي جَمِيعَ أُمُورِنا، فَلِهَذا أمَرَنا بِالعَدْلِ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ لِأنَّ الكُلَّ عِبادُهُ.
ولَمّا كانَ الرَّبُّ واحِدًا، أنْتَجَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا﴾ خاصَّةً بِنا لا تَعُدُّونا إلى غَيْرِنا ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ خاصَّةً بِكم لا تَعْدُوكم إلى غَيْرِكُمْ، لِأنَّهُ لا داعِيَ لِأنْ نَأْخُذَ عَمَلَ بَعْضِنا فَنُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا ذُو غَرَضٍ، وهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَهو مُنَزَّهٌ عَنِ الأغْراضِ، ولَمّا وصَلَ بِتَمامِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في إزالَةِ الرَّيْبِ وإثْباتِ الحَقِّ إلى ما هو كالشَّمْسِ لِثُبُوتِ الرِّسالَةِ بِالمُعْجِزاتِ وإعْجازِ هَذا الكِتابِ وتَصادُقِهِ مَعَ ما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وبَيانِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا نِزاعَ بَيْنَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فِيهِما كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ: ﴿لا حُجَّةَ﴾ أيْ مَوْجُودَةً بِمُحاجَّةِ أحَدٍ مِنّا لِصاحِبِهِ ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ لِأنَّ الأمْرَ وصَلَ إلى الِانْكِشافِ التّامِّ فَلا فائِدَةَ بَعْدَهُ لِلْمُحاجَّةِ فَما بَقِيَ إلّا المُجادَلَةُ بِالسُّيُوفِ، وإدارَةُ كُؤُوسِ الحُتُوفِ، لِأنّا نَعْلَمُ بِإعْلامِ اللهِ لَنا في كِتابِهِ الَّذِي دَلَّنا إعْجازُهُ لِلْخَلائِقِ عَلى أنَّهُ كَلامُهُ، (p-٢٧٦)فَنَحْنُ نُسْمِعُهُ لِذَلِكَ مِنهُ أنا عَلى مَحْضِ الحَقِّ وأنَّكم عَلى مَحْضِ الباطِلِ، وقَدْ أعْذَرْنا إلَيْكم وأوْصَلْنا بِبَراهِينِهِ إلى المُشاهَدَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ عَمَلًا بِفَضِيلَةِ الشَّجاعَةِ.
ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: أفَما تَخافُونَ اللهَ فِيمَن تُقاتِلُونَهُ وهو عِبادُهُ، أجابَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا غَيْرَ مُضْمِرٍ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ عَلى دِينٍ واحِدٍ أرادَ فَلا يَكُونُ قِتالٌ، وفي الآخِرَةِ عَلى كُلِّ حالٍ فَهو يَحْكُمُ بَيْنَنا ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فَما أقْدَمْنا عَلى القِتالِ إلّا عَنْ بَصِيرَةٍ.
ولَمّا كانَ الجامِعُ بَيْنَ ناسٍ قَدْ يَكُونُ مَآلُهم إلى غَيْرِهِ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ فِيهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمِنهُ كانَ المَبْدَأُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِهِ مِن حَيْثُ هَذا الِاسْمُ الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿المَصِيرُ﴾ حِسًّا ومَعْنًى لِتَمامِ عِزَّتِهِ وشُمُولِ عَظَمَتِهِ وكَمالِ رَحْمَتِهِ، وما كانَ فِيما بَيْنَ المَبْدَأِ والمَعادِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي كانَتْ بِحَيْثُ يَظُنُّ أنَّها خارِجَةٌ - (p-٢٧٧)لِتَصَرُّفِ الغَيْرِ فِيها - إنَّما كانَتِ ابْتِلاءً مِنهُ يُقِيمُ بِها الحُجَّةَ عَلى العِبادِ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ، وما كانَ المُتَصَرِّفُ فِيها غَيْرُهُ فَتَصَرُّفُهم إنَّما كانَ أمْرًا طارِئًا يُصَحِّحُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ويَلْزَمُهُمُ الحُجَّةَ.
42:16Page 485
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ ١٦
And those who argue concerning Allāh after He has been responded to1 - their argument is invalid with their Lord, and upon them is [His] wrath, and for them is a severe punishment.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ رَجَعُوا إلَيْهِ طَوْعًا في هَذِهِ الدّارِ بَعْدَ هَذا البَيانِ والإظْهارِ، وتَرَكُوا الجِدالَ حُجَّتَهم ثابِتَةً ولَهُمُ الرِّضا والنَّعِيمُ المُقِيمُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبْتَدِئًا بِالمَوْصُولِ لِيَصِلَهُ بِما يُفْهِمُ التَّجَدُّدَ والِاسْتِمْرارَ: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ﴾ أيْ يُورِدُونَ تَشْكِيكًا عَلى دِينِهِ الحَقِّ مِنَ الشُّبَهِ ما يُسَمُّونَهُ حُجَجًا، ولَعَلَّ الإدْغامَ يُشِيرُ إلى أنَّ أهْلَ هَذا الضَّرْبِ مُنافِقُونَ يُلْقُونَ شَبَهَهم في خَفاءٍ فَتَشْرَبُها قُلُوبُ أمْثالِهِمْ فَتَصِيرُ أهْوِيَةً فَيَضْعُفُ أمْرُها ويُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ الدُّحُوضِ بِما عِنْدَ الرَّبِّ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ لِيُعِيدُوا النّاسَ بَعْدَما دَخَلُوا في نُورِ الهُدى إلى ظَلامِ الضَّلالِ.
ولَمّا كانَتْ إقامَةُ الحُجَّةِ وإظْهارُ المُعْجِزَةِ أمْرًا مُلْزِمًا لِجَمِيعِ مَن بَلَغَهُ (p-٢٧٨)الِاسْتِجابَةَ لِوُصُولِ الأمْرِ إلى حَدٍّ مِنَ البَيانِ سَقَطَ مَعَهُ الجِدالُ، قالَ مُعْلِمًا إنَّ ما كانَ في قُوَّةِ الوُجُودِ يَصِحُّ أنَّ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَوْجُودٌ، ومُنَبِّهًا بِالجارِّ عَلى ذَمِّ هَذا الجِدالِ ولَوْ قَلَّ زَمَنُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مُطْلَقَ الِاسْتِجابَةِ لا مِن مُجِيبٍ مُعَيَّنٍ قالَ: ﴿اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيِ اسْتَجابَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ، وصارَ النّاسُ كُلُّهم بِما يَبِينُ لَهم مُسْتَجِيبِينَ بِالقُوَّةِ وإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا بِالفِعْلِ، فَإنَّ الأمْرَ قَدْ ظَهَرَ غايَةَ الظُّهُورِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا العِنادُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُرادُ والثَّمَرَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]
ولَمّا كانَ مَن خالَفَ ظاهِرُهُ باطِنَهُ ضَعِيفَ الحُجَّةِ هَلْهَلَ النَّسْجِ، قالَ مُعَبِّرًا بِمُبْتَدَأٍ ثانٍ مُفْرَدًا لِلْحُجَّةِ إشارَةً إلى ضَعْفِها: ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ أيِ الَّتِي زَعَمُوها حُجَّةً، وأخْبَرَ عَنْ هَذا المُبْتَدَأِ الثّانِي لِيَكُونَ هو وخَبَرُهُ خَبَرًا عَنِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿داحِضَةٌ﴾ أيْ زالِقَةٌ فَهي ذاهِبَةٌ غَيْرُ ثابِتَةٍ لِأجْلِ أنَّها في مُعارَضَةِ ما ظُهُورُهُ كالشَّمْسِ بَلْ أجْلى، والعِبارَةُ (p-٢٧٩)لَفْتٌ إلى صِفَةِ الإحْسانِ والعِنْدِيَّةِ إشارَةٌ إلى شِدَّةِ ظُهُورِ ما في حُجَّتِهِمْ مِنَ الدُّحُوضِ لِأنَّ عند لِلْأُمُورِ الظّاهِرَةِ المَأْلُوفَةِ، وصِفَةُ التَّرْبِيَةِ لِلْعَطْفِ والرِّفْقِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْتَضِي مَزِيدَ لُطْفٍ وعَطْفٍ، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّها هَباءٌ مَنثُورٌ عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ ولا سِيَّما إذا كانَ بِصِفَةِ عِزَّةٍ وقَهْرٍ وغَضَبٍ، فالمَعْنى أنَّ دُحُوضَها ظاهِرٌ جِدًّا ولَوْ عُومِلُوا بِصِفَةِ الإحْسانِ ولَوْ خُصُّوا بِمَزِيدِ عَطْفٍ وبِرٍّ، فَأيْنَ هَذا مِمّا لَوْ قِيلَ ”لَدى عَلِيمٍ قَدِيرٍ“ فَإنَّهُ يَفْهَمُ أنَّ دُحُوضَها لا يُدْرِكُهُ إلّا بَلِيغُ العِلْمِ تامُّ القُدْرَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ غَرِيبٌ فَيَصِيرُ فِيهِ نَوْعَ مَدْحٍ لِحُجَّتِهِمْ في الجُمْلَةِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِإفاضَةِ العَقْلِ الَّذِي جَعَلَهم بِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَمَهْما جَرَّدُوهُ عَنِ الهَوى، دَلَّهم عَلى أنَّ جَمِيعَ ما كانُوا فِيهِ باطِلٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أدْنى ما يُعَذِّبُهم بِهِ قَطْعُ إحْسانِهِ عَنْهُمْ، وأنَّهُ يَظْهَرُ بُطْلانُ ما سَمَّوْهُ حُجَّةً لِكُلِّ عاقِلٍ فَيُورِثُهُمُ الخِزْيَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الأُخْرى عَلى أنَّ قَطْعَ إحْسانِهِ هو عِنْدَ (p-٢٨٠)التَّأمُّلِ أعْلى العَذابِ ﴿وعَلَيْهِمْ﴾ زِيادَةٌ عَلى قَطْعِ الإحْسانِ ﴿غَضَبٌ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَلِيقُ بِحالِهِمُ المَذْمُومِ ووَصْفِهِمُ المَذْءُومِ ومِنهُ الطَّرْدُ، فَهم مَطْرُودُونَ عَنْ بابِهِ، مَبْعُودُونَ عَنْ جَنابِهِ، مُهانُونَ بِحِجابِهِ. ولَمّا أفْهَمَ التَّعْبِيرَ بِ ”عَلى“ ذَمَّهم بِاسْتِعْلاءِ النِّقَمِ عَلَيْهِمْ لَمْ يُشْكَلِ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ، بَلْ كانَ مُفْهِمًا التَّهَكُّمَ والمَلامَ فَقالَ: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا تَصِلُونَ إلى إدْراكِ حَقِيقَةِ وصْفِهِ، والآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى الِانْتِصارِ عَلى أهْلِ الرِّدَّةِ وضَرْبِهِمْ بِكُلِّ شِدَّةٍ لِسُوءِ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ كَما كَشَفَ عَنْهُ الحالُ عِنْدَ نَدْبِ الصَّدِيقِ إلَيْهِمْ بِالقِتالِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ.
42:17Page 485
ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧
It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.
ولَمّا جَزَمَ سُبْحانَهُ بِما تَوَعَّدَهم بَعْدَ أنْ حَكَمَ عَلى حُجَّتِهِمْ بِالدُّحُوضِ، وكانَ لا يَجْزِمُ بِالشَّيْءِ إلّا مَن كانَ نافِذَ الأمْرِ مُحِيطَ الحُكْمِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ كَذَلِكَ، مُبَيِّنًا ما بِهِ يَعْرِفُ ثَباتَ الحُجَجِ ودُحُوضَها المُسْتَلْزِمَ لِلْغَضَبِ مِنَ اللهِ المُسْتَعْقِبِ لِلْعَذابِ، بِقَوْلِهِ لافِتًا القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ تَنْبِيهًا عَلى عَظْمَةِ المُخْبِرِ عَنْهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ ﴿الَّذِي﴾ وأشارَ بِالتَّعْبِيرِ بِالإنْزالِ إلى أنَّ المُرادَ جُمْلَةُ الكِتابِ الَّذِي لا مَطْعَنَ في شَيْءٍ مِنهُ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ الكِتابَ﴾ أيْ أوْجَدَ إنْزالَهُ هو لا غَيْرُهُ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا (p-٢٨١)عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا يُبَدَّلُ وبِسَبَبِ العَمَلِ الحَقِّ العامِّ لِلْأقْوالِ والأفْعالِ والعَقائِدِ لِتَعْرِفَ الحُجَجَ الثّابِتَةَ مِن غَيْرِها.
ولَمّا كانَ الكِتابُ آمِرًا بِالعَدْلِ قالًّا وحالًّا، وكانَ مِن مَحْسُوساتِ أوامِرِهِ التَّقْدِيرُ بِالمَقادِيرِ الضّابِطَةِ، قالَ مُخَصِّصًا مُعَبِّرًا بِأقْوَمِها إشارَةً إلى أنَّ الكِتابَ أعْدَلُ عَدالَةً عِنْدَ العَقْلِ وأبْيَنُ مِنَ المِيزانِ لِلْحِسِّ: ﴿والمِيزانَ﴾ أيِ الأمْرُ بِهِ مُرِيدًا بِهِ عَيْنَهُ حَقِيقَةً وجَمِيعَها بَلْ جَمِيعُ العَدْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ في ”لا عَدْلَ بَيْنِكُمْ“ مَجازًا. ولَمّا ثَبَتَ أنَّ مَن جادَلَ فِيهِ كانَتْ حُجَّتُهُ داحِضَةً إذا حُوسِبَ في السّاعَةِ فَكانَ مُعَذَّبًا، وكانَ التَّقْدِيرُ بِما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ فِيما يُقاسِي في إنْفاذِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ العَدْلِ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وصَبْرِهِ عَلى أذاهُمْ: فَمَن فَزِعَ إلى الكِتابِ في المَعانِي وإلى المِيزانِ في الأعْيانِ فَبَنى أمْرَهُ عَلى تَحَقُّقِ العَدْلِ فِيهِما بِهِما فازَ، ومَن أهْمَلَ ذَلِكَ خابَ فَدَحَضَتْ حُجَّتُهُ وسَقَطَتْ عِنْدَ رُبْعِ مَنزِلَتِهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ مِن جارٍ يُعاجِلُ في الدُّنْيا بِالأخْذِ لِكَوْنِ أجَلَهِ الَّذِي سَبَقَتِ الكَلِمَةُ بِتَأْخِيرِهِ إلَيْهِ قَدْ حَضَرَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى أعْلى الخَلْقِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ: ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ (p-٢٨٢)يا أكْمَلَ الخَلْقِ ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] بَعْدَ أنَّ صَرَّحَ بِها في غَيْرِ آيَةٍ. ولَمّا كانَ تَأْنِيثُ السّاعَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ لِأنَّها بِمَعْنى الوَقْتِ، ذَكَرَها فَقالَ: ﴿قَرِيبٌ﴾ فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّها ذاتُ الشَّدائِدِ وأنَّ شَدائِدَها ذُكُورُ الشَّدائِدِ وأنَّ قُرْبَها أسْرَعُ مِن لَمْعِ البَرْقِ لِما لَهُ مِنَ الثَّباتِ في الحَقِّ، أوْ ذَكَرَها عَلى إرادَةِ السَّبَبِ أيْ ذاتُ قُرْبٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافَةٍ أيْ مَجِيئِها، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو دالٌّ عَلى تَفْخِيمِها أيْ إنَّكَ بِمَظِنَّةٍ مِن قُرْبِ القِيامَةِ، فَيَقَعُ بِهِمْ ما تَوَعَّدُوا بِهِ مِمّا يَنْبَغِي الإشْفاقُ مِنهُ، فَيَظْهَرُ فِيها العَدْلُ بِمَوازِينِ القِسْطِ لِجَمِيعِ الأعْمالِ ظُهُورًا لا يَتَمارى فِيهِ أحَدٌ فَيُشْرِفُ مَن وفى، ويُخْزِي مَن جارَ وجَفا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences