Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Jathiyah 45:14–22
45:14Page 500
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
Say, [O Muḥammad], to those who have believed that they [should] forgive those who expect not the days of Allāh [i.e., of His retribution] so that He may recompense a people1 for what they used to earn.
ولَمّا عُلِمَتْ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ قَدْ بَسَطَ نِعَمَهُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ طائِعِهِمْ وعاصِيهِمْ، فَعُلِمَتْ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الأخْلاقُ الفاضِلَةُ والأفْعالُ الحَمِيدَةُ، وكانَ عَلى المُقْبِلِ عَلَيْهِ المُحِبِّ [لَهُ] التَّخَلُّقُ بِأوْصافِهِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُخاطِبًا لِأفْهَمِ خَلْقِهِ عَنْهُ وأطْوَعِهِمْ لَهُ الَّذِي الأوامِرُ إنَّما هي (p-٧٨)لَهُ مِن شِدَّةِ طَواعَتِهِ تَكْوِينٌ لا تَكْلِيفٌ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: بِقالِكَ وحالِكَ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوُا التَّصْدِيقَ بِكُلِّ ما جاءَهم مِنَ اللَّهِ: اغْفِرُوا تَسَنُّنًا بِهِ مَن أساءَ إلَيْكم. ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ في الذُّرْوَةِ مِنَ اقْتِضاءِ الإحْسانِ إلى المُسِيءِ فَكَيْفَ بِالصَّفْحِ عَنْهُ، كانَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ في الإقْبالِ عَلَيْهِ والقَبُولِ مِنهُ والإعْراضِ عَنْ مُؤاخَذَةِ المُسِيءِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في كَمالِ الإقْبالِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ مَن كانَ يُرِيدُ هو سُبْحانَهُ الِانْتِقامَ مِنهُ فَهو يَكْفِي أمْرَهُ، ومَن لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ مِنهُ فَلا حِيلَةَ في كَفِّهِ بِوَجْهٍ فالِاشْتِغالُ بِهِ عَبَثٌ فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ جَوابَ الأمْرِ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرُوا﴾ أيْ: يَسْتُرُوا سَتْرًا بالِغًا.
ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن سَعى جُهْدَهُ في نَفْعِ نَفْسِهِ، وكانَ الأذى لِعِبادِ اللَّهِ مُظِنَّةً لِتَوَقُّعِ الغَضَبِ مِنهُ وقادِحًا فِيما يُرْجى مِن إحْسانِهِ قالَ: ﴿لِلَّذِينَ﴾ وعَبَّرَ في مَوْضِعِ ”أساؤُوا إلَيْهِمْ“ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْجُونَ﴾ أيْ: حَقِيقَةً ومَجازًا، والتَّعْبِيرُ في مَوْضِعِ الخَوْفِ بِالرَّجاءِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِجْلابِ والتَّرْغِيبِ والتَّأْلِيفِ والِاسْتِعْطافِ، وقالَ بَعْدَ ما نَبَّهَ [عَلَيْهِ] بِتِلْكَ العِبارَةِ مِن جَلِيلِ الإشارَةِ: ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِثْلَ (p-٧٩)وقائِعِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ بِإدالَةِ الدُّوَلِ تارَةً لَهم وأُخْرى عَلَيْهِمْ، وفِيهِ أعْظَمُ تَرْغِيبٍ في الحَثِّ عَلى الغُفْرانِ لِلْمُوافِقِ في الدِّينِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى الإساءَةِ إلى عَبِيدِهِ إلّا مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَصارَ حالُهُ حالَ الآئِسِ مِن صَنائِعِهِ سُبْحانَهُ في جَزائِهِ لِلْمُسِيءِ والمُحْسِنِ في الأيّامِ واللَّيالِي، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الشَّرِيفِ تَنْبِيهًا عَلى ما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ في مُعامَلَةِ كُلٍّ مِنهُما، قالَ [ابْنُ] بُرْجانَ: وهَذِهِ الآيَةُ وشَبَهُها مِنَ النَّسْيِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] ولَيْسَ بِنَسْخٍ بَلْ هو حُكْمٌ يَجِيءُ ويَذْهَبُ بِحَسْبِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِصارِ، وكانَ يَنْزِلُ مِثْلُ هَذا بِمَكَّةَ والمُسْلِمُونَ في ضَعْفٍ، ونَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ آيَةُ الجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وتُرِكَتْ هَذِهِ وأمْثالُها مَسْطُورَةً في القُرْآنِ لِما عَسى أنْ يَدُورَ مِن دَوائِرِ أيّامِ اللَّهِ ومِن أيّامِهِ إزالَةُ أهْلِ الكُفْرِ تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ لِيُراجِعُوا أمْرَهم ويُصْلِحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ.
(p-٨٠)ولَمّا كانَ مَن قُوصِصَ عَلى جِنايَتِهِ في الدُّنْيا، سَقَطَ عَنْهُ أمْرُها في الآخِرَةِ، وكانَ المُسَلِّطِ لِلْجانِي في الحَقِيقَةِ إنَّما هو اللَّهُ تَعالى وكانَ تَسْلِيطُهُ إيّاهُ لِحِكَمٍ بالِغَةٍ تَظْهَرُ غايَةَ الظُّهُورِ في الآخِرَةِ، عَلَّلَ الأمْرَ بِالغُفْرانِ مُهَدِّدًا لِلْجانِي ومُسَلِّيًا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أيِ: اللَّهُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّحْتانِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْفاعِلِ، ونَحْنُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالنُّونِ، وبَناهُ أبُو جَعْفَرٍ لِلْمَفْعُولِ فَيَكُونُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ الخَيْرَ أوِ الشَّرَّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ لِجَزائِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ حَيْثُ يَظْهَرُ الحُكْمُ ويَنْجَلِي الظُّلْمُ.
ولَمّا كانَ رُبَّما جُوزِيَ جَمِيعُ الجُناةِ، ورُبَّما عُفِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ أوْ غَيْرِها تَفَضُّلًا لِحِكَمٍ أُخْرى ويُثابَ المَظْلُومُ عَلى ظُلامَتِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ قالَ: ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: مِنَ الجُناةِ وإنْ كانُوا في غايَةِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ ومِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ وإنْ كانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي ﴿كانُوا﴾ أيْ: في جِبِلّاتِهِمْ وأبْرَزُوهُ إلى الخارِجِ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ عَلى ظَنِّ أنَّهُ يَنْفَعُهم أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وكِلْ أمْرَهُ إلَيَّ؛ فَإنِّي لا أظْلِمُكَ ولا أظْلِمُ أحَدًا، فَسَوْفَ أجْزِيكَ عَلى صَبْرِكَ (p-٨١)أجْزِيهِ عَلى بَغْيِهِ وأنا قادِرٌ، وأفادَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ الإبْلاغَ في تَعْظِيمِ الفاعِلِ [و] أنَّهُ مَعْلُومٌ، وتَعْظِيمَ ما أُقِيمَ مَقامَهُ وهو الجَزاءُ بِجَعْلِهِ عُمْدَةً مُسْنَدًا إلَيْهِ؛ لِأنَّ عَظَمَتَهُ عَلى حَسَبِ ما أُقِيمَ مَقامَهُ، فالتَّقْدِيرُ لِكَوْنِ الفِعْلِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] لِيَجْزِيَ المَلِكُ الأعْظَمُ الجَزاءَ الأعْظَمَ مِنَ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِ والشَّرِّ لِلْكافِرِ قَوْمًا، فَجَعَلَ الجَزاءَ كالفاعِلِ و[إنْ] كانَ مَفْعُولًا كَما جُعِلَ ”زَيْدٌ“ فاعِلًا في ماتَ زَيْدٌ وإنْ كانَ مَفْعُولًا في المَعْنى: تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ تَأْثِيرِ الفِعْلِ؛ فَإنَّهُ لا انْفِكاكَ عَنْهُ لِأنَّهُ يُجْعَلُ مُتَمَكِّنًا مِنَ المَجْزِيِّ [تَمَكُّنَ المَجْزِيِّ] مِن جَزائِهِ ومَحِيصًا بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِعِظَمِ قُدْرَتِهِ يَجْعَلُ عَمَلَ الإنْسانِ نَفْسِهِ جَزاءً لَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ ضَمِيرَ ”الَّذِينَ“ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِهِ فَيَكُونُ المَعْنى: سَيَجْزِي الَّذِينَ آمَنُوا ناسًا كانُوا أقْوِياءَ عَلى القِيامِ في أذاهم بِسَبَبِ أذاهم [لَهُمْ] فَيَجْعَلُ كُلًّا مِنهم فَداءً لِكُلٍّ مِنهم مِنَ النّارِ، ورُبَّما رَأوْا بَعْضَ آثارِ ذَلِكَ في الدُّنْيا، رَوى مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ“ ولِأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ (p-٨٢)واللَّفْظُ لَهُ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أبِي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ثَلاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وأُحَدِّثُكم حَدِيثًا فاحْفَظُوهُ: ما نَقَصَ مالُ عَبْدٍ مِن صَدَقَةٍ، وما ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْها إلّا زادَهُ اللَّهُ عِزًّا، ولا فَتَحَ عَبْدٌ بابَ مَسْألَةٍ إلّا فَتَحَ اللَّهُ بابَ فَقْرٍ» - أوْ كَلِمَةً نَحْوَها، ورَوى الحاكِمُ وصَحَّحَ إسْنادَهُ، قالَ المُنْذِرِيُّ: وفِيهِ انْقِطاعٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «”مَن سَرَّهُ أنْ يُشْرَفَ لَهُ البُنْيانُ وتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويُعْطِ مَن حَرَمَهُ ويَصِلْ مَن قَطَعَهُ“».
45:15Page 500
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١٥
Whoever does a good deed - it is for himself; and whoever does evil - it is against it [i.e., the self or soul]. Then to your Lord you will be returned.
ولَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ ورَهَّبَ وتَقَرَّرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ، زادَ في [التَّرْغِيبِ و] التَّرْهِيبِ بِأنَّ النَّفْعَ والضُّرَّ لا يَعْدُوهم فَقالَ شارِحًا لِلْجَزاءِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: خاصَّةُ عَمَلِهِ يَرى جَزاءَهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ﴿ومَن أساءَ﴾ أيْ: كَذَلِكَ إساءَةٌ قَلَّتْ أوْ جَلَّتْ ﴿فَعَلَيْها﴾ خاصَّةُ إساءَتِهِ كَذَلِكَ، وذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ لِأنَّهُ لا يَسُوغُ في عَقْلِ عاقِلٍ أنَّ مَلِكًا يَدَعُ (p-٨٣)عَبِيدَهُ مِن غَيْرِ جَزاءٍ ولا سِيَّما إذا كانَ حَكِيمًا وإنْ كانَتْ نَقائِصُ النُّفُوسِ قَدْ غَطَّتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُقُولِ ذَلِكَ ومِن جَزائِهِ أنَّهُ يُدِيلُ المُسِيءَ عَلى المُحْسِنِ لِهَفْوَةٍ وقَعَتْ لَهُ لِيُراجِعَ حالَهُ بِالتَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قادِرًا لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ كانَ بِحَيْثُ لا يُعَجِّلُ فَأخَّرَ الجَزاءَ إلى اليَوْمِ المَوْعُودِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ الِابْتِلاءِ بِالإمْلاءِ في الدُّنْيا والحَبْسِ في البَرْزَخِ ﴿إلى رَبِّكُمْ﴾ أيِ: المالِكِ لَكم وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾
45:16Page 500
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
And We did certainly give the Children of Israel the Scripture and judgement1 and prophethood, and We provided them with good things and preferred them over the worlds.
ولَمّا عَلِمَ بِهَذِهِ الحِكَمِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن [أنَّ] مُنْزِلَ هَذا الكِتابِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ فَذْلَكَةً لِذَلِكَ: فَلَقَدْ آتَيْناكَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ وفَضَّلْناكَ وأُمَّتَكَ عَلى العالَمِينَ وأرْسَلْناكَ لِتُنَبِّهَ النّاسَ عَلى ما أمامَهم وكانَ قَوْمُهُ بَعْدَ ائْتِلافِهِمْ عَلى الضَّلالِ قَدِ اخْتَلَفُوا بِهَذا الكِتابِ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَشْتَدَّ إجْماعُهم بِهِ واسْتِنْصارُهم مِن أجْلِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُسَلِّيًا قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ: (p-٨٤)عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ نَبِيَّ اللَّهِ ابْنَ عَمِّكم إسْحاقَ نَبِيَّ اللَّهِ ابْنَ أبِيكم إبْراهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الكِتابَ﴾ الجامِعَ لِلْخَيْراتِ وهو يَعُمُّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ وغَيْرَها مِمّا أُنْزِلَ عَلى أنْبِيائِهِمْ ﴿والحُكْمَ﴾ أيِ: العِلْمَ والعَمَلَ الثّابِتَيْنِ ثَباتَ الأحْكامِ [بِحَيْثُ] لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما فَسادٌ بِما لِلْعِلْمِ مِنَ الزِّينَةِ بِالعَمَلِ، ولِلْعَمَلِ مِنَ الإتْقانِ بِالعِلْمِ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ الَّتِي تُدْرَكُ بِها الأخْبارُ العَظِيمَةُ الَّتِي لا يُمْكِنُ اطِّلاعُ الخَلْقِ عَلَيْها بِنَوْعِ اكْتِسابٍ مِنهُمْ، فَأكْثَرْنا فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿ورَزَقْناهُمْ﴾ بِعَظَمَتِنا لِإقامَةِ أبْدانِهِمْ ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى وغَيْرِهِما مِنَ الأرْزاقِ اللَّدُنِّيَّةِ وغَيْرِها ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العِزَّةِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ تَحَقَّقَ إيجادُنا لَهم في زَمانِهِمْ وما قَبْلَهُ فَإنّا آتَيْناهم مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ وأكْثَرْنا فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ ما لَمْ نَفْعَلْهُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ، وكُلُّ ذَلِكَ فَضِيلَةٌ ظاهِرَةٌ
45:17Page 500
وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٧
And We gave them clear proofs of the matter [of religion]. And they did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿وآتَيْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ المُوحى بِهِ إلى أنْبِيائِهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ والأحْكامِ والمَواعِظِ المُؤَيَّدَةِ بِالمُعْجِزاتِ، ومِن صِفاتِ الأنْبِياءِ الآتِينَ بَعْدَهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو في غايَةِ الوُضُوحِ لِمَن قَضَيْنا بِسَعادَتِهِ، وذَلِكَ أمْرٌ يَقْتَضِي الأُلْفَةَ والِاجْتِماعَ و[قَدْ] كانُوا مُتَّفِقِينَ وهم في زَمَنِ (p-٨٥)الضَّلالِ لا يَخْتَلِفُونَ إلّا اخْتِلافًا يَسِيرًا لا يُضَرُّ مِثْلُهُ ولا يُعَدُّ اخْتِلافًا.
ولَمّا كانَ حالُهم بَعْدَ هَذا الإيتاءِ مُجْمَلًا، فَصَّلَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الِاخْتِلافَ والِافْتِراقَ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ اخْتِلافُهم مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الزَّمَنِ الَّذِي بَعْدَ الإيتاءِ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الجَمْعُ عَلى المَعْلُومِ، فَكانَ ما هو سَبَبُ الِاجْتِماعِ سَبَبًا لَهم في الِافْتِراقِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ ذَلِكَ وهو عَزِيزٌ.
ولَمّا كانَ هَذا عَجَبًا بَيَّنَ عِلَّتَهُ مُحَذِّرًا مِن مِثْلِها فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ: لِلْمُجاوَزَةِ في الحُدُودِ الَّتِي اقْتَضاها لَهم طَلَبُ الرِّئاسَةِ والحَسَدِ وغَيْرِهِما مِن نَقائِصِ النُّفُوسِ. ولَمّا كانَ البَغْيُ عَلى البَعِيدِ مَذْمُومًا، زادَهُ عَجَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ واقِعًا فِيهِمْ لَمْ يَعْدُهم إلى غَيْرِهِمْ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ وهم تَحْتَ أيْدِي القِبْطِ في غايَةِ الِاتِّفاقِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ عَلى الرِّضا بِالذُّلِّ، ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ الَّذِي اقْتَضاهُ الحالُ عَلى ما يُشاهِدُهُ العِبادُ مِن أفْعالِ المُلُوكِ فِيمَن خالَفَ أوامِرَهُمْ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وتَكْثِيرِ أُمَّتِكَ وحِفْظِهِمْ مِمّا ضَلَّ بِهِ القُرُونُ الأُولى وبَيانِ يَوْمِ الفَصْلِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ بَيانًا لَمْ يُبَيِّنْهُ عَلى لِسانِ أحَدٍ مِمَّنْ سَلَفَ ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بِإحْصاءِ الأعْمالِ والجَزاءِ (p-٨٦)عَلَيْها، لِأنَّ هَذا مُقْتَضى الحِكْمَةِ والعِزَّةِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي يُنْكِرُهُ قَوْمُكَ الَّذِينَ شَرَّفْناهم بِرِسالَتِكَ مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ في الحِكْمَةِ إنْكارُهُ ﴿فِيما كانُوا﴾ أيْ: بِما هو لَهم كالجِبِلَّةِ ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِغايَةِ الجُهْدِ مُتَعَمِّدِينَ لَهُ بِخِلافِ ما كانَ يَقَعُ مِنهم خَطَأً فَإنَّهُ يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ عَنْهُ؛ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أصْلًا أنْ يُتْرَكَ المُخْتَلِفُونَ مِن غَيْرِ حُكْمٍ بَيْنَهُمْ؛ لِأنَّ هَذا لا يَرْضاهُ أقَلُّ المُلُوكِ فَإنَّهُ لا يُعُرَفُ المَلِكُ إلّا بِالقَهْرِ والعِزَّةِ ولا يُعْرَفُ كَوْنُهُ حَكِيمًا إلّا بِالعَدْلِ، وإذا كانَ هَذا لا يَرْضاهُ مَلِكٌ فَكَيْفَ يَرْضاهُ مَلِكُ المُلُوكِ، وإذا كانَ هَذا القَضاءُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ كانَ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ، فَهو يَقْتَضِي بَيْنَكم أيْضًا كَذَلِكَ، ومِنَ التَّأْكِيدِ لِلْوَعْدِ بِذَلِكَ اليَوْمِ التَّعْبِيرُ بِاسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ ﷺ.
45:18Page 500
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨
Then We put you, [O Muḥammad], on an ordained way concerning the matter [of religion]; so follow it and do not follow the inclinations of those who do not know.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى شَرِيعَةٍ وهَدَّدَهم عَلى الخِلافِ فِيها، فَكانَ تَهْدِيدُهم تَهْدِيدًا لَنا، قالَ مُصَرِّحًا بِما اقْتَضاهُ سَوْقُ الكَلامِ وغَيْرِهِ مِن تَهْدِيدِنا مُنَبِّهًا عَلى عُلُوِّ شَرِيعَتِنا: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ فَتْرَةٍ مِن رُسُلِهِمْ ومُجاوَزَةِ رُتَبٍ كَثِيرَةٍ عالِيَةٍ عَلى (p-٨٧)[رُتْبَةِ] شَرِيعَتِهِمْ ﴿جَعَلْناكَ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ أيْ: طَرِيقَةٍ واسِعَةٍ عَظِيمَةٍ ظاهِرَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ سَهْلَةٍ مُوصِلَةٍ إلى المَقْصُودِ هي جَدِيرَةٌ بِأنْ يَشْرَعَ النّاسُ فِيها ويُخالِطُوها مُبْتَدِئَةً ﴿مِنَ الأمْرِ﴾ الَّذِي هو وحْيُنا وهو حَياةُ الأرْواحِ كَما أنَّ الأرْواحَ حَياةُ الأشْباحِ.
ولَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ العِبارَةِ بَعْضَ فَضْلِها عَلى ما كانَ قَبْلَها، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى الإمامِ بِما أرادَ بِهِ المَأْمُومِينَ لِيَكُونَ أدْعى إلى اجْتِهادِهِمْ، فَإنَّ أمْرَهم تَكْلِيفٌ وأمْرُ إمامِهِمْ تَكْوِينٌ: ﴿فاتَّبِعْها﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكَ. ولَمّا كانَتِ الشَّرِيعَةُ العَقْلَ المَحْفُوظَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ بِهِ يَأْخُذُ وبِهِ يُعْطِي، كانَ الإعْراضُ عَنْها إلى غَيْرِها إنَّما هو هَوًى، ولَمّا كانَ أُحادُ الأُمَّةِ غَيْرَ مَعْصُومِينَ أشارَ إلى العَفْوِ عَنْ هَفَواتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعْ﴾ أيْ: تَتَعَمَّدُوا أنْ تَتَّبِعُوا ﴿أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم أوْ لَهم عِلْمٌ ولَكِنَّهم يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن لَيْسَ لَهم عِلْمٌ أصْلًا مِن كُفّارِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ مَن تَعَمَّدَ اتِّباعَهم فَعَلْتُ بِهِمْ ما فَعَلْتُ بِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ لَعَنْتُهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما لَعَنْتُهم عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ،
45:19Page 500
إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩
Indeed, they will never avail you against Allāh at all. And indeed, the wrongdoers are allies of one another; but Allāh is the protector of the righteous.
(p-٨٨)ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ مُهَدِّدًا بِقَوْلِهِ: [مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ لِأجْلِ أحَدٍ كانَ عَمَلُهُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَحْمِيهِ]: ﴿إنَّهُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم نَوْعُ إغْناءٍ مُبْتَدَئٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا واصِلٌ إلَيْهِ، وكُلُّ ما لا يَكُونُ ذا وصْلَةٍ بِهِ فَهو عَدَمٌ ﴿شَيْئًا﴾ مِن إغْناءٍ إنْ تَبِعَتْهم كَما أنَّهم لَنْ يَقْدِرُوا لَكَ عَلى شَيْءٍ مِن أذًى إنْ خالَفْتَهم وناصَبْتَهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم ظَلَمَةٌ لا يَضَعُونَ شَيْئًا في مَوْضِعِهِ، ومَنِ اتَّبَعَهم فَهو مِنهم قالَ تَعالى عاطِفًا عَلَيْهِ: ﴿وإنَّ﴾ وكانَ الأصْلُ: وإنَّهم ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلْإعْلامِ بِوَصْفِهِمْ فَقالَ: ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ الذَّمِيمِ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فَلا وِلايَةَ - أيْ قُرْبَ - بَيْنَهم وبَيْنَ الحَكِيمِ أصْلًا لِتَباعُدِ ما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ فَكانَتْ أعْمالُهم [كُلُّها] باطِلَةً لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ خِلافًا لِمَن يَظُنُّ بِها غَيْرَ ذَلِكَ تَقَيُّدًا بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ في هَذِهِ الدّارِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ والعِزِّ والكَمالِ ﴿ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ هَمُّهُمُ الأعْظَمُ الِاتِّصافُ بِالحِكْمَةِ بِاتِّخاذِ الوَقاياتِ المُنْجِيَةِ لَهم مِن سَخَطِ اللَّهِ (p-٨٩)ولا وِلايَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَ الظّالِمِينَ.
45:20Page 500
هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٢٠
This [Qur’ān] is enlightenment for mankind and guidance and mercy for a people who are certain [in faith].
ولَمّا أوْصَلَ سُبْحانَهُ إلى هَذا الحَدِّ مِنَ البَيانِ الفائِتِ لِقُوى الإنْسانِ، قالَ مُتَرْجِمًا عَنْهُ: ﴿هَذا﴾ أيِ: الوَحْيُ المُنَزَّلُ. ولَمّا كانَ في عِظَمِ بَيانِهِ وإزالَةِ اللَّبْسِ عَنْ كُلِّ مُلْبِسٍ دَقَّ أوْ جَلَّ بِحَيْثُ لا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِن خَفاءٍ، جَعَلَهُ نَفْسَ البَصِيرَةِ، مَجْمُوعَةً جَمْعَ كَثْرَةٍ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ كَما جَعَلَهُ رُوحًا فَقالَ: ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم في أدْنى المَراتِبِ، يُبَصِّرُهم بِما يَضُرُّهم وما يَنْفَعُهُمْ، فَما ظَنُّكَ بِمَن فَوْقَهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ومَن فَوْقَهم.
ولَمّا بَيَّنَ ما هو لِأهْلِ السُّفُولِ، بَيَّنَ ما هو لِأهْلِ العُلُوِّ فَقالَ تَعالى: ﴿وهُدًى﴾ أيْ: قائِدٌ إلى كُلِّ خَيْرٍ، مانِعٌ مِن كُلِّ زَيْغٍ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: كَرامَةٌ وفَوْزٌ ونِعْمَةٌ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ: ناسٍ فِيهِمْ قُوَّةُ القِيامِ بِالوُصُولِ إلى العِلْمِ الثّابِتِ وتَجْدِيدِ التَّرَقِّي في دَرَجاتِهِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ أبَدًا. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا في أمْرِ الحِسابِ بِما حَدَّهُ مِنَ المَلِكِ الَّذِي يُوجِبُ [ما لَهُ] مِنَ العَظَمَةِ والحِكْمَةِ أنْ يُحاسِبَ عَبِيدَهُ لِثَوابِ المُحْسِنِ وعِقابِ المُسِيءِ: أعْلَمَ هَؤُلاءِ المُخاطَبُونَ - لِأنَّهم (p-٩٠)لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا مِنَ النّاسِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِهَذِهِ البَصائِرِ لِما لَهم مِن حُسْنِ الغَرائِزِ المُعْلِيَةِ لَهم عَنْ حَضِيضِ الحَيَوانِ إلى أوْجِ الإنْسانِ أنّا نُفَرِّقُ بَيْنَ المُسِيئِينَ الَّذِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ وبَيْنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ نَحْنُ أوْلِياؤُهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قَوْلَهُ:
45:21Page 500
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٢١
Or do those who commit evils think We will make them like those who have believed and done righteous deeds - [make them] equal in their life and their death?1 Evil is that which they judge [i.e., assume].
﴿أمْ﴾ قالَ الأصْبِهانِيُّ: قالَ الإمامُ: كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ شَيْءٍ حالَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى آخَرَ سَواءٌ كانَ المَعْطُوفُ مَذْكُورًا أوْ مُضْمَرًا. انْتَهى. وكانَ الأصْلُ: حَسِبُوا، ولَكِنَّهُ [عَدَلَ] عَنْهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ارْتِكابَ السُّوءِ مُعْمٍ لِلْبَصِيرَةِ مُضْعِفٌ لِلْعَقْلِ كَما أفادَهُ التَّعْبِيرُ بِالحُسْبانِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في البَقَرَةِ فَقالَ: ﴿حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ونُزُوعِ شَهَواتِهِمْ ﴿السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المانِعَةِ مِنَ الظُّلْمِ المُقْتَضِيَةِ لِلْحِكْمَةِ ﴿كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإقْرارِهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا وسِرًّا وعَلانِيَةً ﴿الصّالِحاتِ﴾ بِأنْ نَتْرُكَهم بِلا حِسابٍ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ.
ولَمّا كانَتِ المُماثَلَةُ مُجْمَلَةً، بَيَّنَهُما اسْتِئْنافًا بِقَوْلِهِ مُقَدِّمًا ما هو عَيْنُ (p-٩١)المَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى: ﴿سَواءً﴾ أيْ: مُسْتَوٍ اسْتِواءً عَظِيمًا ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ أيْ: حَياتُهم ومَوْتُهم وزَمانُ ذَلِكَ ومَكانُهُ في الِارْتِفاعِ والسُّفُولِ واللَّذَّةِ والكَدَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْيانِ والمَعانِي. ولَمّا كانَ هَذا مِمّا لا يَرْضاهُ أحَدٌ لِمَن تَحْتَ يَدِهِ ولا لِغَيْرِهِ، قالَ مُعَبِّرًا بِمَجْمَعِ الذَّمِّ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بَلَغَ حُكْمُهم هَذا في نَفْسِهِ ولا سِيَّما وهم بِإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ في تَجْدِيدٍ [لَهُ] كُلَّ ساعَةٍ أقْصى نِهاياتِ السُّوءِ، فَهو مِمّا يُتَعَجَّبُ مِنهُ، لِأنَّهُ لا يَدْرِي الحامِلُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهُ نَسَبُوا الحَكِيمَ الَّذِي لا حَكِيمَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ إلى ما لا يَفْعَلُهُ أقَلُّ النّاسِ فَيِمَن تَحْتَ يَدِهِ.
45:22Page 500
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢
And Allāh created the heavens and earth in truth and so that every soul may be recompensed for what it has earned, and they will not be wronged.
ولَمّا أنْكَرَ التَّسْوِيَةَ وذَمَّهم عَلى الحُكْمِ بِها، أتْبَعَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القَطْعِيَّ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ لا يَسْتَوِيانِ وإلّا لَما كانَ الخالِقُ لِهَذا الوُجُودِ عَزِيزًا ولا حَكِيمًا، فَقالَ دالًّا عَلى إنْكارِ التَّسْوِيَةِ وسُوءِ حُكْمِهِمْ بِها، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ النّاسَ كُلَّهم بِالحَقِّ وهو الأمْرُ الثّابِتُ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، وهو ثَباتُ أعْمالِ المُحْسِنِينَ وبُطْلانُ أفْعالِ المُسِيئِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ أوْصافِ الكَمالِ ولا يَصِحُّ ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَلْحَقَهُ نَوْعُ نَقْصٍ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ اللَّتَيْنِ هُما ظَرْفٌ لَكم وابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِما، خَلْقًا مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ فَلا يُطابِقُ الواقِعُ فِيهِما [أبَدًا] شَيْئًا باطِلًا، (p-٩٢)فَمَتى وُجِدَ سَبَبُ الشَّيْءِ وانْتَفى مانِعُهُ وُجِدَ، ومَتى وُجِدَ مانِعُ الشَّيْءِ وانْتَفى سَبَبُهُ انْتَفى، لا يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ أصْلًا، ولِذَلِكَ جُمْلَةُ ما وقَعَ مِن خَلْقِهِما طابَقَهُ الواقِعُ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ وعِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ وجَمِيعُ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي دَلَّ خَلْقُهُما عَلَيْها، فَإذا كانَ الظَّرْفُ عَلى هَذا الإحْكامِ فَما الظَّنُّ بِالمَظْرُوفِ الَّذِي ما خُلِقَ الظَّرْفُ إلّا مِن أجْلِهِ، هَلْ يُمْكِنُ في الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ الواقِعُ الَّذِي هو تَفْضِيلُ المُحْسِنِ عَلى المُسِيءِ غَيْرَ مُطابِقٍ لِأحْوالِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ المَظْرُوفِ ما بَيْنَهُما فَلِذا لَمْ يُذْكَرْ هُنا، ولَوْ [كانَ] ذَلِكَ مِن غَيْرِ بَعْثٍ ومُجازاةٍ بِحَسْبِ الأعْمالِ لَما كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ بِالحَقِّ بَلْ بِالباطِلِ الَّذِي تَعالى عَنْهُ الحَكِيمُ فَكَيْفَ وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيَكُونَ كُلُّ مُسَبَّبٍ مُطابِقًا لِأسْبابِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتُجْزى﴾ [بِأيْسَرِ أمْرٍ] ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأمْرِ الَّذِي. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْعُمُومِ، وكانَ المُؤْمِنُ لا يُجْزى إلّا بِما عَمِلَهُ عَلى عَمْدٍ مِنهُ وقَصْدٍ لِيُكْتُبَ في أعْمالِهِ، (p-٩٣)[عَبَّرَ] بِالكَسْبِ الَّذِي هو أخَصُّ مِنَ العَمَلِ فَقالَ: ﴿كَسَبَتْ﴾ أيْ: كَسْبُها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَيَكُونُ ما وقَعَ الوَعْدُ بِهِ مُطابِقًا لِكَسْبِها ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يُوجَدُ مِن مُوجِدٍ ما في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ جَزاءٌ لَهم في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهَذا [عَلى] ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُكم في العَدْلِ والفَضْلِ، ولَوْ وُجِدَ مِنهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنهُ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ والمَلِكُ الأعْظَمُ، فَلَوْ عَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ كُلَّهم لَكانَ غَيْرَ ظالِمٍ لَهم في نَفْسِ الأمْرِ، فَهَذا الخِطابُ إنَّما هو عَلى ما نَتَعارَفُهُ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ بِمُخالَفَةِ الأمْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences