Al-Biqa'iAsh‑Shuraa · 42:50–52

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:50–52

42:50Page 488

أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٥٠

Or He makes them [both] males and females, and He renders whom He wills barren. Indeed, He is Knowing and Competent.

ولَمّا فَرَغَ مِنَ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَطَفَ عَلَيْهِما قَسِيمًا لَهُما ودَلَّ عَلى أنَّهُ قَسَّمَ بِأوْ فَقالَ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أيِ الأوْلادُ بِجَعْلِهِمُ أزْواجًا أيْ صِنْفَيْنِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾ مُجْتَمِعَيْنِ في بَطْنٍ ومُنْفَرِدَيْنِ كَما مَنَحَ مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَتَّبَهُما هُنا عَلى الأصْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ما فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فِيما مَضى إلّا لِنُكَتٍ جَلِيلَةٍ فَيَجِبُ تَطَلُّبُها، وعَبَّرَ في الذِّكْرِ بِما هو أبْلَغُ في الكَثْرَةِ تَرْغِيبًا في سُؤالِهِ، والخُضُوعِ لَدَيْهِ رَجاءَ نُوالِهِ.

ولَمّا فَرَغَ مِن أقْسامِ المَوْهُوبِينَ الثَّلاثَةِ، عَطَفَ عَلى الإنْعامِ بِالهِبَةِ سَلْبَ ذَلِكَ، فَقالَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ مَثَلًا: ولا يَهَبُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِمَن (p-٣٥٦)يَشاءُ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ أيْ لا يُولَدُ لَهُ كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذا قالُوهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ مِثالًا فَإنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ، قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ، وأصْلُ العَقِيمِ اليُبْسُ المانِعُ مِن قابِلِيَّةِ التَّأثُّرِ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤَثِّرَ، والدّاءُ العِقامُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ البُرْءَ - انْتَهى. فَهَذا الَّذِي ذَكَرَ أصْرَحَ في المُرادِ لِأجْلِ ذِكْرِ العُقْمِ، وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ لِأنَّ شامِلَ لِمَن لَهُ قُوَّةُ الجِماعِ والإنْزالِ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّ عَدَمَ الوَلَدِ لِعَدَمِ تَعاطِي أسْبابِهِ، وذَكَرُوا في هَذا القِسْمِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولا يَصِحُّ لِأنَّهُ ورَدَ أنَّهُ يَتَزَوَّجُ بَعْدَ نُزُولِهِ ويُولَدُ لَهُ، وهَذِهِ القِسْمَةُ الرُّباعِيَّةُ في الأُصُولِ كالقِسْمَةِ الرُّباعِيَّةِ في الفُرُوعِ، بَعْضُهم لا مَن ذَكَرَ ولا أُنْثى كَآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَعْضُهم مِن ذَكَرٍ فَقَطْ كَحَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ، وبَعْضُهم مِن أُنْثى فَقَطْ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْضُهم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وهو أغْلَبُ النّاسِ، فَتَمَّتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ ما شاءَ كانَ ولا رادَّ لَهُ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولا مُكَوِّنَ لَهُ ولا مانِعَ أعْطى ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ.

ولَمّا دَلَّ هَذا الدَّلِيلُ الشُّهُودِيُّ عَلى ما بُنِيَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ مِن إثْباتِ المُلْكِ لَهُ وحْدَهُ مَعَ ما زادَتْ بِهِ مِن جِنْسِ السِّياقِ وعُذُوبَةِ الألْفاظِ (p-٣٥٧)وإحْكامُ الشَّكِّ وإعْجازُ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ، كانَتِ النَّتِيجَةُ قَطْعًا لِتَضَمُّنِ إشْراكِهِمْ بِهِ الطَّعْنَ في تَوَحُّدِهِ بِالمُلْكِ مُقَدِّمًا فِيها الوَصْفَ الَّذِي هو أعْظَمُ شُرُوطِ المُلْكِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِمَصالِحِ العِبادِ وغَيْرِها ﴿قَدِيرٌ﴾ شامِلُ القُدْرَةِ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.

42:51Page 488

۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ ٥١

And it is not for any human being that Allāh should speak to him except by revelation or from behind a partition or that He sends a messenger [i.e., angel] to reveal, by His permission, what He wills. Indeed, He is Most High and Wise.

ولَمّا تَمَّ القَسَمُ الأوَّلُ مِمّا بَنى عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ، والقُدْرَةُ فِيهِ أظْهَرُ وِفاقًا لِما خُتِمَتْ بِهِ الآيَةُ، وكانَ قَدْ يَكُونُ خَلْقُهُ إيّاهُ إبْداعًا مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ، وقَدْ يَكُونُ بِتَوْسِيطِ سَبَبٍ، أتْبَعَهُ القَسَمُ الآخَرُ الأعْلى الَّذِي العِلْمُ فِيهِ أظْهَرُ وهو الوَحْيُ الَّذِي خُتِمَتْ آيَتُهُ أوَّلَ السُّورَةِ بِالحِكْمَةِ الَّتِي هي سِرُّ العِلْمِ وقَسَمُهُ أيْضًا إلى ما هو بِواسِطَةٍ وإلى ما هو بِغَيْرِ واسِطَةٍ ولَكِنْ سِرَّ التَّقْدِيرِ في القَسَمِ الأوَّلِ الكَلامِ وهو الَّذِي شَرُفَ بِهِ وكانَ لا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَتَكَلَّمَ إلّا بِتَكْلِيمِ اللهِ لَهُ أيْ إيجادُهُ الكَلامَ في قَلْبِهِ قالَ: ﴿وما﴾ أيْ وهو سُبْحانَهُ تامُّ العِلْمِ شامِلُ القُدْرَةِ غَرَزَ في البَشَرِ غَرِيزَةَ العِلْمِ وأقْدَرَهُ عَلى النُّطْقِ بِهِ بِقُدْرَتِهِ وحْيًا مِنهُ إلَيْهِ كَما أوْحى إلى النَّحْلِ ونَحْوِها والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ لِبَشَرٍ﴾ مِنَ الأقْسامِ المَذْكُورَةِ، وحَلَّ المَصْدَرَ الَّذِي هو اسْمُ ”كانَ“ لِيَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ فَقالَ: ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ﴾ (p-٣٥٨)وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ إعْظامًا لِلْوَحْيِ وتَشْرِيفًا لِمِقْدارِهِ بِجَلالَةِ إيثارِهِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ يُوجَدُ المَلِكُ الأعْظَمُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ في قَلْبِهِ كَلامًا ﴿إلا وحْيًا﴾ أيْ كَلامًا خَفِيًّا يُوجِدُهُ فِيهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ بِوَجْهٍ خَفِيٍّ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا بِخارِقِ العادَةِ إمّا بِإلْهامٍ أوْ بِرُؤْيا مَنامٍ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ سَواءٌ خَلَقَ اللهُ في المُكَلِّمِ بِهِ قُوَّةَ السَّماعِ لَهُ وهو أشْرَفُ هَذِهِ الأقْسامِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مَعَ الرُّؤْيَةِ لِيَكُونَ قَسِيمًا لِما بَعْدَهُ أوَّلًا أوْ يَخْلُقُ فِيهِ ذَلِكَ ومِن هَذا القَسَمِ الأخِيرِ ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فصلت: ١٢] فَإنَّ إيداعَها القُوى الَّتِي يَحْصُلُ بِها المَنافِعُ مِثْلَ إيداعِ الإنْسانِ قُوَّةَ الكَلامِ ثُمَّ قُوَّةَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ - واللهُ أعْلَمُ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ القاضِي عِياضٍ في الشِّفاءِ في آخِرِ الفَصْلِ الثّانِي مِنَ البابِ الرّابِعِ في الإعْجازِ: وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا﴾ الآيَةُ أيْ ما يُلْقِيهِ في قَلْبِهِ دُونَ واسِطَةٍ، ومَعْنى قَوْلِ الإمامِ شِهابِ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيِّ في البابِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن عَوارِفِهِ: والعُلُومِ اللَّدُنْيَّةِ (p-٣٥٩)فِي قُلُوبِ المُنْقَطِعِينَ إلى اللهِ ضَرْبٌ مِنَ المُكالَمَةِ.

ولَمّا كانَ الحِجابُ الحِسِّيُّ يُخْفِي ما وراءَهُ عَنِ العِيانِ، اسْتُعِيرَ لِمُطْلَقِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿أوْ مِن﴾ أيْ كَلامًا كائِنًا بِلا واسِطَةٍ، لَكِنَّهُ مَعَ السَّماعِ لَعِينِ كَلامِ اللهِ كائِنٌ صاحِبَهُ مِن ﴿وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ مِن وجْهٍ لا يُرى فِيهِ المُتَكَلِّمُ مَعَ السَّماعِ لِلْكَلامِ عَلى وجْهِ الجَهْرِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والمَحْجُوبُ العَبْدُ لا الرَّبُّ، والحِجابُ أنْ يَخْلُقَ في مَحَلِّ الرُّؤْيَةِ ضِدُّ الرُّؤْيَةِ، وتَعالى اللهُ أنْ يَكُونَ مِن وراءِ حِجابٍ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الأجْسامِ - انْتَهى.

والآيَةُ يُمْكِنُ تَنْزِيلُها عَلى الِاحْتِباكِ بِأنْ يَكُونَ ذِكْرُ الحِجابِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِ أوَّلًا، وذِكْرُ الوَحْيِ الدّالِّ عَلى الخَفاءِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الجَهْرِ ثانِيًا، والحِجابُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الرُّؤْيَةِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنْ تَرْكَ التَّصْرِيحِ والدَّلالَةِ عَلَيْها بِالحِجابِ أوْلى بِسِياقِ العَظَمَةِ.

ولَمّا كانَ الَّذِي بَلا واسِطَةٍ مَعَ كَوْنِهِ أخْفى الأقْسامِ لَيْسَ فِيهِ صَوْتٌ ولا تَرَتَّبَ في كَلِماتٍ، عَبَّرَ فِيهِ بِالمَصْدَرِ وعَبَّرَ بِما يُلْقِيهِ المَلِكُ بِما يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ فَقالَ: ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى المَصْدَرِ بَعْدَ تَقْدِيرِ حَلِّهِ ﴿رَسُولا﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ. ولَمّا كانَ الوَحْيُ مُسَبِّبًا (p-٣٦٠)عَنِ الإرْسالِ ومُرَتِّبًا عَلَيْهِ قالَ: ﴿فَيُوحِيَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والتَّرْتِيبِ، وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعٍ يُرْسِلُ ويُوحِي بِتَقْدِيرِ: أوْ هو يُرْسِلُ. ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ لِلْواسِطَةِ فِعْلًا يَخْرُجُ عَنْ فِعْلِهِ، رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِإقْدارِهِ وتَمْكِينِهِ، فَذَلِكَ المَبْلَغُ إنَّما هو آلَةٌ. ولَمّا كانَ رَسُولُهُ لا يَخْرُجُ عَمّا حَدَّهُ لَهُ بِوَجْهٍ قالَ: ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ لا يَتَعَدّى مُرادَهُ وإقْدارَهُ أصْلًا فَهو المُكَلِّمُ في الحَقِيقَةِ وقَدْ بانَ أنَّها ثَلاثَةُ أقْسامٍ: أوَّلُها فِيهِ قَسَمانِ، خُصَّ الأوَّلُ بِقَسَمَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِ الوَحْيِ لِأنَّهُ كَما مَرَّ أخْفاها وهو أيْضًا يَقَعُ دُفْعَةً، والوَحْيُ يَدُورُ مَعْناهُ عَلى الخَفاءِ والسُّرْعَةِ.

ولَمّا كانَتِ الأقْسامُ دالَّةً عَلى العَظَمَةِ الباهِرَةِ، وكانَتْ لِلرُّوحِ البَدَنِيِّ لِأنَّ رُوحُ الوَحْيِ يُكْسِبُ الرُّوحَ البَدَنِيَّ حَياةَ العِلْمِ كَما أفادَ الرُّوحُ البَدَنَ حَياةَ الحَرَكَةِ بِالإرادَةِ والحِسِّ، كانَتِ النَّتِيجَةُ مُؤَكَّدَةٌ لِتَضَمُّنِ طَعْنِهِمْ في الرَّسُولِ والقُرْآنِ والتَّوْحِيدِ طَعْنِهِمْ في مَضْمُونِ الجُمْلَةِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذا التَّصَرُّفُ العَظِيمُ في هَذا الوَحْيِ الكَرِيمِ ﴿عَلِيٌّ﴾ أيْ بالِغُ العُلُوِّ حَدًّا مِمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ وبِما يَكُونُ لِلْخَلْقِ عَنْ جَنابِهِ مِنَ السُّفُولِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَجْبِ فَلا يَلْبَسُ شَيْءٌ مِمّا يُعَبِّرُ (p-٣٦١)بِهِ تَقْرِيبًا لِلْعُقُولِ فَيَحْمِلُ عَلى ما يُوهِمُ نَقْصًا، فَإنَّ المَجازاتِ في لِسانِ العَرَبِ شَهِيرَةٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُتْقِنُ ما يَفْعَلُهُ إتْقانًا لا تُحِيطُ العُقُولُ بِإدْراكِهِ فَيَسْكُنُ رُوحُ العِلْمِ الَّذِي هو مِن ألْطَفِ أسْرارِهِ في رُوحِ البَدَنِ المُدَبِّرِ لَهُ فَيَكُونُ سِرًّا في سِرٍّ كَما كانَ بِرًّا بَعْدَ بِرٍّ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ تارَةً بِواسِطَةٍ وتارَةً بِغَيْرِ واسِطَةٍ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ، ويُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ مَعْنًى بِما يَقْتَضِيهِ حالُهُ في ذَلِكَ السِّياقِ، ومَهْما أوْهَمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نَقْصًا فَرَدَّ المُسْتَبْصِرَ إلى المُحْكَمِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الشّائِعُ مِنَ اسْتِعْمالاتٍ رَجَعَ رُجُوعًا بَيِّنًا مُتْقَنًا بِحَيْثُ يَصِيرُ في غايَةِ الجَلاءِ.

42:52Page 489

وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢

And thus We have revealed to you an inspiration of Our command [i.e., the Qur’ān]. You did not know what is the Book or [what is] faith, but We have made it a light by which We guide whom We will of Our servants. And indeed, [O Muḥammad], you guide to a straight path -

ولَمّا كانَ الوَحْيُ رُوحًا مُدَبَّرًا لِلرُّوحِ كَما أنَّ الرُّوحَ مُدَبِّرٌ لِلْبَدَنِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ما أخْبَرْناكَ بِالكَيْفِيّاتِ الَّتِي نُوحِيها إلى عِبادِنا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لِما أوْحى إلَيْهِ وأفاضَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِ عَلى جَمِيعِ تِلْكَ الأقْسامِ، فالتَفَّتْ في الرَّوْعِ مَذْكُورًا غَيْرَ مَنكُورٍ، والسَّماعُ مِن دُونِ الحِجابِ أصْلًا مَنقُولٌ في الإخْبارِ عَنْ لَيْلَةِ المِعْراجِ ومَعْقُولٌ في السَّماعِ مِن وراءِ الحِجابِ أيْضًا ذَكَرَ فِيها في قَوْلِهِ: «أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي» والوَحْيُ بِواسِطَةِ المُلْكِ كَثِيرًا جِدًّا، وأعْظَمَ الوَحْيَ وشَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا لَهُ تَعْظِيمًا (p-٣٦٢)لِما عِنْدَهُ مِنَ الرُّوحِ الأمْرِيِّ بِإفادَةِ أنَّ هَذا الكِتابَ الَّذِي أبْكَمَ الفُصَحاءَ وأعْجَزَ البُلَغاءَ وحَيَّرَ الألْبابَ مِنَ الحُكَماءِ شُعْبَةٌ مِنهُ وذَرَّةٌ بارِزَةٌ عَنْهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ وإجْلالٍ وتَكْرِيمٍ ﴿رُوحًا﴾ أيْ مَن خالَطَهُ صارَ قَلْبُهُ حَيًّا ومَن عُرِّيَ عَنْهُ كانَ قَلْبُهُ مَيِّتًا. وزادَ عِظَمُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِنا﴾ أيْ بِجَعْلِهِ مِن قِسْمِ الأمْرِ وإظْهارِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَيا لَهُ مِن عُلُوٍّ يَتَضاءَلُ دُونَهُ كُلُّ شامِخٍ ويَتَحاقَرُ إكْبارًا لَهُ كُلُّ مادِحٍ، والمُرادُ بِهَذا رَدُّ ما تَقَدَّمَ مَن نَسَبْتَهم لَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الِافْتِراءِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِهِ بَلْ فَتَحَهُ بِيَدِ القُدْرَةِ وأحْياهُ بِرُوحِ الوَحْيِ فَأنْطَقَهُ بِالحِكَمِ الَّتِي خَضَعَتْ لَها الحُكَماءُ، وأقَرَّتْ بِالعَجْزِ عَنْ إدانَتِها ألْبابُ العُلَماءِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، نافِيًا مُبَيِّنًا حالَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ هَذا الوَحْيِ: ﴿ما كُنْتَ﴾ أيْ فِيما قَبْلَ الأرْبَعِينَ الَّتِي مَضَتْ لَكَ وأنْتَ بَيْنَ ظَهَرانِيِّ قَوْمِكَ مُساوِيًا لَهم في كَوْنِكَ لا تَعْلَمُ شَيْئًا ولا تَتَفَوَّهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وهو مَعْنى ﴿تَدْرِي﴾ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى أنَّ ما بَعْدَها مِمّا يَجِبُ الِاهْتِمامُ بِهِ والسُّؤالُ عَنْهُ، وعَلَّقَ بِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ الدِّرايَةَ عَنِ العَمَلِ وسَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الدِّرايَةِ ﴿ما الكِتابُ﴾ أيْ (p-٣٦٣)ما كانَ في جِبِلَّتِكَ أنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ بِأدْنى أنْواعِ العِلْمِ بِمُجادَلَةٍ ولا غَيْرِها ﴿ولا الإيمانُ﴾ أيْ بِتَفْصِيلِ الشَّرائِعِ عَلى ما حَدَّدْناهُ لَكَ بِما أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مُقِرًّا بِوَحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ الرُّسُلَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّهادَةَ لَهُ نَفْسُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرِّسالَةِ رَكَنَ الإيمانَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وكَذا المَلائِكَةُ واليَوْمُ الآخِرُ فَيَصِحُّ نَفْيُ المَنفِيِّ لِفَواتِهِ بِفَواتِ جُزْئِهِ.

ولَمّا كانَ المَعْنى: ولَكِنَّ نَحْنُ أدْرَيْناكَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، عَبَّرَ عَنْهُ إعْلامًا بِأنَّ الخَلْقَ كانُوا في ظَلامٍ لِكَوْنِهِمْ كانُوا يَفْعَلُونَ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها فِعْلُ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أيِ الرُّوحِ الَّذِي هو الكِتابُ المُنَزَّلُ مِنّا إلَيْكَ المُعْلِمَ بِالإيمانِ وكُلُّ عِرْفانٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نُورًا نَهْدِي﴾ عَلى عَظَمَتِنا ﴿بِهِ مَن نَشاءُ﴾ خاصَّةً لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى هِدايَتِهِ بِغَيْرِ مَشِيئَتِنا ﴿مِن عِبادِنا﴾ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَمَن رَزَقَهُ الفَرْقانَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَشابِهاتِ والنُّورُ الَّذِي يَمْشِي بِهِ في الظُّلُماتِ، فَذَلِكَ الَّذِي أبْصَرَ شُعاعَ النُّورِ وشاهَدَ الضِّياءِ المَبْثُوثَ في العالَمِ المَفْطُورِ، وعَلى قَدْرِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ (p-٣٦٤)والتَّفَرُّغِ عَنْ كُلِّ شاغِلٍ عَنْهُ يَكُونُ قَبُولُهُ لَهُ وهِدايَتُهُ بِهِ، وقالَ الأصْبَهانِيُّ في سُورَةِ النُّورِ: هو الكَيْفِيَّةُ الفائِضَةُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ مَثَلًا عَلى الأرْضِ والجِدارِ وغَيْرِهِما، يُقالُ: اسْتَنارَتِ الأرْضُ، وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ لِأنَّ المَرْئِيّاتِ تَصِيرُ بِسَبَبِها ظاهِرَةً ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ كَما يَتَوَقَّفُ إدْراكُ هَذِهِ المَرْئِيّاتِ عَلى كَوْنِها مُسْتَنِيرَةً فَكَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ العَيْنِ الباصِرَةِ وهي المُدْرِكَةُ وبِها الإدْراكُ، فَكانَ وصْفُ الإظْهارِ بِالنُّورِ الباصِرِ أحَقَّ بِالنُّورِ المُبْصِرِ فَلا جَرَمَ أطْلَقُوا اسْمَ النُّورِ عَلى نُورِ العَيْنِ المُبْصِرَةِ فَقالُوا في الخُفّاشِ: إنَّ نُورَ عَيْنَيْهِ ضَعِيفٌ، وفي الأعْمى أنَّهُ فَقَدَ نُورَ البَصَرِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْإنْسانِ بَصَرٌ وبَصِيرَةٌ، فالبَصَرُ هو العَيْنُ الظّاهِرَةُ المُدْرِكَةُ لِلْأضْواءِ والألْوانِ والبَصِيرَةُ هي القُوَّةُ العاقِلَةُ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي نُورًا، ونُورُ العَقْلِ أقْوى وأشَدُّ مِن نُورِ العَيْنِ، لِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ نَفْسَها ولا إدْراكَها ولا آلاتَها، والقُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ نَفْسَها، وإدْراكُها (p-٣٦٥)وآلَتُها فَنُورُ العَقْلِ أكْمَلُ مِن نُورِ البَصَرِ، والقُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ والقُوَّةُ الباصِرَةُ لا تُدْرِكُها، وإدْراكُ الكُلِّيّاتِ أشْرَفُ مِنهُ لا يَتَغَيَّرُ بِخِلافِ الجُزْئِيّاتِ، وإدْراكُ العَقْلِ مُنْتَجٌ وإدْراكُ الجُزْئِيِّ غَيْرُ مُنْتَجٍ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ لا تُدْرَكُ إلّا السَّطْحُ الظّاهِرُ مِنَ الجِسْمِ واللَّوْنُ القائِمُ بِذَلِكَ السَّطْحِ بِشَرْطِ الضَّوْءِ فَإذا أدْرَكَتِ الإنْسانَ لَمْ تُدْرِكْ مِنهُ إلّا السَّطْحَ الظّاهِرَ مِن جِسْمِهِ واللَّوْنِ القائِمِ بِهِ، والقُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ ظاهِرَ الأشْياءِ وباطِنَها فَإنَّ الباطِنَ والظّاهِرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى السَّواءِ فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ نُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى الظّاهِرِ والباطِنِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ ظُلْمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الباطِنِ، ومُدْرِكُ القُوَّةِ العاقِلَةِ هو اللهُ وصِفاتُهُ وأفْعالُهُ، ومُدْرِكُ القُوَّةِ هو الألْوانُ والأشْكالُ فَيَكُونُ نِسْبَةَ شَرَفِ القُوَّةِ العاقِلَةِ إلى شَرَفِ القُوَّةِ الباصِرَةِ كَنِسْبَةِ شَرَفِ ذاتِ اللهِ إلى شَرَفِ الألْوانِ والأشْكالِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ كالخادَمِ والقُوَّةُ العاقِلَةُ كالأمِيرِ، والأمِيرُ أشْرَفُ مِنَ الخادِمِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ قَدْ تَغْلَطُ والقُوَّةُ العاقِلَةُ لا تَغْلَطُ، فَثَبَتَ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أكَمُلُ وأقْوى وأشْرَفُ مِنَ الإدْراكِ البَصَرِيِّ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي الظُّهُورَ الَّذِي هو أشْرَفُ خَواصِّ النُّورِ، فَكانَ الإدْراكُ العَقْلِيُّ أوْلى بِكَوْنِهِ نُورًا، والإدْراكُ العَقْلِيُّ قِسْمانِ: أحَدُهُما واجِبُ الحُصُولِ (p-٣٦٦)عِنْدَ سَلامَةِ القُوى والآلاتِ وهي التَّعَقُّلاتُ الفِطْرِيَّةُ، والثّانِي ما يَكُونُ مُكْتَسَبًا، وهي التَّعَقُّلاتُ النَّظَرِيَّةُ، ولا يَكُونُ مِن لَوازِمِ جَوْهَرِ الإنْسانِ لِأنَّهُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا البَتَّةَ، فَهَذِهِ الأنْوارُ إنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ فَلا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ، والفِطْرَةُ الإنْسانِيَّةُ قَدْ يَعْتَرِيها الزَّيْغُ فَلا بُدَّ مِن هادٍ ومُرْشِدٍ، ولا مُرْشِدَ فَوْقَ كَلامِ اللهِ وأنْبِيائِهِ، فَتَكُونُ مَنزِلَةُ آياتِ القُرْآنِ عِنْدَ عَيْنِ العَقْلِ مَنزِلَةَ نُورِ الشَّمْسِ كَما يُسَمّى نُورُ الشَّمْسِ نُورًا فَنُورُ القُرْآنِ يُشْبِهُ نُورَ الشَّمْسِ ونُورُ العَقْلِ يُشْبِهُ نُورَ العَيْنِ، وبِهَذا يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْـزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وإذا ثَبَتَ أنَّ بَيانَ الرَّسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْوى مِن نُورِ الشَّمْسِ وجَبَ أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ القُدْسِيَّةُ أعْظَمَ في النُّورانِيَّةِ مِنَ الشَّمْسِ كَما أنَّ الشَّمْسَ في عالَمِ الأجْسامِ تُفِيدُ النُّورَ لِغَيْرِها ولا تَسْتَفِيدُ مِن غَيْرِها فَكَذا نَفْسُ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ لِسائِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ولا تَسْتَفِيدُ النُّورَ العَقْلِيَّ مِن شَيْءٍ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، فَلِذَلِكَ وصَفَ اللهُ الشَّمْسَ بِأنَّها سِراجٌ، ووَصَفَ مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهُ سِراجٌ، ثُمَّ قالَ: ولِمَراتِبِ الأنْوارِ في (p-٣٦٧)عالَمِ الأرْواحِ مِثالٌ، وهو أنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى القَمَرِ ثُمَّ دَخَلَ في كُوَّةِ بَيْتٍ ووَقَعَ عَلى مِرْآةٍ مَنصُوبَةٍ عَلى حائِطٍ ثُمَّ انْعَكَسَ مِنهُ إلى طَشْتٍ مَمْلُوءٍ ماءٍ مَوْضُوعٍ عَلى الأرْضِ ثُمَّ انْعَكَسَ مِنهُ إلى سَقْفِ البَيْتِ فالنُّورُ الأعْظَمُ في الشَّمْسِ الَّتِي هي المَعْدِنُ، وثانِيها في القَمَرِ، وثالِثُها في المِرْآةِ، ورابِعُها في الماءِ، وخامِسُها في السَّقْفِ، وكُلُّ ما كانَ أقْرَبُ إلى المَعْدِنِ كانَ أقْوى فَكَذا الأنْوارُ السَّماوِيَّةُ لَمّا كانَتْ مُتَرَتِّبَةً لا جَرَمَ كانَ النُّورُ المُفِيدُ أشَدَّ إشْراقًا، ثُمَّ تِلْكَ الأنْوارُ لا تَزالُ مُتَرَتِّبَةً حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النُّورِ الأعْظَمِ والرُّوحُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأرْواحِ مَنزِلَةً عِنْدَ اللهِ الَّذِي هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ سُفْلِيَّةٌ كانَتْ كَأنْوارِ النِّيرانِ أوْ عُلْوِيَّةً كَأنْوارٍ فَإنَّها مُمْكِنَةٌ لِذَواتِها والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ لِذاتِهِ بَلْ وُجُودُهُ مِن غَيْرِهِ، والعَدَمُ هو الظُّلْمَةُ والوُجُودُ هو النُّورُ، فَكُلُّ ما سِوى اللهِ مُظْلِمٌ لِذاتِهِ مُسْتَنِيرٌ بِإنارَةِ اللهِ تَعالى، وكَذا جَمِيعُ مَعارِفِها وجُودُها حاصِلٌ مِن وُجُودِ اللهِ تَعالى فَإنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أظْهَرَها (p-٣٦٨)بِالوُجُودِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ العَدَمِ، وأفاضَ عَلَيْها أنْوارَ المَعارِفِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ الجَهالَةِ، فَلا ظُهُورَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِإظْهارِهِ، وخاصَّةً النُّورُ إعْطاءُ الإظْهارِ والتَّجَلِّي والِانْكِشافِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ النُّورَ المُطْلَقَ هو اللهُ سُبْحانَهُ وإنَّ إطْلاقَ النُّورِ عَلى غَيْرِهِ مَجازٌ، وكُلُّ ما سِوى اللهِ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ مَحْضَةٌ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مُمْكِنٌ عَدَمٌ مَحْضٌ بَلِ الأنْوارُ إذا نَظَرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هي هي فَهي ظُلُماتٌ لِأنَّها مِن حَيْثُ هي هي مُمْكِناتٌ، والمُمْكِنُ مِن حَيْثُ هو هو مَعْدُومٌ، والمَعْدُومُ مُظْلِمٌ، فالنُّورُ إذا نَظَرَ مِن حَيْثُ هو مُمْكِنٌ مُظْلِمٌ، فَأمّا إذا التَفَتَ إلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ أفاضَ عَلَيْها نُورَ الوُجُودِ بِهَذا الِاعْتِبارِ صارَتْ أنْوارًا فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو النُّورُ وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ لَيْسَ بِنُورٍ، وأضافَ النُّورَ إلى الخافِقَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] لِأنَّهُما مَشْحُونَتانِ بِالأنْوارِ العَقْلِيَّةِ والأنْوارِ الحِسِّيَّةِ، أمّا الحِسِّيَّةُ فَما نُشاهِدُهُ في السَّماواتِ مِنَ الكَواكِبِ وغَيْرِها، وفي الأرْضِ مِنَ الأشِعَّةِ المُنْبَسِطَةِ عَلى سُطُوحِ الأجْسامِ حَتّى ظَهَرَتْ بِها الألْوانُ المُخْتَلِفَةُ، ولَوْلاها (p-٣٦٩)لِما كانَ لِلْألْوانِ ظُهُورٌ بَلْ وُجُودٌ، وأمّا الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ فالعالَمُ الأعْلى مَشْحُونٌ بِها وهي جَواهِرُ المَلائِكَةِ، والعالَمُ الأدْنى مَشْحُونٌ بِها وهي القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ والإنْسانِيَّةُ، وبِالنُّورِ الإنْسانِيِّ السُّفْلِيِّ ظَهَرَ نِظامُ العالَمِ الأسْفَلِ كَما أنَّهُ بِالنُّورِ المَلَكِيِّ ظَهَرَ نِظامُ العالَمِ العُلْوِيِّ وإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ العالَمَ بِأسْرِهِ مَشْحُونٌ بِالأنْوارِ البَصَرِيَّةِ الظّاهِرَةِ والعَقْلِيَّةِ الباطِنَةِ، ثُمَّ عَرَفْتَ أنَّ السُّفْلِيَّةَ فائِضَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَيَضانُ النُّورِ مِنَ السِّراجِ والسِّراجُ هو الرُّوحُ النَّبَوِيُّ ثُمَّ إنَّ الأنْوارَ القُدْسِيَّةَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ اقْتِباسَ السِّراجِ مِنَ النُّورِ وإنَّ العَلَوِيّاتِ مُقْتَبَسَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ وإنَّ بَيْنَها تَرْتِيبًا في الغاياتِ، ثُمَّ تَرْتَقِي جُمْلَتُها إلى نُورِ الأنْوارِ ومَعْدَنُها ومَنبَعُها الأوَّلُ، وذَلِكَ هو اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإذا الكُلُّ نُورُهُ، ثُمَّ قالَ: قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ القُوى المُدْرَكَةَ أنْوارٌ.

ومَراتِبُ القُوَّةِ المُدْرَكَةِ الإنْسانِيَّةِ خَمْسَةٌ، أحَدُهُما القُوَّةُ الحَسّاسَةُ وهي الَّتِي تَتَلَقّى ما تُورِدُهُ الحَواسُّ الخَمْسُ، وكَأنَّها أصْلُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ إذْ بِها يَصِيرُ الحَيَوانُ حَيَوانًا، وهي مَوْجُودَةٌ لِلصَّبِيِّ والرَّضِيعِ وثانِيها القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ وهي الَّتِي تُسَبِّبُ ما أوْرَدَتْهُ الحَواسُّ وتَحْفَظُهُ مَخْزُونًا (p-٣٧٠)عِنْدَها لِتَعَرُّضِهِ عَنِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وثالِثُها القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ المُدْرِكَةُ لِلْحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ، ورابِعُها القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ وهي الَّتِي تَأْخُذُ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ فَتُؤَلِّفُها تَأْلِيفًا تَسْتَنْتِجُ مِنهُ عِلْمًا بِالمَجْهُولِ، وخامِسُها القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الأنْبِياءُ وبَعْضُ الأوْلِياءِ، وتَنْجَلِي فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ، وإلَيْهِ أشارَ قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ الآيَةُ، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ القُوى فَهي بِجُمْلَتِها أنْوارٌ إذْ بِها تَظْهَرُ أصْنافُ المَوْجُوداتِ، وهَذِهِ المَراتِبُ الخَمْسُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُها بِالأُمُورِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ في المِشْكاةِ والزُّجاجَةِ والمِصْباحِ والشَّجَرَةِ والزَّيْتِ، أمّا الرُّوحُ الحَسّاسُ فَإذا نَظَرْتَ إلى خاصَّتِهِ وجَدْتَ أنْوارَهُ خارِجَةً مَن ثُقْبٍ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ والمِنخَرَيْنِ، فَأرْفَقُ مِثالٍ لَهُ مِن عالَمِ الأجْسامِ المِشْكاةُ، وأمّا الثّانِي وهو الرُّوحُ الخَيالِيُّ فَلَهُ خَواصٌّ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ أنَّهُ مِن طِينَةِ العالَمِ السُّفْلِيِّ الكَثِيفِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَخَيِّلَ ذُو شَكْلٍ وحَيِّزٍ، ومِن شَأْنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ أنْ تَحْجُبَ عَنِ الأنْوارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ، والثّانِي أنَّ هَذا الخَيالَ الكَثِيفَ إذا صَفا ورَقَّ صارَ مُوازِنًا لِلْمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ ومُؤَدِّيًا لِأنْوارِها، ولِذَلِكَ يَسْتَدِلُّ المُعَبِّرُ بِالصُّوَرِ (p-٣٧١)الخَيالِيَّةِ عَلى المَعانِي العَقْلِيَّةِ كَما يَسْتَدِلُّ بِالشَّمْسِ عَلى المُلْكِ، وبِالقَمَرِ عَلى الوَزِيرِ، وبِخَتْمِ فُرُوجِ النّاسِ وأفْواهِهِمْ عَلى الآذانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، والثّالِثُ أنَّ الخَيالَ في البِدايَةِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ لِتَضْبُطَ بِهِ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ ولا تَضْطَرِبَ، وأنْتَ لا تَجِدُ شَيْئًا في الأجْسامِ يُشْبِهُ الخَيالَ في هَذِهِ الصِّفاتِ إلّا الزُّجاجَةُ فَإنَّها في الأصْلِ مِن جَوْهَرٍ كَثِيفٍ ولَكِنْ صَفا ورَقَّ حَتّى صارَ لا يَحْجُبُ نُورَ المِصْباحِ بَلْ يُؤَدِّيهِ عَلى وجْهِهِ ثُمَّ يَحْفَظُهُ مِنَ الِانْطِفاءِ بِالزُّجاجِ، وأمّا الثّالِثُ وهو القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ الماهِيّاتِ الكُلِّيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَلا يَخْفى عَلَيْكَ وجْهُ تَمْثِيلِهِ بِالمِصْباحِ، وأمّا الرّابِعُ وهو القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ فَمِن خاصِّيَّتِها أنَّها تَأْخُذُ ماهِيَّةً واحِدَةً ثُمَّ تُقَسِّمُها إلى قِسْمَيْنِ كَقَوْلِنا: المَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَجْعَلُ كُلَّ قِسْمٍ قِسْمَيْنِ، وهَكَذا إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى ما لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، ثُمَّ تَنْتَهِي بِالآخِرَةِ إلى نَتائِجَ هي ثَمَرَتُها، فَبِالحَرِيِّ أنْ يَكُونَ مِثالُهُ مِن هَذا العالَمِ الشَّجَرَةَ وإذا كانَتْ ثِمارُها مادَّةً لِتَزايُدِ أنْوارِ المَعارِفِ وبَيانِها فَبِالحَرِيِّ أنْ لا تُمَثَّلَ بِشَجَرَةِ السَّفَرْجَلِ والتُّفّاحِ بَلْ بِشَجَرَةِ الزَّيْتُونِ خاصَّةً لِأنَّ لُبَّ ثَمَرَتِها هو الزَّيْتُ الَّذِي هو مادَّةُ المَصابِيحِ ولَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأدْهانِ خاصَّةً زِيادَةُ الإشْراقِ وقِلَّةُ الدُّخانِ، وإذا كانَتِ الماشِيَةُ الَّتِي يَكْثُرُ دَرُّها ونَسْلُها (p-٣٧٢)والشَّجَرَةُ الَّتِي تَكْثُرُ ثَمَرَتُها تُسَمّى مُبارَكَةً فالَّتِي لا نِهايَةَ لِمَنفَعَتِها وثَمَرَتِها أوْلى أنْ تُسَمّى شَجَرَةً مُبارَكَةً، وإذا كانَتْ شُعَبُ الأفْكارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ لَواحِقِ الأجْسامِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ لا تَكُونَ شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً، وأمّا الخامِسُ وهو القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَهي في نِهايَةِ الشَّرَفِ والصَّفاءِ، فَإنَّ القُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلى ما تَحْتاجُ إلى تَعْلِيمٍ وإلى ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا بُدَّ مِن وُجُودِ هَذا القَسَمِ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فَبِالحَرِيِّ أنَّ يُعَبِّرَ عَنْ هَذا القَسَمِ لِكَمالِهِ وصِفاتِهِ بِأنَّهُ يَكادُ زَيْتُهُ يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمَسَّهُ نارٌ، فَهَذا المِثالُ مُوافِقٌ لِهَذِهِ الأقْسامِ، وهَذِهِ الأنْوارُ مُرَتَّبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فالحِسُّ هو الأوَّلُ وهو كالمُقَدِّمَةِ لِلْخَيالِ، والخَيالُ كالمُقَدِّمَةِ لِلْعَقْلِ - انْتَهى كَلامُ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى عَنْ نَقْلِ الأصْفَهانِيِّ في تَفْسِيرِهِ عَنْهُ - واللهُ أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ المَعْنى بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن صِفَةِ الرُّوحِ الإلَهِيِّ: فَهَدَيْناكَ بِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أيْ تُبَيِّنُ وتُرْشِدُ، وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ ﴿إلى صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ واضِحٍ جِدًّا، وإنْ (p-٣٧٣)عانَيْتَ في البَيانِ مَشَقَّةً بِنَفْسِكَ وبِالوَسائِطِ بِما أفادَتْهُ التَّعْدِيَةُ بِ ”إلى“ فَيُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَهْدِي لِلصِّراطِ بِدُونِ ذَلِكَ مِنَ العِنايَةِ لِمَن يَسَّرَ اللهُ أمْرَهُ ويُهْدِي الصِّراطَ لِمَن هو أعْظَمُ تَوْفِيقًا مِن ذَلِكَ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ شَدِيدِ التَّقَوُّمِ لِأنَّهُ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُقَوِّمَ نَفْسَهُ فَهو بَعْدَ وُجُودِ تَقَوُّمِهِ حافِظٌ لَها مِن أدْنى خَلَلٍ، وهو كُلُّ ما دَعا إلَيْهِ مِن خِصالِ هَذا الدِّينِ الحَنِيفِ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ قَوْلُهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلِّ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ لافِتًا القَوْلَ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ إشارَةً إلى جَلالَةِ هَذا الصِّراطِ بِما فِيهِ مِن مَجامِعِ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском