Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:41–49
42:41Page 487
وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١
And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].
ولَمّا كانَ هَذا سادًّا لِبابِ الِانْتِصارِ لِما يَشْعُرُ بِهِ مِن أنَّهُ ظَلَمَ عَلى كُلٍّ، قالَ مُؤَكِّدًا نَفْيًا لِهَذا الإشْعارِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ أيْ سَعى في نَصْرِ نَفْسِهِ بِجُهْدِهِ ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ بَعْدَ ظُلْمِ الغَيْرِ لَهُ ولَيْسَ قاصِدَ البُعْدِ عَنْ حَقِّهِ ولَوِ اسْتَغْرَقَ انْتِصارُهُ جَمِيعَ زَمانِ البُعْدِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما لِذَلِكَ النّاظِرِ في مَصالِحِ العِبادِ المُنْسَلِخِ مِن خَطِّ نَفْسِهِ إحْسانًا إلى عِبادِ اللهِ مِنَ الرُّتْبَةِ العُلْيا، بَيْنَ ما لِهَذا الذّابِّ عَنْ نَفْسِهِ القاصِدِ لِشِفاءِ صَدْرِهِ وذَهابِ غَيْظِهِ، فَقالَ رابِطًا لِلْجَزاءِ بِفاءِ السَّبَبِ بَيانًا لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُ ﴿مِن﴾ مَوْصُولَةً والفاءُ (p-٣٣٨)لِما لِلْمَوْصُولِ مِن شَبَهِ الشَّرْطِ.
ولَمّا عَبَّرَ أوَّلًا بِالإفْرادِ فَكانَ رُبَّما قُصِرَ الإذْنُ عَلى الواحِدِ لِئَلّا تَعْظُمَ الفِتْنَةُ، جَمْعُ إشارَةٍ إلى أنَّ الفِتْنَةَ إنَّما هي في إقْرارِ الظُّلْمِ لا في نَصْرِ المَظْلُومِ واحِدًا كانَ أوْ جَماعَةً فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ المُنْتَصِرُونَ لِأجْلِ دَفْعِ ظُلْمِ الظّالِمِ عَنْهم فَقَطْ ﴿ما عَلَيْهِمْ﴾ وأكَّدَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ عِقابٍ ولا عِتابٍ، ورَوى النِّسائِيُّ وابْنُ ماجَةَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: ”ما عَلِمْتُ حَتّى دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِغَيْرِ إذْنٍ وهي غَضْبى ثُمَّ أقْبَلَتْ عَلَيَّ فَأعْرَضْتُ عَنْها حَتّى قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: دُونَكِ فانْتَصِرِي، فَأقْبَلَتْ عَلَيْها حَتّى رَأيْتُها قَدْ يَبِسَ رِيقُها في فِيها ما تَرُدُّ عَلِيَّ شَيْئًا، فَرَأيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ وجْهُهُ“» .
42:42Page 487
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢
The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.
ولَمّا نَفى السَّبِيلَ عَنْهُ بَعْدَ تَشَوُّفِ السّامِعِ إلى مَوْضِعِ ما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الظُّلْمِ، بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيِ الطَّرِيقُ السّالِكُ إلى لا مَنعَ مِنهُ أصْلًا بِالحَرَجِ والعَنَتِ ﴿عَلى﴾ وجَمَعَ إعْلامًا بِكَثْرَةِ المُفْسِدِينَ تَجْرِئَةً عَلى الِانْتِصارِ مِنهم وإنْ كانُوا كَثِيرًا (p-٣٣٩)فَإنَّ اللهَ خاذِلُهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ بِهِمْ ظُلْمَهم تَعَمُّدًا عُدْوانًا ﴿ويَبْغُونَ﴾ أيْ يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِما يُفْسِدُها بَعْدَ إصْلاحِها بِتَهْيِئَتِها لِلصَّلاحِ طَبْعًا وفِعْلًا وعِلْمًا وعَمَلًا. ولَمّا كانَ الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ بَغْيًا وإنْ كانَ مَصْحُوبًا بِحَقٍّ كالِانْتِصارِ المُقْتَرَنِ بِالتَّعَدِّي فِيهِ قالَ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ ولَمّا أثْبَتَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الكَلامِ السَّبِيلُ، كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُغْضاءُ البُعَداءُ مِنَ اللهِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ بِما آلَمُوا مَن ظَلَمُوهُ مِن عِبادِ اللهِ بِحَيْثُ يَعُمُّ إيلامُهُ أبْدانَهم وأرْواحَهم بِما لَها مِنَ المَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ.
42:43Page 487
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣
And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1
ولَمّا أفْهَمَ سِياقُ هَذا الكَلامِ وتَرْتِيبُهُ هَكَذا أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلِمَن صَبَرَ عَنِ الِانْتِصارِ أحْسَنُ حالًا مِمَّنِ انْتَصَرَ، لِأنَّ الخَطَأ في العَفْوِ أوْلى مِنَ الخَطَأِ في الِانْتِقامِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لِما أفْهَمَهُ السِّياقُ أيْضًا مِن مَدْحِ المُنْتَصِرِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ عَنِ الِانْتِصارِ مِن غَيْرِ انْتِقامٍ ولا شَكْوى (p-٣٤٠)﴿وغَفَرَ﴾ فَصَرَّحَ بِإسْقاطِ العِقابِ والعِتابِ فَمَحا عَيْنَ الذَّنْبِ وأثَرَهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ ذَلِكَ الفِعْلُ الواقِعُ مِنهُ البالِغُ في العُلُوِّ جِدًّا لا يُوصَفُ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيِ الأُمُورُ الَّتِي هي لِما لَها مِنَ الأهْلِيَّةِ لِأنْ يَعْزِمَ عَلَيْها قَدْ صارَتْ في أنْفُسِها كَأنَّها دَواتُ العَزْمِ أوْ مُتَأهِّلَةٌ لِأنْ تَعْزِمَ عَلى ما تُرِيدُ، والعَزْمُ: الإقْدامُ عَلى الأمْرِ بَعْدَ الرَّوِيَّةِ والفِكْرَةِ، قالَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الفَرّاءِ؛ آياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى الجانِي النّادِمِ، وآياتُ مَدْحِ الِانْتِصارِ عَلى المُصِرِّ، وذَلِكَ إنَّما يُحْمَدُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَمامِ النُّصْرَةِ كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإخْوَتِهِ
﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وقالَ: فَعَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ مِنها المَوْقِفُ الأعْظَمُ الَّذِي وقَفَهُ يَوْمَ الفَتْحِ عِنْدَ بابِ الكَعْبَةِ وقالَ لِقُرَيْشٍ وهم تَحْتَهُ كالغَنَمِ المَطِيرَةِ: «ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ قالُوا: خَيْرًا، أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، قالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ»، ورَوى أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَلَمّا رَدَّ عَلَيْهِ قامَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (p-٣٤١)ثُمَّ قالَ: ”يا أبا بَكْرٍ ! ثَلاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ ما مِن عَبْدٍ ظَلَمَ مَظْلَمَةً فَعَفى عَنْها لِلَّهِ إلّا أعَزَّ اللهُ بِها نَصْرَهُ، وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِها صِلَةً إلّا زادَهُ اللهُ بِها كَثْرَةً وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ مَسْألَةٍ يُرِيدُ بِها كَثْرَةً إلّا زادَهُ اللهُ بِها قِلَّةً“» .
42:44Page 487
وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤
And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"
ولَمّا بانَ في هَذا الكَلامِ المُقْتَصِرِ عَلى الصَّبْرِ والجامِعِ إلَيْهِ الغَفْرِ والمُقْتَضِي بِالنَّصْرِ أدْرَجَهم كُلَّهم في دائِرَةِ الحَقِّ، أتْبَعَهُ مَن خَرَجَ عَنْ تِلْكَ الدّائِرَةِ، فَقالَ مُخْبِرًا أنَّ ما شاءَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ عَطْفًا عَلى نَحْوِ: فَمَن يَهْدِي اللهُ لِلْوُقُوفِ عِنْدَ هَذِهِ الحُدُودِ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ، مُبَيِّنًا بِلَفْظِ الضَّلالِ أنَّ ما شَرَعَهُ مِنَ الطَّرِيقِ في غايَةِ الوُضُوحِ لا يَزِيغُ عَنْهُ أحَدٌ إلّا بِطَرْدٍ عَظِيمٍ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ إضْلالًا واضِحًا بِما أفادَهُ الفَكُّ بِعَدَمِ البَيانِ أوْ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِمُطْلَقِ الصَّبْرِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ الِاقْتِصارُ عَلى أخْذِ الحَقِّ وبِتَأْخِيرِ الحَقِّ إلى وقْتٍ وبِالعَفْوِ وبِالغَفْرِ.
ولَمّا كانَ الضّالُّ عَنْ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَجْبُولًا عَلى الشَّرِّ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهُ﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ يَتَوَلّى (p-٣٤٢)أمْرَهُ في الهِدايَةِ بِالبَيانِ لِما أخْفاهُ اللهُ عَنْهُ أوِ التَّوْفِيقُ لِما بَيَّنَهُ لَهُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ مُعامَلَةِ اللهِ لَهُ مُعامَلَةَ البَعِيدِ مَن وكَلَهُ إلى نَفْسِهِ وغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ في شَيْءٍ مِن زَمانِ البُعْدِ ولَوْ قَلَّ.
ولَمّا كانَ مَبْنى أمْرِ الضّالِّ عَلى النَّدَمِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، قالَ عاطِفًا عَلى نَحْوٍ: فَتَرى الظّالِمِينَ قَبْلَ رُؤْيَةِ العَذابِ في غايَةِ الجَبَرُوتِ والبَطَرِ والتَّكْذِيبِ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَهم لِذَلِكَ لا يَرْجُونَ حِسابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا: ﴿وتَرى﴾ وقالَ: ﴿الظّالِمِينَ﴾ مَوْضِعُ ”وتَراهُمْ“ لِبَيانِ أنَّ الضّالَّ لا يَضَعُ شَيْئًا في مَوْضِعِهِ، ولَمّا كانَ عَذابُهم حَتْمًا، عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي فَقالَ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيِ المَعْلُومَ مَصِيرُ الظّالِمِ إلَيْهِ رُؤْيَةٌ مُحِيطَةٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ يَتَمَنَّوْنَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا لِتَدارُكِ ما فاتَ مِنَ الطّاعاتِ المُوجِبَةِ لِلنَّجاةِ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ مُكَرِّرِينَ مِمّا اعْتَراهم مِنَ الدَّهَشِ وغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الوَجَلِ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ﴾ أيْ رَدٍّ إلى دارِ العَمَلِ وزَمانُهُ مُخَلِّصٌ مِن هَذا العَذابِ ﴿مِن سَبِيلٍ﴾
42:45Page 488
وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥
And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."
ولَمّا أثْبَتَ رُؤْيَتَهُمُ العَذابَ، أثْبَتَ دُنُوَّهم مِن مَحَلِّهِ وبَيْنَ حالِهِمْ في ذَلِكَ الدُّنُوِّ فَقالَ: ﴿وتَراهُمْ﴾ أيْ يا أكْمَلَ الخَلْقِ ويا أيُّها المُتَشَوِّفُ (p-٣٤٣)إلى العِلْمِ بِحالِهِمْ بِعَيْنِكَ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُ عَرْضَهم ويُكَرِّرُ، وهو إلْجاؤُهم إلى أنْ يُقارِنُوها بِعَرْضِهِمُ الَّذِي يُلْزِمُ مُحاذاتِهِمْ لَها أيْضًا بِطُولِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّها مَصِيرُهم فَلا مانِعَ لَها مِنهم ﴿عَلَيْها﴾ أيِ النّارِ الَّتِي هي دارُ العَذابِ مُكَرِّرًا عَرْضَهم في طُولِ المَوْقِفِ مَعَ ما هم فِيهِ مِن تِلْكَ الأهْوالِ بِمُقاساةِ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْمالِ الثِّقالِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ في غايَةِ الضَّعَةِ والإلْقاءِ بِاليَدِ خُشُوعًا هو ثابِتٌ لَهم.
ولَمّا كانَ الخُشُوعُ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا قالَ: ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ لِأنَّهم عَرَفُوا إذْ ذاكَ ذُنُوبُهم وانْكَشَفَتْ لَهم عَظْمَةُ مَن عَصَوْهُ.
ولَمّا كانَ الذُّلُّ ألْوانًا، صَوَّرَهُ بِأقْبَحِ صُورَةٍ فَقالَ مُعَبِّرًا بِلَفْظِ النَّظَرِ الَّذِي هو مُماسَّةُ البَصَرِ لِظاهِرِ المُبْصِرِ: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرَهُمُ المُتَكَرِّرَ ﴿مِن طَرْفٍ﴾ أيْ تَحْرِيكٍ لِلْأجْفانِ ﴿خَفِيٍّ﴾ يَعْرِفُ فِيهِ الذُّلَّ لِأنَّهُ لا يَكادُ مِن عَدَمِ التَّحْدِيقِ يَظُنُّ أنَّهُ يَطْرِفُ لِأنَّهم يُسارِقُونَ النَّظَرَ مُسارَقَةً كَما تَرى الإنْسانَ يَنْظُرُ إلى المَكارِهِ، والصَّبُورَ يَنْظُرُ (p-٣٤٤)إلى السَّيْفِ الَّذِي جُرِّدَ لَهُ فَهو بِحَيْثُ لا يُحَقِّقُ مَنظُورًا إلَيْهِ، بَلْ رُبَّما تَخَيَّلَهُ بِأعْظَمِ مِمّا هو عَلَيْهِ. ولَمّا صَوَّرَ حالَهم وكانَ مِن أفْظَعِ الأشْياءِ وأقْطَعِها لِلْقُلُوبِ شَماتَةُ العَدُوِّ، قالَ مُبَشِّرًا لِجَمِيعِ أصْنافِ أهْلِ الإيمانِ ورادِعًا لِأهْلِ الكُفْرانِ: ﴿وقالَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ الأعْظَمِ عَلى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ لَهم والتَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ سَواءٌ كانَ إيقاعُهم لَها في أدْنى الرُّتَبِ أوْ أعْلاها عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم عَلى هَذا الحالِ، مُؤَكِّدِينَ لِتَحْقِيقِ مَقالِهِمْ عِنْدَ مَن قَضى بِضَلالِهِمْ والإعْلامِ بِما لَهم مِنَ السُّرُورِ بِصَلاحِ حالِهِمْ، والحَمْدُ لِمَن مَنَّ عَلَيْهِمْ بِحِسِّ مُنْقَلَبِهِمْ ومَآلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا في الدُّنْيا لِما غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ عِنْدَما تَحَقَّقُوا هَذِهِ المَواعِظَ: ﴿إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ كَمُلَتْ خَسارَتُهم هم خاصَّةً ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِما اسْتَغْرَقَها مِنَ العَذابِ ﴿وأهْلِيهِمْ﴾ بِمُفارَقَتِهِمْ لَهم إمّا في إطْباقِ العَذابِ إنْ كانُوا مِثْلَهم في الخُسْرانِ أوْ في دارِ الثَّوابِ إنْ كانُوا مِن أهْلِ الإيمانِ. (p-٣٤٥)ولَمّا أخْبَرَ بِخَسارَتِهِمْ بَيْنَ ظَرْفِها تَهْوِيلًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِهَذا القَوْلِ وهو أرْدَعُ لِمَن لَهُ مَسْكَةٌ لِأنَّ مَن جَوَّزَ أنْ يَخْسَرَ وأنَّ عَدُوَّهُ يَطَّلِعُ عَلى خَسارَتِهِ ويَظْهَرُ الشَّماتَةَ بِهِ، كانَ جَدِيرًا بِأنْ يَتْرُكَ السَّبَبَ الحامِلَ عَلى الخَسارَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِي هو يَوْمُ فَوْتِ التَّدارُكِ لِأنَّهُ لِلْجَزاءِ لا لِلْعَمَلِ لِفَواتِ شَرْطِهِ بِفَواتِ الإيمانِ بِالغَيْبِ لِانْكِشافِ الغِطاءِ. ولَمّا كانَ هَذا نِهايَةَ الخَسارَةِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُنادِيًا ذاكِرًا سَبَبَ هَذِهِ الخَسارَةِ المُعَيَّنَةِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الظّالِمِينَ لَها وإنْ كانَ مَن تَتِمَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ هُناكَ، فالتَّأْكِيدُ مَعَ ما يُفِيدُ الإخْبارُ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ مِن رَدْعِ المُنْكِرِ لِلْإعْلامِ بِما لَهم مِنَ اللَّذَّةِ فِيما رَأوْا مِن سُوءِ حالِهِمْ وتَقَطُّعِ أوْصالِهِمْ ورَجائِهِمْ مِن أنْ يَنْقَطِعَ عَنْهم ذَلِكَ كَما يَنْقَطِعُ عَنْ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في هَذا الوَصْفِ فَهم بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ فِعْلِ الماشِي في الظَّلامِ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ لا يُزايِلُهم أصْلًا، فَلِذَلِكَ لا يَفْرَغُونَ مِنهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَلِذَلِكَ كانَ خُسْرانُهم لِكُلِّ شَيْءٍ.
42:46Page 488
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦
And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.
ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن وقَعَ في ورْطَةٍ وجَدَ في الأغْلَبِ ولِيًّا يَنْصُرُهُ أوْ سَبِيلًا يُنَجِّيهِ، قالَ عاطِفًا عَلى﴿وتَراهُمْ﴾ [الشورى: ٤٥] أوْ ”(p-٣٤٦)ألا إنَّ“: ﴿وما كانَ﴾ أيْ صَحَّ ووَجَدَ ﴿لَهُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ فَما لَهم مِن ولِيٍّ لِأنَّ النُّصْرَةَ إذا انْتَفَتْ مِنَ الجَمْعِ انْتَفَتْ مِنَ الواحِدِ مِن بابِ الأوْلى.
ولَمّا كانَ مَن يَفْعَلُ فِعْلَ القَرِيبِ لا يُفِيدُ إلّا إنْ كانَ قادِرًا عَلى النُّصْرَةِ قالَ: ﴿يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أيْ يُوجِدُونَ نَصْرَهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لا في الدُّنْيا بِأنْ يَقْدِرُوا عَلى إنْقاذِهِمْ مِن وصْفِ الظُّلْمِ ولا في الآخِرَةِ بِإنْقاذِهِمْ مِمّا جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ. ولَمّا كانَ اللهُ تَعالى يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ بِواسِطَةٍ أوْ غَيْرِها قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ ذَلِكَ وما اسْتَقامَ بِوَجْهٍ بِغَيْرِهِ، وأمّا هو فَيَصِحُّ ذَلِكَ مِنهُ ويَسْتَقِيمُ لَهُ لِإحاطَتِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ ولَوْ أرادَ لَفَعَلَ ولَمّا بَيَّنَ ما لَهم بَيَّنَ ما لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ كائِنًا مَن كانَ، فَقالَ بِناءً عَلى نَحْوِ: لِأنَّهُ هو الَّذِي أضَلَّهُمْ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ يُوجَدُ ضَلالُهُ إيجادًا بَلِيغًا بِما أفادَهُ الفَكُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِعَدَمِ البَيانِ لَهُ أوْ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ بَعْدَ البَيانِ: ﴿فَما لَهُ﴾ بِسَبَبِ إضْلالٍ لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ تَنْجِيَةٍ مِنَ الضَّلالِ ولا مِمّا تَسَبَّبَ عَنْهُ مِنَ العَذابِ.
42:47Page 488
ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧
Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1
ولَمّا كانَ (p-٣٤٧)هَذا، أنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أيِ اطْلُبُوا الإجابَةَ وأوْجِدُوها، ولَفَتَ القَوْلَ إلى الوَصْفِ الإحْسانِيِّ تَذْكِيرًا بِما يُحِثُّ عَلى الوِفاقِ، ويَخْجَلُ مِنَ الخِلافِ والشِّقاقِ، فَقالَ: ﴿لِرَبِّكُمْ﴾ الَّذِي لَمْ تَرَوْا إحْسانًا إلّا وهو مِنهُ فِيما دَعاكم إلَيْهِ بِرَسُولِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الوَفاءِ بِعَهْدِهِ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ولا تَكُونُوا مِمَّنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَتَكُونُوا مِمَّنْ عَلِمَ أنَّهُ أضَلَّهُ فانْسَدَّ عَلَيْهِ السَّبِيلُ.
ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ الفَوْتِ مُوجِبًا لِلْمُبادَرَةِ، قالَ مُشِيرًا بِالجارِّ إلى أنَّهُ يُعْتَدُّ بِأدْنى خَيْرٍ يَكُونُ في أدْنى زَمَنٍ يَتَّصِلُ بِالمَوْتِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ أيْ يَكُونُ فِيهِ ما لا يُمْكِنُ مَعَهُ فَلاحٌ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ لافِتًا إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِأوْصافِ الإحْسانِ والإنْعامِ عَلى المُطِيعِينَ والقَهْرِ والِانْتِقامِ مِنَ العاصِينَ: ﴿لا مَرَدَّ﴾ أيْ لا رَدَّ ولا مَوْضِعَ رَدٍّ ولا زَمانَ رَدٍّ ﴿لَهُ﴾ كائِنٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرَدٌّ مِنهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرَدٌّ مِن غَيْرِهِ، ومَتى عُدِمَ ذاكَ أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ مَكانٍ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحِصْنٍ تَتَحَصَّنُونَ فِيهِ مِن شَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، وزادَ في التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ النّافِي وما في حَيِّزِهِ إبْلاغًا في التَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ (p-٣٤٨)أيْ مِن إنْكارٍ يُمَكِّنُكم بِهِ مِنَ النَّجاةِ لِأنَّ الحَفَظَةَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكم فَإنْ صَدَقْتُمُوهم وإلّا شَهِدَتْ عَلَيْكم أعْضاؤُكم وجُلُودُكُمْ، ولا لَكم مِن أحَدٍ يُنْكِرُ شَيْئًا مِمّا تَتَجاوَزُونَ بِهِ لِيُخَلِّصَكم مِنهُ.
42:48Page 488
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ ٤٨
But if they turn away - then We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from Us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.
ولَمّا أنْهى ما قَدَّمَهُ في قَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣] نِهايَتُهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ وعَلى كُلِّ ما قادَتْهُ الحِكْمَةُ في حَيِّزِهِ حَتّى لَمَّ يَبْقَ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَهْدِيدِهِمْ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَسْلِيَةَ رَسُولِهِمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيْ عَنْ إجابَةِ هَذا الدُّعاءِ الَّذِي وجَبَتْ إجابَتُهُ والشَّرْعُ الَّذِي وضَّحَتْ وصَحَّتْ طَرِيقَتُهُ بِما تَأيَّدَ بِهِ مِنَ الحُجَجِ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ دَفْعًا لِما قَدْ يُوهِمُ الإرْسالَ مِنَ الحاجَةِ فَقالَ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ نَقْهَرُهم عَلى امْتِثالِ ما أرْسَلْناكَ بِهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ. فَأعْرَضَ عَنْ غَيْرِ إبْلاغِهِمْ لِأنّا إنَّما أرْسَلْناكَ مُبَلِّغًا، وُضِعَ مَوْضِعُهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ لِما أرْسَلْناكَ بِهِ، وأمّا الهِدايَةُ والإضْلالُ فَإلَيْنا. (p-٣٤٩)ولَمّا ضَمِنَ لِهَذِهِ الآيَةِ ما أرْسَلَهُ لَهُ، أتْبَعَهُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ بَيانًا لِأنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا حُكْمَ لَهُ عَلى الطِّباعِ وأنَّ الَّذِي عَلَيْهِ إنَّما هو الإسْماعُ لا السَّماعُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما قَبْلَ آيَةِ الشَّرْعِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٢] حاكِيًا لَهُ في أُسْلُوبِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَمّا هو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُعْرِضَ عَنْهُ عاقِلٌ، وإيماءٌ إلى أنَّ الإنْسانَ لِغَلَبَةِ جَهْلِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ يَجْتَرِئُ بِأدْنى تَأْنِيسٍ عَلى مَن تُجَسَّدُ الجِبالُ لِعَظَمَتِهِ وتَنْدَكُّ الشَّوامِخُ مِن هَيْبَتِهِ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لا يُمْكِنُ مُخالَفَتُها. ولَمّا كانَ مَن يَفْرَحُ بِالنِّعْمَةِ عِنْدَ انْفِرادِهِ بِها مَذْمُومًا، عَبَّرَ بِالجِنْسِ الصّالِحِ لِلْواحِدِ فَما فَوْقَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَبْعَ الإنْسانِ عَدَمُ الِاهْتِمامِ بِشَدائِدِ الإخْوانِ إلّا مَن أقامَهُ اللهُ في مَقامِ الإحْسانِ فَقالَ: ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ بِما جَبَلْناهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ بِالعَجَلَةِ وعَدَمِ التَّمالُكِ ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ نَوْعًا مِن أنْواعِ الإكْرامِ مِن صِحَّةٍ (p-٣٥٠)أوْ غِنًى ونَحْوِ ذَلِكَ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا مِن نَفْسِهِ ولَوْ كانَ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وكَذا عَبَّرَ بِالإنْسانِ فَقالَ: ﴿فَرِحَ بِها﴾ أيْ ولَوْ أنَّ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم في نِقْمَةٍ وبُؤْسٍ وعَمًى فَأخْرَجَهُ الفَرَحُ عَنْ تَأمُّلِ ما يَنْفَعُهُ لِيَشْكُرَ، فَكانَ ذَلِكَ لِذَلِكَ كافِرًا لِلنِّعْمَةِ لِأنَّهُ أبْدَلَ الشُّكْرَ بِالفَرَحِ والكُفْرَ فَتَوَصَّلَ بِالعافِيَةِ إلى المُخالَفَةِ، فَأوْقَعَ نَفْسَهُ في أعْظَمِ البَلاءِ.
ولَمّا دَلَّ بِأداةِ التَّحَقُّقِ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ هي الأصْلُ لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ، وأنَّها سَبَقَتْ غَضَبَهُ، دَلَّ عَلى أنَّ السَّيِّئَةَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِأداةِ الشَّكِّ والمُضارِعِ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾ ولَمّا كانَتِ المُشارَكَةُ في الشَّدائِدِ تُهَوِّنُ المَصائِبَ، فَكانَ مَن يَزِيدُ غَمَّهُ بِخُصُوصِ مُصِيبَتِهِ عِنْدَ العُمُومِ مَذْمُومًا، نَبَّهَ عَلى نَقْصِ الإنْسانِ بِذَلِكَ بِالجَمْعِ فَقالَ: ﴿تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ نِقْمَةٌ وبَلاءٌ وشِدَّةٌ. ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ فَضْلًا مِنهُ، أعْلَمَهم أنَّ السَّيِّئَةَ مُسَبِّبَةٌ عَنْهم فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ الجُمْلَةِ لِأنَّ أكْثَرَ العَمَلِ بِها. ولَمّا كانَ الجَوابُ عَلى نَهْجِ الأوَّلِ: حَزِنُوا فَكَفَرُوا، وعَدَلَ عَنْهُ إلى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مَوْضِعُ الكُفْرانِ، (p-٣٥١)ولَمّا كانُوا يَدْعُونَ الشُّكْرَ ويُنْكِرُونَ الكُفْرَ، أكَّدَ قَوْلَهُ وسَبَّبَ عَنْ تِلْكَ الإصابَةِ والإذاقَةِ مَعًا إشارَةً إلى أنَّهُ لا أصْلَ لَهُ غَيْرُهُما، فَقالَ مُظْهِرًا مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِيَنُصَّ عَلى الحُكْمِ عَلى الجِنْسِ مِن حَيْثُ هُوَ: ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ أيِ الآنِسَ بِنَفْسِهِ المُعْرِضَ عَنْ غَيْرِهِ بِما هو طَبْعٌ لَهُ بِسَبَبِ مَسِّهِ بِضُرٍّ ﴿كَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ لِلنِّعَمِ نَسّاءً لَهُ، يَنْسى بِأوَّلِ صَدْمَةٍ مِنَ النِّقْمَةِ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ النِّعَمِ، ولا يَعْرِفُ إلّا الحالَةَ الرّاهِنَةَ، فَإنْ كانَ في نِعَمِهِ أشَرٌ وبَطَرٌ، وإنْ كانَ في نِقَمِهِ أيْسٌ وقَنَطٌ، وهَذا حالُ الجِنْسِ مِن حَيْثُ هُوَ، ومَن وفَّقَهُ اللهُ جَنَّبَهُ ذَلِكَ كَما قالَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”المُؤْمِنُ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ“ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلْمُؤْمِنِ،» والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الفَرَحِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الحُزْنِ ثانِيًا، وذِكْرُ الكُفْرانِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.
42:49Page 488
لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩
To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He creates what He wills. He gives to whom He wills female [children], and He gives to whom He wills males.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ في عالَمِ (p-٣٥٢)الخَلْقِ بِالأجْسامِ المَرْئِيَّةِ وفي عالِمِ الأمْرِ بِالأرْواحِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ القائِمَةِ بِالأبْدانِ والمُدَبِّرَةِ لِلْأدْيانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن بَدِيعِ الشَّأْنِ، فَقالَ في افْتِتاحِ السُّورَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣] وأتْبَعَهُ أشْكالَهُ إلى أنْ قالَ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] الآيَةُ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ [الشورى: ١١] - الآيَةُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشورى: ١٢] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] - الآيَةُ،
﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] - الآيَةُ إلى أنْ ذَكَرَ أحْوالَ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ﴾ [الشورى: ٤٤] - الآياتُ، وخَتَمَ بِتَصَرُّفِهِ المُطْلَقِ في الإنْسانِ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ، وما لَهُ مِنَ الطَّبْعِ المُعْوَجِّ مَعَ ما وهَبَهُ لَهُ مِنَ العَقْلِ المُقَيَّمِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ مُلْكًا ومَلَكُوتًا خَلْقًا وأمْرًا، أتْبَعُهُ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ تَصَرُّفَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُلْكِ والقَهْرَ إيجادًا وإعْدامًا إهانَةً وإكْرامًا، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ الَّتِي (p-٣٥٣)مِن حَقِّها دَوامُ الخُضُوعِ وإهْلاكِ الجَبابِرَةِ إلى أعْظَمَ مِنها بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِمَظْهَرِ العَظَمَةِ ومَقامِ اللُّطْفِ والإحْسانِ والرَّحْمَةِ نَتِيجَةً لِكُلِّ ما مَضى: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾ كُلُّها عَلى عُلُوِّها وارْتِفاعِها وتَطابُقِها وكِبَرِها وعِظَمِها وتَباعُدِ أقْطارِها ﴿والأرْضِ﴾ جَمِيعُها عَلى تَبايُنِها وتَكاثُفِها واخْتِلافُ أقْطارِها وسُكّانِها واتِّساعِها.
ولَمّا أخْبَرَ بِانْفِرادِهِ بِالمُلْكِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ اخْتِيارِ العِبادِ، ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما يُشاهِدُ مِن حالِ النّاسِ فَإنَّهُ لِما اسْتَوى البَشَرُ في الإنْسانِيَّةِ والنِّكاحِ الَّذِي هو سَبَبُ الوِلادَةِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُ أوْلادِهِمْ. كانَ ذَلِكَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ لا اخْتِيارَ لِأحَدٍ مَعَهُ وأنَّ الأسْبابَ لا تُؤَثِّرُ أصْلًا إلّا بِهِ. ولَمّا كانَتْ وِلادَةُ الإناثِ أدَلُّ عَلى عَدَمِ اخْتِيارِ الوَلَدِ وكانُوا يَعُدُّونَهُ مِنَ البَلاءِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها قَدَّمَهُنَّ في الذِّكْرِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ﴾ خَلْقًا ومَوْلِدًا ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أوْلادًا (p-٣٥٤)﴿إناثًا﴾ أيْ فَقَطْ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذِكْرٌ كَما في لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ الأوْهامَ العادِيَّةَ قَدْ تَكْتَنِفُ العَقْلَ فَتَحْجُبُهُ عَنْ تَأمُّلِ مَحاسِنِ التَّدْبِيراتِ الإلَهِيَّةِ، وتَرْمِي بِهِ في مُهاوِي الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَيَقَعُ المُسْلِمُ مَعَ إسْلامِهِ في مُضاهاةِ الكُفّارِ في كَراهَةِ البَناتِ وفي وادِي الوَأْدِ بِتَضْيِيعِهِنَّ أوِ التَّقْصِيرِ في حُقُوقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُنْثى نِعْمَةٌ، وأنَّ نِعْمَتَها لا تَنْقُصُ عَنْ نِعْمَةِ الذَّكَرِ ورُبَّما زادَتْ، وإيقاظًا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ وإنْ كانَ لِما قَدَّمَتْهُ لا يُقَدِّمُ تَأْنِيسًا وتَوْصِيَةً لَهُنَّ واهْتِمامًا بِأمْرِهِنَّ، نَقَلَ ابْنُ مَيْلَقٍ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّ واثِلَةَ بْنَ الأسْقَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: مَن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ، ولِذَلِكَ رَغَّبَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الإحْسانِ إلَيْهِنَّ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أجَرًا كَبِيرًا ولِأجْلِ تَضْمِينِ الهِبَةِ مَعَ الخَلْقِ عَداها بِاللّامِ مَعَ أنَّ فِعْلَها مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ الوَلَدَ كانَ لِغَيْرِ الوالِدِ ووَهَبَهُ اللهُ لَهُ. (p-٣٥٥)ولَمّا كانَ الذَّكَرُ حاضِرًا في الذِّهْنِ لِشَرَفِهِ ومَيْلِ النَّفْسِ إلَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ ذَكَرَ بِهِ ذِكْرَ الإناثِ، عَرَّفَ لِذَلِكَ وجَبْرًا لِما فَوَّتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ في الذَّكَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ما أخَّرَ إلّا لَمّا ذَكَرَ مِنَ المَعْنى فَقالَ: ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ أيْ فَقَطْ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ أُنْثى كَما صَنَعَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو عَمُّ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences