Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:37–55
44:37Page 497
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.
ولَمّا أخْبَرُوا عَلى هَذِهِ العَظَمَةِ تَنَطُّعًا لِأنَّها لَوْ وقَعَتْ لَمْ يَكُنْ بِأدَلَّ عَلى ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِتَصْدِيقِ كُلِّ ما يَقُولُ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وما يَأْتِيهِمْ بِهِ مِنَ الآياتِ، غَيْرَ خائِفِينَ مِنَ اللَّهِ وهم يَعْلَمُونَ قُدْرَتَهُ وإهْلاكَهُ لِلْماضِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَأنَّهم يَدَّعُونَ خُصُوصِيَّتَهُ في مُكْنَةٍ مِن عَيْنٍ أوْ مَعْنًى (p-٣٧)يَنْجُونَ بِها مِن مُساواةِ مَن قَبْلَهم في ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أهم خَيْرٌ﴾ أيْ: في الدِّينِ والدُّنْيا ﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ مَلَكَ بِهِمْ تُبَّعٌ الأرْضَ بِطُولِها والعَرْضِ وحَيَّرَ الحِيرَةَ وبَنى قَصْرَ سَمَرْقَنْدَ وكانَ مُؤْمِنًا، وقَوْمُهُ حِمْيَرُ ومَن تَبِعَهم أقْرَبُ المُهْلَكِينَ إلى قُرَيْشٍ زَمانًا ومَكانًا. وكانَ لَهُ بِمَكَّةَ المُشْرِفَةِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَ الآثارِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: هو أوَّلُ مَن كَسا البَيْتَ ونَحَرَ بِالشِّعْبِ سِتَّةَ آلافِ بَدَنَةٍ وأقامَ بِهِ سِتَّةَ أيّامٍ وطافَ بِهِ وحَلَقَ. وقالَ البَغَوِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قِصَّتَهُ مَعَ الأنْصارِ لَمّا قُتِلَ ابْنُهُ غِيلَةً بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وما وعَظَتْهُ بِهِ اليَهُودُ في الكَفِّ عَنْ إخْرابِ المَدِينَةِ لِأنَّها مُهاجَرُ نَبِيٍّ [مِن] قُرَيْشٍ: فَصَدَّقَهم وتَبِعَ دِينَهُمْ، وذَلِكَ قَبْلَ نَسْخِهِ، وقالَ عَنِ الرَّقاشِيِّ: آمَنَ تُبَّعٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بِسَبْعِمِائَةِ عامٍ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا؛ فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ في سِياقِ التَّهْدِيدِ بِالإهْلاكِ لِأجْلِ مُخالَفَتِهِمْ، وكانَ الإهْلاكُ لِذَلِكَ إنَّما كانَ لِبَعْضِ مَن تَقَدَّمَ زَمانُهم لا لِجَمِيعِ الخَلْقِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: [مِن] مَشاهِيرِ الأمْرِ كَمَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ والرَّسِّ وثَمُودَ وعادٍ.
(p-٣٨)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِهَؤُلاءِ الأُمَمِ؟ قِيلَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا وإنْ كانُوا عُظَماءَ لا يُشْعِرُهم هَؤُلاءِ فِيما لَهم مِنَ المُكْنَةِ لِقَطْعِهِمْ مَن أمَرَ اللَّهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ مِنَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ بِما أتَوْا بِهِ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ الإهْلاكَ تَحْذِيرًا لِلْعَرَبِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِظَنِّهِمْ أنَّ هَلاكَهم إنَّما هو عَلى عادَةِ الدَّهْرِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الإجْرامِ، فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ إذا ارْتَكَبُوا مِثْلَ أفْعالِهِمْ مِن مِثْلِ حالِهِمْ وأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ.
44:38Page 497
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
And We did not create the heavens and earth and that between them in play.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الجَزاءِ الَّذِي جامِعُهُ التَّكَفُّلُ بِجَمِيعِ أنْحائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ: فَإنّا ما خَلَقْنا النّاسَ عَبَثًا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ثُمَّ لا يُؤاخَذُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أكْبَرُ في الظّاهِرِ مِنهُ فَقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ﴾ أيْ: عَلى عِظَمِها واتِّساعِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها واحْتِوائِها لِما تَحْتَها، وجَمَعَها لِأنَّ العَمَلَ كُلَّما زادَ كانَ أبْعَدَ مِنَ العَبَثِ مَعَ أنَّ إدْراكَ تَعَدُّدِها مِمّا يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، (p-٣٩)ووَحَّدَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ تَخْصِيصًا بِما يَتَحَقَّقُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ رُؤْيَتَهُ لِما ذُكِرَ هُناكَ مِنَ اخْتِصاصِ ”لَدُنْ“ بِما بَطَنَ.
ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ عَلى تَطابُقِ الأراضِي دَقِيقًا وحَّدَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ﴾ أيْ: عَلى ما فِيها مِنَ المَنافِعِ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ أيِ: النَّوْعَيْنِ وبَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها [وما] يَلِيها ﴿لاعِبِينَ﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي يُدْرِكُ مِن لَهُ أدْنى عَقْلٍ تَعالِيَها عَنِ اللَّعِبِ لِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ إلّا ناقِصٌ، ولَوْ تَرَكْنا النّاسَ يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ كَما تُشاهِدُونَ ثُمَّ لا نَأْخُذُ لِضَعِيفِهِمْ بِحَقِّهِ مِن قَوِيِّهِمْ لَكانَ خَلْقُنا لَهم لَعِبًا، بَلِ اللَّعِبُ أخَفُّ مِنهُ، ولَمْ نَكُنْ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مُسْتَحِقِّينَ لِصِفَةِ القُدُّوسِيَّةِ، فَإنَّهُ: ««لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِها بِالحَقِّ مِن قَوِيِّها غَيْرَ مُتَعْتَعٍ»». رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وابْنِ جَمِيعٍ في مُعْجَمِهِ عَنْ جابِرٍ، وصاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم رَفَعُوهُ، وهو شَيْءٌ لا يَرْضى بِهِ لِنَفْسِهِ أقَلُّ حُكّامِ الدُّنْيا، فَكانَ هَذا بُرْهانًا قاطِعًا عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ لِيَظْهَرَ هُناكَ الفَصْلُ بِالعَدْلِ والفَضْلِ.
44:39Page 497
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
We did not create them except in truth, but most of them do not know.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ خَلْقُ ذَلِكَ اللَّعِبَ الَّذِي هو باطِلٌ، أثْبَتَ ما خَلَقَهُ لَهُ ولَمْ يُصَرِّحْ بِما في البَيْنِ لِأنَّهُ تابِعٌ، وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ ما مَضى، (p-٤٠)فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيِ: السَّماواتِ والأراضِيَ مَعَ [ما] بَيْنَهُما ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ مَن فِيهِما، [فَمَن] عَمِلَ الباطِلَ عاقَبْناهُ ومَن عَمِلَ الحَقَّ أثَبْناهُ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ غايَةَ الظُّهُورِ إحاطَتُنا بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ أهْلَ الكَمالِ في هَذِهِ الدّارِ بِخَلْقِهِما الَّذِي واقِعُهُ مُطابِقٌ لِلْحَقِّ، وهو ما لَنا مِن تِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِلْبَعْثِ لِإحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ بِما لا خَفاءَ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ لِعَظَمَتِهِ عَنِ النَّظَرِ في دَلِيلِهِ وإنْ كانَ قَطْعِيًّا بَدِيهِيًّا.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] وكَذا مَن نَحا نَحْوَهم ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [أيْ] أنّا خَلَقْنا الخَلْقَ بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ؛ فَهم لِأجْلِ ذَلِكَ يَجْتَرِئُونَ عَلى المَعاصِي ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، ولَوْ تَذَكَّرُوا ما رَكَزْناهُ في جِبِلّاتِهِمْ لَعَلِمُوا عِلْمًا ظاهِرًا أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَعْدِلَ عَنْهُ كَما يَتَوَلّى حُكّامُهُمُ المَناصِبَ لِأجْلِ إظْهارِ الحُكْمِ بَيْنَ رَعاياهُمْ، ويَشْرُطُونَ الحُكْمَ بِالحَقِّ، ويُؤَكِّدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يَتَجاوَزُونَهُ.
44:40Page 498
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠
Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا (p-٤١)نَرى أكْثَرَ المَظْلُومِينَ يَمُوتُونَ بِمَرِيرِ غُصَصِهِمْ مَقْهُورِينَ، وأكْثَرَ الظّالِمِينَ يَذْهَبُونَ ظافِرِينَ بِمَطالِبِهِمْ مَسْرُورِينَ، فَمَتى يَكُونُ هَذا الحَقُّ؟ قالَ جَوابًا لِذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِأجَلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ عِنْدَ جَمْعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِن جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ يَنْتَظِرُهُ كُلُّ أحَدٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَ كُلِّ مُلْبِسٍ، فَلا يَدْعُ نَوْعًا مِنهُ حَتّى أنَّهُ يَمِيزُ بَيْنَ المَكارِهِ والمَحابِّ ودارِ النَّعِيمِ وغارِ الجَحِيمِ، وبَيْنَ أهْلِ كُلٍّ مِنهُما بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ بِالثَّوابِ والعِقابِ وهو بَعْدَ البَعْثِ مِنَ المَوْتِ ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ أيْ: وقْتُ جَمْعِ الخَلائِقِ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمُ الَّذِي ضُرِبَ لَهم في الأزَلِ وأُنْزِلَتْ بِهِ الكُتُبُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ ﴿أجْمَعِينَ﴾ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أحَدٌ مِمَّنْ ماتَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ وجَمِيعِ الحَيَواناتِ.
44:41Page 498
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١
The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -
ولَمّا ذَكَرَ هَذا اليَوْمَ الَّذِي دَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ بِهَذِهِ العِبارَةِ إفْرادًا وتَرْكِيبًا، ذَكَرَ مِن وصْفِهِ ما يَحْمِلُ عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِنهُ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مَوْلًى﴾ بِقَرابَةٍ أوْ غَيْرِها بِحِلْفٍ أوْ رِقٍّ مِن أعْلى أوْ أسْفَلَ ﴿عَنْ مَوْلًى﴾ أُرِيدَ أخْذُهُ بِما وقَعَ مِنهُ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ. ولَمّا كانَ الإغْناءُ تارَةً يَكُونُ بِالرِّفْقِ وأُخْرى (p-٤٢)بِالعُنْفِ، صَرَّحَ بِالثّانِي لِأنَّهُ أعْظَمُها والسِّياقُ لِلْإهْلاكِ والقَهْرِ فَقالَ: ﴿ولا هُمْ﴾ أيِ القِسْمانِ ﴿يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ ما لَوْ أرادَ بَعْضُهم نُصْرَةَ بَعْضٍ، أوْ أرادَ غَيْرُهم لَوْ فُرِضَ أنْ يَنْصُرَهُمْ، وعَبَّرَ بِالجَمْعِ الَّذِي أفادَهُ الإبْهامُ لِلْمَوْلى لِيَتَناوَلَ القَلِيلَ والكَثِيرَ مِنهُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ عَنْهُ نَفْيٌ عَنِ الأفْرادِ مِن بابِ الأوْلى.
44:42Page 498
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢
Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.
ولَمّا نَفى الإغْناءَ اسْتَثْنى مِنهُ فَقالَ: ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ أيْ: أرادَ إكْرامَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ يَشْفَعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِإذْنِ اللَّهِ في الشَّفاعَةِ لِأحَدِهِمْ فَيُكْرِمُ الشّافِعَ فِيهِ بِقَبُولِ شَفاعَتِهِ ويُكْرِمُهُ بِقَبُولِهِ الشَّفاعَةَ فِيهِ. ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ دالًّا عَلى تَمامِ القُدْرَةِ في الإكْرامِ والِانْتِقامِ، وكانَ الإكْرامُ قَدْ يَكُونُ عَنْ ضَعْفٍ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ ومُقَرِّرًا لِتَمامِ القُدْرَةِ اللّازِمِ مِنهُ الِاخْتِصاصُ بِذَلِكَ مُؤَكِّدًا لَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ما يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ نُصْبَ العَيْنِ وتُعْقَدَ عَلَيْهِ الخَناصِرُ، ولِأنَّ إشْراكَهم وتَكْذِيبَهم بِالبَعْثِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِذَلِكَ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ المَنِيعُ الَّذِي لا يَقْدَحُ في عِزَّتِهِ عَفْوٌ ولا عِقابٌ، بَلْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عِزَّتِهِ؛ فَإنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ فِيمَن يَشاءُ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِأحَدٍ. ولَمّا كانَ العَزِيزُ [قَدْ] لا يَرْحَمُ قالَ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَمْنَعُ عِزَّتُهُ أنْ يُكْرِمَ (p-٤٣)مَن يَشاءُ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلِانْتِقامِ، أخْبَرَ عَنْ حالِ الفُجّارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما يُكَذِّبُونَ بِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ الَّتِي تَقَدَّمَ مِن وصْفِها ما يُقَطِّعُ القُلُوبَ مِن أنَّها تَخْرُجُ مِن أصْلِ الجَحِيمِ، وأنَّ طَلْعَها كَأنَّهُ رُؤُوسُ الشَّياطِينِ، وغَيْرُهُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى والَّذِي تَعْرِفُونَهُ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا أنَّها شَجَرَةٌ صَغِيرَةُ الوَرَقِ ذَفِرَةٌ؛ أيْ شَدِيدُ النَّتَنِ - مُرَّةٌ، مِنَ الزَّقْمِ، أيِ اللَّقْمِ الشَّدِيدِ والشَّوْبِ المُفْرِطِ، وقالَ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِهِ الواعِي: الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ غَبْراءُ صَغِيرَةُ الوَرَقِ لا شَوْكَ لَها ذَفِرَةٌ لَها كَعابِرُ في سُوقِها أيْ عُقَدٌ كالأنابِيبِ ولَها ورْدٌ تَجْرُسُهُ النَّحْلُ، ورَأْسُ ورَقِها قَبِيحٌ جِدًّا، وهي مَرْعًى، ومَنابِتُها السَّهْلُ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وهي في النّارِ في مُقابَلَةِ شَجَرَةِ طُوبى في الجَنَّةِ، يُضْطَرُّونَ إلى أكْلِها وإلى شُرْبِ الغِسْلِينِ كَما يُضْطَرُّ أهْلُ الدُّنْيا لِإدْخالِ الطَّعامِ
﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ أيِ: المَبالِغِ في اكْتِسابِ الآثامِ حَتّى مَرِنَ عَلَيْها فَصارَتْ بِهِ إلى الكُفْرِ
﴿كالمُهْلِ﴾ أيِ: القَطْرانِ الرَّقِيقِ وما ذابَ مِن صُفْرٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ دُرْدِيِّهِ، رَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ - وقالَ: (p-٤٤)لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ رِشْدِينَ - وابْنِ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمِ مِن وجْهٍ آخَرَ - وقالَ الحاكِمُ: صَحِيحُ الإسْنادِ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿كالمُهْلِ﴾ قالَ: ”كَعَكِرِ الزَّيْتِ فَإذا قَرُبَ إلى وجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ“» ”تَغْلِي“ أيِ: الشَّجَرَةُ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّأْنِيثِ - والطَّعامُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّذْكِيرِ ولا يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ ﴿فِي البُطُونِ﴾ أيْ: مِن شِدَّةِ الحَرِّ.
ولَمّا كانَ لِلتَّذْكِيرِ بِما يُعْرَفُ شَأْنٌ عَظِيمٌ مِنَ الإقْبالِ أوِ التَّنْفِيرِ وإنْ كانَ دُونَ ما شُبِّهَ [بِهِ] قالَ: ﴿كَغَلْيِ﴾ أيْ: مِثْلِ غَلْيِ ﴿الحَمِيمِ﴾ أيِ: الماءِ الَّذِي تَناهى حَرُّهُ بِما يُوقَدُ تَحْتَهُ، فَهو يَثْبُتُ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَخَلَّصَ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الحَرِّ، رَوى التِّرْمِذِيُّ -وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ- والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ - وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِهِما- عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««[لَوْ] أنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ في الدُّنْيا لَأفْسَدَتْ عَلى أهْلِ الدُّنْيا (p-٤٥)مَعائِشَهم فَكَيْفَ بِمَن يَكُونُ هَذا طَعامُهُ»».
44:47Page 498
خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧
[It will be commanded], "Seize him and drag him into the midst of the Hellfire,
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِلْأثِيمِ يَأْكُلُ هَذا الطَّعامَ، وما الحامِلُ لَهُ عَلَيْهِ وعَلى مُقارَبَةِ مَكانِهِ، أُجِيبَ بِأنَّهُ مَقْهُورٌ عَلَيْهِ، يَقْتَضِيهِ صِفَةُ العِزَّةِ فِيهِ الرَّحْمَةَ لِإعادَتِهِ بِأنْ يُقالَ لِلزَّبانِيَةِ: ﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ فَلا تَدْعُوهُ يَمْلِكُ مِن أمْرِهِ شَيْئًا ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ أيْ: جُرُّوهُ بِقَهْرٍ بِغِلْظَةٍ وعُنْفٍ وسُرْعَةٍ إلى العَذابِ والإهانَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَأنَّهُ مَحْمُولٌ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والعَتْلُ أنْ يَأْخُذَ بِمَجامِعِ ثَوْبِهِ عِنْدَ صَدْرِهِ يَجُرُّهُ، وقِراءَةُ الضَّمِّ أدَلُّ عَلى تَناهِي الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ مِن قِراءَةِ الكَسْرِ ﴿إلى سَواءِ﴾ أيْ: وسَطِ ﴿الجَحِيمِ﴾ أيِ: النّارِ الَّتِي في غايَةِ الِاضْطِرامِ والتَّوَقُّدِ، وهي مَوْضِعُ خُرُوجِ الشَّجَرَةِ الَّتِي هي طَعامُهُ.
44:48Page 498
ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨
Then pour over his head from the torment of scalding water."
ولَمّا أفْهَمَ هَذا صارَ في مَوْضِعٍ يُحِيطُ بِهِ العَذابُ فِيهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، بَيَّنَ أنْ لَهُ نَوْعًا آخَرَ مِنَ النَّكَدِ رُتْبَتُهُ في العَظَمَةِ مِمّا يَسْتَحِقُّ العَطْفَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا﴾ أيْ: في جَمِيعِ الجِهَةِ الَّتِي هي ﴿فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ لِيَكُونَ المَصْبُوبُ مُحِيطًا بِجَمِيعِ جِسْمِهِ ﴿مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ أيِ: العَذابِ الَّذِي يَغْلِي بِهِ [الحَمِيمُ] أوِ الَّذِي هو الحَمِيمُ نَفْسُهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالعَذابِ أهْوَلُ، وهَذا في مُقابَلَةِ ما كانَ لَهم مِنَ البَرَكَةِ بِما يَنْزِلُ (p-٤٦)مِنَ السَّماءِ مِنَ المَطَرِ لِيَجْتَمِعَ لَهم حَرُّ الظّاهِرِ بِالحَمِيمِ والباطِنِ بِالزَّقُّومِ.
44:49Page 498
ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩
[It will be said], "Taste! Indeed, you are the honored, the noble!1
و[لَمّا] عُلِمَ بِهَذا أنَّهُ لا يَمْلِكُ مِن أمْرِ نَفْسِهِ شَيْئًا، بَلْ وصَلَ إلى غايَةِ الهَوانِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِالتَّهَكُّمِ بِما كانَ يَظُنُّ في نَفْسِهِ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي يَتَرَفَّعُ بِها في الدُّنْيا عَلى أوامِرِ اللَّهِ، فَقِيلَ بِناءً عَلى ما تَقْدِيرُهُ: يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ مَقُولًا لَهُ: ﴿ذُقْ﴾ أيْ: مِن هَذا أوْصَلَكَ إلَيْهِ تَغَرُّرُكَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ. ولَمّا كانَ أوْلِياءُ اللَّهِ مِنَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ يُخْبِرُونَ في الدُّنْيا أنَّهُ - لِإبائِهِ أمْرَ اللَّهِ - هو الذَّلِيلُ، وكانَ [هَذا] الأثِيمُ وأتْباعُهُ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ ويُؤَكِّدُونَ قَوْلَهُمُ المُقْتَضِيَ لِعَظَمَتِهِ لِإحْراقِ أكْبادِ الأوْلِياءِ حَكى لَهُ قَوْلَهم عَلى ما كانُوا يَلْفِظُونَ بِهِ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِالذَّوْقِ: ﴿إنَّكَ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتَ﴾ وحْدَكَ دُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ بِحَقارَتِكَ ﴿العَزِيزُ﴾ [أيِ] الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿الكَرِيمُ﴾ أيِ: الجامِعُ إلى الجُودِ شَرَفَ النَّفْسِ وعِظَمَ الإباءِ، فَلا تَنْفَعُكَ عَنْ سَتْرِ مَساوِئِ الأخْلاقِ بِإظْهارِ مَعالِيها فَلَسْتَ بِلَئِيمٍ أيْ بَخِيلٍ مَهِينِ النَّفْسِ خَسِيسِ الإباءِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ مُخاطَبَتِهِ بِالخِسَّةِ مَعَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ بِما هو فِيهِ مِنَ المَهالِكِ، وقِراءَةُ (p-٤٧)الكِسائِيِّ بِفَتْحِ ”أنَّ“ دالَّةٌ عَلى هَذا العَذابِ قَوْلًا وفِعْلًا عَلى ما كانَ يُقالُ لَهُ مِن هَذا في الدُّنْيا ويَعْتَقِدُ هو أنَّهُ حَقٌّ.
ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يُقالُ هَذا لِكُلٍّ مِنَ الأُثَماءِ ويُفْعَلُ بِهِ عَلى حِدَّتِهِ، دَلَّ عَلى ما يُعَمُّونَ بِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا رَدًّا لِتَكْذِيبِهِمْ سائِقًا لَهم عَلى وجْهٍ مُفْهِمٍ أنَّهُ عِلَّةُ ما ذُكِرَ مِن عَذابِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ: العَذابَ قَوْلًا وفِعْلًا وحالًا ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا طَبَعْناكم عَلَيْهِ لِتَظْهَرَ قُدْرَتُنا في أمْرِكم دُنْيا وأُخْرى ﴿بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تُعالِجُونَ أنْفُسَكم وتَحْمِلُونَها عَلى الشَّكِّ فِيهِ وتَرُدُّونَها عَمّا لَها مِنَ الفِطْرَةِ الأُولى مِنَ التَّصْدِيقِ بِالمُمْكِنِ لا سِيَّما لِمَن جَرَّبَ صِدْقَهُ وظَهَرَتْ خَوارِقُ العاداتِ عَلى يَدِهِ بِحَيْثُ كُنْتُمْ لِشِدَّةِ رَدِّكم لَهُ كَأنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالشَّكِّ.
44:51Page 498
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ ٥١
Indeed, the righteous will be in a secure place:
ولَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ ما لِلْمُبالِغِ في المَساوِئِ وأفْرَدَهُ أوَّلًا إشارَةً إلى قَلِيلٍ في قَوْمِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ الَّذِي تَدارَكَهُمُ [اللَّهُ] بِدَعْوَتِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وإعْلاءً لِمِقْدارِهِ، وجَمَعَ آخِرًا ذاكِرًا مِن آثارِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ ذَلِكَ مِن مُشارَكَةٍ في أوْزارِهِ، فَفُهِمَ أنَّ وصْفَهُ انْقَضى، ومَرَّ ومَضى، فَتاقَتِ النَّفْسُ إلى تَعَرُّفِ ما لِأضْدادِهِ الَّذِينَ خالَفُوهُ في مَبْدَئِهِ ومَعادِهِ، قالَ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: (p-٤٨)العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ ﴿فِي مَقامٍ﴾ أيْ: مَوْضِعِ إقامَةٍ لا يُرِيدُ الحالُّ فِيهِ تَحَوُّلًا عَنْهُ ﴿أمِينٍ﴾ أيْ: يَأْمَنُ صاحِبُهُ فِيهِ مِن كُلِّ ما لا يُعْجِبُهُ.
ولَمّا كانَ الوَصْفُ بَعْدَ الوَصْفِ شَدِيدَ التَّرْغِيبِ في الشَّيْءِ، قالَ مُبْدِلًا مِن ”مَقامٍ“: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ تَقْصُرُ العُقُولُ عَنْ إدْراكِ وصْفِها كُلِّ وصْفِها ﴿وعُيُونٍ﴾ كَذَلِكَ بِحَيْثُ تَقَرُّ بِها العُيُونُ،
44:53Page 498
يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٥٣
Wearing [garments of] fine silk and brocade, facing each other.
ولَمّا كانَ قَدْ أشارَ إلى وصْفِ ما لِلْباطِنِ مِن لَذَّةِ النَّظَرِ ولِباسِ الأكْلِ والشُّرْبِ، أتْبَعُهُ كُسْوَةَ الظّاهِرِ وما لِكُلٍّ مِنَ القُرْبِ فَقالَ: ﴿يَلْبَسُونَ﴾ .
ولَمّا وصَفَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ اللُّبْسِ في الجَنَّةِ، دَلَّ عَلى الكَثْرَةِ جِدًّا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ يُعْمَلُ وُجُوهًا، وزادَ صِنْفًا آخَرَ فَقالَ: ﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غَلُظَ مِنهُ يُعْمَلُ بَطائِنَ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَرِيقِهِ. ولَمّا كانَ وصْفُ الأُثَماءِ بِما لَهم مِنَ القَبْضِ الشّاغِلِ لِكُلٍّ مِنهم عَنْ نَفْسِهِ وغَيْرِهِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ في الزُّخْرُفِ في آيَةِ الأخِلّاءِ ما أعْلَمَ بِكَوْنِهِمْ مُدابِرِينَ وصَفَ أضْدادَهم بِما لَهم مِنَ البَسْطِ مَعَ الِاجْتِماعِ فَقالَ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنهم أحَدٌ يُدابِرُ الآخَرَ لا حِسًّا ولا مَعْنًى، ووَدَّ [أنَّ] كُلًّا مِنهم يُقابِلُ الآخَرَ ناظِرًا إلَيْهِ، فَإذا (p-٤٩)أرادُوا النِّساءَ حالَتِ السُّتُورُ بَيْنَهم.
44:54Page 498
كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٥٤
Thus. And We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا يُبْهِرُ العَقْلَ، فَلا يَكادُ يَتَصَوَّرُهُ، قالَ مُؤَكِّدًا لَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما ذَكَرْنا سَواءٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ السُّرُورُ بِهِ إلّا بِالأزْواجِ قالَ: ﴿وزَوَّجْناهُمْ﴾ أيْ: قَرَنّاهم كَما تُقْرَنُ الأزْواجُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ العَقْدُ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ وهو لا يَكُونُ في الجَنَّةِ لِأنَّ فائِدَتَهُ الحِلُّ، والجَنَّةُ لَيْسَتْ بِدارِ كُلْفَةٍ مِن تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ، وذَكَرَ مَظْهَرَ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ الشَّرَفِ ﴿بِحُورٍ﴾ أيْ: [عَلى] حَسَبِ التَّوْزِيعِ بِجَوارٍ بِيضٍ حِسانٍ نَقِيّاتِ الثِّيابِ ﴿عِينٍ﴾ أيْ: واسِعاتِ الأعْيُنِ.
44:55Page 498
يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥
They will call therein for every [kind of] fruit - safe and secure.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ في الدُّنْيا يَخْشى كُلْفَةَ النَّفَقاتِ، وصَفَ ما هُنالِكَ مِن سِعَةِ الخَيْراتِ فَقالَ: ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ طَلَبًا هو بِغايَةِ المَسَرَّةِ ﴿فِيها بِكُلِّ﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ صِنْفٌ مِنَ الأصْنافِ بِبُعْدِ مَكانٍ ولا فَقْدِ أوانٍ، ولا غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّأْنِ، وقالَ: ﴿فاكِهَةٍ﴾ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مَعَ سِعَتِهِ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ لِإقامَةِ البَيِّنَةِ وإنَّما هو لِلتَّفَكُّهِ ومُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ. ولَمّا كانَ التَّوَسُّعُ في التَّلَذُّذِ يُخْشى مِنهُ غَوائِلُ جَمَّةٌ قالَ: ﴿آمِنِينَ﴾ أيْ: وهم في غايَةِ الأمْنِ مِن كُلِّ مَخُوفٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences