Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ahqaf 46:16–24
46:16Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦
Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.
ولَمّا وصَفَ هَذا المُؤْمِنَ بادِئًا بِهِ لِكَوْنِهِ في سِياقِ الإحْسانِ، وكانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، قالَ مادِحًا لَهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ قَبُولَ الطّاعاتِ مَشْرُوطٌ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ لِأنَّ ما ظَهَرَ دَلِيلُ ما بَطَنَ، ومَن لا يَشْكُرُ مَن كانَ مِن جِنْسِهِ لا سِيَّما وهو أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ لا سِيَّما وهو السَّبَبُ في إيجادِهِ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ كَما في الحَدِيثِ: ««لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ»». ومِن صَلُحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ [اللَّهِ صَلُحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ] النّاسِ عامَّةً لا سِيَّما الأقارِبَ نَسَبًا أوْ مَكانًا لا سِيَّما الوالِدَيْنِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾ بِأسْهَلَ وجْهٍ ﴿عَنْهُمْ﴾ وأشارَ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّهُ عَمِلَ في قَبُولِهِ عَمِلَ المُعْتَنِي، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالنُّونِ فِيهِ وفي الَّذِي بَعْدَهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٥١)﴿أحْسَنَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مُطْلَقُ الدُّعاءِ أوِ الطّاعاتِ ويَكُونُ ما دُونَ الأحْسَنِ مَقْبُولًا، قَبُولًا مُطْلَقًا عَلى مِقْدارِ النِّيَّةِ فِيهِ، وتَكُونُ التَّعْدِيَةُ بِعَنْ إشارَةً إلى أنَّ جِبِلّاتِهِمْ مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّرَقِّي في مَعارِجِ الكَمالِ في كُلِّ وقْتٍ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ المَحاسِنُ لَيْسَتْ [مِنهُمْ] بِمَعْنى أنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى أعْلى مِنها في نِهاياتِهِمْ والعِبْرَةُ بِالنِّهاياتِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ما عَمِلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أعْمالَهم. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ وإنْ كانَ مُحْسِنًا، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ شَرْطَ تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ التَّوْبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَتَجاوَزُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ مَقْبُولٍ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ ﴿عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: فَلا يُعاقِبُهم عَلَيْها.
ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا لِأنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، صَرَّحَ بِهِ زِيادَةً في مَدْحِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وهم في عِدادِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا فِيهِ لِأنَّهم ما بَرِحُوا بِعَيْنِ الرِّضا. ولَمّا كانَ هَذا وعْدًا، أكَّدَ مَضْمُونَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ لِكَوْنِهِ مُطابِقًا (p-١٥٢)لِلْواقِعِ ﴿الَّذِي كانُوا﴾ بِكَوْنٍ ثابِتٍ جِدًّا ﴿يُوعَدُونَ﴾ أيْ: يُقْطَعُ لَهُمُ الوَعْدُ بِهِ في الدُّنْيا مِمَّنْ لا أصْدَقَ مِنهُمْ، وهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
46:17Page 504
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧
But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا المُحْسِنَ بادِئًا بِهِ لِكَوْنِ المَقامِ لِلْإحْسانِ، أتْبَعَهُ المُسِيءَ المُناسِبَ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ المَذْكُورِ صَرِيحًا في مَطْلَعِها فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ مَعَ اجْتِماعِهِما كافِرًا لِنِعَمِهِما نابِذًا لِوَصِيَّتِنا بِهِما فَكانَ كافِرًا بِنِعْمَةِ أعْظَمِ مُنْعِمٍ مَحْسُوسٍ بَعْدَ الكُفْرِ بِنِعَمِ أعْظَمِ مُنْعِمٍ مُطْلَقًا، والتَّثْنِيَةُ مُشِيرَةٌ إلى أنَّهُ أغْلَظُ النّاسِ كَبِدًا؛ لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ بِقَبُولِ الإنْسانِ كَلامَ أصْلِهِ ولَوْ كانَ واحِدًا، وأنَّ الِاجْتِماعَ مُطْلَقًا لَهُ تَأْثِيرٌ فَكَيْفَ إذا كانَ والِدًا: ﴿أُفٍّ﴾ أيْ: تَضَجُّرٌ وتَقَذُّرٌ واسْتِرْذالٌ وتَكَرُّهٌ مِنِّي. ولُغاتُها أرْبَعُونَ - حَكاها في القامُوسِ، المُتَواتِرُ مِنها عَنِ القُرّاءِ ثَلاثٌ: الكَسْرُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ وهو قِراءَةُ الجُمْهُورِ، والمُرادُ بِهِ أنَّ المَعْنى الَّذِي قَصَدَهُ مُقْتَرِنٌ بِسُفُولٍ ثابِتٍ، ومَعَ التَّنْوِينِ وهو قِراءَةُ (p-١٥٣)المَدَنِيِّينَ وحَفْصٍ والمُرادُ بِهِ أنَّهُ سُفُولٌ عَظِيمٌ سائِرٌ مَعَ الدَّهْرِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، والفَتْحُ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ، والمُرادُ بِهِ اقْتِرانُ المَعْنى المَقْصُودِ بِالِاشْتِهارِ بِالعُلُوِّ والِانْتِشارِ مَعَ الدَّوامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الإسْراءِ عَنِ الحَرالِّيِّ - وهو الحَقُّ - أنَّ التَّأْفِيفَ أنْهى الأذى وأشُدُّهُ، فَإنَّ مَعْناهُ أنَّ المُؤَفَّفَ بِهِ لا خَطَرَ لَهُ ولا وزْنَ أصْلًا، ولا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ بَلْ [هُوَ] عَدَمٌ بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ مَعَ أنْهى القَذَرِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن هَذا التَّأْفِيفُ؟ قالَ: ﴿لَكُما﴾ ولَمّا كانا كَأنَّهُما قالا لَهُ: لِمَ هَذا التَّقْذِيرُ العَظِيمُ بَعْدَ الإحْسانِ لا تَقْدِرُ عَلى جَزائِنا بِهِ، قالَ مُبَكِّتًا مُوَبِّخًا مُنْكِرًا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ وعْدًا: ﴿أتَعِدانِنِي﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِالتَّجْدِيدِ في كُلِّ وقْتٍ ﴿أنْ أُخْرَجَ﴾ [أيْ] مِن مَخْرَجٍ ما يُخْرِجُنِي مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ غِبْتُ فِيها وصِرْتُ تُرابًا أُحْيا كَما كُنْتُ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿خَلَتِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَتْ وسَبَقَتْ ومَضَتْ عَلى (p-١٥٤)سُنَنِ المَوْتِ ﴿القُرُونُ﴾ أيِ: الأجْيالُ الكَثِيرَةُ مِن صَلابَتِهِمْ، وأثْبَتَ الجارَّ لِأنَّ القَرْنَ لا يَنْخَرِمُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فالِانْخِرامُ في ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِي﴾ أيْ: قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وأُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ وتَطاوَلَتِ الأزْمانُ وأغْلَبُهم يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ فَأنا مَعَ الأغْلَبِ، وتَأيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم ﴿وهُما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُما كُلَّما قالَ لَهُما ذَلِكَ ﴿يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ أيْ: يَطْلُبانِ بِدُعائِهِما مَن لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ أنْ يُعِينَهُما بِإلْهامِهِ قَبُولَ كَلامِهِما، قائِلَيْنِ لِوَلَدِهِما مُجْتَهِدَيْنِ بِالنَّصِيحَةِ لَهُ بَعْدَ الِاجْتِهادِ بِالدُّعاءِ: ﴿ويْلَكَ﴾ كَما يَقُولُ المُشْفِقُ إذا زادَ بِهِ الكَرْبُ وبَلَغَ مِنهُ الغَمُّ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ [لَهُ] إنْ أعْرَضَ إلّا الوَيْلُ وهو الهَلاكُ ﴿آمِن﴾ أيْ: أوْقِعِ الإيمانَ الَّذِي لا إيمانَ غَيْرُهُ، وهو الَّذِي يُنْقِذُ مِن كُلِّ هَلَكَةٍ، ويُوجِبُ كُلَّ فَوْزٍ بِالتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ وبِكُلِّ ما جاءَ عَنِ اللَّهِ، ثُمَّ عَلَّلا أمْرَهُما عَلى هَذا الوَجْهِ مُؤَكِّدِينَ في مُقابَلَةِ إنْكارِهِ فَقالا: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ المَهابَةِ والكَمالِ المَوْصُوفِ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ ﴿حَقٌّ﴾ أيْ: ثابِتٌ أعْظَمَ ثَباتٍ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَكانَ نَقْصًا مِن جِهَةِ الإخْلافِ الَّذِي لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ أقَلُّ العَرَبِ فَكَيْفَ وهو يَلْزَمُ مِنهُ مُنافاةُ الحِكْمَةِ بِكَوْنِ (p-١٥٥)الخَلْقِ حِينَئِذٍ عَلى وجْهِ العَبَثِ لِأنَّهم عِبادٌ ورَعايا لا يُعْرَضُونَ عَلى مَلِكِهِمُ الَّذِي أبْدَعَهم مَعَ عِلْمِهِ بِما هم عَلَيْهِ مِن ظُلْمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿فَيَقُولُ﴾ مُسَبِّبًا عَنْ قَوْلِهِما ومُعَقِّبًا لَهُ: ﴿ما هَذا﴾ أيِ: الَّذِي ذَكَرْتُماهُ لِي مِنَ البَعْثِ ﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: خُرافاتٌ كَتَبَها عَلى وجْهِ الكَذِبِ الأوائِلُ وتَناقَلَها مِنهُمُ الأعْمارُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ فَصارَتْ بِحَيْثُ يَظُنُّ الضُّعَفاءُ أنَّها صَحِيحَةٌ - هَذا والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ أنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ لا يَلْزَمُهُ فَسادٌ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ المُمْكِنَةِ، بَلْ يَحْمِلُهُ التَّصْدِيقُ عَلى مَحاسِنِ الأعْمالِ ومَعالِي الأخْلاقِ الَّتِي هو مُقِرٌّ بِأنَّها مَحاسِنُ مِن لُزُومِ طَرِيقِ الخَيْرِ وتَرْكِ طَرِيقِ الشَّرِّ، وتَكْذِيبِهِ يَجُرُّهُ إلى المَرَحِ والأشَرِ، والبَطَرِ وأفْعالِ الشَّرِّ، ودَنايا الأخْلاقِ مَعَ احْتِمالِ الهَلاكِ الَّذِي يُخَوِّفانِهِ بِهِ وهو لا يَنْفِي أنَّهُ مُحْتَمَلٌ وإنِ اسْتَبْعَدَهُ فَما دَعَوْهُ إلَيْهِ كَما تَرى لا يَأْباهُ عاقِلٌ ولَكِنَّها عُقُولٌ كادَها بارِيها.
46:18Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨
Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.
(p-١٥٦)ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ، ومَعَ بُلُوغِ النِّهايَةِ في حُسْنِ الِانْتِظامِ، وقَدْ حَصَرَ الإنْسانُ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مَثَلًا بَلِيغًا لِكُفّارِ العَرَبِ ومُؤْمِنِيهِمْ، فالأوَّلُ لِلْمُؤْمِنِينَ التّابِعِينَ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، الآتِي بِها أعْظَمُ أنْبِيائِهِ الكِرامِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، والثّانِي لِلْكُفّارِ المُنابِذِينَ لِأعْظَمِ آبائِهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ مِنهُ نَقْلًا يَتَوارَثُونَهُ مِن آبائِهِمْ، وقُرْآنًا مُعْجِزًا كَأنَّهم سَمِعُوهُ مِن خالِقِهِمْ أنَّهُ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ مُقِرٌّ بِالبَعْثِ مُحَذِّرٌ مِن غَوائِلِهِ، وكانَ قَدِ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الحَدِيثَ عَنْهم بِما ذَكَرَ مِمّا كَفَرُوا فِيهِ المُنَعَّمِينَ واسْتَحَقُّوا كِلْتا السَّوْءَتَيْنِ، خِزْيَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ، أخْبَرَ عَنْهم بِما أنْتَجَهُ تَكْذِيبُهم بِمَوْعُودِ رَبِّهِمْ وعُقُوقِهِمْ لِوالِدَيْهِمْ حَقِيقَةً أوْ تَعْلِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ [مِنَ] العَقْلِ والمُرُوءَةِ وكُلِّ خَيْرٍ ﴿الَّذِينَ حَقَّ﴾ أيْ: ثَبَتَ ووَجَبَ. ولَمّا كانَ هَذا وعِيدًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيِ: الكامِلُ في بابِهِ بِأنَّهم أسْفَلُ السّافِلِينَ، وهَذا يُكَذِّبُ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ [أبِي] بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؛ فَإنَّهُ أسْلَمَ وصارَ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، فَحَقَّتْ لَهُ الجَنَّةُ.
(p-١٥٧)ولَمّا أثْبَتَ لَهم هَذِهِ الشَّنِيعَةَ، عَرَّفَ بِكَثْرَةِ مَن شارَكَهم فِيها فَقالَ: ﴿فِي﴾ أيْ: كائِنِينَ في ﴿أُمَمٍ﴾ أيْ: خَلائِقَ كانُوا بِحَيْثُ يَقْصِدُهُمُ النّاسُ ويَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ تِلْكَ الأُمَمُ. ولَمّا كانَ المَحْكُومُ عَلَيْهِ بَعْضَ السّالِفِينَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ فَكانُوا قُدْوَتَهم ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ بَدَأ بِهِمْ لِأنَّ العَرَبَ تَسْتَعْظِمُهم وتَسْتَجِيرُ بِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم يَتَظاهَرُونَ لَهم ويُؤْذُونَهم ولَمْ يَقْطَعْ أذاهم لَهم وتَسَلُّطَهم عَلَيْهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا إلّا القُرْآنُ؛ فَإنَّهُ أحْرَقَهم بِأنْوارِهِ وجَلاهم عَنْ تِلْكَ البِلادِ بِجَلِيِّ آثارِهِ ﴿والإنْسِ﴾ وما نَفَعَتْهم كَثْرَتُهم ولا أغْنَتْ عَنْهم قُوَّتُهُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ حُقُوقَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ أوِ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِظَنِّ هَذا القِسْمِ الَّذِي الكَلامُ فِيهِ أنَّ الصَّوابَ مَعَ الأكْثَرِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ: كُلَّهم ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا وخُلُقًا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ ﴿خاسِرِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ.
46:19Page 504
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩
And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.
ولَمّا قَسَّمَهم في الأعْمالِ، جَمَعَهم في العَدْلِ والإفْضالِ فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: مِن فَرِيقَيِ السُّعَداءِ والبُعَداءِ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ: الجِنِّ (p-١٥٨)والإنْسِ، في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ: دِرْكاتٌ؛ أيْ مَنازِلُ ومَراتِبُ مُتَفاضِلِينَ فِيها ”مَن“ أجْلِ ”ما عَمِلُوا“ أوْ مِن جَوْهَرِهِ ونَوْعِهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيَظْهَرَ ظُهُورًا بَيِّنًا أنَّهُ سُبْحانَهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ بِالمُفاوَتَةِ بَيْنَ العُقَلاءِ ويَظْهَرُ بَيِّنًا لا وقْفَةَ فِيهِ أنَّ الحَقائِقَ عَلى غَيْرِ ما كانَ يَتَراءى لَهم في الدُّنْيا؛ فَإنَّ حُجُبَ المَكارِهِ والشَّهَواتِ كانَتْ تُرِي الأُمُورَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ في قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ وعاصِمٍ وهِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿ولِيُوَفِّيَهُمْ﴾ أيْ: رَبُّهُمُ الَّذِي تَقَدَّمَ إقْبالُ المُحْسِنِ عَلَيْهِ ودُعاؤُهُ لَهُ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالنُّونِ أنْسَبُ لِمَطْلَعِ السُّورَةِ ولِما يُشِيرُ إلَيْهِ مِن كَشْفِ حُجُبِ الكِبْرِياءِ في يَوْمِ الفَصْلِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ مَثاقِيلَ الذَّرِّ وما دُونَها وما فَوْقَها ويَجْعَلُ الجَزاءَ عَلى حَسَبِها في المِقْدارِ والشَّبَهِ والجِنْسِ والنَّوْعِ والشَّخْصِ حَتّى يَكادَ يَظُنُّ العامِلُ أنَّ الجَزاءَ هو العَمَلُ قالَ: ﴿أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وجَنَّةٍ ونارٍ - وهَذا ظاهِرٌ، أوْ نَصٌّ في أنَّ الجِنَّ يُثابُونَ بِالإحْسانِ كَما يُعاقَبُونَ بِالعِصْيانِ، وسُورَةُ الرَّحْمَنِ كُلُّها خِطابٌ لِلثَّقَلَيْنِ (p-١٥٩)بِالثَّوابِ لِأهْلِ الطّاعَةِ، والعِقابِ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ مِن كُلٍّ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ؛ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ، ويُجْزى مُطِيعُهم بِالثَّوابِ كَما يُجازى عاصِيهِمْ بِالعِقابِ - قالَهُ مالِكٌ وابْنُ أبِي لَيْلى والضَّحّاكُ وغَيْرُهم كَما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ.
﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم شَيْءٌ مِن ظالِمٍ ما مِن ظُلْمٍ في جَزاءِ أعْمالِهِمْ بِزِيادَةٍ في عِقابٍ أوْ نَقْصٍ مِن ثَوابٍ، بَلِ الرَّحْمانِيَّةُ كَما كانَتْ لَهم في الدُّنْيا فَهي لَهم في الآخِرَةِ فَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا بِأنْ يُعَذِّبَهُ فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العِقابِ، أوْ يَنْقُصُهُ عَمّا يَسْتَأْهِلُ مِنَ الثَّوابِ.
46:20Page 504
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠
And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."
ولَمّا كانَ الظّاهِرُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإنْذارَ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَطْلَعُها، قالَ ذاكِرًا بَعْضَ ما يُبَكَّتُ بِهِ المُجْرِمُونَ يَوْمَ البَعْثِ الَّذِي كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ ويَكُونُ فِيهِ تَوْفِيَةُ جَزاءِ الأعْمالِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ لَهم هَذا لَعَلَّهم يَأْنَفُونَ أنْ يَكُونُوا المُسِيئِينَ فَيَكُونُوا مِنَ المُحْسِنِينَ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم يَوْمَ يُعْرَضُونَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الجَزاءَ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ كانَ ظاهِرًا لَهم ولَكِنَّهم سَتَرُوا أنْوارَ عُقُولِهِمْ فَقالَ: ﴿يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ ﴿عَلى النّارِ﴾ أيْ: يَصْلَوْنَ لَهَبَها ويُقَلَّبُونَ فِيها كَما يُعْرَضُ اللَّحْمُ الَّذِي يُشْوى، مَقُولًا لَهم عَلى سَبِيلِ التَّنْدِيمِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ (p-١٦٠)لِأنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ حَقَّ ذِكْرِهِ عِنْدَ شَهَواتِهِمْ بَلْ نالُوها مَعَ مُخالَفَةِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ ونَهْيِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ﴾ في قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو والكُوفِيِّينَ بِالإخْبارِ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالِاسْتِفْهامِ لِزِيادَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿طَيِّباتِكُمْ﴾ أيْ: لَذّاتِكم بِاتِّباعِكُمُ الشَّهَواتِ ﴿فِي حَياتِكُمُ﴾ ونَفَّرَ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الدُّنْيا﴾ أيِ: القَرِيبَةِ الدَّنِيَّةِ المُؤْذِنُ وصْفُها لِمَن يَعْقِلُ بِحَياةٍ أُخْرى بَعْدَها، فَكانَ سَعْيُكم في حَرَكاتِكم وسَكَناتِكم لِأجْلِها حَتّى نِلْتُمُوها ﴿واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أيْ: طَلَبْتُمْ وأوْجَدْتُمُ انْتِفاعَكم ﴿بِها﴾ وجَعَلْتُمُوها غايَةَ حَظِّكم في رِفْعَتِكم ونِعْمَتِكم.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِالأوامِرِ والنَّواهِي لِلِاسْتِهانَةِ بِيَوْمِ الجَزاءِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ أيْ: عَلى إعْراضِكم عَنّا بِجَزاءِ مَن لا تَقْدِرُونَ التَّقَصِّيَ مِن جَزائِهِ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِنهُ ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ: الهَوانِ العَظِيمِ المُجْتَمِعِ الشَّدِيدِ الَّذِي فِيهِ ذُلٌّ وخِزْيٌ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ التَّرَفُّعَ وتُوجِدُونَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ الَّتِي هي لِكَوْنِها تُرابًا ومَوْضُوعَةً عَلى الزَّوالِ والخَرابِ، (p-١٦١)أحَقُّ شَيْءٍ بِالتَّواضُعِ والذُّلِّ والهَوانِ. ولَمّا كانَ الِاسْتِكْبارُ يَكُونُ بِالحَقِّ لِكَوْنِهِ عَلى الظّالِمِينَ فَيَكُونُ مَمْدُوحًا، قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ وهو أوامِرُنا ونَواهِينا، ودَلَّ بِأداةِ الكَمالِ عَلى أنَّهُ لا يُعاقِبُ عَلى الِاسْتِكْبارِ مَعَ الشُّبْهَةِ ﴿وبِما كُنْتُمْ﴾ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿تَفْسُقُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ الخُرُوجَ عَنْ مُحِيطِ الطّاعَةِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى والعَقْلُ إلى نَوازِعِ المَعاصِي.
46:21Page 505
۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١
And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2
ولَمّا هَدَّدَهم سُبْحانَهُ بِالأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، وسَتَرَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ بِها لِكَوْنِها مَسْتُورَةً وهم بِها يُكَذِّبُونَ في قَوْلِهِ ”ويَوْمَ“، وخَتَمَ بِالعَذابِ عَلى الِاسْتِكْبارِ المَذْمُومِ والفِسْقِ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَهْدِيدَهم بِالأُمُورِ المَحْسُوسَةِ لِأنَّهم مُتَقَيِّدُونَ بِها مُصَرِّحًا بِالأمْرِ بِالذِّكْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَتَّعِظُونَ بِمَحَطِّ الحِكْمَةِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى [ذِي] لُبٍّ، وهو البَعْثُ. ولَمّا كانَ أقْعَدُ ما يُهَدَّدُونَ بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وأنْسَبُهُ لِمَقْصُودِها عادَ لِكَوْنِهِمْ أقْوى النّاسِ أبْدانًا وأعْتاهم رِقابًا وأشَدَّهم قُلُوبًا وأوْسَعَهم مُلْكًا وأعْظَمَهُمُ اسْتِكْبارًا بِحَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وبَنَوُا البُنْيانَ الَّذِي يُفْنِي الدَّهْرَ ولا يَفْنى، فَلا يَعْمَلُهُ إلّا مَن نَسِيَ المَوْتَ أوْ رَجا الخُلُودَ واصْطَنَعُوا جَنَّةً عَلى وجْهِ الأرْضِ لِأنَّ مُلْكَهم (p-١٦٢)عَمَّها كُلَّها مَعَ قُرْبِ بِلادِهِمْ لِكَوْنِها في بِلادِ العَرَبِ مِن قُرَيْشٍ ومَعْرِفَتَهم بِأخْبارِهِمْ ورُؤْيَتَهم لِدِيارِهِمْ وكَوْنَ عَذابِهِمْ نَشَأ مِن بَلَدِهِمْ بِدُعاءِ مَن دَعا مِنهُمْ، ذَكَرَ أمْرَهم عَلى وجْهٍ دَلَّ عَلى مَقْصُودِ السُّورَةِ، وعَبَّرَ بِالأُخُوَّةِ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ لِأنَّ فَظِيعَةَ القَوْمِ لِمَن هو مِنهم ويَعْلَمُونَ مَناقِبَهُ ومَفاخِرَهُ أنْكَأُ فَقالَ: ﴿أخا عادٍ﴾ وهو أخُو هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ بَيْنَ قَوْمٍ لا يَعْشُرُهم قَوْمُكَ في قُوَّةٍ ولا مُكْنَةٍ، وصَدَعَهم مَعَ ذَلِكَ بِمُرِّ الحَقِّ وبادَأهم بِأمْرِ اللَّهِ، لَمْ يَخَفْ عاقِبَتَهم ونَجَّيْتُهُ مِنهُمْ، فَهو لَكَ قُدْوَةٌ وفِيهِ أُسْوَةٌ، ولِقَوْمِكَ في قَصْدِهِمْ إيّاكَ بِالأذى مِن أمْرِهِ مَوْعِظَةٌ.
ولَمّا ذَكَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمِثْلِ هَذِهِ المَقاصِدِ الجَلِيلَةِ، أبْدَلَ مِنهُ قِصَّتَهُ زِيادَةً في البَيانِ، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّ الإنْذارَ هو المَقْصِدُ الأعْظَمُ مِنَ الرِّسالَةِ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ زائِدَةٌ عَلى القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ قالَ الأصْبِهانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، قالَ: وقالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ مَنازِلُ (p-١٦٣)عادٍ بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ مَهَرَةُ، إلَيْهِ يُنْسَبُ الإبِلُ المُهْرِيَّةُ، وكانُوا أهْلَ عَمَدٍ سَيّارَةٍ في الرَّبِيعِ، فَإذا هاجَ العُودُ رَجَعُوا إلى مَنازِلِهِمْ، وكانُوا مِن قَبِيلَةِ إرَمَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا مُشْرِفِينَ عَلى البَحْرِ بِأرْضٍ يُقالُ لَها الشَّجَرُ، والأحْقافُ جَمْعُ حِقْفٍ بِالكَسْرِ، وهو رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ انْحِناءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما اسْتَطالَ مِنَ الرَّمْلِ كَهَيْئَةِ الجَبَلِ ولَمْ يَبْلُغْ أنْ يَكُونَ جَبَلًا، وقالَ في القامُوسِ: وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَدِيرُ، وأصْلُ الرَّمْلِ، واحْقَوْقَفَ الرَّمْلُ والظَّهْرُ والهِلالُ: طالَ واعْوَجَّ. ومِنَ الأمْرِ الجَلِيِّ أنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لا تَكُونُ في بِلادٍ الرِّيحُ بِها غالِبَةٌ شَدِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ نَسَفَ الجَبَلَ نَسْفًا بِخِلافِ بِلادِ الجِبالِ كَمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، فَإنَّ الرِّيحَ تَكُونُ بِها غايَةً في الشِّدَّةِ لِأنَّها إمّا أنْ تَصُكَّ الجَبَلَ فَتَنْعَكِسُ راجِعَةً بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، أوْ يَكُونُ هُناكَ جِبالٌ فَتُرادُّ بَيْنَها أوْ تَنْضَغِطُ فَتَخْرُجُ مِمّا تَجِدُ مِنَ الفُرُوجِ عَلى هَيْئَةٍ مُزْعِجَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أهْلُ الجِبالِ أشَدَّ مِن ذَلِكَ حَذَرًا.
ولَمّا ذَكَرَ النَّذِيرَ والمُنْذِرِينَ ومَكانَهم لِما ذُكِرَ مِنَ المَقاصِدِ، ذَكَرَ (p-١٦٤)أنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ولا كانَ قَوْمُهُ جاهِلِينَ بِأحْوالِهِمْ، فاسْتَحَقُّوا العَذابَ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ، فَقالَ: ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿خَلَتِ﴾ أيْ: مَرَّتْ ومَضَتْ وماتَتْ ﴿النُّذُرُ﴾ أيِ: الرُّسُلُ الكَثِيرُونَ الَّذِينَ مَحَطُّ أمْرِهِمُ الإنْذارُ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ إرْسالُهم بِالفِعْلِ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الأزْمِنَةِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أيْ: قَبْلَهُ كَنُوحٍ وشِيثَ وآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَما كانَ بِدْعًا مِنها ﴿ومِن خَلْفِهِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أتَوْا مِن بَعْدِهِ فَما كُنْتَ أنْتَ بِدْعًا مِنهم. ولَمّا أشارَ إلى كَثْرَةِ الرُّسُلِ، ذَكَرَ وِحْدَتَهم في أصْلِ الدُّعاءِ، فَقالَ مُفَسِّرًا لِلْإنْذارِ مُعَبِّرًا بِالنَّهْيِ: ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: أيُّها العِبادُ المُنْذَرُونَ، بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا اللَّهَ﴾ المَلِكَ الَّذِي لا مَلِكَ غَيْرُهُ ولا خالِقَ سِواهُ ولا مُنْعِمَ إلّا هُوَ، فَإنِّي أراكم تُشْرِكُونَ بِهِ مَن لَمْ يُشْرِكْهُ في شَيْءٍ مِن تَدْبِيرِكُمْ، والمَلِكُ لا يُقِرُّ عَلى مِثْلِ هَذا.
ولَمّا أمَرَهم ونَهاهُمْ، عَلَّلَ ذَلِكَ فَقالَ مُحَذِّرًا لَهم مِنَ العَذابِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ لِاعْتِمادِهِمْ عَلى قُوَّةِ أبْدانِهِمْ وعَظِيمِ شَأْنِهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ لِكَوْنِكم قَوْمِي وأعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يَدْعُ جِهَةً إلّا مَلَأها عَذابُهُ، إنْ أصْرَرْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ.
46:22Page 505
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢
They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."
(p-١٦٥)ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمْ عَنْ هَذِهِ الحِكْمَةِ، أُجِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ أيْ: مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ: ﴿أجِئْتَنا﴾ أيْ: يا هُودُ ﴿لِتَأْفِكَنا﴾ أيْ: تَصْرِفَنا عَنْ وجْهِ أمْرِنا إلى قَفاهُ ﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ فَلا نَعْبُدُها ولا نَعْتَدُّ بِها. ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ النَّفْيَ، فَكانَ المَعْنى: إنّا لا نَنْصَرِفُ عَنْها، سَبَّبُوا عَنْهُ قَوْلَهم ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ سَمَّوُا الوَعِيدَ وعْدًا اسْتِهْزاءً بِهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْناهُ تَكْذِيبَهُ، زادُوهُ وُضُوحًا بِقَوْلِهِمْ مُعَبِّرِينَ بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ صِدْقَهُ في ذَلِكَ مِن فَرْضِ المُحالِ: ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَما يُقالُ عَنْكَ. كَوْنًا ثابِتًا ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في أنَّكَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ يَأْتِينا بِما تَخافُهُ عَلَيْنا مِنَ العَذابِ إنْ أصْرَرْنا.
46:23Page 505
قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣
He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."
ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم هَذا نِسْبَةَ داعِيهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما لا دَلالَةَ لِكَلامِهِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وهو ادِّعاءُ العِلْمِ بِعَذابِهِمْ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ وتَكْذِيبِهِ في كُلٍّ مِنهُما اللّازِمُ مِنهُ [أمْنُهُمُ اللّازِمُ مِنهُ] ادِّعاؤُهُمُ العِلْمَ بِأنَّهم لا يُعَذَّبُونَ، وكانُوا كاذِبِينَ في جَمِيعِ ذَلِكَ [كانَ] كَأنَّهُ قِيلَ: (p-١٦٦)بِمَ أجابَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ مُصَدِّقًا لَهم في سَلْبِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، مُكَذِّبًا لَهم في نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ ادِّعاءَ شَيْءٍ مِنهُما وإلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ لا يَقَعُ: ﴿إنَّما العِلْمُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَذابُكم وغَيْرُهُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو يُنْزِلُ عِلْمَ ما تُوعَدُونَ عَلى مَن يَشاءُ إنْ شاءَ ولا عِلْمَ لِي الآنَ، ولا لَكم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا قُدْرَةَ.
ولَمّا كانَ العِلْمُ المُحِيطُ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَلَيْسَتِ القُدْرَةُ عَلى الإتْيانِ بِعَذابِكم إلّا لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا لِي ولا لِغَيْرِي، ولَيْسَ عَلَيَّ إلّا البَلاغُ كَما أوْحى إلَيَّ رَبِّي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم مِنَ الوَعْظِ بِأنَّ أعْمالَكم أعْمالُ مَن قَدْ أعْرَضَ عَنْ سَيِّدِهِ وعَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلاكِ والعَذابِ بِإشْراكِهِ بِالمُحْسِنِ المُطْلَقِ مَن لا يُكافِئُهُ بِوَجْهٍ فَهو بِحَيْثُ يُخْشى عَلَيْهِ الأخْذُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُبَلِّغُكُمْ﴾ أيْ: أيْضًا في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿ما أُرْسِلْتُ﴾ أيْ: مِمَّنْ لا مُرْسِلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ رَسُولِهِ ﴿بِهِ﴾ (p-١٦٧)أيْ: مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، سَواءٌ كانَ وعْدًا أوْ وعِيدًا أوْ غَيْرَهُما لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الغايَةَ؛ لَأنَّ ما أُرْسِلَ بِهِ صالِحٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ مَعْنى الإخْبارِ بِالإبْلاغِ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيَّ إلّا ذَلِكَ، وكانَ مَعْنى قَصْرِ العِلْمِ المُطْلَقِ عَلى اللَّهِ تَصْدِيقَهم في نَفْيِ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ، حَسُنَ قَوْلُهُ مُسْتَدْرِكًا عِلْمَهُ بِجَهْلِهِمْ: ﴿ولَكِنِّي أراكُمْ﴾ أيْ: أعْلَمُكم عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿قَوْمًا﴾ غِلاظًا شِدادًا عاتِينَ ﴿تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: [بِكُمْ] مَعَ ذَلِكَ صِفَةُ الجَهْلِ، وهو الغِلْظَةُ في غَيْرِ مَوْضِعِها مَعَ قِلَّةِ العِلْمِ، تُجَدِّدُونَ لَكَ عَلى سَبِيلِ [الِاسْتِمْرارِ بِسَبَبِ] أنَّكم تَفْعَلُونَ بِإشْراكِكم بِالمُحْسِنِ المُطْلَقِ و[هُوَ] المَلِكُ الأعْظَمُ مَن لا إحْسانَ لَهُ بِوَجْهِ أفْعالِ مَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ ثُمَّ لا تُجَوِّزُونَ وُقُوعَهُ وتُكَذِّبُونَ مَن يُنَبِّهُكم عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ يَحِقُّ أنْ يُحْتَرَزَ مِنهُ، وتَنْسُبُونَهُ إلى غَيْرِ ما أُرْسِلَ لَهُ مِنَ الإنْذارِ مِنَ ادِّعاءِ القُدْرَةِ عَلى العَذابِ ونَحْوِهِ.
46:24Page 505
فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤
And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا إتْيانُ العَذابِ [فَأتاهُمْ] في سَحابٍ أسْوَدَ، اسْتَمَرُّوا عَلى جَهْلِهِمْ وعادَتِهِمْ في الأمْنِ وعَدَمِ تَجْوِيزِ (p-١٦٨)الِانْتِقامِ، وكَأنَّ إتْيانَهُ كانَ قَرِيبًا مِنَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَلِذَلِكَ أتى بِالفاءِ في قَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ مُبَيِّنًا لِعَظِيمِ جَهْلِهِمْ بِجَهْلِهِمْ في المَحْسُوساتِ، مُفَصِّلًا لِما كانَ مِن حالِهِمْ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَأْسِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ ﴿عارِضًا﴾ أيْ: سَحابًا أسْوَدَ بارِزًا في الأُفُقِ ظاهِرَ الأمْرِ عِنْدَ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ النَّظَرِ، حالَ كَوْنِهِ قاصِدًا [إلَيْهِمْ] ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: طالِبًا لِأنْ يَكُونَ مُقابِلًا لَها ومُوجِدًا لِذَلِكَ، وهو وصْفٌ لِ: ”عارِضًا“ فَهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ، وإنْ كانَ مُضافًا إلى مَعْرِفَةٍ، وكَذا ”مُمْطِرُنا“ ﴿قالُوا﴾ عَلى عادَةِ جَهْلِهِمْ مُشِيرِينَ إلَيْهِ بِأداةِ القُرْبِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم في غايَةِ الجَهْلِ، لِأنَّ جَهْلَهم بِهِ اسْتَمَرَّ حَتّى كادَ أنْ يُواقِعَهُمْ: ﴿هَذا عارِضٌ﴾ أيْ: سَحابٌ مُعْتَرِضٌ في عَرْضِ السَّماءِ أيْ ناحِيَتِها ﴿مُمْطِرُنا﴾ لِكَوْنِهِمْ رَأوْهُ أسْوَدَ مُرْتادًا فَظَنُّوهُ مُمْتَلِئًا ماءً يُغاثُونَ بِهِ بَعْدَ طُولِ القَحْطِ وإرْسالِ رُسُلِهِمْ إلى مَكَّةَ المُشْرِفَةِ لِيَدْعُوا لَهم هُنالِكَ اللَّهَ الَّذِي اسْتَخَفُّوا بِهِ بِالقَدْحِ في مُلْكِهِ بِأنْ أشْرَكُوا بِهِ مَن هو دُونَهُمْ، عِلْمًا مِنهم بِأنَّ شُرَكاءَهم لا تُغْنِي عَنْهم في الإمْطارِ شَيْئًا، غافِلِينَ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى مُضْرِبًا عَنْ كَلامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِكايَةٌ (p-١٦٩)لِقَوْلِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَوابِ كَلامِهِمْ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: هَذا العارِضُ الَّذِي تَرَوْنَهُ ﴿ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: طَلَبْتُمُ العَجَلَةَ في إتْيانِهِ إلَيْكم مِنَ العَذابِ.
ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَتِهِ قالَ: ﴿رِيحٌ﴾ أيْ: رَكَمَتْ هَذا السَّحابَ الَّذِي رَأيْتُمُوهُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الإيلامِ، كانَتْ تَحْمِلُ الظَّعِينَةَ في الجَوِّ تَحْمِلُها وهَوْدَجَها حَتّى تُرى كَأنَّها جَرادَةٌ، وكانُوا يَرَوْنَ ما كانَ خارِجًا عَنْ مَنازِلِهِمْ مِنَ النّاسِ والمَواشِي تَطِيرُ بِهِمُ الرِّيحُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ تَقْذِفُ بِهِمْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences