Al-Biqa'iAz‑Zukhruf · 43:60–67

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:60–67

43:60Page 493

وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠

And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا النّاسَ كُلَّهم مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، ولَوْ شِئْنا لَساوَيْناكم بِهِمْ في ذَلِكَ الَّذِي ضَرَبْناهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّلِّ عِنْدَما (p-٤٥٩)جَعَلُوا لَهُ مَثَلَ السَّوْءِ فَزِدْنا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والحَقارَةِ عَنْ سائِرِ الأُمَمِ بِأنَّ سُلْطانَهم عَلَيْكم حَتّى اسْتَباحُوكُمْ، ولَوْ شِئْنا لَمَحَوْناكم أجْمَعِينَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَرَكْناها بَيْتًا؟ لا أنِيسَ بِها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ﴾ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ إشارَةً إلى دَوامِ قُدْرَتِهِ عَلى تَجْدِيدِ الإبْداعِ فَقالَ: ﴿نَشاءُ لَجَعَلْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ما هو أغْرَبُ مِمّا صَنَعْناهُ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ جَعْلًا مُبْتَدَئًا مِنكُمْ، إمّا بِالتَّوْلِيدِ كَما جَعَلْنا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أُنْثى مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وجَعَلْنا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ أُنْثى ولا ذَكَرٍ وإمّا بِالبَدَلِيَّةِ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أيْ يَكُونُونَ خَلَفًا لَكم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بَعْدَ إعْدامِكم فَجَعَلْناهم مَثَلًا لَكم كَما جَعَلْنا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَجَعَلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً بِأنْ نُحَوِّلَ خِلْقَتَهم فَنَجْعَلَهم خَلَفًا لِمَن تَحَوَّلُوا عَنْهم ونَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ عِبادِنا أجْسامٌ تَقْبَلُ التَّوْلِيدَ كَما تَقْبَلُ الإبْداعَ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَذَلِكَ إشارَةُ إلى أنَّ المَلائِكَةَ ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ مِن جُمْلَةِ عَبِيدِهِ سُبْحانَهُ، يَصْرِفُهم في مُرادِهِ إنْ شاءَ في السَّماءِ، وإنْ شاءَ في الأرْضِ، لا شَيْءَ مِنكم إلّا وهو بِعِيدٌ جِدًّا عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ إرْشادًا لَهم إلى الِاعْتِقادِ (p-٤٦٠)الحَقِّ في أمْرِهِ سُبْحانَهُ بِشُمُولِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ اللّازِمِ مِنهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.

43:61Page 494

وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الإعْدامَ والخِلافَةَ بِسَبَبِهِ فَرْضًا، ذَكَرَ أنَّ إنْزالَهُ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ أمارَةٌ عَلى إعْدامِ النّاسِ تَحْقِيقًا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أيْ نُزُولِهِ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِقُرْبِ السّاعَةِ الَّتِي هي إعْدامُهُ الخَلائِقَ كُلَّهم بِالمَوْتِ، وكَذا ما نُقِلَ عَنْهُ مِن أنَّهُ كانَ يَحْيى وكَذا إبْراؤُهُ الأسْقامَ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِلْقَطْعِ بِالسّاعَةِ الَّتِي هي القِيامَةُ، فَهو سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِالأمْرَيْنِ: عُمُومُ الإعْدامِ وعُمُومُ القِيامِ.

ولَمّا كانَ قُرَيْشٌ يَسْتَنْصِحُونَ اليَهُودَ يَسْألُونَهم - لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الكِتابِ - عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ النَّصارى مِثْلُهم في ذَلِكَ، وكانَ كَوْنُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أعْلامِ السّاعَةِ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ، أمّا النَّصارى فَيَقُولُونَ: إنَّهُ الَّذِي أتى إلَيْهِمْ ورُفِعَ إلى السَّماءِ كَما هو عِنْدَنا، وأمّا اليَهُودُ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ إلى الآنَ لَمْ يَأْتِ، ويَأْتِي بَعْدُ، فَثَبَتَ بِهَذا أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنْهُ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ، ومِن أنَّهُ مِن أعْلامِ السّاعَةِ بِشَهادَةِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ ثَباتًا عَظِيمًا جِدًّا، فَصارَتْ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَمّا سَبَقَ قَوْلُهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لافِتًا القَوْلَ إلى مُواجَهَتِهِمْ مُؤَكِّدًا في مُقابَلَةِ (p-٤٦١)إنْكارِهِمْ لَها بِما ثَبَتَ مِن شَهادَةِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ﴾ أيْ تَشُكُّوا أدْنى شَكٍّ وتَضْطَرِبُوا أدْنى اضْطِرابٍ وتَجْحَدُوا أدْنى جَحْدٍ وتُجادِلُوا أدْنى جَدَلٍ ﴿بِها﴾ أيْ بِسَبَبِها، يُقالُ: مَرى الشَّيْءُ وامْتَراهُ: اسْتَخْرَجَهُ، ومَراهُ مِائَةَ سَوْطٍ: ضَرَبَهُ، ومَراهُ حَقَّهُ، أيْ جَحَدَهُ، والمِرْيَةُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ: الجَدَلُ والشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ أيْ أوْجَدُوا تَبِعَكم بِغايَةِ جُهْدِكم ﴿هَذا﴾ أيْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿صِراطٌ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ واضِحٍ ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ لا عِوَجَ فِيهِ.

43:62Page 494

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢

And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.

ولَمّا حَثَّهم عَلى السُّلُوكِ لِصِراطِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ بِدَلالَةِ الشَّفُوقِ النَّصُوحِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، حَذَّرَهم مِنَ العَدُوِّ البَعِيدِ المُحْتَرِقِ الطَّرِيدِ، فَقالَ دالًّا عَلى عَظِيمِ فِتْنَتِهِ بِما لَهُ مِنَ التَّزْيِينِ لِلْمُشْتَهى والأخْذِ مِنَ المَأْمَنِ والتَّلْبِيسِ لِلْمُشْكِلِ والتَّغْطِيَةِ لِلْخَوْفِ بِالتَّأْكِيدِ، لِما هم تابِعُونَ مِن ضِدِّهِ عَلى وجْهِ التَّقْلِيدِ: ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ﴾ أيْ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ الواضِحِ الواسِعِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى المَقْصُودِ بِأيْسَرِ سَعْيٍ ﴿الشَّيْطانُ﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ (p-٤٦٢)ما لَهُ يَصُدُّنا عَنْ سَبِيلِ رَبِّنا؟ ذَكَرَ العِلَّةَ تَحْذِيرًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ عامَّةً، وأكَّدَ الخَبَرُ لِأنَّ أفْعالَ التّابِعِينَ لَكم أفْعالُ مَن يُنْكِرُ عَداوَتَهُ: ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ واضِحُ العَداوَةِ في نَفْسِهِ مُنادٍ بِها، وذَلِكَ بِإبْلاغِهِ في عَداوَةِ أبِيكم حَتّى أنْزَلَكم بِإنْزالِهِ عَنْ مَحَلِّ الرّاحَةِ إلى مَوْضِعِ النَّصْبِ، عَداوَةٌ ناشِئَةٌ عَنِ الحَسَدِ، فَهي لا تَنْفَكُّ أبَدًا.

43:63Page 494

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْعَمَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ولَوَّحَ إلى اخْتِلافِهِمْ وأنَّ بَعْضَهم نَزَلَ مِثْلَهُ عَلى غَيْرِ ما هو بِهِ، وحَذَّرَ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ في نَحْوِ ذَلِكَ الضَّلالِ، وأمَرَ بِاتِّباعِ الهادِي، ونَهى عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّ، صَرَّحَ بِما كانَ مِن حالِهِمْ حِينَ أبْرَزَهُ اللهُ لَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ الغَرِيبَةِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى﴾ أيْ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ المَسْمُوعَةِ والمَرْئِيَّةِ،

﴿قالَ﴾ مُنَبِّهًا لَهُمْ: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ ما يَدُلُّكم قَطْعًا عَلى أنَّهُ آيَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ وكَلِمَةٌ مِنهُ أيْضًا ﴿بِالحِكْمَةِ﴾ أيِ الأمْرِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ نَقْضُهُ ولا يُدْفَعُ إلّا بِالمُعانَدَةِ لِأُخَلِّصَكم بِذَلِكَ مِمّا وقَعْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ. (p-٤٦٣)ولَمّا كانَ المُرادُ بِالحِكْمَةِ ما نُسِخَ مِنَ التَّوْراةِ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما أتاهم بِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: لِتَتَّبِعُوهُ وتَتْرُكُوا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ أمْرًا خاصًّا هو مِن أحْكَمِ الحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿ولأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ بَيانًا واضِحًا جِدًّا ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ﴾ أيِ الآنِ ﴿فِيهِ﴾ ولا تَزالُونَ تُجَدِّدُونَ الخِلافَةَ بِسَبَبِهِ، وهَذا البَعْضُ الظّاهِرُ بِما يُرْشِدُ إلَيْهِ خِتامُ الآيَةِ أنَّهُ المُتَشابِهُ الَّذِي كَفَرُوا بِسَبَبِهِ بَيَّنَهُ بَيانًا يَرُدُّهُ إلى المُحْكَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُتَشابِهِ، وهو ما يَكُونُ بَيانُهُ كافِيًا في رَدِّ بَقِيَّةِ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ بِالقِياسِ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشَّأْنَ في كُلِّ كِتابٍ أنْ يَجْمَعَ المُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، فالمُحْكَمُ ما لا لَبْسَ فِيهِ، والمُتَشابِهُ ما يَكُونُ مُلْبِسًا، وفِيهِ ما يَرُدُّهُ إلى المُحْكَمِ لَكِنْ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والإشارَةِ الَّتِي لا يَذُوقُها إلّا أهْلُ البَصائِرِ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ فالصّادِقُ الَّذِي رَسَّخَ عِلْمًا وإيمانًا يَرُدُّ المُتَشابِهَ مِنهُ إلى المُحْكَمِ، أوْ يَعْجَزُ فَيَقُولُ: اللهُ أعْلَمُ، رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ولا يَتَزَلْزَلُ، والكاذِبُ يَتَّبِعُ المُتَشابِهَ فَيُجْرِيهِ عَلى ظاهِرِهِ فَيُشَبِّهُ كَأهْلِ الِاتِّحادِ الجَوامِدِ المَفْتُونِينَ بِالمُشاهَدَةِ ويُؤَوِّلُ بِحَسَبِ هَواهُ بِما لا يَتَمَشّى عَلى قَواعِدِ العِلْمِ ولا يُوافِقُ المُحْكَمَ فَيُفْتَتَنُ.

ولَمّا صَحَّ بِهَذا أنَّ الَّذِي أرْسَلَهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ (p-٤٦٤)كُلُّهُ، فَهو فَعّالٌ لِما يَشاءُ، وكانَ الحامِلُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَّقْوى، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوهُ لِما لَهُ مِنَ الجَلالِ بِحَيْثُ لا تُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ إلّا بِبَيانٍ مِنهُ لِأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنكم ومِن غَيْرِكُمْ، ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ في مِلْكِ الغَيْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِإذْنِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أنْقُلُكم إلَيْهِ وأُبَيِّنُهُ لَكم مِمّا أُبْقِيكم عَلَيْهِ، فَإنِّي لا آخُذُ شَيْئًا إلّا عَنْهُ، ولا أتَلَقّى إلّا مِنهُ، فَطاعَتِي لِأمْرِهِ بِما يُرْضِيهِ هي ثَمَرَةُ التَّقْوى، وكُلَّما زادَ المُتَّقِي في أعْمالِ الطّاعَةِ زادَتْ تَقْواهُ.

43:64Page 494

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."

ولَمّا أمَرَهم بِطاعَتِهِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِما أزالَ تُهْمَتَهُ ما يُطاعُ فِيهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجامَلَةِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالجَلالِ والجَمالِ، فَكانَ أهْلًا لِأنْ يُتَّقى ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ نَحْنُ في العُبُودِيَّةِ بِإحْسانِهِ إلَيْنا وسِيادَتِهِ لَنا عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَلَوْلا أنَّهُ أرْسَلَنِي لَما خَصَّنِي عَنْكم بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ بِما آمُرُكم بِهِ لِأنَّهُ صَدَّقَنِي في أمْرِكم بِاتِّباعِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِي فَصارَ هو الآمِرُ لا أنا.

ولَمّا كانَ دُعاؤُهُ إلى اللهِ بِما لا حَظَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ دَلَّ قَطْعِيًّا عَلى صِدْقِهِ ولا سِيَّما وقَدِ اقْتَرَنَ بِالمُعْجِزاتِ مَعَ كَوْنِهِ في (p-٤٦٥)نَفْسِهِ في غايَةِ الخُفْيَةِ لا يُسْتَطاعُ بَعْضُهُ بِوَجْهٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا مَضى مُرَغِّبًا فِيهِ دالًّا عَلى اقْتِضائِهِ الطّاعَةَ ﴿هَذا﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿صِراطٌ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ جِدًّا واضِحٍ ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ لا عِوَجَ لَهُ.

ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِالحِكْمَةِ مِنَ الإنْجِيلِ:

قالَ مَتّى أحَدُ مُتَرْجِمِيهِ الأرْبَعَةِ وقَدْ خَلَطَتْ تَراجِمُهم وأغْلَبُ السِّياقِ لِمَتّى: فَلَمّا خَرَجَ يَسُوعُ وجاءَ إلى نَواحِي صُوَرَ وصِيدا إذا بِامْرَأةٍ كَنْعانِيَّةٍ - وقالَ مُرْقُسُ: يُونانِيَّةٌ - خَرَجَتْ مِن تِلْكَ التُّخُومِ تَصِيحُ وتَقُولُ: ارْحَمْنِي يا رَبِّ يا ابْنِ داوُدَ! ابْنَتِي بِها شَيْطانٌ رَدِيءٌ، فَلَمْ يُجِبْها بِكَلِمَةٍ، فَجاءَ تَلامِيذُهُ وسَألُوهُ قائِلِينَ: اصْرِفْ هَذِهِ المَرْأةَ لِأنَّها تَصِيحُ خَلْفَنا، أجابَ وقالَ لَهُمْ: لَمْ أُرْسِلْ إلّا إلى الخِرافِ مِن بَيْتِ إسْرائِيلَ، فَأتَتْ وسَجَدَتْ لَهُ قائِلَةً: يا رَبِّ أعْنِي فَأجابَ: لَيْسَ هو جَيِّدًا أنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ فَيُعْطى لِلْكِلابِ، فَقالَتْ: نَعَمْ! يا رَبِّ، (p-٤٦٦)والكِلابُ تَأْكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِن مَوائِدِ أرْبابِها، حِينَئِذٍ أجابَ يَسُوعُ وقالَ لَها: يا امْرَأةً عَظِيمَةً أمانَتُكِ يَكُونُ لَكِ كَما أرَدْتِ، فَبَرِئَتِ ابْنَتُها مِنهُ تِلْكَ السّاعَةَ، وقالَ مُرْقُسُ: فَقالَ لَها مِن أجْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ اذْهَبِي، قَدْ خَرَجَ الشَّيْطانُ مِنَ ابْنَتِكِ، فَذَهَبَتْ إلى ابْنَتِها فَوَجَدَتِ الصَّبِيَّةَ عَلى السَّرِيرِ والشَّيْطانُ قَدْ خَرَجَ مِنها، فَجائُوا إلَيْهِ بِأخْرَسَ أصَمَّ فَطَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَأخْرَجُوهُ وحْدَهُ مِنَ الشَّعْبِ، وتَرَكَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ، وتُفَلَ ثُمَّ مَسَّ لِسانَهُ ونَظَرَ إلى السَّماءِ وشَهِدَ وقالَ: الفاثا الَّذِي هو التَّفَتُّحُ، ولِلْوَقْتِ انْفَتَحَ سَمْعُهُ وسَمِعَ، وانْحَلَّ رِباطُ لِسانِهِ وتَكَلَّمَ مُسْتَوِيًا، ووَصّاهم أنْ لا يَقُولُوا لِأحَدٍ شَيْئًا فَأتاهم فَكانُوا يُنْكِرُونَ كَثِيرًا ويَبْهَتُونَ جِدًّا، قائِلِينَ: ما أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ! يَصْنَعُ الخُرْسُ يَتَكَلَّمُونَ والصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وقالَ مُرْقُسُ: ثُمَّ جاءَ إلى بَيْتِ صِيدا فَقَدَّمُوا إلَيْهِ أعْمى، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَلْمِسَهُ، فَأخَذَ بِيَدِ الأعْمى ثُمَّ أخْرَجَهُ خارِجًا مِنَ القَرْيَةِ، وتَفَلَ في عَيْنَيْهِ ووَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وسَألَهُ: ما يَنْظُرُ؟ قالَ: أنْظُرُ النّاسَ مِثْلَ الشَّجَرِ يَمْشُونَ، فَوَضَعَ يَدَهُ أيْضًا عَلى عَيْنَيْهِ، فَأبْصَرَ حِينًا ونَظَرَ إلى كُلِّ شَيْءٍ ظاهِرًا، قالَ: ثُمَّ جاءَ إلى ناحِيَةٍ قِيسارِيَّةَ فَيَلْقَسُ فَسَألَ تَلامِيذَهُ: ماذا يَقُولُ النّاسُ في ابْنِ (p-٤٦٧)الإنْسانِ؟ فَقالَ قَوْمٌ: يُوحَنّا المُعَمَّدانِ، وآخَرُونَ: إلْيا، وآخَرُونَ: إرْمِيا، وواحِدٌ مِنَ الأنْبِياءِ، فَقالَ لَهُمْ: فَأنْتُمْ ماذا تَقُولُونَ؟ أجابَ سَمْعانُ بُطْرُسَ - وقالَ: أنْتَ هو المَسِيحُ، أجابَ يَسُوعَ وقالَ لَهُ: طُوبى لَكَ يا سَمْعانُ ابْنُ يُونا لِأنَّهُ لَيْسَ جَسَدٌ يَسْعى وأبْوابُ الجَحِيمِ لا تَقْوى عَلَيْهِ ولَكَ أُعْطِي مَلَكُوتَ السَّماواتِ، وما رَبَطَتْهُ الأرْضُ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّماواتِ، وما حَلَلْتُهُ عَلى الأرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا في السَّماواتِ، وبَدَأ يَسُوعُ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ يُخْبِرُ تَلامِيذَهُ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَمْضِيَ إلى يُرُوشَلِيمَ ويَقْبَلَ آلامًا كَثِيرَةً مِنَ المَشايِخِ ورُؤَساءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ، وقالَ: مَن أرادَ أنْ يَتَّبِعَنِي فَلْيَكْفُرْ بِنَفْسِي، ومَن أرادَ أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ فَلْيُهْلِكْها، وهُنَّ أهْلَكَ نَفْسَهُ مِن أجْلِي وجَدَها، وما يَنْفَعُ الإنْسانُ لَوْ رَبِحَ العالَمُ كُلُّهُ وخَسِرَ نَفْسَهُ؟ وماذا يُعْطِي الإنْسانُ فِداءً لِنَفْسِهِ، وقالَ لُوقا: وكانَ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَنْطَلِقُ فالتَفَتَ لَهم وقالَ لَهُمْ: مَن يَأْتِي إلَيَّ ولا يُبْغِضُ أباهُ وأُمَّهُ وامْرَأتَهُ وبَنِيهِ وإخْوَتَهُ وأخَواتِهِ نَعِمَ حَتّى نَفْسِهِ، فَلا يَقْدِرُ أنْ يَكُونَ لِي تَلْمِيذًا، مَن مِنكم يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بُرْجًا ولا يَجْلِسُ أوَّلًا ويَحْسَبَ (p-٤٦٨)نَفَقَتَهُ؟ وهَلْ لَهُ ما يُكْمِلُهُ لِكَيْما يَسْتَهْزِئُ بِهِ كُلُّ مَن يَنْظُرُهُ إذا وضَعَ الأساسَ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى إكْمالِهِ، وأيُّ مَلِكٍ يَخْرُجُ إلى مُحارَبَةِ مَلِكٍ آخَرَ فَلا يَجْلِسُ أوَّلًا ويُفَكِّرُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أنْ يُلْقِيَ بِعَشَرَةِ آلافِ المُوافِي إلَيْهِ في عِشْرِينَ ألْفًا إلّا فَما دامَ بَعِيدًا مِنهُ يُرْسِلُ رُسُلًا رُسُلُ سَلامَةٍ، وهَكَذا كُلٌّ مِنكم إنْ لَمْ يُرْفَضْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا، وذَكَرَ لُوقا أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في ولِيمَةٍ فَقالَ مَثَلًا لِأنَّهم كانُوا يَتَخَيَّرُونَ المُتَّكَآتِ فَقالَ لَهُمْ: مَتى دَعاكَ أحَدٌ إلى عُرْسٍ فَلا تَجْلِسْ في أوَّلِ الجَماعَةِ، فَلَعَلَّهُ قَدْ دَعا هُناكَ أكْرَمَ مِنكَ عَلَيْهِ فَيَأْتِي الَّذِي دَعاهُ فَيَقُولُ لَهُ: يا حَبِيبُ! ارْتَفِعْ إلى فَوْقٍ، حِينَئِذٍ يَكُونُ لَكَ مَجْدًا قُدّامَ المُتَّكِئِينَ مَعَكَ لِأنَّ كُلَّ مَن يَرْتَفِعُ يَتَّضِعُ، وكُلُّ مَن يَتَّضِعُ يَرْتَفِعُ، وقالَ لِلَّذِي دَعاهُ: وإذا صَنَعْتَ ولِيمَةً فَلا تَدَعْ أحِبّاءَكَ ولا إخْوَتَكَ ولا أقارِبَكَ ولا أغْنِياءَ جِيرانِكَ لَعَلَّهم أنْ يَدْعُوكَ أيْضًا فَيَكُونُ لَكَ مُكافَأةً، لَكِنْ إذا صَنَعْتَ طَعامًا فادْعُ المَساكِينَ والعُورَ والضُّعَفاءَ والعُمْيانَ، وطُوباكَ لِأنَّهُ لَيْسَ لَكَ ما يُكافِئُونَكَ، ومُجازاتُكَ تَكُونُ في قِيامَةِ الصَّدِيقَيْنِ، فَسَمَعَ واحِدٌ مِنَ المُتَّكِئِينَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: طُوبى لِمَن يَأْكُلُ خُبْزًا في مَلَكُوتِ اللَّهِ، وقالَ مَتى: وجاءَ تَلامِيذُ يَسُوعَ إلَيْهِ وقالُوا لَهُ: مَن هو العَظِيمُ في مَلَكُوتِ (p-٤٦٩)السَّماواتِ، فَدَعا طِفْلًا وأقامَهُ بَيْنَهم وقالَ: الحَقُّ أقُولُ: إنْ لَمْ تَرْجِعُوا وتَكُونُوا مِثْلَ الصِّبْيانِ لا تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماواتِ، ومَنِ اتَّضَعَ مِثْلَ هَذا الصَّبِيِّ فَهو العَظِيمُ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ومِن قَبَّلَ صَبِيًّا مِثْلَ هَذا بِاسْمِي فَقَدْ قَبَّلَنِي، قالَ مُرْقُسُ: ومَن قَبَّلَنِي فَلَيْسَ يُقَبِّلُنِي فَقَطْ بَلْ والَّذِي أرْسَلَنِي، وقالَ لُوقا: ومَن قَبَّلَنِي فَقَدْ قَبَّلَ الَّذِي أرْسَلَنِي، والَّذِي هو الصَّغِيرُ فِيكم هو الأكْبَرُ، قالَ مَتّى: ومَن شَكَّ أحَدُ هَؤُلاءِ الصِّغارِ المُؤْمِنِينَ فَخَيْرٌ أنْ يُعَلِّقَ حَجَرَ الرَّحى في رَقَبَتِهِ، ويَغْرَقَ في البَحْرِ، الوَيْلُ لِلْعالَمِ مِنَ الشُّكُوكِ لَكِنِ الوَيْلُ لِلْإنْسانِ الَّذِي يَأْتِي مِنهُ الشُّكُوكُ، إنْ شَكَتْكَ يَدُكَ أوْ رِجْلُكَ فاقْطَعْها وألْقِها عَنْكَ، فَخَيْرٌ لَكَ أنْ تَدْخُلَ الحَياةَ وأنْتَ أعْرَجُ أوْ أعْشَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ يَدانِ أوْ رِجْلانِ وتُلْقى في نارِ الأبَدِ، وقالَ مُرْقُسُ: وتَذْهَبُ إلى جَهَنَّمَ حَتّى لا تُطْفَأ نارُها ولا يَمُوتُ دَوْرُها - انْتَهى.

وإنْ شَكَتْكَ عَيْنُكَ فاقْلَعْها وألْقِها عَنْكَ فَخَيْرٌ لَكَ أنْ تَدْخُلَ الحَياةَ بِعَيْنٍ واحِدَةٍ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ عَيْنانِ وتُلْقى في جَهَنَّمَ، وقالَ مُرْقُسُ: وكُلُّ شَيْءٍ بِالنّارِ يُمْلَحُ وكُلُّ ذَبِيحَةٍ تُمْلَحُ بِالمِلْحِ جَيِّدٌ هو المِلْحُ، فَإنْ فَسَدَ المِلْحُ فَبِماذا يُمْلَّحُ فَلْيَكُنْ فِيكُمُ المِلْحُ، ويَكُونُ سَلامُ بَعْضِكم بَعْضًا، وقالَ لُوقا: ثُمَّ قالَ: مِن أجْلِ (p-٤٧٠)أقْوامٍ يَقُولُونَ: إنَّهم صِدِّيقُونَ ويُحَقِّرُونَ البَقِيَّةَ، هَذا المَثَلُ رَجُلانِ صَعِدا إلى الهَيْكَلِ لِيُصَلِّيا، أحَدُهُما فَرَيْسِي والآخِرُ عِشارٌ، فَأمّا الفَرِيسِي فَإنَّهُ كانَ يُصَلِّي بِهَذا في نَفْسِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُرُكَ لِأنِّي لَسْتُ مِثْلَ سائِرِ النّاسِ العاصِينَ الظَّلَمَةِ الفُجّارِ، ولا مِثْلَ هَذا العِشارِ، فَكانَ قائِمًا مِن بَعِيدٍ ولا يَرى أنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ، وكانَ يَضْرِبُ عَلى صَدْرِهِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَإنِّي خاطِئٌ، أقُولُ لَكُمْ: إنَّ هَذا نَزَلَ إلى بَيْتِهِ أمْرٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، ولَكَ مَن يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ، ثُمَّ قَدِمَ إلَيْهِ صِبْيانٌ لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا نَظَرَهُمُ التَّلامِيذُ نَهَرُوهم فَقالَ: دَعُوا الصِّبْيانَ يَأْتُوا إلَيَّ ولا تَمْنَعُوهم لِأنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لِمِثْلِ هَؤُلاءِ، الحَقُّ أقُولُ لَكُمْ، إنَّ مَن لا يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ صَبِيٍّ لا يَدْخُلُها، وقالَ مَتّى: انْظُرُوا لا تُحَقِّرُوا أحَدَ هَؤُلاءِ الصِّغارِ، لَمْ يَأْتِ ابْنُ الإنْسانِ إلّا لِيَطْلُبَ ويُخَلِّصَ مَن كانَ ضالًّا، ماذا تَظُنُّونَ إذا كانَ الإنْسانُ مِائَةَ خَرُوفٍ فَضَلَّ مِنها واحِدٌ لَيْسَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ في الجَبَلِ، ويَمْضِي يَطْلُبُ الضّالَّ؟ وقالَ لُوقا: حَتّى يَجِدَهُ، الحَقُّ أقُولُ لَكُمْ، إنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أكْثَرُ مِنَ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ الَّتِي لَمْ تَضِلَّ، هَكَذا لَيْسَ مَشِيئَةَ رَبِّي الَّذِي في السَّماواتِ أنْ يَهْلَكَ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الصِّغارِ، وقالَ لُوقا: ودَنا مِنهُ (p-٤٧١)العَشّارُونَ والخَطَأةُ لِيَسْمَعُوا مِنهُ فَتَذَمَّرَ الفَرِيسِيُّونَ والكَتَبَةُ قائِلِينَ: هَذا يَقْبَلُ الخَطَأةَ ويَأْكُلُ مَعَهُمْ، فَقالَ لَهُمْ: أيُّ رَجُلٍ مِنكم لَهُ مِائَةُ خَرُوفٍ فَيُتْلِفُ واحِدٌ مِنها لَيْسَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ في البَرِّيَّةِ ويَمْضِي إلى الضّالِّ حَتّى يَجِدَهُ، فَإذا وجَدَهُ حَمَلَهُ عَلى مَنكِبَيْهِ فَرِحًا، ويَأْتِي بِهِ إلى بَيْتِهِ ويَدْعُو أصْدِقاءَهُ وجِيرانَهُ ويَقُولُ لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي لِوُجُودِي خَرُوفِي الضّالِّ، أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ يَكُونُ فَرِحٌ في السَّماءِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتُوبُ أكْثَرُ مِنَ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ الصَّدِيقُ الَّذِينَ لا يَحْتاجُونَ إلى تَوْبَةٍ، وأيُّ امْرَأةٍ لَها عَشَرَةُ دَراهِمَ يَتْلَفُ واحِدٌ مِنها ألَيْسَ تُوقِدُ سِراجًا وتَكْنُسُ بَيْتَها وتَطْلُبُهُ مُجْتَهِدَةً حَتّى تَجِدَهُ، فَإذا وجَدَتْهُ دَعَتْ أحْبابَها وجاراتِها قائِلَةً: افْرَحُوا لِي لِوُجُودِي دِرْهَمِي الضّالِّ، هَكَذا أقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدّامَ مَلائِكَةِ اللهِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتُوبُ، وقالَ: إنْسانٌ لَهُ ابْنانِ فَقالَ الأصْغَرُ يا أبَتاهُ! أعْطِنِي نَصِيبِي مِن مالِكَ فَقَسَّمَ بَيْنَهُما مالَهُ، وبَعْدَ أيّامٍ قَلِيلَةٍ جَمَعَ الأصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ وسافَرَ إلى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وبَذَرَ (p-٤٧٢)مالَهُ هُناكَ بِعَيْشٍ بَذَخٍ، فَلَمّا نَفَدَ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ في تِلْكَ الكَوْرَةِ فافْتَقَرَ وانْقَطَعَ إلى رَجُلٍ مِنها فَأرْسَلَهُ إلى حَقْلِهِ يَرْعى خَنازِيرَ، وكانَ يَشْتَهِي أنْ يَمْلَأ بَطْنَهُ مِنَ الخَرَنُوبِ الَّذِي كانَتِ الخَنازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلا يُعْطى ذَلِكَ، فَفَكَّرَ في نَفْسِهِ وقالَ: كَمْ مِن أُجَراءِ أبِي يَفْضَلُ عَنْهُمُ الخُبْزُ وأنا هَهُنا أهْلَكُ جُوعًا، أقُومُ أمْضِي إلى أبِي وأقُولُ: يا أبَتاهُ! أخْطَأْتَ في السَّماءِ وبَيْنَ يَدَيْكَ، ولَسْتَ بِمُسْتَحِقٍّ أنْ أُدْعى لَكَ ابْنًا لَكِنِ اجْعَلْنِي كَأحَدِ أُجَرائِكَ فَجاءَ إلَيْهِ فَنَظَرَهُ أبَوْهُ فَتَحَنَّنَ وأسْرَعَ واعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ فَقالَ: يا أبَتاهُ! أخْطَأْتَ في السَّماءِ وقُدّامَكَ، ولَسْتَ بِمُسْتَحِقٍّ أنِ ادَّعِي لَكَ ابْنًا، فَقالَ أبُوهُ لِعَبِيدِهِ: قَدِّمُوا الحُلَّةَ الأوْلى وألْبِسُوهُ وأعْطُوهُ خاتَمًا في يَدِهِ، وحِذاءً في رِجْلَيْهِ، وائْتُوا بِالعِجْلِ المَعْلُوفِ واذْبَحُوهُ ونَأْكُلُ ونَفْرَحُ لِأنَّ ابْنِي هَذا كانَ مَيِّتًا فَعاشَ، وضالًّا فَوَجَدَ، فَبَدَءُوا يَفْرَحُونَ، وكانَ ابْنُهُ الأكْبَرُ في الحَقْلِ، فَلَمّا جاءَ وقَرُبَ مِنَ البَيْتِ سَمِعَ المَزاهِرَ واتِّفاقَ الأصْواتِ والرَّقْصِ، فَدَعا واحِدًا مِنَ الغِلْمَةِ وسَألَهُ فَقالَ لَهُ: إنَّ أخاكَ قَدَّمَ، وذَبَحَ أبُوكَ (p-٤٧٣)العِجْلَ المَعْلُوفَ، فَغَضِبَ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَدْخُلَ، فَخَرَجَ أبُوهُ وطَلَبَ إلَيْهِ فَقالَ: كَمْ لِي مِن سَنَةٍ أخْدُمُكَ ولَمْ أُخالِفْ لَكَ وصِيَّةً قَطُّ ولَمْ تُعْطِنِي جِدْيًا واحِدًا أتَنَعَّمُ بِهِ مَعَ أصْدِقائِي، فَلَمّا جاءَ ابْنُكَ هَذا الَّذِي أكَلَ مالَكَ مَعَ الزُّناةِ ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ المَعْلُوفَ، فَقالَ لَهُ: يا بُنَيَّ! أنْتَ مَعِي في كُلِّ حِينٍ وُفي كُلِّ شَيْءٍ هو لِي، ويَنْبَغِي لَكَ أنْ تُسَرَّ وتَفْرَحَ لِأنَّ أخاكَ هَذا كانَ مَيِّتًا فَعاشَ، وضالًّا فَوَجَدَ.

وقالَ: رَجُلٌ كانَ غَنِيًّا يَلْبَسُ الأُرْجُوانَ وكانَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ ويَلَذُّ، ومِسْكِينٌ كانَ اسْمُهُ العازِرُ مَطْرُوحًا عِنْدَ بابِهِ مَضْرُوبًا بِقُرُوحٍ، وكانَ يَشْتَهِي أنْ يَشْبَعَ مِنَ الفُتاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِن مائِدَةِ ذَلِكَ الغَنِيِّ، وكانَتِ الكِلابُ تَأْتِي وتَلْطَعُ قُرُوحَهُ، فَلَمّا ماتَ ذَلِكَ المِسْكِينُ أخَذَتْهُ المَلائِكَةُ إلى حِصْنِ إبْراهِيمَ، وماتَ ذَلِكَ الغَنِيُّ وقُبِرَ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ في الهاوِيَةِ وهو في العَذابِ، فَنَظَرَ إبْراهِيمَ مِن بَعِيدٍ والعازِرَ في حِصْنِهِ، فَنادى: يا أبَتاهُ إبْراهِيمُ! ارْحَمْنِي وأرْسِلِ العازِرَ لِيَبَلَّ طَرَفُ إصْبَعِهِ بِما يُبَرِّدُ لِسانِي لِأنِّي مُعَذَّبٌ في اللَّهَبِ، فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ: يا ابْنِي اذْكُرْ أنَّكَ قَدْ قَتَلْتَ جِيرانَكَ في حَياتِكَ والعازِرُ في بَلائِهِ والآنَ فَهو يَسْتَرِيحُ هَهُنا وأنْتَ تُعَذَّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَبَيْنَنا وبَيْنَكم أهْوِيَةٌ عَظِيمَةٌ نائِيَةٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى العُبُورِ مِن هَهُنا إلَيْكُمْ، ولا مِن هُنا إلَيْنا، (p-٤٧٤)قالَ لَهُ: أسْألُكَ يا أبَتاهُ أنْ تُرْسِلَهُ إلى بَيْتِ أبِي، فَإنَّ خَمْسَةَ أُخْوَةٍ لِكَيْ يُناشِدَهم لِئَلّا يَأْتُوا إلى مَوْضِعِ هَذا العَذابِ، قالَ لَهُ إبْراهِيمُ: عِنْدَهم مُوسى والأنْبِياءُ فَلْيَسْمَعُوا مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتاهُ إبْراهِيمُ! إنْ لَمْ يَمْضِ إلَيْهِمْ واحِدٌ مِنَ الأمْواتِ ما يَتُوبُونَ؟ فَقالَ لَهُ: إنْ كانُوا لا يَسْمَعُونَ مِن مُوسى والأنْبِياءِ فَلَيْسَ إنْ قامَ واحِدٌ مِنَ الأمْواتِ يُصَدِّقُونَهُ، وقالَ لِتَلامِيذِهِ: سَوْفَ تَأْتِي الشُّكُوكُ والوَيْلُ، الَّذِي تَأْتِي الشُّكُوكُ مِن قَبْلِهِ خَيْرٌ لَهُ لَوْ عَلَّقَ حَجَرَ رَحى الحِمارِ في عُنُقِهِ ويُطْرَحُ في البَحْرِ مِن أنْ يَشُكَّ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ - واللهُ أعْلَمُ.

43:65Page 494

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥

But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.

ولَمّا كانَ الطَّرِيقُ الواضِحُ القَدِيمُ مُوجِبًا لِلِاجْتِماعِ عَلَيْهِ، والوِفاقُ عِنْدَ سُلُوكِهِ، بَيَّنَ أنَّهم سَبَّبُوا عَنْهُ بِهَذا الوَعْظِ غَيْرَ ما يَلِيقُ بِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَفَ﴾ وبَيَّنَ أنَّهم أكْثَرُوا الِاخْتِلافَ بِقَوْلِهِ: ﴿الأحْزابُ﴾ أيْ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ، بَلْ فِرَقًا كَثِيرَةً. ولَمّا كانَتِ العادَةُ أنْ يَكُونَ الخِلافُ بَيْنَ أُمَّتَيْنِ وقَبِيلَتَيْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكانَ اخْتِلافُ الفِرْقَةِ الواحِدَةِ عَجَبًا، بَيَّنَ أنَّهم مِن أهْلِ القَسَمِ فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيِ اخْتِلافًا ناشِئًا ابْتَدَأ مِن بَيْنِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ جَعَلْناهم مَثَلًا لَهُمْ: (p-٤٧٥)وقالَ لَهُمْ: قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ، فَسَبَّبَ عَنِ اخْتِلافِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ﴾ وكانَ أنْ يُقالَ: لَهُمْ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الوَصْفَ المُوجِبَ لِلْوَيْلِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ. ولَمّا كانَ في سِياقِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ في أتْقَنِ مَواضِعِهِ، جُعِلَ الوَصْفُ الظُّلْمَ الَّذِي أدّى إلَيْهِ الِاخْتِلافُ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مُضادَّةً لِما أتاهم صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ، وإذا كانَ اليَوْمُ مُؤْلِمًا لِما الظَّنُّ بِعَذابِهِ.

43:66Page 494

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦

Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?

ولَمّا عَمَّ الظّالِمِينَ بِالوَعِيدِ بِذَلِكَ اليَوْمِ فَدَخَلَ فِيهِ قُرَيْشٌ وغَيْرُهُمْ، أتْبَعَهُ ما هو كالتَّعْلِيلِ مُبْرِزًا لَهُ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ أهْوَلُ فَقالَ: ﴿هَلْ﴾ وجَرَّدَ الفِعْلَ إشارَةً إلى شِدَّةِ القُرْبِ حَتّى كَأنَّهُ بِمَرْأًى فَقالَ: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا السّاعَةَ﴾ أيْ ساعَةَ المَوْتِ العامِّ والبَعْثِ والقِيامِ، فَإنَّ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ أمْرِهِ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ مَنظُورٌ إلَيْهِ.

ولَمّا قَدَّمَ السّاعَةَ تَهْوِيلًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لِشِدَّةِ ظُهُورِ دَلائِلِها كَأنَّها مَرْئِيَّةً بِالعَيْنِ هَزًّا لَهم إلى تَقْلِيبِ أبْصارِهِمْ لِتَطْلُبَ رُؤْيَتَها، أبْدَلَ مِنها زِيادَةً في التَّهْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ وحَقَّقَ احْتِمالَ (p-٤٧٦)رُؤْيَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ ولَمّا كانَ البَعْثُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما يَجْهَلُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، أزالَ هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ لَهم بِعَيْنِ الوَقْتِ الَّذِي يَجِيءُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِلْمِ، ولا بِما كالشَّعْرَةِ مِنهُ.

43:67Page 494

ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧

Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous

ولَمّا كانَتِ السّاعَةُ تُطْلَقُ عَلى الحَبْسِ بِالمَوْتِ وعَلى النَّشْرِ بِالحَياةِ، بَيَّنَ ما يَكُونُ في الثّانِي الَّذِي هم لَهُ مُنْكِرُونَ مِن أحْوالِ المَبْعُوثِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابِ مَن يَقُولُ: هَلْ يَقُومُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ الآنَ؟ فَقالَ: ﴿الأخِلاءُ﴾ أيْ في الدّارِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تَكُونُ السّاعَةُ وهي ساعَةُ البَعْثِ الَّتِي هي بَعْضُ مَدْلُولِ السّاعَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ولَمّا يَنْكَشِفْ لَهم مِن أنَّ تَأْخِيرَهم في الحَياةِ هو السَّبَبُ في عَذابِهِمْ، فَيَقُولُ التّابِعُ لِلْمَتْبُوعِ: أنْتَ غَرَرْتَنِي فَضَرَرْتَنِي، ويَقُولُ المَتْبُوعُ: بَلْ أنْتَ كَبَّرْتَنِي فَصَغَّرْتَنِي، ورَفَعْتَنِي فَوَضَعْتَنِي، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ المُؤْلِمِ أشَدَّ الإيلامِ ﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أمْرُهم بِالتَّقْوى وحَثَّهم عَلَيْها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском