Al-Biqa'iAz‑Zukhruf · 43:35–47

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:35–47

43:35Page 492

وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥

And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.

ودَلَّ عَلى ما لا يَتَناهى مِن غَيْرِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وزُخْرُفًا﴾ أيْ ذَهَبًا وزِينَةً عامَّةً كامِلَةً.

ولَمّا كانَ لَفْظُ الزُّخْرُفِ دالًّا عَلى كَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا ظاهِرِيًّا مُتَلاشِيًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما تَقَرَّرَ في النُّفُوسِ مِن أنَّ السّادَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ، وما كانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهم مِن أنَّ السَّعِيدَ في الأوَّلِ سَعِيدٌ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها: ﴿وإنْ﴾ أيْ وما ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ البَعِيدُ عَنِ الخَيْرِ لِكَوْنِهِ في الأغْلَبِ مُبْعَدًا مِمّا يُرْضِينا، ولِأنَّ صاحِبَهُ لا يَزالُ فَقِيرًا وإنِ اسْتَوْسَقَتْ لَهُ الدُّنْيا مُلْكًا ومَلِكًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَبْقى في نَفْسِهِ شَيْءٌ لا تُبَلِّغُهُ قُدْرَتُهُ فَهو لا يَزالُ مَغْبُونًا ﴿لَمّا﴾ أيْ إلّا - هَذا عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ: وهي في قِراءَةِ الباقِينَ بِالتَّخْفِيفِ فارِقَةٌ بَيْنَ النّافِيَةِ والمُخَفَّفَةِ، وما مُؤَكَّدَةٌ والخَبَرُ هو ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الَّتِي اسْمُها دالٌّ عَلى دَناءَتِها وأنَّ لَها ضَرَّةً هي الآخِرَةُ، وهو مُنْقَطِعٌ بِالمَوْتِ، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ رَحْمَتُهُ أنْ لا يُضَيِّقَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الأغْلَبِ لِأنَّ السِّعَةَ تَنْقُصُهم في الآخِرَةِ ويَطُولُ الحِسابُ ﴿والآخِرَةُ﴾ الَّتِي لا دارَ تَعْدِلُها بَلْ لا دارَ الحَقِيقَةِ إلى هي. (p-٤٢٧)ولَمّا كانَتِ الإضافَةُ إلى الجَلِيلِ دالَّةً عَلى جَلالَةِ المُضافِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وأشارَ بِالوَصْفِ بِالرَّبِّ إلى أنَّ الجَلالَةَ بِالحُسْنِ والرّاحَةِ، وبِالإضافَةِ إلَيْهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أعْلى الغاياتِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم دائِمًا واقِفُونَ عَنْ أدْنى تَصَرُّفٍ إلّا بِدَلِيلٍ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهُمْ، وهَذا لَمّا «ذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كِسْرى وقَيْصَرَ وما كانا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”ألا تَرْضى أنْ يَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيا ولَنا الأُخْرى“» ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما صارَ إلَيْهِ الفَسَقَةُ مِنَ الجَبابِرَةِ مِن زَخْرَفَةِ الأبْنِيَةِ وتَرْكِيبِ السُّقُوفِ وغَيْرِها مِن مَساوِئِ الفِتْنَةِ بِأنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً بِالكُفْرِ قُرْبَ السّاعَةِ حَتّى لا تَقُومَ السّاعَةُ عَلى مَن يَقُولُ: اللَّهُ، وفي زَمَنِ الدَّجّالِ مَن يَبْقى إذْ ذاكَ عَلى الحَقِّ في غايَةِ القِلَّةِ بِحَيْثُ إنَّهم لا عِدادَ لَهم في جانِبِ الكَفَرَةِ لِأنَّ كَلامَ المُلُوكِ لا يَخْلُو عَنْ حَقِيقَةٍ، وإنْ خَرَجَ مُخْرَجَ الشَّرْطِ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ.

43:36Page 492

وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦

And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ عِلْمًا مِنّا بِأنَّ النّاسَ كادُوا يَكُونُونَ أُمَّةً واحِدَةً وإنْ كُنّا نَقِيضُ مَن جَبَلْناهُ عَلى الخَيْرِ عَلى الإيمانِ لَكِنْ يَنْقُصُهُ ما أُوتِيَ في الدُّنْيا مِن خَطَرٍ في الآخِرَةِ لِأنَّ مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ في دُنْياهُ اشْتَغَلَ في الأغْلَبِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ فَنَفَرَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ ولَزِمَتْهُ الشَّياطِينُ، فَساقَهُ ذَلِكَ إلى كُلِّ سُوءٍ، ومَن يَتَّقِ اللهَ فَيُدِيمُ ذِكْرَهُ يُؤَيِّدُهُ (p-٤٢٨)بِمَلَكٍ فَهو لَهُ مُعِينٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا عَنْ غَفْلَةِ البَصِيرَةِ بِالعَشا الَّذِي هو ضَعْفُ البَصَرِ تَصَوُّرًا لِمَن يَنْسى ذِكْرَ اللهِ بِأقْبَحِ صُورَةٍ تَنْفِيرًا عَنْ ذَلِكَ ﴿ومَن يَعْشُ﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ المَعاشِيِّ، وهو مَن شاءَ بَصَرُهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ أوْ عَمِيَ عَلى قِراءَةٍ شاذَّةٍ ورَدَتْ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الشِّينِ ورَكَّبَ الأُمُورَ مُتَجاوِزًا ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ، فَلا رَحْمَةَ عَلى أحَدٍ إلّا وهي مِنهُ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ حِينَ مَتَّعْناهم وآباءَهم حَيْثُ أبْطَرَهم ذَلِكَ، وهو شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا، فَأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ والدَّلائِلِ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيها إلّا نَظَرًا ضَعِيفًا كَنَظَرِ مَن عُشِيَ بَصَرُهُ ﴿نُقَيِّضْ﴾ أيْ نُقَرِّرُ ونُسَلِّطُ ونُقَدِّرُ عِقابًا ﴿لَهُ﴾ عَلى إعْراضِهِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ﴿شَيْطانًا﴾ أيْ شَخْصًا نارِيًّا بَعِيدًا مِنَ الرَّحْمَةِ يَكُونُ غالِبًا مُحِيطًا بِهِ مُضِيقًا عَلَيْهِ مِثْلُ قَيْضِ البَيْضَةِ وهو القِشْرُ الدّاخِلُ ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ مَشْدُودٌ بِهِ كَما يَشُدُّ الأسِيرُ، مُلازِمٌ فَلا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنهُ ما دامَ مُتَعامِيًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهو يُزَيَّنُ لَهُ العَمى ويُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ عَلى عَيْنِ الهُدى، كَما أنَّ مَن يَسْتَبْصِرُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ يَسْخَرُ لَهُ مَلَكٌ فَهو لَهُ ولِيٌّ يُبَشِّرُهُ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَذِكْرُ اللهِ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ، مَتى خَرَجَ العَبْدُ مِنهُ أسَرَهُ العَدُوُّ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ، قالَ في القامُوسِ: (p-٤٢٩)العَشى مَقْصُورٌ: سُوءُ البَصَرِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ أوِ العَمى، عَشى كَرِضى ودَعا، والعَشْوَةِ بِالضَّمِّ والكَسْرِ: رُكُوبُ الأمْرِ عَلى غَيْرِ بَيانٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ العَشْوِ النَّظَرُ بِغَيْرِ ثَبْتٍ لِعِلَّةٍ في العَيْنِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأصْلُ اللُّغَةِ أنَّ العَيْنَ والشِّينَ والحَرْفَ المُعْتَلَّ يَدُلُّ عَلى ظَلامِ وقِلَّةِ وُضُوحِ في الشَّيْءِ.

43:37Page 492

وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧

And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided

ولَمّا كانَتْ ”مِن“ عامَّةً، وكانَ القَرِينُ لِلْجِنْسِ، وأفْرَدَهُ لِأنَّهُ نَصَّ عَلى كُلِّ فَرْدٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم لَيَحْمِلُونَهم عَلى أنْواعِ الدَّنايا ويَفْتَحُونَ لَهم أبْوابَ الرَّذائِلِ والبَلايا، ويُحْسِنُونَ لَهُمُ ارْتِكابَ القَبائِحِ والرَّزايا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما في أنْفُسِ الأغْلَبِ - كَما أشارَ إلَيْهِ آخِرَ الآيَةِ - أنَّ المُوَسَّعَ عَلَيْهِ هو المُهْتَدِي، جامِعًا دَلالَةً عَلى كَثْرَةِ الضّالِّ: ﴿وإنَّهُمْ﴾ أيِ القُرَناءُ ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيِ العاشِينَ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ الطَّرِيقُ الَّذِي مَن حادَ عَنْهُ هَلَكَ، لِأنَّهُ لا طَرِيقَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ.

ولَمّا كانَتِ الحَيْدَةُ عَنِ السَّبِيلِ إلى غَيْرِ سَبِيلِ، بَلْ إلى مَعاطِبَ لا يَهْتَدِي فِيها دَلِيلٌ، عَجَبًا، أتْبَعَهُ عَجَبًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أيِ العاشُونَ مَعَ سَيْرِهِمْ في المَهالِكِ لِتَزْيِينِ القُرَناءِ بِإحْضارِ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ وإبْعادِ المَواعِظِ: ﴿أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ لِما يَسْتَدْرِجُونَ بِهِ مِنَ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ والتَّضْيِيقِ عَلى الذّاكِرِينَ.

43:38Page 492

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨

Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."

ولَمّا كانَ مَن ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ، ومَن ظَنَّ أنَّهُ عَلى صَوابٍ لا يَكادُ (p-٤٣٠)يَتَمادى بَلْ يَنْجَلِي لَهُ الحالُ عَنْ قُرْبِ ضَمٍّ إلى العَجْبَيْنِ الماضِيَيْنِ عَجَبًا ثالِثًا بَيانًا لَهُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ونُمْلِي لِهَذا العاشِي اسْتِدْراجًا لَهُ وابْتِلاءً لِغَيْرِهِ ونَمُدُّ ذَلِكَ طُولَ حَياتِهِ ﴿حَتّى﴾ وحَقَّقَ الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا﴾ ولَمّا عَلِمَ مِنَ الجَمْعِ فِيما قِيلَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ، وكانَ التَّوْحِيدُ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى تَناوُلِ كُلِّ فَرْدٍ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِهِ أهْوَلَ، وكانَ السِّياقُ دالًّا عَلى مَنِ الضَّمِيرُ لَهُ قالَ: ﴿جاءَنا﴾ أيِ العاشِي، ومَن قَرَأ بِالتَّثْنِيَةِ أرادَ العاشِي والقَرِينَ ﴿قالَ﴾ أيِ العاشِي تَنَدُّمًا وتَحَسُّرًا لا انْتِفاعَ لَهُ بِهِ لِفَواتِ مَحَلِّهِ وهو دارُ العَمَلِ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ أيُّها القَرِينُ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ عَلى التَّغْلِيبِ - قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، أوْ مَشْرِقُ الشِّتاءِ والصَّيْفِ أيْ بُعْدُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا التَّمَنِّي قَوْلَهُ جامِعًا لَهُ أنْواعُ المَذامِّ: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيْ إنِّي عَلِمْتُ أنَّكَ الَّذِي أضَلَّنِي وأوْصَلَنِي إلى هَذا العَيْشِ الضَّنْكِ والمَحَلِّ الدَّحْضِ وأحْسَسْتُ في هَذا الوَقْتِ بِذَلِكَ الَّذِي كُنْتُ تُؤْذِينِي بِهِ أنَّهُ أذًى (p-٤٣١)بالِغٌ، فَكُنْتُ كالَّذِي يَحُكُّ جِسْمَهُ لِما بِهِ مِن قُرُوحٍ مُتَأكِّلَةٍ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ الدَّمُ فَهو في أوَّلِهِ يَجِدُ لَهُ لَذَّةً بِما هو مُؤْلِمٌ لَهُ في نَفْسِهِ غايَةَ الإيلامِ.

43:39Page 492

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩

And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.

ولَمّا كانَ الإيلامُ قَدْ يُؤْذِي الجَسَدَ، وكانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا بِما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ فَيُقالُ لَهُمْ: فَلَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ جِئْتُمُونا إذْ تَمَنَّيْتَهم هَذا التَّمَنِّي حِينَ عايَنْتُمْ تِلْكَ الأهْوالِ اشْتِراكُكُمُ اليَوْمَ في يَوْمِ الدُّنْيا في الظُّلْمِ وتَمالُؤُكم عَلَيْهِ ومُنافَرَةُ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ في الدُّنْيا شَيْئًا مِن نَفْعٍ أصْلًا ﴿إذْ﴾ حِينَ ﴿ظَلَمْتُمْ﴾ حالَ كَوْنِكم مُشْتَرِكِينَ في الظُّلْمِ مُتَعاوِنِينَ عَلَيْهِ مُتَناصِرِينَ فِيهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنكم يَقُولُ لِصاحِبِهِ سُرُورًا بِهِ وتَقَرُّبًا إلَيْهِ وتَوَدُّدًا: يا لَيْتَ أنّا لا نَفْتَرِقُ أبَدًا فَنِعْمَ القَرِينُ أنْتَ، فَيُقالُ لَهم تَوْبِيخًا: ﴿أنَّكم في العَذابِ﴾ أيِ العَظِيمِ، وقَدَّمَهُ اهْتِمامًا بِالزَّجْرِ بِهِ والتَّخْوِيفِ مِنهُ ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ (p-٤٣٢)أيِ اشْتِراكُكم فِيهِ دائِمًا ظُلْمُكم أنْفُسَكم ظُلْمًا باطِنًا بِأُمُورٍ أخْفاها الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ وهو مُوجِبٌ لِلِارْتِباكِ في أشْراكِ المَعاصِي المُوصِلَةِ إلى العَذابِ الظّاهِرِ يَوْمَ التَّمَنِّي ويَوْمَ القِيامَةِ عَذابًا ظاهِرًا مَحْسُوسًا، وذَلِكَ كَمَن يَجْرَحُ جِراحَةً بالِغَةً وهو مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ بِها قَطْعًا، ولَكِنَّهُ لا يُحِسُّ إلّا إذا أفاقَ فَهو كَما تَقُولُ لِأُناسٍ يُرِيدُونَ أنْ يَتَمالَئُوا عَلى قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ تَتَعاوَنُونَ عَلى قَتْلِهِ اشْتِراكِكم غَدًا في الهَلاكِ بِالسِّجْنِ الضَّيِّقِ والضَّرْبِ المُتْلَفِ وضَرْبِ الأعْناقِ، مُرادُكَ بِذَلِكَ زَجْرُهم عَنْ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم يَصِلُونَ إلى هَذا الحالِ ويَزُولُ ما هم فِيهِ مِنَ المُناصَرَةِ فَلا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِنها - واللهُ المُوَفِّقُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، وبِهِ زالَ عَنْها ما كانَ مِن إعْرابِ المُعْرِبِينَ لَها مُوجِبًا لِلِارْتِباكِ ”فَيا لَيْتَ“ - إلى آخِرِهِ، دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ ضِدِّهِ ثانِيًا ”ولَنْ يَنْفَعَكُمْ“ - إلى آخِرِهِ، دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ مِثْلِهِ أوَّلًا.

43:40Page 492

أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?

ولَمّا كانَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَدِيدَ الإرادَةِ لِإقْبالِهِمْ يَكادُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ أسَفًا عَلى إدْبارِهِمْ، وكانَ هَذا الزَّجْرُ الَّذِي لا يَسْمَعُهُ مَن لَهُ أدْنى (p-٤٣٣)عَقْلٍ إلّا خَلْعُ قَلْبِهِ فَرَجَعَ عَنْ غَيِّهِ وراجَعَ رُشْدَهُ قَدْ تَلا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَصُمٌّ عُمْيٌ مُحِيطٌ بِهِمُ الضَّلالُ إحاطَةً لا يَكادُونَ يَنْفَكُّونَ عَنْهُ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلا وُصُولَ لِأحَدٍ إلى إسْماعِهِمْ ولا تَبْصِيرِهِمْ ولا هِدايَتِهِمْ، قالَ بانِيًا عَلَيْهِ مُسَبِّبًا عَنْهُ تَخْفِيفًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما يُقاسِي مِنَ الكُرَبِ في المُبالَغَةِ في إبْلاغِهِمْ حِرْصًا عَلى إقْبالِهِمْ والغَمِّ مِن إعْراضِهِمْ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ الدّالَّةِ عَلى نَفْيِ ما سِيقَتْ لَهُ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ وحْدَكَ مِن غَيْرِ إرادَةِ اللهِ تَعالى ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ وقَدْ أصْمَمْناهم بِما صَبَبْنا في مَسامِعِ أفْهامِهِمْ مِن رَصاصِ الشَّقاءِ ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ الَّذِينَ أعْمَيْناهم بِما غَشِيَنا بِهِ أبْصارَ بَصائِرِهِمْ مِن أغْشِيَةِ البَلادَةِ والخَسارَةِ، فَصارَ ما اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَشى عَمًى مَقْرُونًا بِصَمَمِهِمْ ﴿ومَن كانَ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بَيِّنٍ في نَفْسِهِ أنَّهُ ضالٌّ وأنَّهُ مُحِيطٌ بِالضَّلالِ مُظْهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ ذَلِكَ، فَهو بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، فالمَعْنى: لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلَيْكَ، بَلْ هو إلى اللهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا أنْتَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ.

43:41Page 492

فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١

And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.

(p-٤٣٤)ولَمّا كانَ هَذا كالمُؤَيِّسِ مِنهُمْ، وكانَ اليَأْسُ مِن صَلاحِ الخَصْمِ مُوجِبًا لِتَمَنِّي الرّاحَةِ مِنهُ بِمَوْتِ أحَدِهِما، سَبَّبَ عَنِ التَّقْدِيرَيْنِ قَوْلُهُ مُبِينًا أنَّ الإمْلاءَ لَهم لَيْسَ لِعَجْزٍ عَنْهم ولا لِإخْلافٍ في الوَعْدِ، مُؤَكِّدًا بِالنُّونِ و”ما“ ثُمَّ ”أنا“ والِاسْمِيَّةُ لِمَن يَظُنُّ خِلافَ ذَلِكَ، ولِأنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُشَرَّفٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُعَظَّمٌ لَدَيْهِ فَذَهابُهُ بِهِ مِمّا يَسْتَبْعِدُ، ومِن حَقِّهِ أنْ يُنْكِرَ، وكَذا إراءَتُهُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ لِأنَّ المَظْنُونَ إكْرامُهم لِأجْلِهِ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أيْ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ بِمَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَإنّا مِنهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ التَّعْرِيضُ بِأنَّهم صُمٌّ عُمْيٌ ضُلّالٌ لِأنَّهم لَنْ تَنْفَعَهم مَشاعِرُهم ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ بَعْدَ فِراقِكَ لِأنَّ وجُودَكَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ هو سَبَبُ تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهُمْ

43:42Page 492

أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢

Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.

﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ وأنْتَ بَيْنُهم ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ وعَبَّرَ فِيهِ بِالوَعْدِ لِيَدُلَّ عَلى الخَيْرِ بِلَفْظِهِ وعَلى الشَّرِّ بِأُسْلُوبِهِ فَيَعُمُّ ﴿فَإنّا﴾ بِما تَعْلَمُ مِن عَظَمَتِنا الَّتِي أنْتَ أعْلَمُ الخَلْقِ بِهِمْ ﴿عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، وأكَّدَ بِ ”أنَّ“ لِأنَّ أفْعالَهم أفْعالُ مَن يُنْكِرُ قُدْرَتَهُ، وكَذا بِالإتْيانِ (p-٤٣٥)بِنُونِ العَظَمَةِ وصِيغَةِ الِافْتِعالِ، وأحَدُ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ سَبَقَ العِلْمُ الأزَلِيُّ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، فالآيَةُ مِن أدِلَّةِ القُدْرَةِ عَلى المُحالِّ لِغَيْرِهِ وهي كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ أكْرَمَ اللهُ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أنْ يُرِيَهُ شَيْئًا يَكْرَهُهُ في أُمَّتِهِ حَتّى قُبِضَ.

43:43Page 492

فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣

So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.

ولَمّا أوْقَفَ سُبْحانَهُ السّامِعَ بِهاتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ لِبَيانِ الِاسْتِبْدادِ بِعِلْمِ الغَيْبِ تَغْلِيبًا لِلْخَوْفِ، وأفْهَمَ السِّياقُ وإنْ كانَ شَرْطًا أنَّ الِانْتِقامَ مِنهم أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ضُرِّهِمْ ولا نَفْعِهِمْ إلّا اللَّهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَمْسِكْ﴾ أيْ أطْلُبُ وأُوجِدُ بِجِدٍّ عَظِيمٍ عَلى كُلِّ حالِ الإمْساكِ ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ مِن حِينِ نُبُوَّتِكَ وإلى الآنَ في الِانْتِقامِ مِنهم وفي غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِكَثْرَةِ المُخالِفِ مُحْتاجًا إلى تَأْكِيدٍ يَطِيبُ خَواطِرَ الأتْباعِ ويَحْمِلُهم عَلى حُسْنِ الِاتِّباعِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ واضِحٍ جِدًّا: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مَوْصِلُ إلى المَقْصُودِ لا يَصْحُّ أصْلًا أنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ مِن عِوَجٍ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ مِن نِقْمَتِهِمْ.

43:44Page 492

وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤

And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.

ولَمّا أثْبَتَ حُسْنَهُ في نَفْسِهِ المُتَقَضِّي لِلُزُومِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ نَفْعَهُ (p-٤٣٦)لَهم. وأكَّدَ لِإنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي أوْحى إلَيْكَ في الدُّنْيا ﴿لَذِكْرٌ﴾ أيْ شَرَفٌ عَظِيمٌ جِدًّا ومَوْعِظَةٌ وبَيانٌ، عَبَّرَ عَنِ الشَّرَفِ بِالذِّكْرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سَبَبَهُ الإقْبالُ عَلى الذِّكْرِ وعَلى ما بَيَّنَهُ وشَرَعَهُ والِاسْتِمْساكُ بِهِ والِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ: ﴿لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ قُرَيْشٌ خُصُوصًا والعَرَبُ عُمُومًا وسائِرُ مَنِ اتَّبَعَكَ ولَوْ كانَ مَن غَيْرِهِمْ مِن جِهَةِ نُزُولِهِ عَلى واحِدٍ مِنهم وبِلِسانِهِمْ، فَكانَ سائِرُ النّاسِ تَبَعًا لَهم ومِن جِهَةِ إيراثِهِ الطَّرِيقَةَ الحُسْنى والعُلُومَ الزّاكِيَةَ الواسِعَةَ وتَأْثِيرِهِ الظُّهُورَ عَلى جَمِيعِ الطَّوائِفِ والإمامَةِ لِقُرَيْشٍ بِالخُصُوصِ كَما قالَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما بَقِيَ في النّاسِ اثْنانِ ما أقامُوا الدِّينَ» فَمَن أقامَ هَذا الدِّينَ كانَ شَرِيفًا مَذْكُورًا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا سُئِلَ: لِمَن هَذا الأمْرُ، مِن بَعْدِكَ، لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إذا سُئِلَ قالَ: لِقُرَيْشٍ» - وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهِمَ مِن هَذا أنَّهُ يَلِي عَلى المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ القُرْآنِ، وأنَّ قَوْمَهُ يُخْلِفُونَهُ مِن بَعْدِهِ في الوِلايَةِ بِشَرَفِ القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَجُلٍ (p-٤٣٧)مِنهُمُ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَسَوْفَ تُشْرِفُونَ عَلى سائِرِ المُلُوكِ وتَعْلَمُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ أيْ تَصِيرُونَ في سائِرِ أنْواعِ العِلْمِ مَحَطَّ رِحالِ السّائِلِينَ دِينًا ودُنْيا بِحَيْثُ يَسْألُكم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِن غَيْرِهِمْ عَمّا يُهِمُّهم مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم لِما يَعْتَقِدُونَ مِن أنَّهُ لا يُوازِيكم أحَدٌ في العِلْمِ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عِنْدَهم أحْقَرَ الأُمَمِ ضَعْفًا وجَهْلًا كَما وقَعَ لِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ رَفَعَهُمُ اللَّهُ، وكانَ ذَلِكَ أبْعَدَ الأشْياءِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَتَضاحَكُونَ اسْتِهْزاءً بِتِلْكَ الآياتِ ويَنْسُبُونَ الآتِي بِها إلى ما لا يَلِيقُ بِمَنصِبِهِ العالِي مِنَ المُحالاتِ، وتَسْألُونَ عَنْ حَقِّهِ وأداءِ شُكْرِهِ وكَيْفَ كُنْتُمْ في العَمَلِ بِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ، وهَذا بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ أصْلًا.

43:45Page 492

وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥

And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?

ولَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ إلَهِيَّةَ غَيْرِهِ الَّتِي أدّى إلَيْها الجَهْلُ، واسْتَمَرَّ إلى أنْ خَتَمَ بِالعِلْمِ المُوجِبِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَكانَ التَّقْدِيرُ إبْطالًا لَشُبْهَتِهِمُ الوَهْمِيَّةِ القائِلَةِ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] فاسْتَحْضَرَ جَمِيعَ ما أوْحى إلَيْكَ وتَأمَّلْهُ غايَةَ التَّأمُّلِ، هَلْ تَرى فِيهِ خَفاءً في الإلَهِيَّةِ لِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ نَفْيًا لِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ المُمْكِنُ تَعَرُّفَهُ مِن آثارِ الرُّسُلِ إنَّما هو لِمُوسى وعِيسى ومِن بَيْنِهِما مِن أنْبِياءِ بَنِي (p-٤٣٨)إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الحافِظُ لِسُنَّتِهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ وسِفْرِ الأنْبِياءِ، قالَ مُثْبِتًا لِلْجارِّ المُفْهِمِ لِبَعْضِ الزَّمانِ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾

ولَمّا كانَ أتْباعُهم قَدْ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا فَلَمْ تَكُنْ بِهِمْ ثِقَةٌ، عَبَّرَ بِالرُّسُلِ فَقالَ: ﴿مِن رُسُلِنا﴾ أيْ بِقِراءَةِ أتْباعِهِمْ لِكُتُبِهِمُ الَّتِي حَرَّفُوا بَعْضَها، وجَعَلْتَ كِتابَكَ مُهَيْمِنًا عَلَيْها فَإنَّهم إذا قَرَءُوها بَيْنَ يَدَيْكَ وعَرَضُوها عَلَيْكَ عَلِمْتَ مَعانِيَها وفَضَحْتَ تَحْرِيفَهم وبَيَّنْتَ اتِّفاقَ الكُتُبِ كُلِّها بِرَدِّ ما ألْبَسَ عَلَيْهِمْ مِن مُتَشابِهِها إلى مُحَكِّمِها، فالمُرادُ مِن هَذا نَحْوُ المُرادِ مِن آيَةِ يُونُسَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ومِن آيَةِ الأنْبِياءِ ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤] مَعَ زِيادَةِ الإشارَةِ إلى تَحْرِيفِهِمْ، فالمَسْؤُولُ في الحَقِيقَةِ القُرْآنُ المُعْجِزُ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإيمانِ بِهِ والمُتابَعَةِ لَهُ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ سُؤالُ الرُّسُلِ حَقِيقَةً لِما جَمَعُوا لَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْلَةَ الإسْراءِ، فَإنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا إلّا تَبْكِيتُ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ ومِمَّنْ عَزَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِمْ: دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِهِ وأنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا مِنهُ، فَإنَّهم (p-٤٣٩)إذا أحْضَرُوا كُتُبَهم عَلِمْتَ دَلالَتَها القَطْعِيَّةَ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِي هَذا يَرُدُّ المُتَشابِهَ مِنها إلى المُحْكَمِ، وجَعَلَها ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] وقالَ: ومَعْلُومٌ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَرَدُّوهُ إلى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ: فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الرُّسُلِ عَنْ ذِكْرِ الكُتُبِ. وهو عَيْنُ ما قُلْتُهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ حَقِيقَةَ السُّؤالِ وسُؤالُ جَمِيعِ الرُّسُلِ لَقالَ ”قَبْلَكَ“ بِإسْقاطِ ”مَن“ لِيَسْتَغْرِقَ الكُلَّ - واللهُ أعْلَمُ.

ولَمّا ذَكَرَ المَسْؤُولُ مُفَخِّمًا لَهُ بِما اقْتَضَتْهُ العِبارَةُ مِنَ الإرْسالِ والإضافَةِ إلَيْهِ، ذَكَرَ المَسْؤُولُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجَعَلْنا﴾ أيْ أبَحْنا وأمَرْنا ورَضِينا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ، مِمّا يُنافِي ذَلِكَ، وقَرَّرَ حَقارَةَ ما سِواهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ﴾ وزادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي رَحْمَتُهُ عَمَّتْ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ ﴿آلِهَةً﴾ ولَمّا كانَ قَدْ جُعِلَ لِكُلِّ قَوْمٍ وجِهَةٌ يَتَوَجَّهُونَ في عِبادَتِهِمْ إلَهًا، وشَيْئًا مَحْسُوسًا بِغَلَبَةِ الأوْهامِ عَلى الأفْهامِ يَشْهَدُونَهُ وكانَ رُبَّما تَعَنَّتَ بِهِ مُتَعَنِّتٌ، قالَ مُحْتَرِزًا: ﴿يُعْبَدُونَ﴾ أيْ مِن عابِدٍ ما بِوَجْهٍ ما. (p-٤٤٠)ولَمّا كانَ المُتْرَفُونَ مُولَعِينَ بِأنْ يَزْدَرُوا مَن جاءَهم بِالرَّدِّ عَنْ أغْراضِهِمُ الفاسِدَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الِازْدِراءِ كَما قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ولا يَزالُونَ يَرُدُّونَ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ الضَّلالِ حَتّى يَقْهَرَهم ذُو الجَلالِ بِما أتَتْهم بِهِ رُسُلَهُ إمّا بِإهْلاكِهِمْ أوْ غَيْرِهِ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ، أوْرَدَ سُبْحانَهُ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاهِدَةً عَلى ذَلِكَ بِما قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَحْوِ ذَلِكَ ومِن إهْلاكِهِ عَلى قُوَّتِهِ وإنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ضَعْفِهِمْ، وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَرْجِيَةً.

43:46Page 492

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦

And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ أرْسَلْنا جَمِيعَ رُسُلِنا وهم أشْرَفُ الخَلْقِ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، وما كُنّا في إرْسالِنا إيّاهم مُراعِينَ لِما يُرِيدُهُ الأُمَمُ مِن جاهٍ أوْ مالٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِلِاتِّكالِ عَلَيْكَ فِيما أرْسَلْناكَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، ولا لِمُعاداتِكَ فِيهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ أوَّلُ مَن أرْشَدَ إلى سُؤالِ أتْباعِهِمْ فَقالَ مُؤَكِّدًا أجَلَ ما يُعانِدُونَ بِهِ مِن إنْكارِ الرِّسالَةِ، وأتى بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِما اقْتَضاهُ مِنَ الأمْرِ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما ظَهَرَ مِن عَظَمَتِنا.

ولَمّا كانَ الإرْسالُ مِنهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ عَلى حَسَبِ العَظَمَةِ في الدُّنْيا (p-٤٤١)بِما يَراهُ أهْلُها كَما قالَ هَؤُلاءِ ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ﴾ [الزخرف: ٣١] - الآيَةُ، قالَ مُناقِضًا لَهُمْ: ﴿مُوسى﴾ أيِ الَّذِي كانَ فِرْعَوْنُ يَرى أنَّهُ أحَقُّ النّاسِ بِتَعْظِيمِهِ لِأنَّهُ رَبّاهُ وكَفَلَهُ ﴿بِآياتِنا﴾ أيِ الَّتِي قَهَرَ بِها عُظَماءَ الخَلْقِ وجَبابِرَتَهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ وعَلى جَمِيعِ الآياتِ لِتَساوِيها في القُدْرَةِ وخَرْقِ العادَةِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِسُؤالِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرُّسُلَ عَنْ أمْرِ التَّوْحِيدِ، كانَتِ الآياتُ كافِيَةً، فَلَمْ يَذْكُرِ السُّلْطانَ لِأنَّهُ لِلْقَهْرِ والغَلَبَةِ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ لِأنَّهُ طَغى وبَغى وادَّعى أنَّهُ هو الرَّبُّ الأعْلى ووافَقَهُ الضّالُّونَ: ﴿ومَلأهُ﴾ [يونس: ٨٨] الَّذِينَ جَعَلَهم آلِهَةً دُونَهُ وعَبَدَهم قَوْمُهم فَلَمْ يُقِرَّهم عَلى ذَلِكَ لِأنّا ما رَضِيناهُ ﴿فَقالَ﴾ بِسَبَبِ إرْسالِنا ﴿إنِّي رَسُولُ﴾ وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ ما أنْكَرَهُ قَوْمُكَ مِنَ الرِّسالَةِ. ولَمّا كانَ الإحْسانُ سَبَبًا لِلْإذْعانِ قالَ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ مالِكِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ ومُدَبِّرِهِمْ.

43:47Page 492

فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧

But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.

ولَمّا كانُوا قَدْ فَعَلُوا مِنَ الرَّدِّ لِرِسالَتِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والِاسْتِهْزاءِ بِها ما فَعَلَتْهُ قُرَيْشٌ، قالَ مُسَلِّيًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُهَدِّدًا لَهم تَسْبِيبًا عَمّا تَقْدِيرُهُ: فَقالُوا لَهُ ائْتِ بِآيَةٍ، فَأتى بِها عَلى ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ بِما هو كالشَّمْسِ بَيانًا وحُسْنًا: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا﴾ بِالإتْيانِ بِآيَتِيِ (p-٤٤٢)اليَدِ والعَصا اللَّتَيْنِ شَهِدُوا فِيهِما عَظَمَتَنا ودَلَّتاهم عَلى قُدْرَتِنا عَلى جَمِيعِ الآياتِ ﴿إذا هُمْ﴾ أيْ بِأجْمَعِهِمُ اسْتِهْزاءً بِرَسُولِنا، وطالَ ما يَضْحَكُ عَلَيْهِمْ هو ومَن آمَنَ بِرِسالَتِهِ وبِما جاءَ بِهِ عَنّا يَوْمَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ ﴿مِنها يَضْحَكُونَ﴾ أيْ فاجَئُوا المَجِيءَ بِها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا كَسَلٍ بِالضَّحِكِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском