Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Jathiyah 45:35–37
45:35Page 502
ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٣٥
That is because you took the verses of Allāh in ridicule, and worldly life deluded you." So that Day they will not be removed from it, nor will they be asked to appease [Allāh].
ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَهم عَلى ما هو الحَقُّ المُساوِي لِأعْمالِهِمْ طِبْقَ الفِعْلِ بِالفِعْلِ، عَلَّلَهُ بِما لَزِمَ عَلى أعْمالِهِمْ فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: العَذابُ العَظِيمُ ﴿بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ﴾ أيْ: بِتَكْلِيفٍ مِنكم لِأنْفُسِكم وقَسْرٍ عَلى خِلافِ (p-١١٤)ما أدّى إلَيْهِ العَقْلُ، وجاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وساعَدَتْ عَلَيْهِ الفِطَرُ الأُوَلُ ﴿آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ ﴿هُزُوًا﴾ أيْ: جَعَلْتُمُوها عَيْنَ ما أنْزَلْتُ لِلْإبْعادِ مِنهُ ﴿وغَرَّتْكُمُ﴾ لِضَعْفِ عُقُولِكم ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيِ: الدَّنِيَّةُ فَآثَرْتُمُوها لِكَوْنِها حاضِرَةً وأنْتُمْ كالبَهائِمِ لا يَعْدُو نَظَرُكُمُ المَحْسُوسَ فَقُلْتُمْ: لا حَياةَ غَيْرُها ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ولَوْ تَعَقَّلْتُمْ وصْفَكم لَها لَأدّاكم إلى الإقْرارِ بِالأُخْرى.
ولَمّا أوْصَلَهم إلى هَذا الحَدِّ مِنَ الإهانَةِ، سَبَّبَ عَنْهُ زِيادَةً في إهانَتِهِمْ وتَلْذِيذًا لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ عادَوْهم فِيهِ وإشْماتًا لَهم بِهِمْ: ﴿فاليَوْمَ﴾ بَعْدَ إيوائِهِمْ فِيها ﴿لا يُخْرَجُونَ﴾ بِمُخْرَجٍ ما ﴿مِنها﴾ لِأنَّ اللَّهَ لا يُخْرِجُهم ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى ذَلِكَ ﴿ولا هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: يُطْلَبُ مِن طالِبٍ ما مِنهُمُ الإعْتابُ، وهو الِاعْتِذارُ بِما يُثْبِتُ لَهُمُ العُذْرَ ويُزِيلُ عَنْهُمُ العَتَبَ المُوجِبَ لِلْغَضَبِ بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ لِأنَّهم في دارِ الجَزاءِ لا دارِ العَمَلِ.
45:36Page 502
فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٦
Then, to Allāh belongs [all] praise - Lord of the heavens and Lord of the earth, Lord of the worlds.
ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ بِإثْباتِ الآياتِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ وإعْزازِ أوْلِيائِهِ وإذْلالِ أعْدائِهِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِشَيْءٍ ولا عَجْزٍ عَنْ شَيْءٍ مَعَ الإحاطَةِ التّامَّةِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ حَتْمًا قَوْلُهُ تَعالى: (p-١١٥)﴿فَلِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ: الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا أبانَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ ثابِتٌ لَهُ لِذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، أثْبَتَ أنَّهُ لا بِالإحْسانِ والتَّدْبِيرِ فَقالَ تَعالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ أيْ: ذاتِ العُلُوِّ والِاتِّساعِ والبَرَكاتِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الِاخْتِصاصِ بِالكَمالِ، وكانُوا قَدْ جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ ما دَلَّ [عَلى] أنَّهم لا شُبْهَةَ لَهم في عِبادَتِهِمْ بِحَصْرِ أمْرِهِمْ في الهَوى، أعادَ ذِكْرَ الرَّبِّ تَأْكِيدًا وإعْلامًا أنَّ لَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخافِقَيْنِ أسْرارًا غَيْرَ ما لَهُ في الآخَرِ، فالتَّرْبِيَةُ مُتَفاوِتَةٌ بِحَسْبِ ذَلِكَ، وأثْبَتَ العاطِفَ إعْلامًا بِأنَّ كَمالَ قُدْرَتِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ لِلْأعْلى والأسْفَلِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ حُكْمَهُ في الأعْلى أمْكَنُ لِتَوَهُّمِ الِاحْتِياجِ إلى مَسافَةٍ فَقالَ تَعالى: ﴿ورَبِّ الأرْضِ﴾ أيْ: ذاتِ القَبُولِ لِلْوارِداتِ.
ولَمّا خَصَّ الخافِقَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى الِاعْتِبارِ بِما فِيهِما مِنَ الآياتِ لِظُهُورِها، عَمَّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ مِنَ الخَلائِقِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ مُسْقِطًا العاطِفَ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ بَعْدَ إثْباتِ اسْتِواءِ الكَوْنَيْنِ الأعْلى والأسْفَلِ في حُكْمِهِ مِن حَيْثُ العِلْمُ والقُدْرَةُ لِلتَّنَزُّهِ عَنِ المَسافَةِ، (p-١١٦)وذَلِكَ لا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عُلْوِيًّا أوْ سُفْلِيًّا ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَجَمَعَ ما مُفْرَدُهُ يَجِلُّ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ لِأنَّ العالَمَ ما سِوى اللَّهِ. تَنْبِيهًا عَلى أصْنافِهِ وتَصْرِيحًا بِها وإعْلامًا بِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُهُ المُطابَقِيُّ لا البَعْضُ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ، وأعادَ ذِكْرَ الرَّبِّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حِفْظَهُ لِلْخَلْقِ وتَرْبِيَتَهُ لَهم ذُو ألْوانٍ بِحَسْبِ شُؤُونِ الخَلْقِ، فَحِفْظُهُ لِهَذا الجُزْءِ عَلى وجْهٍ يُغايِرُ حِفْظَهُ [لِجُزْءٍ آخَرَ، وحِفْظُهُ لِلْكُلِّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ عَلى وجْهٍ يُغايِرُ حِفْظَهُ] لِكُلِّ جُزْءٍ عَلى حِدَتِهِ، مَعَ أنَّ الكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ.
45:37Page 502
وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٧
And to Him belongs [all] grandeur within the heavens and the earth, and He is the Exalted in Might, the Wise.
ولَمّا أفادَ ذَلِكَ غِناهُ الغِنى المُطْلِقَ وسِيادَتَهُ وأنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ بَعْضَ اللَّوازِمِ لِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ لِدَفْعِ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِنَ ادِّعاءِ الشَّرِكَةِ الَّتِي [لا] يَرْضَوْنَها لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الكِبْرِياءُ﴾ أيِ: الكِبْرِ الأعْظَمُ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ كُلِّها ﴿والأرْضِ﴾ جَمِيعِها اللَّتَيْنِ فِيهِما آياتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، رَوى مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ومُسْلِمٍ (p-١١٧)عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ««الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظَمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما أدْخَلْتُهُ النّارَ»». وفي رِوايَةٍ: عَذَّبْتُهُ، وفي رِوايَةٍ: قَصَمْتُهُ.
﴿وهُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَواضِعِها ولا يَضَعُ شَيْئًا إلّا كَذَلِكَ كَما أحْكَمَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ وجَمِيعَ شَرْعِهِ، وأحْكَمَ نَظْمَ هَذا القُرْآنِ جُمَلًا وآياتٍ، وفَواصِلَ وغاياتٍ، وبَعْدَ أنْ حَرَّرَ مَعانِيَهُ وتَنْزِيلَهُ جَوابًا لِما كانُوا يَعْتَنُونَ بِهِ، فَصارَ مُعْجِزًا في نَظْمِهِ ومَعْناهُ وإنْزالِهِ طِبْقَ أجْوِبَةِ الوَقائِعِ عَلى ما اقْتَضاهُ الحالُ، فانْطَبَقَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وبِالحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِآياتِ الخافِقَيْنِ، والتَّصْرِيحِ بِما لَزِمَ ذَلِكَ مِنَ الكِبْرِياءِ المُقْتَضِيَةِ لِإذْلالِ الأعْداءِ وإعْزازِ الأوْلِياءِ - واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences