Al-Biqa'iAd‑Dukhan · 44:17–36

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ad-Dukhan 44:17–36

44:17Page 496

۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧

And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ فَتَنّاهم بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ لِيَكْشِفَ ذَلِكَ لِمَن لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا بَعْدَ وُقُوعِهِ عَمّا نَعْلَمُهُ في الأزَلِ، وفِيما لا يَزالُ ولَمْ يَزَلْ، (p-١٩)مِن بَواطِنِ أُمُورِهِمْ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلى مَن خالَفَنا عَلى مُقْتَضى عاداتِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُحَذِّرًا لِقُرَيْشٍ ومُسَلِّيًا لِلنَّبِيِّ ﷺ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾ أيْ: فَعَلْنا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فِعْلَ الفاتِنِ وهو المُخْتَبِرُ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ بِالإمْلاءِ والتَّمْكِينِ ثُمَّ الإرْسالِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمانَ ولا كانُوا أقْرَبَ النّاسِ زَمانًا إلى قُرَيْشٍ، نَزَعَ الجارَّ قَبْلَ الظَّرْفِ لِعَدَمِ الإلْباسِ أوْ أنَّهُ عَظَّمَ فِتْنَتَهم لَمّا كانَ لَهم مِنَ العَظَمَةِ والمُكْنَةِ، فَجَعَلَها لِذَلِكَ كَأنَّها مُسْتَغْرِقَةٌ لِجَمِيعِ الزَّمانِ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ هَؤُلاءِ العَرَبِ لِيَكُونَ ما مَضى مِن خَبَرِهِمْ عِبْرَةً لَهم وعِظَةً.

ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ مِن أقْوى مَن جاءَهُ رَسُولٌ قَبْلَهم بِما كانَ لَهُ مِنَ الجُنُودِ والأمْوالِ والمُكْنَةِ، وكانَ الرَّسُولُ الَّذِي أتاهُ قَدْ جُمِعَ لَهُ -ﷺ - الآياتُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلى التَّصَرُّفِ في العَناصِرِ الأرْبَعَةِ. فَكانَ فِيها الماءُ والتُّرابُ والنّارُ والهَواءُ، وكانُوا إذا أتَتْهُمُ الآيَةُ قالُوا: يا أيُّها السّاحِرُ! ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ، (p-٢٠)فَإذا كَشَفَ عَنْهم ذَلِكَ عادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ عِنْدَ مَجِيءِ الدُّخانِ إلى [غَيْرِ] ذَلِكَ مِمّا شابَهُوهم فِيهِ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي كَشَفَها هَذا المِضْمارُ، وكانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ أهْلَكَهم أجْمَعِينَ، فَكانُوا أجْلى مَثَلٍ لِقَوْلِهِ تَعالى في الَّتِي قَبْلَها: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] خَصَّهم بِالذِّكْرِ مِن [بَيْنِ] المَفْتُونِينَ قَبْلُ فَقالَ: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: مَعَ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ ما كانَ فِتْنَةً لِقَوْمِهِ كانَ فِتْنَةً لَهُ؛ لِأنَّ الكَبِيرَ أرْسَخُ في الفِتْنَةِ بِما أحاطَ بِهِ مِنَ الدُّنْيا، وسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ في آخِرِ القِصَّةِ ﴿وجاءَهُمْ﴾ أيِ: المُضافِينَ والمُضافَ إلَيْهِ في زِيادَةِ فِتْنَتِهِمْ ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ شَرَفَهُ نَسَبًا وأخْلاقًا وأفْعالًا، ثُمَّ زادَ بَيانَ كَرَمِهِ بِما ظَهَرَ لِلَّهِ بِهِ مِنَ العِنايَةِ بِما أيَّدَهُ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ.

44:18Page 496

أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨

[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"

ولَمّا أخْبَرَ بِمَجِيئِهِ إلَيْهِمْ بِالرِّسالَةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِالقَوْلِ، فَسَّرَ ما بَلَغَهم مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أدُّوا﴾ أيْ: أوْصِلُوا مَعَ البَشَرِ وطِيبِ النَّفْسِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صِيغَةِ الأمْرِ الَّذِي لا يَسُوغُ مُخالَفَتُهُ، ولَمّا كانَ بَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ تَصَرُّفِهِ في قَوْمِهِ حائِلٌ كَثِيفٌ مِن (p-٢١)ظُلْمِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، أشارَ [إلَيْهِ] بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلَيَّ﴾ ونَبَّهَهُ عَلى أنَّهُ لا حُكْمَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عِبادَ اللَّهِ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ اسْتَعْبَدْتُمُوهم ظُلْمًا ولَيْسَتْ عَلَيْهِمْ عُبُودِيَّةٌ إلّا لِلَّذِي أظْهَرَ في أُمُورِهِمْ صِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ بِما صَنَعَ مَعَ آبائِهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن بَعْدَهُ وما سَيَظْهَرُ مِمّا تَرَوْنَهُ وما يَكُونُ بَعْدَكم.

ولَمّا كانَ لَهم بِهِ مِنَ النَّفْعِ إنْ تَبِعُوا ما جاءَهم بِهِ والضُّرِّ إنْ رَدُّوهُ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وكانَ لا يَقْدِرُ عَلى تَأْدِيَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلَيْهِ مِن أهْلِ الأرْضِ غَيْرُهم لِاحْتِوائِهِمْ عَلَيْهِمْ كانَ تَقْدِيمُ الجارِّ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ فَلِذَلِكَ قالَ مُؤَكِّدًا فَإنْكارُهم لِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿رَسُولٌ﴾ أيْ: [مِن] عِنْدِ مَن لا تَكُونُ الرِّسالَةُ الكامِلَةُ إلّا مِنهُ، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَأْتَمِنُ عَلى السِّياسَةِ إلّا ثِقَةً كافِيًا، قالَ واصِفًا لِنَفْسِهِ بِما يُزِيلُ عُذْرَهم ويُقِيمُ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ: ﴿أمِينٌ﴾ أيْ: بالِغُ الأمانَةِ؛ لِأنَّ المَلِكَ الدَّيّانَ لا يُرْسِلُ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ.

44:19Page 497

وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩

And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.

ولَمّا كانَ اسْتِعْبادُ عَبْدِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ في صُورَةِ العُلُوِّ عَلى مالِكِ العَبْدِ قالَ: ﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ أيْ: تَفْعَلُوا بِاسْتِعْبادِكم لِبَنِي إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ (p-٢٢)ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ فِعْلَ العالِي ﴿عَلى اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ ومَعاقِدُ العِزَّةِ بِنُفُوذِ الكَلِمَةِ وجَمِيعُ أوْصافِ الكَمالِ فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أخَذَكم بِعِزَّتِهِ ودَمَّرَكم بِعَظَمَتِهِ.

ولَمّا كانَ عُلُوُّ مَن يَتَصَرَّفُ في العَبْدِ عَلى مالِكِ العَبْدِ لا يَثْبُتُ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ أنَّهُ مَلَكَهُ وأنَّهُ لا يُحِبُّ التَّصَرُّفَ فِيهِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأجَلِ [أنَّ] ما أتى بِهِ بِصَدَدِ أنْ يُنْكِرُوهُ؛ لِأنَّ النُّزُوعَ عَمّا اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ ومَضى عَلَيْهِ الإلْفُ بِعِيدٌ: ﴿إنِّي آتِيكُمْ﴾ وهو يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ وأنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا. ولَمّا كانَ فِعْلُهم فِعْلَ العالِي عَلى السُّلْطانِ، قالَ: ﴿بِسُلْطانٍ﴾ أيْ: أمْرٍ باهِرٍ قاهِرٍ مِن عِنْدِ مالِكِهِمْ، لا يَسُوغُ لِأحَدٍ الِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِالِاسْتِعْلاءِ عَلى مَن هو بِأمْرِهِ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ في نَفْسِهِ سَلْطَنَتُهُ ومُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ.

44:20Page 497

وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠

And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1

ولَمّا كانَ مِنَ العَجائِبِ أنْ يَقْتُلَ مِنهم نَفْسًا ثُمَّ يَخْرُجُ فارًّا مِنهم ثُمَّ يَأْتِي إلَيْهِمْ لا سِيَّما إتْيانًا يُقاهِرُهم فِيهِ في أمْرٍ عَظِيمٍ مِن غَيْرِ أنَّ يَقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما يَمْحُو ما تَقَدَّمَ مِنهُ، نَبَّهَهم عَلى إتْيانِهِ هَذا عَلى هَذا الحالِ آيَةً أُخْرى دالَّةً عَلى السُّلْطانِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِظَنِّهِمْ أنَّهُ في قَبْضَتِهِمْ: ﴿وإنِّي عُذْتُ﴾ أيِ اعْتَصَمْتُ وامْتَنَعْتُ ﴿بِرَبِّي﴾ الَّذِي (p-٢٣)رَبّانِي عَلى ما اقْتَضاهُ لُطْفُهُ بِي وإحْسانُهُ إلَيَّ ﴿ورَبِّكُمْ﴾ الَّذِي أعاذَنِي مِن قَتْلِكم لِي بِكم عَلى ما دَعَتْ إلَيْهِ حِكْمَتُهُ مِن جَبَرُوتِكم وتَكَبُّرِكم وقُوَّةِ مُكْنَتِكم ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ أيْ: أنْ يَتَجَدَّدَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ قَتْلٌ مِنكم لِي، ما أتَيْتُكم حَتّى تَوَثَّقْتُ مِن رَبِّي في ذَلِكَ، فَإنِّي قُلْتُ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] فَقالَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا﴾ [القصص: ٣٥] فَهو مِن أعْظَمِ آياتِي أنْ لا تَصِلُوا عَلى قُوَّتِكم وكَثْرَتِكم إلى قَتْلِي مَعَ أنَّهُ لا قُوَّةَ لِي بِغَيْرِ اللَّهِ الَّذِي أرْسَلَنِي.

44:21Page 497

وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١

But if you do not believe me, then leave me alone."

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ آمَنتُمْ بِذَلِكَ وسَلَّمْتُمْ لِي أفْلَحْتُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ: تُصَدِّقُوا لِأجْلِي ما أخْبَرْتُكم بِهِ ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: وإنْ لَمْ تَعْتَزِلُونِي هَلَكْتُمْ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى قَتْلِي بِوَجْهٍ وأنا واحِدٌ مِمَّنْ تَسُومُونَهم سُوءَ العَذابِ، وما قَتَلْتُمْ أبْناءَهم إلّا مِن أجْلِي، فَرَبّانِي عَلى كَفِّ مَن ضاقَتْ عَلَيْهِ الأرْضُ بِسَبَبِي وسَفَكَ الدِّماءَ في شَأْنِي، ومَنَعَهُ اللَّهُ مِن أنْ يَصِلَ إلَيَّ مِنهُ سُوءٌ قَبْلَ أنْ (p-٢٤)أعُوذَ بِهِ، فَكَيْفَ بِهِ بَعْدَ أنْ أرْسَلَنِي وعُذْتُ بِهِ فَأعاذَنِي، واسْتَجَرْتُ بِهِ فَأجارَنِي.

44:22Page 497

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢

And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولا لِأجْلِهِ ولَمْ يَعْتَزِلُوهُ، بَلْ بَغَوْا لَهُ الغَوائِلَ ورامُوا أنْ يُواقِعُوا بِهِ الدَّواهِيَ والقَواصِمَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ وآذَوْا قَوْمَهُ وطالَ البَلاءُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِ وضَمِنَ لَهُ سِياسَتَهُ وسِياسَةَ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ ما دَعا بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ هَؤُلاءِ﴾ [أيِ] الحَقِيرُونَ الأراذِلُ الذَّلِيلُونَ ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ: لَهم قُوَّةٌ عَلى القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ ﴿مُجْرِمُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في قَطْعِ ما أمَرْتُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، وذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ وصْلَ ما أمَرْتُ بِهِ أنْ يُقْطَعَ، فَكانَ المَعْنى: فَدَعا بِهَذا المَعْنى، ولِذَلِكَ أتى ”بِأنَّ“ الدّالَّةِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ.

44:23Page 497

فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣

[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.

ولَمّا كانَ مِمَّنْ يَسْتَجِيبُ دُعاءَهُ ويُكْرِمُ نِداءَهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَأسْرِ﴾ أيْ: فَقُلْنا لَهُ: سِرْ عامَّةَ اللَّيْلِ - هَذا عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ وابْنِ كَثِيرٍ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ بِالقَطْعِ المَعْنى: أوْقِعِ السُّرى وهو السَّيْرُ عامَّةَ اللَّيْلِ ﴿بِعِبادِي﴾ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِإضافَتِهِمْ إلى جَنابِي، قَوْمُكَ الَّذِينَ أرْسَلْناكَ لِإسْعادِهِمْ بِاسْتِنْقاذِهِمْ مِمَّنْ يَظْلِمُهم وتَفْرِيغِهِمْ لِعِبادَتِي (p-٢٥)لا لِعِبادَةِ غَيْرِي.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ تَقَدَّمَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في أنْ يَكُونُوا مُتَهَيِّئِينَ في اللَّيْلَةِ الَّتِي أمَرَ بِالسُّرى فِيها بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ مِنهم عاقَةٌ أصْلًا كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأعْرافِ عَنِ التَّوْراةِ، بَيَّنَ تَأْكِيدَهُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلا﴾ فَصارَ تَأْكِيدًا بِغَيْرِ اللَّفْظِ، وإنَّما أمَرَهُ بِالسَّيْرِ في اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَ بِالقِبْطِ مَوْتَ الأبْكارِ لَيْلًا، فَأمَرَ فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَخْرُجَ بِقَوْمِهِ في ذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يَمُوتَ القِبْطُ.

ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم إنْ تَأخَّرُوا إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ ويَرْتَفِعَ عَنْهُمُ المَوْتُ، مَنَعُوهُمُ الخُرُوجَ، وإنَّ تَأخَّرُوا إلى آخِرِ اللَّيْلِ أدْرَكُوهم قَبْلَ الوُصُولِ إلى البَحْرِ فَيَقْتُلُوهُمْ، عَلَّلَ هَذا الأمْرَ [بِقَوْلِهِ] مُؤَكِّدًا لَهُ لِأنَّ حالَ القِبْطِ عِنْدَما أمَرُوهم بِالخُرُوجِ كانَ حالَ مَن لا يُصَدِّقُ لَهُ تَرَجَّعَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: مَطْلُوبُونَ بِغايَةِ الشَّهْوَةِ والجُهْدِ مِن عَدُوِّكُمْ، فَلا يَغُرَّنَّكم ما هم فِيهِ عِنْدَ أمْرِكم بِالخُرُوجِ مِنَ الجَزَعِ مِن إقامَتِكم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وسُؤالِهِمْ لَكم في الخُرُوجِ عَنْهم بِسَبَبِ وُقُوعِ المَوْتِ الفاشِي فِيهِمْ، فَإنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ، فَهو يُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ (p-٢٦)بَعْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الآياتِ حِينَ يَرْتَفِعُ عَنْهُمُ المَوْتُ ويَفْرَغُونَ مِن دَفْنِ مَوْتاهم فَيَطْلُبُكم لِما دَبَّرْتُهُ في القِدَمِ مِن سِياسَتِكم بِإغْراقِهِمْ أجْمَعِينَ لِيَظْهَرَ مَجْدِي بِذَلِكَ وأدْفَعَ عَنْكم رَوْعَ مُدافَعَتِهِمْ؛ فَإنِّي أعْلَمُ أنَّهُ لا قُوَّةَ لَكم ولا طاقَةَ بِهِمْ، فَلَمْ أُكَلِّفْكم لِمُباشَرَةِ شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ.

44:24Page 497

وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤

And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."

ولَمّا أمَرَهُ بِالإسْراءِ وعَلَّلَهُ، أمَرَهُ بِما يَفْعَلُ فِيهِ وعَلَّلَهُ فَقالَ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ﴾ أيْ: إذا أسْرَيْتَ بِهِمْ وتَبِعَكَ العَدُوُّ ووَصَلْتَ إلَيْهِ وأمَرْناكَ بِضَرْبِهِ لِيَنْفَتِحَ لِتَدْخُلُوا [فِيهِ] فَدَخَلْتُمْ ونَجَوْتُمْ ﴿رَهْوًا﴾ بَعْدَ خُرُوجِكم مِنهُ بِأجْمَعِكُمْ؛ أيْ مُنْفَرِجًا واسِعًا ساكِنًا بِحَيْثُ يَكُونُ المُرْتَفِعُ مِن مائِهِ مُرْتَفِعًا والمُنْخَفَضُ مُنْخَفِضًا كالجِدارِ، وطَرِيقُهُ الَّذِي سِرْتُمْ بِهِ يابِسًا ذا سَيْرٍ سَهْلٍ عَلى الحالَةِ الَّتِي دَخَلْتُمْ فِيها لِيَدْخُلَ فِيهِ عَدُوُّكم فَنُمَجَّدُ بِإغْراقِهِمْ كَما وعَدْناكُمْ، وقالَ البَغَوِيُّ: راهِيًا أيْ ذا رَهْوٍ فَسُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، وعَزاهُ إلى مُقاتِلٍ. انْتَهى.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ أسْبابًا لِدُخُولِ آلِ فِرْعَوْنَ فِيهِ، عَلَّلَ بِما يَكُونُ عَنْها تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ في تَرْكِ البَحْرِ طَرِيقًا مَفْتُوحًا يَدْخُلُهُ العَدُوُّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اسْتِبْعادِ بَنِي إسْرائِيلَ مَضْمُونَ الخَبَرِ لِأنَّهُ مِن خَوارِقِ العاداتِ مَعَ ما لِفِرْعَوْنَ وآلِهِ في قُلُوبِهِمْ مِن (p-٢٧)الهَيْبَةِ المُوجِبَةِ لِأنْ يَسْتَبْعِدُوا مَعَها عُمُومَهم بِالإهْلاكِ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَكِّنُونَ في [هَذا] الوَصْفِ وإنْ كانَ لَهم وصْفُ القُوَّةِ والتَّجَمُّعِ الَّذِي مَحَّطُهُ النَّجْدَةُ المُوجِبَةُ لِلْعُلُوِّ في الأُمُورِ.

44:25Page 497

كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥

How much they left behind of gardens and springs

ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ ولا بُدَّ إلى تَقْدِيرِ: فَأسْرى مُوسى بِعِبادِ اللَّهِ كَما أمَرَهُ اللَّهُ فَتَبِعَهم آلُ فِرْعَوْنَ كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ البَحْرَ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ وأمْسَكَ ماءَهُ كالجُدْرانِ بِقاهِرِ عَظَمَتِهِ وتَرَكَهُ بَعْدَ طُلُوعِهِمْ مِنهُ عَلى حالَتِهِ فَتَبِعَهم عِبادُ الشَّيْطانِ بِما فاضَ عَلَيْهِمْ مِن شَقاوَتِهِ فَأغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ لَمْ يُفْلِتْ مِنهم أحَدٌ، عَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ هَذا كُلِّهِ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أيِ: الَّذِي سَبَقَ الحُكْمُ بِإغْراقِهِمْ فَغَرِقُوا ﴿مِن جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ هي في غايَةِ ما يَكُونُ مِن طِيبِ الأرْضِ وكَثْرَةِ الأشْجارِ وزَكاءِ الثِّمارِ والنَّباتِ وحُسْنِها الَّذِي يَسُرُّ المَهْمُومَ ويَسْتُرُ الهُمُومَ، ودَلَّ عَلى كَرَمِ الأرْضِ [بِقَوْلِهِ]: ﴿وعُيُونٍ﴾

44:26Page 497

وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦

And crops and noble sites

﴿وزُرُوعٍ﴾ أيْ: مِمّا هو دُونَ الأشْجارِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ إلّا بِمَنازِلَ ومَناظِرَ في الجِنانِ وغَيْرِها فَقالَ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ شَرِيفٍ هو أهْلٌ لِأنْ يُقِيمَ الإنْسانُ فِيهِ، لِأنَّ النِّهايَةَ فِيما يُرْضِيهِ.

44:27Page 497

وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧

And comfort wherein they were amused.

(p-٢٨)ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِتَعَبِ صاحِبِهِ فِيهِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ بِكَدِّ غَيْرِهِمْ وهم في غايَةِ التَّرَفِ، وهَذا هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى اتِّباعِ مَن كانَ يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ حَتّى أدّاهم إلى الغَرَقِ قالَ: ﴿ونَعْمَةٍ﴾ هي بِفَتْحِ النُّونِ اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ بِمَعْنى التَّرَفُّهِ والعَيْشِ اللَّيِّنِ الرَّغْدِ، وأمّا الَّتِي بِالكَسْرِ فَهي الإنْعامُ ﴿كانُوا فِيها﴾ أيْ: دائِمًا ﴿فاكِهِينَ﴾ أيْ: فِعْلُهم في عَيْشِهِمْ فِعْلُ المُتَرَفِّهِ لا فِعْلَ مَن يُضْطَرُّ إلى إقامَةِ نَفْسِهِ.

44:28Page 497

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨

Thus. And We caused to inherit it another people.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا لا يُكادُ يُصَدَّقُ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ، دَلَّ عَلى عِظَمِهِ وحُصُولِهِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما أخْبَرْنا بِهِ مِن تَنْعِيمِهِمْ وإخْراجِهِمْ وإغْراقِهِمْ وأنَّهم تَرَكُوا جَمِيعَ ما كانُوا فِيهِ لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْءٌ مِنهُ، فَلا يَغْتَرَّنَّ أحَدٌ بِما ابْتَلَيْناهُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ لِئَلّا يُصْنَعَ بِهِ مِنَ الإهْلاكِ ما صَنَعْنا بِهِمْ. ولَمّا أفْهَمُ سَوْقُ الكَلامِ هَكَذا إغْراقَهم كُلِّهِمْ، زادَهُ إيضاحًا بِالتَّعْبِيرِ بِالإرْثِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ الأخْذُ عَنِ المَيِّتِ أخْذًا لا مُنازِعَ فِيهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ: ﴿وأوْرَثْناها﴾ أيْ: تِلْكَ الأُمُورَ العَظِيمَةَ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: ناسًا (p-٢٩)ذَوِي قُوَّةٍ في القِيامِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ، وحَقَّقَ أنَّهم غَيْرُهم تَحْقِيقًا لِإغْراقِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرِينَ﴾ قالَ ابْنُ بُرْجانَ، وقالَ في سُورَةِ الظُّلَّةِ: ”وعُيُونٍ وكُنُوزٍ“ مَكانَ ”وزُرُوعٍ“ لَمّا كانَ المَعْهُودُ مِنَ الزَّرْعِ الحَصْدَ في أقْرَبِ المُدَّةِ أوْرَثَ زُرُوعَها وجَنّاتِها وما فِيها مِن مَقامٍ كَرِيمٍ قَوْمًا بِآلِ فِرْعَوْنَ فَإنَّهم أُهْلِكُوا ولا بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم قَدْ عَبَرُوا البَحْرَ، ولَمّا تَوَطَّدَ مُلْكُهم في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ اتَّصَلَ بِمِصْرَ، فَوَرِثُوا الأرْضَ بِكُنُوزِها وأمْوالِها ونِعْمَتِها ومَقامِها الكَرِيمِ. انْتَهى.

44:29Page 497

فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩

And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.

ولَمّا كانَ الإهْلاكُ يُوجِبُ أسَفًا عَلى المُهْلَكِينَ ولَوْ مِن بَعْضِ النّاسِ ولا سِيَّما إذا كانُوا جَمْعًا فَكَيْفَ إذا كانُوا أهْلَ مَمْلَكَةٍ ولا سِيَّما إذا كانُوا في نِهايَةِ الرِّئاسَةِ، أخْبَرَ بِأنَّهم كانُوا لِهَوانِهِمْ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَسَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلَهُ: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ﴾ اسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ لَهم لِهَوانِهِمْ ﴿السَّماءُ والأرْضُ﴾ وإذا لَمْ يَبْكِ السَّكَنُ فَما ظَنُّكَ بِالسّاكِنِ الَّذِي هو بَعْضُهُ، رَوى أبُو يَعْلى في مُسْنَدِهِ والتِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ -وقالَ: غَرِيبٌ والرَّبَذِيُّ والرَّقاشِيُّ يُضَعَّفانِ (p-٣٠)فِي الحَدِيثِ- عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ، بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ بَكَيا عَلَيْهِ»» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ ومِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ.

ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ العَدُوَّ قَدْ يَسْتَمْهِلُهُ عَدُوُّهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ لِمِثْلِ وصِيَّةٍ وقَضاءِ حاجَةٍ فَيُمْهِلُهُ، أخْبَرَ تَتْمِيمًا لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا دُونَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما كانُوا﴾ ولَمّا كانَ هَذا لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنْهم بَعْدَ مُضِيِّهِمُ المَقْصُودُ مِنهُ تَحْذِيرُ مَن بَعْدَهم فَقَطْ، لَمْ يَذْكُرِ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ الوَقْتِ بِإذْنٍ ونَحْوِها دَلالَةً عَلى أنَّ ما كانُوا فِيهِ مِن طَوِيلِ الإمْهالِ كانَ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعِظَمِ هَذا الأخْذِ بِخِلافِ ما مَرَّ في الحِجْرِ مِنَ التَّخْوِيفِ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ [تَقْيِيدَ] عَدَمِ الإنْظارِ بِذَلِكَ الوَقْتِ لِرَدِّ السّامِعِينَ عَنْ طَلَبِ إنْزالِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: مُمْهَلِينَ عَمّا أنْزَلَنا بِهِمْ مِنَ المُصِيبَةِ مِن مُمْهِلٍ [ما] لِحَظِّهِ فَما (p-٣١)فَوْقَها لِيَتَدارَكُوا بَعْضَ ما فَرَّطُوا فِيهِ ويَنْظُرُوا في شَيْءٍ مِمّا يُهِمُّهم بَلْ كانَ أخْذُهم لِسُهُولَتِهِ عَلَيْنا في أسْرَعَ مِنَ اللَّمْحِ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دِفاعٍ، فَنالَهم عَذابُ الدُّنْيا وصارُوا إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَخَسِرُوا الدّارَيْنِ وما ضَرُّوا غَيْرَ أنْفُسِهِمْ.

44:30Page 497

وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠

And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -

ولَمّا كانَ إنْقاذُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ أمْرًا باهِرًا لا يَكادُ يُصَدَّقُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، أكَّدَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى ما يَحِقُّ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قادِرٌ أنْ يَفْعَلَ بِهَذا النَّبِيِّ ﷺ وأتْباعِهِ كَذَلِكَ وإنْ كانَتْ قُرَيْشٌ يَرَوْنَ ذَلِكَ مُحالًا وأنَّهم في قَبْضَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ”تَنْجِيَةً عَظِيمَةً“ مَعَ كَوْنِها بِسَبَبِ الآياتِ المُتَفَرِّقاتِ كانَتْ عَلى التَّدْرِيجِ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدَنا المُخْلِصَ لَنا ﴿مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا عِنْدَهم في عِدادِ العَبِيدِ يَسْتَخْدِمُونَ الرِّجالَ والنِّساءَ بَلْ أذَلَّ لِلزِّيادَةِ عَلى التَّصَرُّفِ في العَبِيدِ بِالتَّذْبِيحِ لِلْأبْناءِ.

44:31Page 497

مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.

(p-٣٢)ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى صاحِبِ ذَلِكَ العَذابِ قالَ مُبْدِلًا مِمّا قَبْلَهُ إفْهامًا لِأنَّ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ كانَ عَذابًا لِإفْراطِهِ في أذاهُمْ: ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يُعْرَفُ مِنهُ صِحَّةُ الوَصْفِ لِلْعَذابِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ حالَ قُرَيْشٍ في اسْتِذْلالِ المُؤْمِنِينَ حالُ مَن يُكَذِّبُ بِأنَّ اللَّهَ أنْجى بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ضَعْفِهِمْ فَهو يُنْجِي غَيْرَهم مِنَ الضُّعَفاءِ أوْ يُكَذِّبُ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَوِيًّا ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ في جِبِلَّتِهِ العَراقَةُ في العُلُوِّ ﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في مُجاوَزَةِ الحُدُودِ.

44:32Page 497

وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢

And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.

ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْتَخِرُ بِظَواهِرِ الأُمُورِ مِنَ الزِّينَةِ والغُرُورِ ويَعُدُّونَهُ تَعْظِيمًا مِنَ اللَّهِ ويَعُدُّونَ ضَعْفَ الحالِ في الدُّنْيا شَقاءً وبُعْدًا مِنَ اللَّهِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم بِما أتى بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ وسُوءِ الحالِ بَعْدَ إهْلاكِ آلِ فِرْعَوْنَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ قُرَيْشٍ أنْ يَخْتارَ مَن قَلَّ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ أيْ: فَعَلْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في جَعْلِنا لَهم خِيارًا فِعْلَ مَنِ اجْتَهَدَ في ذَلِكَ، وعَظُمَ أمْرُهم بِقَوْلِهِ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: اخْتِيارًا (p-٣٣)مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: مِنّا بِما يَكُونُ مِنهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وقَدْ ظَهَرَ مِن آثارِهِ أنَّكم صِرْتُمْ تَسْألُونَهم وأنْتُمْ صَرِيحُ ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا يَنُوبُكم وتَجْعَلُونَهم قُدْوَتَكم فِيما يُصِيبُكم وتَضْرِبُونَ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ، وهَكَذا يَصِيرُ عَنْ قَلِيلٍ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَكم ﷺ مِنكم ومِن غَيْرِكم. ولَمّا بَيَّنَ المُفَضَّلَ، بَيَّنَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيِ: المَوْجُودِينَ في زَمانِهِمْ بِما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ الكِتابِ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ مِنَ الرُّسُلِ.

44:33Page 497

وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣

And We gave them of signs that in which there was a clear trial.

ولَمّا أعْلَمَ بِاخْتِيارِهِمْ، بَيَّنَ آثارَ الِاخْتِيارِ فَقالَ: ﴿وآتَيْناهُمْ﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِنا واخْتِيارِنا لَهم مِن حِينِ أتى مُوسى عَبْدُنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِرْعَوْنَ إلى أنْ فارَقَهم بِالوَفاةِ وبَعْدَ وفاتِهِ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ المُقَرِّرِينَ لِشَرْعِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ﴾ أيِ: اخْتِبارٌ مِثْلُهُ يَمِيلُ مَن يَنْظُرُهُ أوْ يَسْمَعُهُ أوْ يُحِيلُهُ إلى غَيْرِ ما كانَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِفَرْقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَأوْهُ مِنَ الآياتِ التِّسْعِ، وفي هَذا ما هو رادِعٌ لِلْعَرَبِ عَنْ بَعْضِ أقْوالِهِمْ مِن خَوْفِ التَّخَطُّفِ (p-٣٤)مِنَ العَرَبِ والفَقْرِ لِقَطْعِ الجَلْبِ عَنْهم وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنٌ لِنَفْسِهِ مُوَضِّحٌ لِغَيْرِهِ، وما أنْسَبَ هَذا الخَتْمَ لِقَوْلِهِ أوَّلَ قِصَّتِهِمْ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧]

44:34Page 497

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤

Indeed, these [disbelievers] are saying,

ولَمّا ثَبَتَ بِما مَضى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وكانَ إنْكارُ ذَلِكَ عِنادًا لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ يُثْبِتُ الإلَهَ أنْ يُنْكِرَهُ، وكانَ الإقْرارُ بِذَلِكَ في بَعْضٍ وإنْكارُهُ في بَعْضٍ تَحَكُّمًا ومُخالِفًا لِحاكِمِ العَقْلِ وصارِمِ النَّقْلِ، وكانَ مِنَ الآياتِ الَّتِي أُوتُوها إحْياؤُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ حِينَ طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، وحِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ، وكانَ ذَلِكَ هو البَعْثَ بِعَيْنِهِ، وكانَ العَرَبُ يُنْكِرُونَهُ ويُبالِغُونَ في إنْكارِهِمْ [لَهُ] ولا يَسْألُونَهم عَنْهُ، قالَ مُوَبِّخًا لَهم مُشِيرًا بِالتَّأْكِيدِ إلى أنَّهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ أحَدًا يُنْكِرُ ذَلِكَ لِما لَهُ مِنَ الأدِلَّةِ: ﴿إنَّ﴾ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيِ الأدْنِياءَ الأقِلّاءَ الأذِلّاءَ ﴿لَيَقُولُونَ﴾ أيْ: بَعْدِ قِيامِ الحُجَّةِ البالِغَةِ عَلَيْهِمْ مُبالِغِينَ في الإنْكارِ في نَظِيرِ تَأْكِيدِ الإثْباتِ:

44:35Page 497

إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥

"There is not but our first death, and we will not be resurrected.

”إنْ“ أيْ: ما. ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [الدخان: ٨] وهم يَعْلَمُونَ أنَّ المُرادَ بِهِ أنْ يَتَكَرَّرَ مِنهُ الإحْياءُ لِلشَّخْصِ الواحِدِ، (p-٣٥)وكانَ تَعالى قَدْ قالَ ولا يُخاطِبُهم إلّا بِما يَعْرِفُونَهُ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] أيْ بِالِانْتِشارِ بَعْدَ الحَياةِ [و] قالَ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قالُوا: ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياةُ مَوْتَتِنا ﴿الأُولى﴾ أيِ: الَّتِي كانَتْ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ - كَما سَيَأْتِي في الجاثِيَةِ ”إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا“ وعَبَّرُوا عَنْها بِالمَوْتَةِ إشارَةً إلى أنَّ الحَياةَ في جَنْبِ المَوْتِ المُؤَبَّدِ عَلى زَعْمِهِمْ أمْرٌ مُتَلاشٍ لا نِسْبَةَ لَها مِنهُ، وساقَ سُبْحانَهُ كَلامَهم عَلى هَذا الوَجْهِ إشارَةً إلى أنَّ الأُمُورَ [إذا قِيسَ] غائِبُها عَلى شاهِدِها، كانَ الإحْياءُ بَعْدَ المَوْتَةِ [الثّانِيَةِ أوْلى لِكَوْنِهِ بَعْدَ حَياةٍ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتَةِ] الأُولى، فَحَطَّ الأمْرَ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ كانَ مِن مَوْتٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَياةٌ، والقَرارُ يَكُونُ عَلى حَياةٍ لا يَعْقُبُها مَوْتٌ.

ولَمّا كانَ المَعْنى: ولَيْسَ وراءَها حَياةٌ، أكَّدُوهُ بِما يُفْهِمُهُ تَصْرِيحًا فَقالُوا بِرَدِّ ما أثْبَتَهُ اللَّهُ عَلى [لِسانِ] رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٣٦)وسَلَّمَ ﴿وما نَحْنُ﴾ وأكَّدُوا النَّفْيَ فَقالُوا: ﴿بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ: مِن مَنشَرٍ ما بِالبَعْثِ بِحَيْثُ نَصِيرُ ذَوِي حَرَكَةٍ اخْتِيارِيَّةٍ نَنْتَشِرُ بِها بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ: نَشَرَهُ وأنْشَرَهُ، إذا أحْياهُ.

44:36Page 497

فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦

Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."

ولَمّا كانُوا يَزْعُمُوهُ أنَّ دَعْوى الإحْياءِ لا يَصِحُّ إلّا إذا شاهَدُوا أحَدًا مِنَ الأمْواتِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ حَيًّا بَعْدَ أنْ تَمَزَّقَ جِلْدُهُ وعِظامُهُ، سَبَّبُوا عَنْ إنْكارِهِمْ مُخاطِبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ومَن تَبِعَهُ: ﴿فَأْتُوا﴾ أيْ: أيُّها الزّاعِمُونَ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ إيذانًا بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ وإنْ كَثُرَ مُعْتَقِدُوهُ مِن جِنْسِ بَشَرِهِمْ وتَبَعِهِمْ ﴿بِآبائِنا﴾ أيْ: لِكَوْنِنا نَعْرِفُهم ونَعْرِفُ وُفُورَ عُقُولِهِمْ فَلا نَشُكُّ [فِي] أنَّ ذَلِكَ إحْياءٌ لِمَن ماتَ لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً لَنا عَلى البَعْثِ، وأكَّدُوا تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: ثابِتًا صِدْقُكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском